بقلم / ماثيو.إي ليفيت: أستاذ دراسات الإرهاب بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
جريدة ويكلي استاندرد 2 فبراير 2004
ذكرت تقارير قاطعة في يونيو الماضي بأن الرّياض كانت على وشك اتّخاذ إجراء حازم ضدّ مموّلي الإرهاب بين الصّفوة السّعوديّة و بعد سلسلة تأخيرات غامضة, زار وفد أمريكيّ العاصمة السّعوديّة في ديسمبر ليوثق الاتّفاق السّعوديّ لإغلاق مكاتب مؤسسة الحرمين في إندونيسيا وكينيا وتنزانيا وباكستان و اتّخاذ الإجراء ضدّ مسئولي الحرمين الكبار في المملكة العربيّة السّعوديّة و خاصة أنه كان من المتوقع أن يبلغ السعوديون عن مخالفات جنائيّة ارتكبها الشيخ عقيل العقيل مدير مؤسسة الحرمين المفصول حديثًا الذي ظل يدير المؤسسة مدة 13 سنة, والذي ضبط - طبقًا لمصادر مطّلعة - ينقل الملايين من الدّولارات خارج السعودية.
كما أثبت المؤتمر الصحفي الذي عقد هذا الأسبوع لإعلان إغلاق المزيد من فروع الحرمين وجود غياب صارخ لأيّ عمل ضدّ العقيل أو أيا من السعوديّين الآخرين البارزين في عمليات تموّيل الإرهاب.
وقد كان لدى المسئولين أمل كبير فبالرّغم من أن التقارير الحديثة للأمم المتحدة و تقارير مكتب المحاسبة العامّة الأمريكيّة أكدت الصّعوبة البالغة في مكافحة تمويل الإرهاب إضافة إلى دور المملكة العربية السعودية الرئيسي ومراوغاتها في استمرار التمويل، إلا أن السّعوديّين أحرزوا تقدما هاما - وإن كان بسيطا- في الحرب على الإرهاب وذلك في أعقاب هجمات القاعدة في الرّياض في مايو و نوفمبر 2003 .
علاوة على ذلك, وطبقا للتقارير ذاتها فإنه ثمة اتفاق لجعل نموذج العقيل يبدو وكأنه كان متابعا من جانب ولي العهد الأمير عبد الله بنفسه وأيضا توقعت التقارير أن يكون الأمير نايف وزير الداخلية والأمراء الكبار الآخرون الذين يتنافسون على السّلطة ربّما يكونوا قد لعبوا دورًا في زحزحة التحرك ضد العقيل.
على الرغم من المقاومة المستمرة من بعض المسئولين السعوديين وخاصة السلطات الدينية ، إلا أن المسئولين الأمريكيين يلاحظون "تعزيزا" لجدول أعمال ولي العهد الأمير عبد الله الإصلاحي منذ هجمات نوفمبر(المحيا). فقد ألقت السلطات السعودية القبض على مئات من المشاركين في العمليات الإرهابية، كما بدأ الإصلاح التربوي، وأزيلت صناديق الصدقات من المساجد، وألقى القبض على رجال الدين الأصوليين، ومنع أخرون من الصعود إلى المنابر.
وفي الولايات المتّحدة، نزع عن الدبلوماسيين السعوديين حصانتهم الدبلوماسية وزوّدت السلطات بصلاحيات التحقيّق في مخالفات بحساباتهم المالية. كما شكلت لجنة عمل سعودية أمريكية مشتركة، بدأت في أعقاب هجمات نوفمبر(المحيا)، والتي وصفت من قبل مسئول أمريكي رفيع المستوى بأنها " تعاونية بشكل كلي". (ولو أنّ نفس المسئول اعترف بأنّ الأمريكان يطلبون معلومات منخفضة السرية فقط من السعوديين خوفا من طلب معلومات قد لا تجاب).
كما أن هناك تطويرا إيجابيا أخر وهو أن لجنة العمل المالية لمكافحة غسل الأموال سمحت بإجراء عملية مراجعة داخل المملكة التي يجب أن تكتمل في أواخر يناير أو أوائل شهر فبراير.
ومع ذلك فالمشاكل مستمرة مع السعوديين فعلى سبيل المثال، بينما أجازت وكالة النقد السعودية (إس أي إم أي) أنظمة صارمة في مايو لمتابعة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلا أن هذه القوانين والأنظمة لم تطبق بعد.
وبينما يمدح المسئولون الأمريكيون قدرات وصلاحيات الوكالة نجدها - لسوء الحظ – غير مخوّلة في الحقيقة، متابعة العديد من التمويلات الإرهابية والتي تدخل ضمن اختصاصات الوزارات والوكالات الأخرى وليس وكالة النقد.
كما أن السعودية أيضا ما زالت تفتقد وحدة استخبارات مالية التي يعمل على شاكلتها أربعة وثمانون وحدة على مستوى العالم بما في ذلك شبكة قسم وزارة المالية الأمريكية لمتابعة الجرائم المالية. فلا أن مثل هذه الوحدة -وطبقا للمسئولين الأمريكيين والأوروبيين- قد تكون موجودة على الورق لكنها لم تُفَعّل حتى الآن. ، وحتى على الورق فإنه من المقرّر أن تعمل الوحدة تحت وزارة الداخلية، برئاسة الأمير نايف بما يربطها بالأسرة المالكة، وليست تحت إدارة وكالة النقد المستقلة والأكثر احترافا.
وبرغم أن السعوديين أعلنوا بعد تفجيرات مايو عن إنشاء اللجنة العليا السعودية للمنظمات الخيرية إلا أن العديد من التحقيقات الرسمية والأكاديمية لم تقدم أي دليل على وجود اللجنة في الواقع ، والتي قد تكون خطوة للأمام - مثل العديد من الوزارات والوكالات التي لها يدّ في التعامل مع تمويل الإرهاب بالمملكة.
وكما أن إنشاء مؤسسة لمراقبة تمويل الإرهاب يعد جانبا هاما فإن هناك جانبا أخر وهو أن المسئولين السعوديين لم يعيدوا تعليم مجتمعهم حقيقة أن "الصدقة" التي تدعم الواجب الديني يمكن أن تستعمل لأغراض شنيعة ، حتى الآن ، كما أنهم لم يبذلوا جهدا لغرس الإحساس بالمسئولية الشخصية عن المكان الذي تنتهي إليه هذه التبرعات الخيرية.
عموما، الجهود السعودية لمحاربة تمويل الإرهاب ما زال يعوقها كل من الشفافية والإرادة السياسية. فعلى سبيل المثال، ميزانيات وفرق موظفي كل من وحدة الاستخبارات المالية السعودية و اللجنة العليا للمنظمات الخيرية غير متوفرة.
ولتوضيح الأمر ننظر للمادة 25 من مرسوم 1981 للمنظمات الخيرية هذا القانون الذي ينظّم نظريا طريقة عمل المنظمات الخيرية والإشراف عليها، فهي تستثنى بشكل واضح كلّ المنظمات الخيرية التي ترتبط بالعائلة المالكة وهي تقريبا كل المنظمات الخيرية السعودية. ومن المستبعد أن نرى أيا من آلاف الأمراء أو المنظمات الخيرية المرتبطة بهم متهمون بتمويل الإرهاب تحت القانون السعودي. بينما تنقص السلطات الوسائل لتنفيذ قوانين مايو 2003 لتقييد غسل الأموال.
وعلى ذلك فإن أولوية المسئولين الأمريكيين الآن أن يهيئوا السعوديين لتنفيذ ما وعدوا به ، فعلى سبيل المثال ذكرت جريدة الواشنطن بوست أن مكاتب الشؤون الإسلامية في السفارات السعودية عالميا كانت في طريقها للإغلاق بعد أن ربطت العديد من التحقيقات بين هذه المكاتب والإرهاب.
كما طرد مؤخرا من أمريكا المواطن السوداني جعفر إدريس، الذي كان يحمل أوراق اعتماد دبلوماسية سعودية وانتسب لمكتب الشؤون الإسلامي في واشنطن، كما اتهمت السلطات الألمانية مكتب الشؤون الإسلامي في برلين بتمويل الإرهاب.
وفي حالة مشابهة، بينما كان مسئولون سعوديون يفاوضون لإغلاق فروع مؤسسة الحرمين الخيرية التي أغلقت هذا الأسبوع، أصر مسئول سعودي أصرّ على "أن الحرمين لا تستطيع صرف بنس خارج السعودية." ثمّ، يناقض نفسه على ما يبدو، حين يضيف: "إذا كانت إندونيسيا تعتقد بأنّ الحرمين نشطة هناك، فيجب على الإندونيسيين أن يتّخذوا إجراء ضدها وليس نحن السعوديين".
ويتمثل الاختبار الحاسم للجهود السعودية لكبح تمويل الإرهاب في إيجاد الاستعداد لاعتقال الصفوة من المتورطين في تمويل الإرهاب ، فهل ستتخذ المملكة إجراءات صارمة ضدّ قنوات دعم الإرهاب التي تتم من قبل رجال الأعمال السعوديين والصفوة المرتبطين بالعائلة المالكة والمنظمات الخيرية والمصارف؟
وأشار مسئولون أمريكيون - قبل يونيو 2003- إلى أن السعوديين كانوا على وشك اتخاذ إجراء صارم ضد أعضاء الطبقة المصرفية في جدة الذين يرتبطون بشكل وثيق بالعائلة المالكة، ولو على الأقل مصرف سعودي واحد، ومؤسسة مثل الحرمين. وقد خاب أمل من تمنوا من المسئولين الأمريكيين أن يكون توقيف العقيل في أوائل يناير بداية لأعمال أخرى تستهدف النخب السعودية التي عملت على تنمية الإسلام الأصولي وتموّيل الإرهاب.
أما ما بعد العقيل فيشير المسئولون الأمريكيون إلى مجموعة الراجي المصرفية، بجميع مؤسساتها وأشخاصها، والمنظمات الخيرية المرتبطة بها كمثال لمؤسسة سعودية تورّطت في التحقيقات الإرهابية الجنائية، وبرغم ذلك فهي ليست خاضعة للفحّص من قبل السلطات السعودية.
وعلى نفس الشاكلة ، وبرغم أن ولي العهد الأمير عبد الله سحب دعم المملكة رسميا لحماس في بداية 2002، خاصة حسابات ما أطلق عليها "حسابات 98 " والتي أوجدتها الحكومة السعودية لإرسال الأموال إلى المنظمات الفلسطينيّة، لمواصلة تمويل جماعات مثل حماس. إلا أنه في الحقيقة، وبعد عشرة شهور من سحب ولي العهد دعمه لحماس، كان قائد المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، ضيف شرّف في السعودية في المؤتمر السنوي للجمعيّة العالمية للشبان المسلمين.
وأخيرا، تلاحظ كل من الأمم المتّحدة والمسئولين الأمريكيين أنّ وائل جليدان، مؤسس القاعدة ما زال يعمل بالمنظمات الخيرية المثيرة للشكّ ويجمع مبالغ كبيرة. فلم تكن هناك توقيفات لسعوديين بارزين أو إغلاق لمؤسسات مالية في المملكة. وكانت مجرد حسابات قليلة فقط هي التي جمدت وتوضح حالة جليدان أن الأرصدة التي جمدت قليلة بالفعل وتذكر بالاسم.
وأخير وباختصار فإن الأدلة على جدية الرياض في تجفيف منابع الإرهاب - في الحقيقة- لا زالت ضعيفة.