الخطاب الدعوي في السعودية... ملامح الرحلة من الوحدة إلى التعدد

كل منا أصبح يلحظ التغير، بيانات تخرج كانت توقع بالإجماع، والآن أصبح البعض يقتنع ويوقع، وآخرون يرفضون.... أو يبتعدون. بعضهم يسعى للتغيير بهدوء وبتسامح أكبر، بينما آخرون يطلقون المبادرات ساعين، ربما وفق اجتهاد آخر، وكل همه الإصلاح والمنافحة عن وطن التوحيد والرسالة... لكن هذا لا يمنع من التدارس في التغيرات التي شهدها الخطاب الدعوي في السعودية خلال الفترة الأخيرة... وكيف أثرت أحداث جسام مرت بها المنطقة في الخطاب الدعوي المحلي ليتعدد في عصر التعدد والانفتاح وبخاصة عقب نتائج حربي الخليج الثانية والثالثة وهجمات سبتمبر واحتلال أفغانستان والعراق.

القرني:

نحترم الآراء مع الاتفاق على أصول قاطعة في الشريعة أجمع عليها العلماء وندعو إلى وحدة الصف، لا وحدة الرأي، لأن الرأي مختلف، والصف ينبغي أن يكون متحداً

نحترم الآراء مع الاتفاق على أصول قاطعة في الشريعة أجمع عليها العلماء وندعو إلى وحدة الصف، لا وحدة الرأي، لأن الرأي مختلف، والصف ينبغي أن يكون متحداً

كان واحداً ثم تعدد

ويستهل القول الدكتور عائض القرني (الداعية المعروف) الذي اعتبر تعدد الخطاب الدعوي ظاهرة طبيعية، ولكنه شدد في حديثه على أنه لا بد من الاتفاق على أصول قاطعة، أصول في الشريعة تحكم المختلفين، معتبراً أن التعدد مطلوب في حياة الناس قائلا: "نحن الآن ندعو إلى خطاب موافق لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والصحيح أنه تجد في حياة الناس مشكلات ومذاهب وآراء تقتضي اختلاف الاجتهاد، فلم يطلب من الناس أن يتفقوا في كل مسألة، لم يطلب منهم هذا شرعاً ولا قدراً، ولا طلب منهم عقلا، يقول سبحانه وتعالى: (قد علم كل أناس مشربهم)، وأنا أحبذ أن يكون بيننا احترام للرأي الآخر، لكن مع الاتفاق على أصول قاطعة، أصول في الشريعة التي أجمع عليها العلماء، ثم نختلف، وتتعدد آراؤنا واتجاهاتنا، ويسمع الواحد منا إلى الآخر، ويحترم رأيه، ويناقشه بهدوء، وأرى بعض القاصرين في بعض الصحف يطالبون بتوحيد الآراء حتى في فروع المسائل وفي الجزئيات، وهذا أمر لم يدع إليه الإسلام أصلا، ونحن ندعو إلى وحدة الصف، لا وحدة الرأي، لأن الرأي مختلف، والصف ينبغي أن يكون متحداً".

أما الدكتور عبدالله ناصر الصبيح (أستاذ علم النفس في جامعة الإمام الإسلامية) فقد تناول هذه الفقرة بالتركيز على الخطاب الديني منذ عهد الإمام محمد بن عبدالوهاب، وكان صريحاً مرة بانتقاده لهذا الخطاب، ومرة أخرى بإلقاء اللوم على الأوضاع التي نشأ فيها هذا الخطاب فقال: "توجد ثلاثة مصادر أثرت في خطابنا الديني وهي الفقه الحنبلي وترجيحات ابن تيمية واختيارات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتطبيقاته. ومن الطبيعي أن تكون اختيارات ابن عبدالوهاب متأثرة بالبيئة التي نشأ فيها، وقد أثر في هذه الاختيارات عاملان مهمان: الأول هو الانحراف العقدي في البيئة، ونتيجة لهذا كان الجهد الأكبر في الإصلاح منصبا على هذا الجانب، والثاني هو عزلة البيئة عن العالم الخارجي. وكانت نجد تعيش في حالة متماثلة لم تتغير منذ مئات السنين، ونتيجة لهذا كان الاجتهاد الفقهي محدودا والفقه يسير على نمط ثابت لا يكاد يتغير. والرؤية المعرفية سواء كانت فقهية أو عقدية وسواء كانت في طريقة تقرير المعرفة أو التعامل مع مخالفيها تكونت خلال فترة إنشاء الدولة وكانت فترة صراع ومغالبة، وهي بالتحديد فترة الدولة السعودية الأولى. وهذه الرؤية التي تكونت هي التي حددت ملامح الخطاب الديني أو الإسلامي أو الاجتهاد الفقهي. وينبغي التنبيه إلى أن تعدد الروايات عن الإمام أحمد في الفقه الحنبلي وتعظيم الإمام أحمد للنص، والرؤية المعرفية الواسعة عند ابن تيمية وما قرره من أسس وأصول في التعامل مع ما يستجد كل ذلك يؤهل لإثراء الخطاب الفقهي عندنا، وقد رأينا ذلك واضحا عند بعض العلماء فيما بعد كابن سعدي وابن باز وابن عثيمين. والشيخ محمد بن عبدالوهاب فقيه مصلح اجتماعي ومن سمات هذا الصنف من الناس مراعاة الواقع، وظهر هذا جليا في رسالة له عنوانها "أربع قواعد تدور الأحكام عليها". والخطاب الفقهي أو الإسلامي عموما بعد الشيخ محمد بن عبدالوهاب سار على نمط ثابت، ولم يكن لذلك الميراث الفقهي الأصولي سواء ما ورثناه عن ابن حنبل أو ابن تيمية أو تلك اللفتات العميقة عند ابن عبدالوهاب أثر بارز في إثراء الخطاب الفقهي. ولعل السبب أن الفقيه كان مغيبا عن المشاركة بفقهه في عملية التنمية، ولهذا لم ينم الخطاب الفقهي والخطاب الإسلامي المتعلق بالمجتمع. وهذه التنحية للفقيه عن قضايا التنمية جعلت من الخطاب الفقهي ضامرا، بعيدا بعض الأحيان عن الواقع، وغيبيا تجريديا في أحيان أخرى. وقد تضخمت في هذا الخطاب جوانب معرفية على حساب جوانب معرفية أخرى. والمنتج النهائي لهذا الخطاب هو الجهل بالواقع والعجز عن التعامل معه في أحيان أخرى. والعجز ليس في الفقيه فهو تحدث في حدود المتاح له وأجاد، وضمر حديثه في المناطق المحظورة. وما ذكرته هنا سمة عامة للخطاب سواء كان رسميا أو غير رسمي، والخطاب الرسمي يتصف بأنه محافظ جدا أما غير الرسمي فربما تطرق لقضايا لم يتطرق لها الخطاب الرسمي، وهو مع ذلك معني بقضايا التربية وتزكية النفس أما قضايا المجتمع وعمارة الحياة الدنيا فنصيبها منه محدود كما سبق وهو ناقد أكثر منه مقدماً لرؤية بنائية. وتناول هذا الاتجاه لقضايا المجتمع إنما جاء متأخرا وكان أكثر وضوحا بعد عام 1410 هـ".

بين التقليد والتجديد..

ويشن المحاضر خالد البكر (جامعة الإمام / قسم السنة) هجوماً عريضاً على الخطاب الديني الرسمي، معتبراً إياه قاصراً يفتقر إلى العمق في الطرح، والقدرة على تناول مختلف قضايا العصر، بل اعتبر الخطاب الرسمي الديني يتناول بعض القضايا بانتقائية واضحة، بينما تحدث البكر بإيجابية واضحة تجاه الخطاب الآخر غير التقليدي الذي وصفه بأنه قادر على معالجة قضايا الفكر والاجتماع وما يتعلق بمشكلات الحضارة والمدنية، ولا يقبل البكر ما يقال بأن الخطاب الديني كان واحداً ثم افترق... فهو في رأيه مما لا يقره الواقع ولا التاريخ... إنما الطارئ هو الانفصام الحاد بين أنواع الخطاب، قائلا: "التنوع في الخطاب الدعوي لم يكن وليد اللحظة بل كان حاضراً في كل وقت، وهو ما تقتضيه ضرورات الحال وطبيعة المرحلة، فكان منفتحاً على الناس كافة، دون انحصار بفئة، أو انغلاق بنخبة، أو اكتفاء بصفوة، فالخطاب كان يدور مع اجتهادات الدعاة داخل زمان ومكان محدودين، يتأثر بهما سلباً وإيجاباً، ليس له قالب جاهز معين لا يحيد عنه، ولم يكن بمواصفات محددة لا يخرج عنها، بل وجدناه متنوعاً بتنوع وظائف الدعاة في الواقع، من حيث الرسمية وعدمها، ومن حيث التخصصات الدعوية، ومجالات المعالجة الشرعية داخل المجتمع، فالدعاة المستقلون كانوا حاضرين على مدار التاريخ الإسلامي، ولم يكن كل العلماء يتولون المناصب الرسمية الدينية وخاصة منصب القضاء في السابق الذي كان أشهر منصب رسمي في الدولة الإسلامية، فالإشكالية لم تكن في تنوع وتعدد الخطاب الديني، لأن التنوع أمره محمود لما يجلب من إثراء في كافة المجالات، ويتيح أكبر قدر من الشمولية في المعالجات التي يستهدفها الخطاب الديني، فبعض الخطاب يعالج مشكلات الفكر، وغيره يعالج مشكلات الاجتماع، وثالث يعالج مشكلات الحضارة والمدنية، ومنه ما يعالج مشكلات السياسة وهكذا، فهذا التنوع في الخطاب يعد جزءا من الشمولية الواسعة والثراء الكبير الذي تتمتع به النصوص الشرعية، واستيعاب الأنماط المختلفة من الخطاب الديني...

مرحلة فاصلة..

ويعتقد الدكتور عبدالله الصبيح أن الأحداث الخارجية أثرت في الخطاب غير الرسمي ولاسيما بعد عام 1410هـ وما تلاها من حرب الخليج الثانية فأصبح أكثر جرأة في نقد الوضع الاجتماعي وفي تناوله للأوضاع السياسية سواء كانت داخلية أو خارجية. وربما عدّ الجمهور هذه الجرأة دليلا على صدق المتحدث أو على شجاعته فكان ذلك سببا في الالتفاف حوله. بعد حرب الخليج الثالثة ودخول الفضائيات المنطقة تغير وضع الخطاب الديني حيث تأثر بالمعطيات الجديدة تأثرا نوعيا وتأثر معه وضع "الشيخ" مقدم الخطاب. ولا ننسى أن "الشيخ" بعد حرب الخليج الثانية برز بطلا جماهيريا ولكنه بعد دخول الفضائيات قد يكون أحد ضحاياها. فما كان يقوم به الشيخ من جهد ذاتي في جمع بعض الأخبار والاطلاع على بعض التحليلات السياسية أو ترجمات محدودة يقوم بها بعض مساعديه، أصبحت الفضائيات تقوم بذلك كله وبصورة مهنية احترافية أفضل مما يقوم به الشيخ وبهذا ردمت الفضائيات الهوة المعرفية التي كانت بين الشيخ وبين جمهوره، بل إن بعض الجمهور فاقوا بعض شيوخهم في المتابعة السياسية والوعي بالأحداث... هل معنى ذلك أن دور الشيخ انتهى؟ كلا! فالشيخ أمامه مجال واسع وهو التعامل مع الواقع بروح إيجابية وتفعيل الجوانب الضامرة في الخطاب الديني وهي ما يتعلق بتنمية المجتمع وإدارة الحياة الدنيا ومن ذلك السعي لتقديم رؤية إصلاحية واقعية، وإذا عجز عن ذلك فسوف يتجاوزه الجمهور. والتحدي الآخر الذي يواجه الخطاب الديني هو المواجهة مع التحديات الخارجية. والمواجهة في الحقيقة كانت موجودة في الماضي ولكن لم تكن بحجم المواجهة الراهنة بعد انفتاح الفضائيات، فهي الآن متعددة ومتنوعة بصورة لم يعهدها المواطن السعودي من قبل، بل إن العالم نفسه لم يعهدها فضلا عن العامي. ومن خلال تتبع مسيرة خطابنا الديني وجدنا أنه يكون في حالة سكون، ولكنه حينما يلتقي بالمؤثر الخارجي يثور فيبدع حينا ويكون المؤثر الخارجي سببا في ثرائه، وأحيانا ينكفئ على نفسه ويكون المؤثر الخارجي سببا في عزلته. ولكلتا الحالتين شواهد من كتابات العلماء ومن فئات المجتمع. وأتوقع أننا سوف نشهد كلتا الظاهرتين في الخطاب الإسلامي فهناك من سوف يتفاعل مع المؤثرات الخارجية تفاعلا سليما ويبدع، وهناك من سوف ينعزل ويدعو المجتمع إلى العزلة خوفا من تأثيرها وحماية للمجتمع من الوقوع في براثن المؤامرة. بل أزعم أن ملامح هاتين الظاهرتين بدأت تطل علينا".

ويعتبر الدكتور القرني أن من طبيعة الحروب عدم بقاء ما كان قبلها ساكناً، لأن الأمر لا يبقى ساكناً إلا إذا سكتت الأحداث وسكن التاريخ ويقول: "بلا شك أن الأزمات والحروب يتولد منها اختلاف بين الناس ووجهات النظر... فالأمور تتفاعل ويحدث بسبب هذا تباين واختلاف، فأرى أنه حصل عدة أمور يمكن أن أجملها في حصول ردة فعل ضد الولايات المتحدة الأمريكية من العلماء والمفكرين والجماعات الإسلامية، لتدخلها في مصائر الشعوب، ووجود خطاب موجه ضد الأمريكيين. واختلاف بين بعض الفئات من الناس مع الحكام على تفاوت في هذا الاختلاف، وبينهم من أغلظ وركب مركب العنف، ومنهم من سلك مسلك النصيحة. ولكن حصل بعد الأزمة انفتاح وربما تكون الأزمة سبباً له مع أسباب أخرى مثل العولمة، وما جدّ معها من إنترنت وقنوات فضائية.

مظاهر التغير...

إلا أن ضخامة الحدث " حروب الخليج " عند خالد البكر وسقوط تيار القومية، وظهور الخطاب الإسلامي السياسي بديلا له، وما أحدثته حرب الخليج الثالثة من إشكالية كبيرة فرضها الحدث وهي المواءمة والموازنة بين القضايا الأممية العامة من جهة وبين الوضع الداخلي من جهة أخرى أشد مظاهر التغير والتأثر بتلك الحروب ويضيف: "من تأمل حربي الخليج الثانية والثالثة يجد أنهما قد أثرتا تأثيرا بالغا على الخطاب الدعوي، فهما تعدان حدثا غير اعتيادي في المنطقة، فحرب الخليج الثانية أجهزت على ما تبقى من فلول "القومية العربية"، ودقت المسمار الأخير في نعشها حين دخل عرابها إلى الكويت، فمات الحلم القومي العربي، وكانت لا شك فرصة سانحة للخطاب الدعوي ليسجل حضوراً قوياً على أرض الواقع، ويعرض نفسه منتصرا على الخيار الذي وقف أمامه ردحا من الزمن، وقد أدى ذلك إلى خلط الخطاب الدعوي بالسياسي، وقد تزامن ذلك مع رغبات الناس التصاعدية والملحة في معرفة ما يدور حولهم من أحداث، فنتيجة لذلك برزت قيادات شابة علمية تمزج بين الرسوخ العلمي، وبين الطرح السياسي المتزن والوعي بقضايا الواقع، وهذا الذي كان غائبا في الخطاب التقليدي الرسمي لما قبل أزمة الخليج الثانية، فأسهم هذا الأمر في نشوء ما يسمى عند البعض بـ"الفقهاء السياسيين" والذي أثر في أنفس كثير من التيارات الليبرالية والعلمانية، الذين اعتاد الناس قبل الحدث على سماع آرائهم السياسية ومتابعة مقالاتهم التنظيرية بينما انبرى العلماء والدعاة للحديث عن قضايا فقهية وعبادية معينة، هذه الصورة النمطية التقليدية اندرست بعد أن طرح الدعاة بعض التصورات والرؤى السياسية المنبثقة عن التصورات الإسلامية! أما حرب الخليج الثالثة - والتي لا نزال نعيش بعض فصولها وأحداثها - وما ترتب عليها من سقوط لنظام بغداد، فهي حدث أكبر من سابقه، لأنه يأتي من خلال استراتيجية أمريكية غربية شاملة، فهو وإن كان حدثا أعقب غزو أفغانستان، إلا أنه يعد تهديدا للجميع بدون استثناء، وأبان عن حجم معضلة كبيرة في الداخل والخارج، فترسخت معه ضرورة إحياء معاني الوحدة، ووجوب تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة هذه الاستراتيجية الخطيرة التي تهدف إلي تغيير خارطة الشرق الأوسط برمتها، وهذا جعل الخطاب الديني الدعوي يعيش إشكالية كبيرة تكمن في المواءمة والموازنة بين القضايا الأممية العامة من جهة وبين الوضع الداخلي من جهة أخرى، وهذا الأمر أفرز خلافا كبيرا بين تياراته، ودفع إلى تقديم القضايا الإصلاحية المتنوعة، وطرح الحلول الكثيرة لمواجهة هذه الإشكاليات التي طرأت على الواقع، وإدراك خطورة الموقف، وبدأ في مرحلة مراجعة شاملة لما كان يقدم في العقدين الماضيين، فتوجه إلى نقد الذات، وقد ظهرت بوادر ذلك في كثير من الكتابات المتفرقة والتي لم تصل إلى مستوى المشروع حتى الآن".

اصطراع الخطابين..

فيما يعتقد الـبكر أن تأثر واصطراع الخطاب الديني والعلماني موجود، لأن الخطاب الإسلامي تناول القضايا التي فشل التيار القومي أو الليبرالي في حلها، موضحاً أن الصراع بين هذه التيارات يجعل هناك استفادة حاضرة في الوسائل والأساليب بين الخطابين ويقول: "كان الخطاب العلماني القومي في العالم الإسلامي بوجه عام متوجها إلى قضايا التنمية والحضارة، وقيم الواقع، وقد شكلت جزءا كبيرا من خطابه الإعلامي، غير أن مرجعيته كانت ليبرالية غربية، فأصبح أسيراً منقاداً لها، يدور حيث دارت، فكم تحدث هؤلاء عن "الحرية" و"العدالة" و"المساواة"، وقضايا التنمية والمرأة وفرص العمل والإنتاج، منطلقين في ذلك من محددات الفكر الغربي المعاصر التي تتقاطع مع قيم مجتمعنا وتراثه وتاريخه، فانطلق يبحث عن المعاصرة فداس في طريقه على الأصالة، وهذا أحدث رفضا عاما للخطاب، وإن كانت قضاياه في ظاهرها قضايا اجتماعية مهمة، ولذا لم يفلح هذا التيار في التغيير الاجتماعي الذي ينشده، وكانت هذه القضايا الاجتماعية والفكرية مرتكزا للصراع بين الخطابين العلماني والإسلامي في السعودية، مما جعل الخطاب الديني في المملكة يتوجه إلى طرح هذه القضايا من خلال القيم الإسلامية، ومحاولة المواءمة بينها وبين طبيعة المجتمع، وهذا جعله يلج إلى غمار وسائل "الإعلام" سواء المسموعة أو المرئية أو المقروءة، والتي لم تكن فكرة محبذة قبل ذلك!.

ويضيف البكر: إن الصراع الكبير في المرحلة الماضية بين التيارين العلماني بفئاته والإسلامي بفئاته يجعل هناك استفادة حاضرة في الأساليب والوسائل بين الخطابين، لحضور صراع المواقع التي ينشد كل طرف الاستحكام عليها وصولا إلى التأثير الاجتماعي، وخاصة أن الخطاب القومي والعلماني استفاد من معطيات العصر في تقديم رؤاه وأطروحاته التي ربما حجب عنها الخطاب الديني فترة طويلة إما بسبب الرؤى الفكرية، أو بسبب الاستحكام الليبرالي على مراكز التأثير الإعلامية.

غير أن الدكتور القرني يشدد على أن الحق واحد لا يتعدد، وأن المحور هو الوحي وهو الذي نأخذ عنه، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يسكت عن الخطأ، وكأنه بذاك ينفي تأثر الخطاب الديني المحلي بتجارب تيارات أخرى فقال: "عموما ليس هذا هوى منا ولا من طلبة العلم والدعاة أنه يتهم الآخر بأنه علماني، أو ليبرالي، أو قومي إلى غيرها من التسميات، لكن الحقيقة تفرض نفسها بالبرهان، ولابد أن يستند الإنسان إلى أدلة على كلامه حتى يثبت صدقه، وأحذر المتكلمين من أي فئة كانت أن تلقي الكلام على عواهنه، أو تتهم بريئاً، أو تصنف إنساناً وتسميه بشيء هو بريء منه، في فكره ومعتقده، والحق واحد لا يتعدد، هو دين الله عز وجل الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام، والواجب أن يكون المحور هو الوحي الذي نأخذ به، ولا يسكت الإنسان عن الخطأ بحجة جمع الصف، فلا يسكت عن الخطأ الذي يؤثر على مسيرتنا الإسلامية".

محاولة التوفيق..

ويعود الدكتور عبدالله الصبيح فيؤكد أن أبرز الأمور أو الحلول التي تساعد في التوفيق بين الخطابين الديني والليبرالي هو فتح المجال لحرية التعبير فقال: "من ناحية علاقة الاتجاه الليبرالي بالخطاب الإسلامي ومدى استفادة الخطاب الإسلامي منه فأزعم أن الفائدة يمكن أن تكون لصالح الخطابين إذا نشأت بين أصحابهما علاقة متبادلة، ولكن يحول دون ذلك أمور، منها: الافتقار إلى أرضية مشتركة تجمع بين الطرفين، وهذا يدفع كل فريق إلى إقصاء الفريق الآخر والاستعداء ضده، فالكل يتصور أن العلاقة صفرية لا يكسب فيها إلا طرف واحد وليست من نوع المكسب المشترك. ومما يتهم به الاتجاه الإسلامي الاتجاه الليبرالي أن ما يطرحه من رؤى وأفكار ليس لها محتوى أخلاقي ويرون أنه يسعى إلى تغريب المجتمع ولاسيما ما يطرحه في قضية المرأة والسياحة. وبسبب ذلك نشأ بين الاتجاهين مناكفات واتهامات متبادلة وعلاقات متوترة. ولا شك أن عناية الاتجاه الليبرالي بالجانب الأخلاقي فيما يطرحه من رؤى مما يبدد مخاوف الاتجاه الإسلامي ويفتح الباب لعلاقة إيجابية بين الاتجاهين.

وفي المقابل مما يتهم به الاتجاه الليبرالي الاتجاه الإسلامي الجمود في الطرح ورفض التجديد رغم الحاجة إليه، فمثلا رغم تسليم كثيرين من الاتجاه الإسلامي بحاجة المناهج إلى تطوير إلا أن الغالبية ترفض المساس بها بسبب الشك في مآلات التطوير وعدم الثقة في نوايا الطرف الآخر.

ولاشك أن إزالة التوتر بين الاتجاهين مكسب للمجتمع ومما يتحقق به السلم الاجتماعي، ولعل مما ينهي هذه الأزمة أو يخفف منها ملتقيات الحوار الوطني التي دعا إليها سمو ولي العهد. فهذه الملتقيات إذا استمرت واشترك فيها أطياف فكرية متعددة سوف تكون وسيلة للتقارب الفكري والنفسي. ومما يقرب وجهات النظر أيضا بين الاتجاهين ويحقق تفاعلا ناضجا بين الخطابين الإسلامي والليبرالي ما يشهده المجتمع من انفتاح في حرية التعبير. ولعل الانخراط في الشأن الاجتماعي يجعل المشاركين أكثر واقعية في طرحهم، وأكثر إدراكا لثغرات الخطاب الذي يحملونه. والمجتمع بما له من رقابة اجتماعية كفيل بتهذيب الخطاب الشاذ والفكرة المستغربة وتقريب الأفكار من بعضها البعض بما يخدم المجتمع والمصلحة العامة.

1
390
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني