نسخة للطباعة أخبر عن هذا الموضوع أضف إلى مفضلتك مقاس الخط

الموازنة السعودية الصعبة بين التغيير والاستقرار

بقلم: نيل ماكفركوهار *
نيويورك تايمز

إن مشاهدة السعوديين للجلسات المنقولة عبر التلفزيون لمجلس شورى بلادهم قبل أشهر قليلة كانت مضحكة، فقد فجئوا فيها بأن المشرعين الذين اختارتهم الأسرة المالكة يناقشون موضوعا ثانوياً، وهو موضوع سرقة الأخشاب من الغابات الصحراوية للمملكة.

في الحقيقة هناك أشجار تتعرض للخطر في المملكة العربية السعودية. ولكن البلاد تواجه مشاكل أكبر من ذلك بكثير، والتي يبدوا أن المجلس يتجاهلها بشكل متعمد. ومن بين هذه المشاكل زيادة التشنج في العنف الإسلامي، والذي اختار الأسبوع الماضي ولأول مرة صناعة النفط، وارتفاع معدل البطالة الذي أصبح يتزايد بواقع 100.000 رجل سنوياً، والضجر المتنامي من حياة البذخ التي تعيشها الأسرة المالكة.

إن الهجوم الذي وقع يوم السبت في "الصرة البتروكيماوية" للبلاد، والذي تسبب في مقتل خمسة من المهندسين الأجانب وضابط سعودي، قد أدى إلى ارتفاع التوتر الذي كان قد تصاعد أصلا بسبب التفجير الانتحاري الذي وقع في العاصمة، وحادث تبادل إطلاق النار المميت الذي وقع بين المعارضين المسلحين والشرطة، كل ذلك كان في الشهر الماضي.

وتشير الحوارات التي أجريت خلال إحدى الزيارات إلى المملكة العربية السعودية التي استمرت لثمانية عشر يوماً، واكتملت قبل أيام قليلة، إلى أن متوسط السعوديين محتارون بين رغبتين متنافستين. فمن جهة، يريدون من الأسرة المالكة أن تسلم السلطة للشعب ليكون له المزيد من الرأي حول حياته الخاصة. ومن الناحية الأخرى يخافون من التشويش الذي ينشره المعارضين المسلمين، وبينما ينظرون إلى الفوضى التي تعم العراق، يخافون من استبدال سلطة واضحة بشيء قد يؤدي بالبلاد إلى فوضى داخلية.

هنالك عداء تجاه أي شيء أمريكي بسبب دعم إدارة الرئيس بوش القوي لإسرائيل، وغزوها للعراق، والذي ازداد هذا الأسبوع قوة بسبب الصور المروعة لإساءة معاملة الأسرى العراقيين بواسطة الأمريكيين، والتي تذيعها القنوات الفضائية العربية بشكل متكرر. وهكذا، فإن الحقيقة السائدة هي أنه كلما دفعت واشنطن نحو الديمقراطية، جنت لنفسها سمعة سيئة.

والنتيجة هي أن الإصلاحيين السياسيين السعوديين من كلا المعسكرين الليبرالي والديني، لم تعد لديهم الآن ثقة كما كانوا يولونها للولايات المتحدة منذ أسبوع ، بان الإصلاح سيقود إلى تغييرات مثل مجلس شورى منتخب يعالج المشاكل الهامة.

ويؤكد العديد من السعوديين بأن الأسرة المالكة تعترف بالغضب الذي يعم البلاد، ولكنها بكل بساطة ترفض قبول تغييرات جذرية كحل لهذا الموضوع.

ويقول عبد العزيز القاسم، وهو قاض متقاعد وإسلامي معتدل، انخرط بشدة في المحاولات الرامية لإعادة تشكيل المناهج الدراسية، قال "حتى الآن الحكومة لديها الفرصة لتقرر بوضوح عما إذا كانت ترغب في الإصلاح. حيث أن هنالك فقط رؤى وخطوات جزئية، ولكن ليس هناك قرار مركزي يؤيد الإصلاح."

ومن بين المؤشرات التي تثير مخاوف الإصلاحيين: أن اثنا عشر من المطالبين بالتغيير تم اعتقالهم في مارس، وليست هناك أي استعدادات واضحة للانتخابات البلدية التي وعدت بها الحكومة هذا الخريف.

ويقدم السيد القاسم وآخرون ثلاثة أسباب في هذا التردد الجديد. أولا، مناقشة أكثر المؤيدين تشدداً للإصلاح مواضيع مثل الملكية الدستورية قد أدى على ما يبدوا إلى تخوف بعض كبار الأمراء من أن التغيير قد يخرج عن السيطرة.

ثانياً، إن الكثير من الضغط نحو التغيير كان يأتي من واشنطن، ولكن بالنظر إلى موضوع الديمقراطية الأمريكية في العراق، قد أصبح هذا الضغط أقل تأثيراً.

وأخيرا، أسعار النفط ما زالت مرتفعة، ولذلك ليس هناك حاجة لأن تكون الأسعار مناسبة لإشباع الطلب الحكومي، حيث أنه من الممكن أن تقوم الحكومة، على سبيل المثال، بفرض نوع من الضرائب لزيادة الإيرادات.

ومنذ الاعتقالات التي حدثت في مارس، أصبحت الصحف التي كانت تتزايد جرأتها في تناول بعض المواضيع الهامة مثل البطالة، وإعلان الميزانية الوطنية للعامة، وبناء جهاز قضائي مستقل في بعض الأعمدة ، لم تعد تفعل ذلك.

ويقول المعارضون، إن منظمة حقوق الإنسان التي عينتها الحكومة لم تفعل مايكفي حول موضوع الاعتقالات غير البيان الذي قالت فيه بأنها تقوم بمتابعة الحالة.

لقد تمت الاعتقالات في عشية زيارة وزير الخارجية كولن باول، وقد كانت رسالة واضحة للمنادين بالديمقراطية وللأمريكيين أن يتراجعوا.

وقال الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية في المؤتمر الصحفي مع السيد باول "هؤلاء يريدون الشقاق في وقت تبحث فيه البلاد بأسرها عن الوحدة والرؤية الصائبة، خصوصاً في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تهديدات إرهابية."

وقيل للمعتقلين بأن حريتهم مرهونة بالتوقيع على اعتراف مفاده "أنا متأسف ولن أعود لفعل ذلك مرة أخرى." حيث أن ثلاثة من المعتقلين وهم، علي الدليمي وعبد الله الحامد ومتروك الفالح، قد رفضوا التوقيع على هذا الاعتراف، ومازلوا قيد الاعتقال.

وكان هؤلاء المعتقلين جزء من مجموعة كانت تسعى لإعداد بيان ضد منظمة حقوق الإنسان، حيث أنهم كانوا يخططون لتشكيل هيئة مشابهة مستقلة.

لقد بدأ الأمير عبد الله حواراً في شهر يونيو الماضي، حيث قام بدعوة مجموعات من المفكرين السعوديين لحضور مؤتمر استمر لبضعة أيام لمناقشة القضايا الهامة. وفي خطوة غير مسبوقة قام ولي العهد بدعوة بعض النساء وبعض من أعضاء الطائفة الشيعية في السعودية لحضور هذا المؤتمر. ولكن لم تصدر أي خطط ملموسة من ذلك النقاش.

كما أن وعد ولي العهد بانتخاب نصف أعضاء المجالس البلدية لم يتحقق بعد. وقال صالح المالك، عضو مجلس الشورى إن الخطط مستمرة لعقد هذه الانتخابات في 178 مجلسا بلديا. كما أن وزارة الشئون البلدية تعمل في وضع القوانين المحلية، وقال : ولكن الأسئلة الرئيسية تبقى دون أجوبة، وهي مثل السن القانونية للناخب، وعما إذا كان بإمكان النساء أن يصوتن أم لا.

ومن المحتمل أن تنتظر الحكومة حتى يتم إجراء الإحصاء السكاني الذي سيقام في سبتمبر قبل البدء في قوائم تسجيل الناخبين، وربما يعنى ذلك تأجيل الانتخابات عن الموعد المخطط لها مسبقاً وهو في أكتوبر. وقال السيد مالك "لقد انتظرنا كثيراً ولن يضيرنا أن ننتظرين شهرين آخرين."

والأهم من ذلك، إن المذهب الوهابي المتطرف لا يشجع على التغيير. ويقول جعفر شيخ إدريس، وهو عالم سوداني يعيش في المملكة العربية السعودية، وهو الآن يؤلف كتاباً عن الإسلام والديمقراطية "لو أخذنا الديمقراطية على أنها حكم الشعب، فإن ذلك مناف لمبادئ الإسلام، لأن الحكم في الإسلام حق لله."

وتصف المملكة العربية السعودية القرآن بأنه الدستور الوحيد الذي تريد.

وقال أحد الأساتذة الجامعيين المتقاعدين، طلب عدم ذكر اسمه بسبب الاعتقالات الأخيرة "هم يقولون القرآن، القرآن، هل تريد شيء آخر غير القرآن؟ طبعاً يجب أن تقول لا."

وتشعر المؤسسة الدينية بأنها قد خسرت إحدى الجولات في هذا العام الدراسي عندما تم إلغاء الدرس الذي يأمر المسلمين بتحاشي غير المسلمين، من المناهج الدينية. حيث أن بعض السعوديين طالبوا بإلغائه لأنه يبرر الهجمات الإرهابية، ولكن العلماء المحافظين وصفوا الموضوع بأنه أول خطوة من الغرب لتجريد البلاد من دينها من خلال نظام التعليم.

وقال صالح الوهيبي، وهو الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي، وقد درس في أمريكا "إن قولنا بأن اليهود والمسيحيين كفار، جزء من عقيدتنا الدينية." وقال : إن أي تغيير في طريقة تدريس هذه المواضيع يجب أن يقرره السعوديين أنفسهم. واضاف قائلاً: " هذا لا يعني بأننا نحاول أن نحرض الناس على كراهية الآخرين، ولكن ديننا له مبادئه التي لا يجب انتهاكها أو تغييرها."

هنالك القليل جداً من السعوديين الذين يريدون تغيير نظام حكم الأسرة المالكة، مع الأخذ في الاعتباروجود قوة استقرار، بالنظر إلى مايجرى في العراق. ولكنهم يعتقدون بأن مؤسسات حكومية قوية يمكنها أن تسير البلاد بأسلوب أكثر كفاءة من عدد قليل من الأمراء المسنين.

ولا أحد يعتقد بأن الاعتداءات الإرهابية- التي تنسب إلى "المنحرفين" في البيانات السعودية الرسمية- ستشكل أي تهديد بإسقاط الأسرة المالكة، آل سعود.

وقال السفير الأمريكي، (جيمس أوبرويتر) "كل المؤشرات التي أراها تقول أن الحكومة قوية، وأن عدد الذين يعارضونها باستخدام العنف قليل جداً."

ولكن الإصلاحيين يحذرون، بأن الأسرة المالكة تخدع نفسها بقولها أنها يجب أن تقتل أو تأسر الذين يثيرون الإرهاب، قبل ان يهتموا بفتح العملية السياسية.

ويقولون كذلك، طالما ان هنالك شباب لا يجد فرص عمل، سيظل محبطاً وليس لديه وسائل يمكنه أن يعبر من خلالها عن مشاكله، ستكون هنالك مشاكل عميقة هنا، والتي سيستمر صداها في التردد خارج حدود المملكة العربية السعودية.

يقول القاضي السابق السيد القاسم (لو كان الاصلاح قد بدأ، فإننا لم نكن نصل الى هذا المستوى من العنف).

مايو 2004

* محرر ومدير مكتب نيويورك تايمز في الشرق الأوسط

 

.