على بعد أقل من ميل من الموقع الحزين في مانهاتن حيث انهار مركز التجارة العالمي، وفي محكمة فيدرالية هادئة، مجموعة من المحامين من فيلادلفيا يدققون النظر في الأدلة المشتتة للهجمات الإرهابية التي جرت يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001.
حيث المحكمة التي تقدمت إليها شركة (Cozen O'Connor) القانونية بدعوى قضائية تتكون من 812 صفحة نيابة عن عدد من شركات التأمين الأمريكية والعالمية مدعية أن المملكة العربية السعودية والمؤسسات الخيرية التي تدعمها، قامت برعاية وتمويل تنظيم القاعدة، مدبر تلك الهجمات الفتاكة.
وقد استثمرت الشركة بقيادة رئيسها ومؤسسة ستيفن كوزين آلاف الساعات وملايين الدولارات لتجوب كافة أنحاء العالم بحثاً عن الشهود والوثائق وغيرها من الأدلة في محاولة منها لإلقاء المسؤولية على تلك المملكة الصحراوية النفطية ومطالبتها بخمسة مليارات دولار من التعويضات.
ومن الشركات الممثلة في هذه الدعوى شركة (Chubb) و(Ace) و(Allstate) و(One Beacon) وقرابة الأربعين شركة أخرى من شركات التأمين.
وقال كوزين "لقد كان يساورنا القلق حول إمكانية إقامة دعوى فعالة ضد المتهم، وإمكانية دفع المتهم للتعويضات".
وقد فاز السعوديون ومحاموهم الأقوياء بالجولة الأولى من هذه المعركة القانونية قبل ثلاث سنوات، عندما قام قاض محكمة جزئية أمريكي باستبعاد الحكومة السعودية والعائلة المالكة من قائمة المتهمين.
وقد رفض محامو الدفاع طلبات متكررة بإجراء مقابلات بحجة الخصومة القضائية القائمة. ولكنهم في الوثائق التي قدموها إلى المحكمة يصفون ادعاءات كوزينز بأنها "مفبركة" ويشييرون إلى أن لجنة التحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تجد أي دليل يثبت تورط الجهات السعودية الرسمية. علاوة على ذلك يشيرون إلى أن المملكة العربية السعودية نفسها كانت مستهدفة من تنظيم القاعدة.
وقال مايكل كوللوغ، وهو محامي استئناف كبير في واشنطن، يمثل المملكة العربية السعودية وأعضاء العائلة المالكة، أثناء مرافعة استئناف قدمها في يناير "إن الاستعراض الذي يقوم به المدعون هو مجرد قمامه. إنها مجموعة من مقالات الصحف، وبعض التقارير والبيانات الصحفية التي تشير غالبيتها إلى أن المملكة تمارس مستوى معين من الإشراف الرقابي على المؤسسات الخيرية".
غير أن كوزين، وهو محام تنافسي قام بتحويل شركة صغيرة إلى واحدة من أكبر الشركات القانونية العاملة في مجال التأمين في العالم يقول أن المملكة ومسؤوليها يجب إعادتهم إلى قائمة المتهمين. وأكد كوزين، 67 عاماً، أن المتهمين كانوا يدعمون تنظيم القاعدة عن قصد.
وبموجب حكم من محكمة الاستئناف للدائرة الثانية، قام كوزين وشركاؤه بالكشف عن الحقائق وجاءوا بالروابط التي لم تغفلها لجنة الحادي عشر من سبتمبر وحسب، بل أيضاً غابت عن الكونغرس في التحقيقات التي أجراها حو هذه القضية.
وفي قلب هذه الدعوى، وهي الأكبر والأكثر تعقيداً تقوم بها شركة، هنالك تحذير للمسئولين الأمريكيين والأوربيين بأن المؤسسات الخيرية كانت تعمل كواجهات للإرهاب.
ومن بين المزاعم التي تضمنتها الدعوى:
أن المسئولين السعوديين وأعضاء العائلة المالكة أو ممثليهم كانوا يعملون كمدراء أو أعضاء مجالس الإدارة للمؤسسات الخيرية المشبوهة عندما كانت تقوم بتمويل عمليات تمويل القاعدة. وفوق هذا وذاك، الحكومة السعودية كانت تسيطر على المؤسسات الخيرية التي تشير إليها الدعوى وتقوم بتمويلها.
قامت المؤسسات الخيرية بغسل ملايين الدولارات، بعضها من الحكومة السعودية، لصالح تنظيم القاعدة وجماعات إرهابية أخرى، وكانت توفر لهم السلاح ووثائق السفر والتوظيف المزورة، والمنازل الآمنة.
المكاتب الإقليمية للمؤسسات الخيرية كانت توظف في مناصب كبيرة ناشطين في تنظيم القاعدة كانوا يقومون بالمساعدة في تنسيق الدعم للخلايا الإرهابية.
وبالرغم من أن الدعوى تقول أن الحكومة السعودية "قصدت" وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلاّ أن السجل العام الذي يدعم هذا الادعاء ضعيف للغاية، ولم يتمكن المحامون الذي يقومون بمقاضاة المملكة حتى الآن من جمع أدلة مباشرة تثبت تآمر أي مسئول سعودي كبير مع تنظيم القاعدة لتنفيذ هجمات ضد الولايات المتحدة.
وبدلاً من ذلك، تجمع الدعوى المئات من الحقائق التي كشفت عنها الحكومة الأمريكية ومصادر أخرى وتقوم بنسجها معاً لتشكيل ادعاء أساسي واحد وهو أن: تطور تنظيم القاعدة من مجرد مجموعة إرهابيين ضعفاء يعملون في الإطار الإقليمي إلى تهديد عالمي، كان بسبب الأموال السعودية، وكان بعض هذه الأموال يأتي من الحكومة السعودية.
وتؤكد الدعوى بأن المؤسسات الخيرية كانت قناة لنقل هذه الأموال.
وتؤكد الدعوى أيضاً أن تنظيم القاعدة انتشر إلى حرب البلقان التي دارت في عقد التسعينيات بمساعدة المؤسسات الخيرية الموالية للحكومة السعودية، حيث كانت تحرض المسلمين المحليين وحلفاؤهم من أعضاء تنظيم القاعدة وغيرهم من المجاهدين ضد الصرب والكروات.
ثم قفزت المنظمة بعد ذلك إلى مهاجمة الأهداف الغربية بما في ذلك سفارتين للولايات المتحدة في إفريقيا، والمدمرة الأمريكية كول، وأخيراً مركز التجارة العالمي والبنتاغون.
وقال كوزين في مقابلة أجريت معه "هذه القضية فريدة من نوعها من أوجه عديدة، وهي أيضاً عادية جداً من وجوه أخرى. فهي فريدة من نوعها لأنها تستند إلى واحدة من أسوأ الحوادث في تاريخ الولايات المتحدة. وهي عادية لأننا لا نبتكر فيها شيئاً جديداً في قانون "المسئولية" عن الأضرار. والقانون يعترف دائماً بمسؤولية أولئك الذين يشاركون في مؤامرة والذين يساعدون ويحرضون على ارتكابها".
ويخوض كوزين هذه القضية بموجب قانون حصانة السيادة الأجنبية لعام 1976، الذي يحمى الحكومات الأجنبية من المقاضاة بواسطة المواطنين الأمريكيين ما عدا في حالات نادرة. وبينما المعايير عالية جداً، إلاّ أن المحاكم الفيدرالية سمحت بإقامة دعاوى قضائية في حالات تورطت فيها دولاً أجنبية في بعض الأفعال الجنائية كالقتل.
وقد أصدر القاضي الأمريكي ريتشارد كيسي حكماً بأنه حتى لو خسر كوزين الاستئناف واحتفظ السعوديون بالحصانة، إلاّ أن هنالك ما يكفي من الأدلة لمواصلة الدعوى ضد بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية وبعض البنوك، وبعض الذين وردت أسماؤهم في الدعوى بزعم أنهم ممولين للإرهاب.
وبينما يعتبر كوزين الأول في هذا الشأن، إلاّ أن هنالك حوالي ستة مؤسسات أخرى قامت برفع دعاوى ضد السعوديين لتحميلهم مسؤولية دعم المؤسسات الخيرية الإسلامية التي زعمت أنها مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وبين جهات الادعاء الأخرى: ورثة عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي قتل في هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مركز التجارة العالمي، وشركة كانتور فيتزغيرالد التي فقدت 657 من موظفيها عندما اصطدمت طائرة الخطوط الأمريكية (American Airlines) بالبرج الشمالي.
وخارج قاعة المحكمة، خلقت الدعوى التي تقدم بها كوزين احتكاكاً بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، والتي تعتبر ثاني أكبر حليف لهذا البلد في الشرق الأوسط بعد إسرائيل.
وفي أوراق قدمتها أمام محكمة الاستئناف للدائرة الثانية، قالت المملكة العربية السعودية أن الدعوى قوضت قدرة البلدين في العمل معاً لمحاربة الإرهاب.
وقال نزار بن عبيد مدني، وزير الدولة بوزارة الشؤون الخارجية السعودية "هذا الإحساس موجود في جميع الدوائر بالحكومة السعودية".
وقال مدني أن هذه المقاضاة "تبعث برسالة مربكة ومختلطة حول العلاقة بين الحكومتين الأمريكية والسعودية".
ومسألة أنه ما إذا كان هنالك بعض العناصر من الحكومة السعودية قاموا بتقديم دعم للمجاهدين الذين ينوون مهاجمة الغرب، قد تسببت في نقاش كثيف وحاد على مستويات عليا في الحكومة الأمريكية.
وقال حاكم ولاية نيوجيرسي السابق توم كين، الذي ترأس لجنة الحادي عشر من سبتمبر أنه غير متأكد من هذا الأمر. فالعائلة المالكة كبيرة للغاية- ويصل عددها إلى الآلاف – ولذلك من الصعب أن تعرف كيفية توزيع السلطة ومن الذي كان يملك النفوذ.
غير أن السناتور الجمهوري السابق سليد غورتون، وعضو لجنة الحادي عشر من سبتمبر، أقل حذراً.
ويقول غورتون "من الواضح أن الشخصيات المركزية المحركة لفضيحة الحادي عشر من سبتمبر كانوا سعوديين، وواضح أيضاً أن هذا الأمر لم يكن مصادفة. والحقيقة أن هنالك مذهب إسلامي متطرف يشكل المذهب الرسمي للمملكة العربية السعودية- وقد كان هنالك دائماً توتر بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية حول هذا الموضوع".
وتساءل غورتون "هل نغض الطرف عن السعوديين في موضوع المؤسسات الخيرية والأمور الأخرى لأنهم يمكن أن يساعدونا في موازنة الكفة مع إيران، ولأنهم يمكن أن يساعدونا في جمع الفلسطينيين مع الإسرائيليين على مائدة المفاوضات، ولأنهم يمثلون منطقة مهمة بالنسبة لقواتنا العسكرية في الشرق الأوسط؟" "لا أعتقد أن هنالك شك في ذلك ولكن هذه هي الحقيقة".
وقال ديفيد لونغ نائب المدير السابق لمكتب مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية ، والذي يتحدث العربية بطلاقة، ويسافر بانتظام إلى الشرق الأوسط، أن كان يعتقد أنه لم يكن معقولاً من الأمريكيين أن يتوقعوا أن السعوديين كانوا سيضيقون الخناق على ممولي الإرهاب قبل الحادي عشر من سبتمبر.
ويقول لونغ المحاضر السابق حول الشرق الأوسط بجامعة بنسلفانيا، "لم تكن لديهم المهارات العدلية أو الأدوات اللازمة للمراقبة المالية. فضلاً عن ذلك، لم يكن متوقعاً حتى ذلك التاريخ بالنسبة للكثير من السعوديين بأن المنظمات الخيرية يمكن أن تقوم بتشجيع الجهاد المسلح في العالم".
وقال إن أحد الأركان الأساسية في الإسلام هو الزكاة، وهي إعطاء الصدقات للفقراء، وبمجرد أن يخرج المال من الباب، يفترض المتبرعون السعوديون أنه سيتم إنفاقه في أغراض خيرية.
ويقول لونغ أيضاً "من الناحية التقليدية، كان هنالك قدر بسيط من الرقابة أو لا يكاد يكون موجوداً، وقد كانت الثقة تأخذ طابعاً شخصياً إلى حد كبير، ومن وجهة نظري الخاصة ليس هنالك أساس للادعاء الذي يقول أن الحكومة السعودية تتعمد دعم المؤسسات التي تدعم العمليات الإرهابية أو تغض الطرف عنها عن قصد".
لقد بنيت دعوى كوزين على الآلاف من النتائج التي توصلت إليها وزارة الخزانة والأجهزة الأمنية والبرقيات أوالرسائل الدبلوماسية السرية، والتقارير العسكرية الاستخبارية.
والقصة الذي تظهر تفاصيل حكاية العلاقات التي تربط المؤسسات الخيرية بغسيل الأموال، ومداهمات الشرطة، والهجمات الإرهابية. تغطي الكرة الأرضية من نيويورك وفيلادلفيا إلى البلقان، والشرق الأوسط وما وراء ذلك. وتبدأ في المملكة العربية السعودية.
ويقول كوزين "في نوفمبر 1994 كان وزير الداخلية الفرنسي في العاصمة الرياض لمناقشة بعض المسائل الأمنية، وقد أبلغ نظيره السعودي الأمير نايف رسالة رسمية عاجلة". وباسكوا ذلك الرجل الحاسم والفظ كان يشرف على عمليات المخابرات الفرنسية. تنحى بالأمير نايف جانباً، وقال إن الفرنسيين لديهم معلومات أن رابطة العالم الإسلامي، وهي مؤسسة خيرية بارزة أنشأتها الحكومة السعودية لتنشر الإسلام في أنحاء العالم، كانت تقوم بتمويل خلايا إرهابية في فرنسا.
وقال باسكوا أن الفرنسيون قلقون للغاية، وطلب من السعوديين معالجة الوضع.
وتؤكد الدعوى أن تحذير باسكوا كان الأول بين عدة تحذيرات أرسلتها عدد من وكالات الاستخبارات الغربية إلى المملكة العربية السعودية قبل الحاد عشر من سبتمبر.
وتقول الدعوى، غير أن الحكومة لم تفعل شيئاً.
وفي عام 1998 أخبرت المخابرات الأمريكية وبناء على بعض مصادر المعلومات في الخارج، أبلغت واشنطن السعوديين بأن موظفي مؤسسة خيرية تابعة للحكومة ، وهي مؤسسة الحرمين، ربما يكونوا متورطين في تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا.
وبعد ست سنوات، توصلت لجنة التحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بأن السعوديون لم يفعلوا شيئاً تجاه تلك المعلومات.
وتستشهد دعوى كوزين بخلاصة أدلى بها السناتور روبرت غراهام من فلوريدا، رئيس اللجنة المشتركة بالكونغرس للتحقيق حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن أحد موظفي الحكومة السعودية ويدعى عمر البيومي قام بمساعدة اثنين من الخاطفين الذين شاركوا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الحصول على شقة في جنوب كاليفورنيا وأقرضهم بعض المال.
وبالرغم من أن لجنة التحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ومكتب التحقيقات الفيدرالي عارضوا تورط البيومي، قال غراهام لصحيفة إنكويرر (The Inquirer) بأنه على قناعة بأن بيومي عميل للمخابرات السعودية وأن مساعدته لنواف الحازمي وخالد المحضار كان يمثل علامة على مشاركة الحكومة السعودية في العملية بطريقة أو بأخرى.
وقال غراهام أثناء التحقيق أن مكتب التحقيقات الفدرالي رفض مراراً وتكراراً إصدار مذكرة إحضار لاعتقال أكاديمي مسلم كان يعمل مخبراً لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي نفسه، قام باستضافة الخاطفين.
وقال غراهام "إن أحد الأسئلة الهامة التي لا تزال تنتظر الإجابة حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو: لماذا حاولت الإدارة الأمريكية أن تخفي دور السعوديين".
وفي عام 1999 وبعد التفجيرات التي استهدفت السفارتين الأمريكتين في شرق إفريقيا وجهت انتباه المسئولين الأمريكيين باتجاه تنظيم القاعدة. لقد كانوا في حاجة إلى إغلاق مصادر التمويل التى كانت تغذي التنظيم. وكان نائب الرئيس الأمريكي آنذاك آل غور، تقدم بطلب شخصي إلى ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله في البيت الأبيض مفاده: أن ساعدوا الولايات المتحدة بوقف الأموال التي تتدفق إلى تنظيم القاعدة.
وقد وافق الأمير عبد الله أن يجعل المسؤولين الأمريكيين على اتصال بنظرائهم السعوديين، ومتابعة لطلب نائب الرئيس آل غور، سافر وفدين من كبار المسئولين الأمريكيين إلى الرياض. أحدهما في عام 1999، والآخر بعد عام من ذلك التاريخ.
وحسب بعض المسؤولين الذين هم على علم بتلك الاجتماعات أنه في كلا الرحلتين، أعطى المسؤولون الأمريكيون قوائم للسعوديين بأسماء المؤسسات الخيرية المشتبه بها، وشركات تحويل الأموال، والبنوك، وبعض المشتبه بهم بتمويل الإرهاب.
وقال الأمريكيون، لا بد أن يقوم السعوديون بالتضييق على هذه الهيئات، لأنه لو توقف دعمها المالي، فستواجه الجماعات الإرهابية صعوبة في الوصول إلى غاياتها.
وقال ويليام فيشلر، وكان حينئذ مسئول كبير بمجلس الأمن القومي، وسافر مع الوفد الأمريكي إلى الرياض عام 1999 وساعد في الإشراف على الزيارة التي تلت زيارة ذلك الوفد، قال "لقد قدمنا لهم معلومات استخبارية مفصلة ودقيقة جداً".
ولكن الوفدين لم يحصلا من زيارتهما على الأثر الذي كان يرغبان فيه.
وقال جوناثان وينر، نائب المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي، في الشهادة التي أدلى بها أمام لجنة الشؤون الحكومية بمجلس الشيوخ الأمريكي في عام 2003 ، قال أنه ساعد في الإشراف على رحلة الوفد الذي سافر إلى المملكة العربية السعودية في عام 1999، وحصل على توضيح بنتائج الزيارة بعد عودة الدبلوماسيين.
وقال وينر عن المؤسسات الخيرية "لم نحصل على المعلومات التي كان نرغب في الحصول عليها".
"ولكننا ذهبنا إلى السعوديين كحكومة، وأطلعناهم على ما كان لدينا، وطلبنا منهم المزيد من المعلومات، وحذرناهم مما يمكن أن يقع، وفي النهاية لم يحدث شيء".
وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قامت وزارة الخزانة الأمريكية بتصنيف الكثير من المؤسسات الخيرية والبنوك وبعض الممولين الماليين الذين وردت أسماؤهم في القوائم التي سلمها المسؤولون الأمريكيون أثناء زيارتهم للرياض كجهات ممولة للإرهاب.
وفي الفلبين، وحسب تقارير وزارة الخزانة الأمريكية التي استشهد بها المحامون الذين يتولون دعوى كوزين، قامت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، وهي من المؤسسات الخيرية الإسلامية الكبرى ولديها ارتباط بالحكومة السعودية، قامت بافتتاح مكاتب فرعية لها في الفلبين في عقد التسعينيات.
وحسب تقرير الوزارة، عمل محمد جمال خليفة، صهر أسامة بن لادن وأحد كبار أعضاء تنظيم القاعدة، مديراً لفروع الفلبين لبعض الوقت.
و منذ عامين قامت وزارة الخزانة الأمريكية بتصنيف فروع هيئة الإغاثة الإسلامية في كل من الفلبين وإندونيسيا كجهات ممولة للإرهاب، بسبب قيامها بتحويل الأموال إلى تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات المتطرفة.
وفي ذلك الوقت قامت وزارة الخزانة الأمريكية أيضاً بتصنيف عبد الحميد سليمان المعجل ، كممول للإرهاب، وهو أحد مسؤولي هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في المملكة العربية السعودية، والذي كان يقوم بتحويل الأموال إلى هذه الفروع.
وقد كان المعجل حسب ما جاء في دعوى كوزين، كان بانتظام يقوم بمقابلة بن لادن وخالد شيخ محمد، الذي خطط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وممولي تنظيم القاعدة.
وقالت وزارة الخزانة أن المعجل كان أيضاً يقدم أموال التبرعات مباشرة لتنظيم القاعدة.
وتستشهد دعوى كوزين أيضاً بتقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية صدر في عام 1996 جاء فيه أن هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية كانت تمول ستة من معسكرات تدريب المتطرفين في أفغانستان في عقد التسعينيات.
ومنذ أن تقدموا بدعواهم إلى المحكمة في عام 2003، حصل محامو كوزين على مذكرة كشف عنها ماثيو ليفيت، نائب مساعد الوزير لمكتب المخابرات والتحليل بوزارة الخزانة الأمريكية، مفادها أن هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية كانت تدعم الإرهابيين منذ بداية التسعينيات وحتى النصف الأول من عام 2006م.
وقبل رفع الدعوى، ربما كان من الممكن القول كما قالت السفارة السعودية في واشنطن ذات مرة، بأن هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية لا علاقة لها بالحكومة.
ولكن منذ أن رفعت هذه الدعوى، وجد المحققون تقرير لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية يشير إلى أن عدد من العائلة المالكة يلعبون دوراً إشرافياً بالنسبة لبعض المكاتب المحلية للهيئة في المملكة العربية السعودية.
وفي تأكيد لنفس النقطة، مع أنه لسبب مختلف، قالت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بأنها لا يمكن مقاضاتها لأنها وكالة تابعة للحكومة السعودية، وهي لهذا السبب تتمتع بالحصانة.
وفي سراييفو، في أكتوبر 2001، وبعد ثلاثة أسابيع من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قامت قوات الناتو التي كانت تبحث عن الإرهابيين بمداهمة مكتب لجمعية خيرية إسلامية غير معروفة. وكان ما وجدوه لدى تلك الجمعية لا علاقة له تذكر بالأعمال الخيرية.
ففي مقر اللجنة السعودية العليا لإغاثة البوسنة والهرسك استولوا على أقراص صلبة للكمبيوتر، تتضمن صور للبرجين التوأمين قبل وبعد تدميرهما، وصور السفارتين الأمريكيتين التين تم تفجيرهما في شرق إفريقيا، وصور للمدمرة الأمريكي كول بعد أن أصابتها قنبلة سببت لها فجوة غائرة من أربعة طوابق في جنبها وقتلت سبعة عشر جندياً من البحارة الأمريكيين، إلى جانب مواد لتزوير شارات التعريف الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية، وملفات عن الأسلحة الإضافية التي يمكن أن تزود بها طائرات رش المبيدات الحشرية ورش المحاصيل الزراعية.
وهي منظمة أسسها ويرأسها الأمير السعودي، سلمان، والتي قدمت نفسها كبعثة إنسانية جاءت لمساعدة اللاجئين والأيتام، ولكن بدلاً من ذلك يبدو أنها كانت معقلاً للمتطرفين.
وبعد خمسة أشهر، وأثناء مداهمة في سراييفو في مارس من عام 2002، لجمعية خيرية إسلامية أخرى تأسست في المملكة العربية السعودية، وهي منظمة البر الدولية، كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي والشرطة البوسنية عما أسماه أحد المدعين "بالأرشيف الوحيد والفريد من نوعه لتنظيم القاعدة".
والأرشيف المذكور أصبح الآن جزءاً من دعوى كوزين.
ومن الأشياء التي تم الاستيلاء عليها كمية كبيرة من المعلومات المخزنة في الكمبيوتر حول العلاقات السابقة للمدير التنفيذي لمنظمة البر الدولية إنعام أرناءوط مع أسامة بن لادن. ويزعم أنها تتضمن صور فوتوغرافية للرجلين وهما يتفقدان أحد المعسكرات في أفغانستان، وقائمة بأسماء ممولي تنظيم القاعدة تسمى "السلسلة الذهبية"، وخطط بن لادن لاستخدام المؤسسات الخيرية الإسلامية في أعماله الجهادية.
وقد كان هنالك أيضاً محاضر لاجتماعات تأسيس تنظيم القاعدة في أفغانستان في عام 1988 ونسخ من قسم الولاء الخاص بتنظيم القاعدة ومعايير الانتساب إلى التنظيم، ويقول المدعون أن من بين هذه المعايير أن يلتزم المرء "بالسمع والطاعة" وأن يكون "ذو خلق حسن".
وفي شيكاغو، قامت السلطات الأمريكية في عام 2002 واستناداً إلى أدلة من المداهمة التي تمت في سراييفو ، بإصدار لائحة اتهام بحق أرناءوط، حيث بدأت منظمة البر الدولية في جمع الأموال قبل عشر سنوات، وقد اتهم بتحويل الأموال الخيرية إلى عناصر تنظيم القاعدة في البلقان وفي أماكن أخرى. وقامت الحكومة أيضاً بإغلاق المنظمة، والتي كانت حينها ثالث أكبر منظمة خيرية إسلامية في الولايات المتحدة.
وحسب ما جاء في دعوى كوزين فإن منظمة البر في شيكاغو تعود جذورها إلى المملكة العربية السعودية في عقد الثمانينيات، عندما قام رجل الأعمال السعودي عادل بترجي بجمع الأموال من أجل المقاتلين العرب الذين كانوا يحاربون لطرد السوفييت من أفغانستان.
مكتب التحقيقات الفيدرالي كان يجرى تحقيقاً حول هذه المنظمة استمر عدة سنوات، وتؤكد دعوى كوزين بأن وبالرغم من أن منظمة البر الدولية لم تكن لديها علاقات مؤسسة وظاهرة مع الحكومة السعودية، إلاّ أن ملفات سراييفو والتحقيق الجنائي حول أرناؤوط تشير إلى أن المنظمة كانت جزءاً من المؤامرة التي كانت تضم عدداً من المؤسسات الخيرية الإسلامية المرتبطة بشكل واضح بالحكومة السعودية.
وتستشهد الدعوى بدليل جنائي مفاده أن بن لادن كان يخطط لاستخدام منظمة البر الدولية ومنظمات خيرية أخرى من بينها رابطة العالم الإسلامي لتمويل أعماله الجهادية خارج أفغانستان.
وتؤكد الدعوى أن بعض المسؤولين في منظمة البر الدولية تابعين لتنظيم القاعدة كانوا يعملون في منظمات إغاثة أخرى لها صلة بالحكومة السعودية.
وقد اعترف أرناءوط ذات يوم لتخفيف التهم عليه بأنه مذنب قبل محاكمته عام 2003، حيث اعترف بأنه كان يحول أموال بطرق غير مشروعة إلى المقاتلين في البوسنة والشيشان لشراء الأحذية وأجهزة الاتصالات والبطانيات وغيرها من المؤن.
وقال محامو أرناءوط وكذلك القاضي الذي كان ينظر في القضية أن الحكومة فشلت في إثبات أن أرناءوط كان يستخدم أموال منظمة البر الدولية لدعم تنظيم القاعدة.
وقد حكم على أرناءوط بالسجن أحد عشر عاماً، وثلاثة أشهر في السجن الفيدرالي، وفيما بعد خفف الحكم إلى عشر سنوات، وذلك لأنه كان يرسل أموال منظمة البر الدولية إلى المقاتلين المسلمين، بينما كان يقول للمتبرعين أن الأموال تستخدم في أغراض إنسانية.
غير أن وزارة الخزانة الأمريكية لا تزال تحتفظ باسم منظمة البر في قائمة مؤيدي بن لادن، وقد صنفت المنظمة ضمن الجهات الممولة للإرهاب، وقد اعترضت الجمعية على ذلك، وأيده قاض فدرالي.
وفي الرياض، في 12 مايو 2003، وفي مساء حار، فيما كان يعد احتمالاً مخيفاً في نظر الكثيرين من السعوديين أصبح حقيقة مرعبة، حيث انفجرت السيارات المفخخة في ثلاث من المجمعات السكنية للغربيين، بينما قام مسلحين بإطلاق نار على المباني، وتنظيم القاعدة الذي ظل يضرب لعقد من السنوات أهداف خارج المملكة العربية السعودية، قام بضرب أهداف داخل البلاد.
وعندما انقشع الدخان، اتضح مقتل خمسة وثلاثين شخصاً من بينهم تسعة أمريكيين، وأصبحت المملكة أقل أمناً من ذي قبل.
وخلال عدة أشهر، تمكن السعوديون من اعتقال أو قتل أكثر من عشرة ممن قيل أنهم عناصر من تنظيم القاعدة كانوا متورطين في التفجيرات. وتعهدت الحكومة بمضاعفة الضربات الموجهة إلى الإرهابيين المحليين، وهي العزيمة التي امتدحها مسؤولون أمريكيون.
وفي المقاضاة حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أشار السعوديون إلى هذه الهجمات في دفاعهم: كيف للحكومة أن تشجع حركة إرهابية أقسمت على تدميرها؟
ويصر المسئولون السعوديون بأنهم في الواقع كانوا يضغطون ضد بن لادن بشدة ولعدة سنوات.
وعندما بات واضحاً في بداية عقد التسعينيات بأن بن لادن بدا يشكل تهديداً، قام السعوديون بسحب جواز سفره.
ويشير السعوديون إلى أنه بعد أن انتقل بن لادن من السودان إلى أفغانستان، سافر الأمير تركي الفيصل الذي كان حينها رئيساً للاستخبارات السعودية إلى قندهار لإقناع حركة طالبان بطرده.
وعندما رفض الملا عمر زعيم حركة طالبان ذلك الطلب، قطع السعوديون علاقاتهم الدبلوماسية بأفغانستان.
وقال الأمير تركي في دفاعه ضد دعوى كوزين، أن الاستخبارات السعودية قامت بتشكيل لجنة أمنية بالاشتراك مع الولايات المتحدة لتبادل المعلومات حول نشاطات أسامة بن لادن.
"لقد أصبت بصدمة شديد وفوجئت مفاجأة عميقة بسبب الهجمات المأساوية في الحادي عشر من سبتمبر 2001. وأقدم التعازي لضحايا الهجمات الإرهابية واصطدام الطائرات وأسرهم. وأشاركهم عزيمتهم في جلب من ارتكب هذه الجرائم البشعة أمام العدالة. فوالدي أنا، الملك فيصل، قتل في اعتداء إرهابي في 25 مارس 1975".
وبشأن القول بأنه لماذا تمول المملكة العربية السعودية حركة إرهابية قامت بمهاجمة المملكة، تقول دعوى كوزين بأن العائلة المالكة كانت تحاول تهدئة رجال الدين المتطرفين، وكانت تريد أن تشتري السلام.
وقال كوزين "إن أفضل ما يمكننا قوله أن المملكة كانت بين المطرقة والسندان. حيث أنهم لديهم أئمة ورجال دين متطرفين داخل المملكة العربية السعودية ممن يريدون أن يروا الجهاد ينتشر في العالم، ويريدون رؤية الوهابية وهي تنتشر وتنجح، فإذا لم تقم المملكة بدعمهم، فستصبح ضحية لهم. إنها معركة تحقيق السلام داخل البلاد، وبأي ثمن تقريباً"
المصدر : http://www.military.com/news/article/saudis-hit-with-5b-lawsuit-over-911.html?col=1186032310810