إعادة برمجة الجهاديين

انتهت صلاة المغرب، وبدأ الشيخ أحمد الجيلاني بدعوة تلاميذه ليجتمعوا، وعندما انتقل المتأخرين إلى الصف الأمامي، التفت إليهم جيلاني بسرعة قائلاً "أيها الشباب، من منكم يستطيع أن يخبرني، لماذا نجاهد؟"

كان طلاب الفصل لا يزالون حديثي عهد بالفصل، وكانوا يشعرون بشيء من الحياء، صفق جيلاني بيديه وابتسم تشجيعاً لهم على الإجابة، لقد كان يجلس أمامه في مناضد المدرسة، عدد من التلاميذ السعوديين الشباب، الذين أمضوا فترة في السجن بسبب انتمائهم إلى جماعات إسلامية متمردة، وهم الآن نزلاء في مركز جديد للتأهيل، وذلك في إطار مبادرة من جانب الحكومة السعودية تسعى من خلالها إلى إعادة برمجة المتطرفين الإسلاميين.

ظل جيلاني تدريس مادته في هذا المركز، والتي تسمى فهم الجهاد، منذ أن إنشاء هذا المركز في بداية العام الماضي، وهو رجل بدين، يوجه إشارات ناقدة إلى وزنه الزائد. والشيخ شخصية تتمتع بنظرة الأبوة، ومحبوب عند تلاميذه، وفي هذه الأمسية الباردة، كان يرتدي بشتاً من الصوف المطرز، وهي العباءة التي يلبسها الرجال السعوديين في المناسبات الرسمية، أو في الجو البارد، والتي تمنحه شيء من الهيبة. ولكن خلف نظاراته السميكة، كانت عيناه تلمعان بدفء وهو يتجول في قاعة الدرس.

وأخيراً، أجاب أحدهم: " نجاهد لمقاتلة أعداءنا".

وأجاب آخر: "لكي نهزم أعداء الله".

وقال ثالث: "لكي نساعد المسلمين الضعفاء".

فقال جيلاني: "جيد، جيد. كلها إجابات جيدة. هل هناك من لديه إجابة أخرى؟ ماذا عنك يا علي؟". وكان علياً هذا يجلس في الصف الثاني، نظر بعيداً، ثم تلعثم وقال: " لكي...نجيب داعي الجهاد؟"

عبس جيلاني قليلاً ثم كتب إجابة علي على السبورة البيضاء التي كانت خلفه، وقرأها على الفصل قبل أن يلتفت إلى علي؛ قال الشيخ "حسناً، يا علي. لماذا نجيب دعوات الجهاد؟ هل لأن جميع القادة المسلمين يريدون إعلاء كلمة الله؟ وهل نقتل إذا أمرنا هؤلاء بأن نقتل؟"

بدا الارتباك على علي، ولكنه همس، "نعم."

صاح جلاني قائلاً "لا" بينما شعر علي بالخجل، أضاف جيلاني "طبعاً نريد إعلاء كلمة الله، ولكن لا يتخذ جميع القادة المسلمين هذا هدفاً لهم. وهناك أنواع صحيحة وأخرى غير صحيحة من الجهاد، ويجب أن نتأكد من الوضع بأنفسنا. مثلاً، لو أراد شخص ما أن يذهب الآن إلى الحج، هل يصح منه ذلك؟"

ضحك الفصل في نكتة جيلاني هذه؛ فشهر الحج الذي يتمنى المسلمين الملتزمين أداؤه على الأقل مرة في العمر، قد انتهى قبل خمسة أسابيع، وقد كان الاقتراح غير معقول تماماً كرمي شواء الرابع من يوليو في نوفمبر.

وأوضح جيلاني قائلاً " تماماً كما أن هنالك وقت محدد للحج، هنالك أيضاً وقت مناسب للجهاد".

تلاميذ جيلاني الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و36، ينتمون إلى جيل تربى على القصص البطولية للمقاتلين السعوديين الذي تركوا ديارهم للقتال إلى جانب المجاهدين في أفغانستان خلال عقد الثمانينيات والذين ساعدوا في إجبار السوفييت على الانسحاب من ذلك البلد، وقد قامت الدولة السعودية أساساً على مفهوم الجهاد، الذي استخدمه الملك عبد العزيز آل سعود في جمع المجموعات العشائرية في دولة واحدة. والكلمة تعني "الكفاح" وتشير في الشريعة الإسلامية عادة إلى النزاع المسلح مع غير المسلمين في الدفاع عن المجتمع الإسلامي في العالم. والمدارس السعودية تدرس نسخة من تاريخ العالم، والذي يؤكد وقوع معارك متكررة بين المسلمين والأعداء الكافرين. وقد صدرت المملكة العربية السعودية، سواء كان إلى أفغانستان في عقد الثمانينيات أو إلى العراق في أيامنا هذه، عدد من المتطوعين الجهاديين أكثر مما صدرته أي دولة أخرى، كما أن 15 من الخاطفين الـ19 في الحادي عشر من سبتمبر كانوا سعوديين.

ولكن الجهاد يمكنه أن يذهب إلى أبعد من ذلك. فالحكومة السعودية أدانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتقوم باعتقال الجهاديين الذين يحاولون دخول العراق، وبعض المحاربين السعوديين الذين يخوضون الجهاد في الخارج، قاموا بتبني أحد أشكال عقيدة التكفير، والتي يحكم فيها أحد المسلمين بالكفر على مسلم آخر، لأن القانون الإسلامي التقليدي، يدعو إلى قتل المرتدين، وقد استغل البعض عقيدة التكفير لتبرير الهجمات على الدولة السعودية، وفي السنوات الأخيرة، أثارت هذه الهجمات مخاوف من أن الفوضى التي تعم بعض مناطق النزاع في العالم، يتم نقلها إلى داخل المملكة العربية السعودية بواسطة الجهاديين المتطرفين، والحكومة السعودية التي تجد نفسها في موقف حرج من حيث حاجتها إلى الدفاع عن مبادئ الجهاد أمام مواطنيها، بينما تقوم بتثبيطهم من حمل السلاح فعلاً. قد اتخذت خطوة معينة وهي ببساطة التحدث إلى أولئك الذين ثبت أنهم الأكثر عرضة لإغراءات الجهاد، وهم أنفسهم المتمردين الذين ألقي القبض عليهم، وكما قال لي جيلاني "إن المملكة العربية السعودية لديها قناعة لمحاربة الفكر بالفكر".

جيلاني وزملائه لا يخوضون حرباً فكرية وحسب -مع أن المملكة العربية السعودية تميل إلى تفسير برنامجها التأهيلي بعبارات إسلامية خالصة- كمحاولة لتصحيح سوء الفهم الديني، يقوم البرنامج الجديد أيضاً بدراسة الاحتياجات النفسية وجوانب الضعف العاطفي التي قادت الكثيرين من الشباب إلى الجهاد في المقام الأول. وتحاول أن تمنح الشباب المتذمر والمحبط أدوات الاستقرار- كالوظيفة والسيارة وربما الزوجة، وبالرغم من أن جماعات حقوق الإنسان العالمي لا تزال تحذر من المملكة العربية السعودية في اعتقال المتهمين بدون توجيه التهم، ومعاقبة تهم معينة بالجلد والبتر، إلاّ أنه يبدو أن هؤلاء الشباب قد خضعوا لتجربة متكررة في مكافحة الإرهاب كنوع من العمل الاجتماعي.

ولو نجح برنامج التأهيل السعودي، قد يقلل من تنامي عدد المتطرفين الخطرين، ويمكن أن يكون له أثر بعيد المدى: واستقرار على الصعيد المحلي والإقليمي، والمزيد من الحماية للأهداف المحتملة في الغرب، بالرغم من إن هذا ليس من الأهداف المصرح بها. ويزعم القائمين على إدارة هذا البرنامج أن المبادرة السعودية يمكن أيضاً أن تقدم نموذجاً لدول إسلامية أخرى تخوض حرباً مع التمرد الإسلامي. ويقولون أن المملكة العربية السعودية- التي تضم أقدس مدينتين إسلاميتين، مكة والمدينة- لديها سلطة أخلاقية فريدة من نوعها بين مسلمي العالم، ومعنية بشكل خاص بإيجاد نقاط الضعف الثقافية والروحية لبعض المنظمات كتنظيم القاعدة، ومحاربة التطرف الإسلامي بلغتها الخاصة.

مع أن الطبيعة المحددة للدور الذي تلعبه المعتقدات الدينية في تجنيد الجهاديين هي موضوع الكثير من النقاش بين العلماء المتخصصين في مجال الإرهاب، إلاّ أن عدداً متزايداً منهم يؤكد أن الفكر يعتبر أقل أهمية من آليات الأسرة والجماعة، والاحتياجات النفسية والعاطفية. وقال لي جون هورغن، وهو متخصص في علم النفس السياسي يقوم بإدارة المركز العالمي لدراسة الإرهاب في بن ستيت Penn State "لقد اكتشفنا أنهم بشكل عام لا ينضمون إلى هذه الجماعات لاعتبارات دينية". حيث قام هورغن بإجراء مقابلات مع العشرات من الإرهابيين السابقين. "يبدو أن الحركات الإرهابية تقدم إحساس المغامرة، والتطرف والرؤية والهدف، والصحبة أو الرفقة". وأضاف "والمشاركة معهم لها إغراء من الصعب مقاومته. ولكن الفكر هو في الغالب شيء يمكن أن تكتسبه بعد أن تنضم إليهم".

بينما هناك علماء آخرون يختلفون بشدة مع هذه الرؤية، ويصرون على أهمية المعتقد السياسي والضيم. ولكن لو قدر للبرنامج السعودي أن ينجح، فسيكون ذلك بسبب معاملة الجهاديين على أنهم ليسوا متشددين دينياً أو على أنهم أعداء الدولة، ولكن على أنهم مجرد شباب مغرر بهم، وهم في أمس الحاجة إلى التأهيل.

في عام 2004، بدأ وزير الداخلية السعودي ببرنامج المناصحة، أو اللجنة الإرشادية، لإصلاح نزلاء السجون الذين أدينوا بالتورط في التطرف الإسلامي، يقول عبد الرحمن الهدلق، المسؤول الإداري للبرنامج، أن لجنة من كبار رجال الدين السعوديين تقوم بمحاورة النزلاء حول معتقداتهم قبل إلحاقهم بالفصول الدراسية المناسبة، والالتحاق ببرنامج المناصحة ليس اختيارياً، وتقول منظمة حقوق الإنسان أن بعض المشاركين ظلوا قيد الاعتقال لعدة شهور، أو حتى سنوات بدون محاكمة أو الاتصال بالمحامين، ولكن خريجي البرنامج يقولون أن المعاملة بعيدة عن القسوة.

في يناير عام 2007، بدأت وزارة الداخلية في استئجار بعض المجمعات السكنية في منطقة الثمامة، حوالي ستة مجمعات سكنية متجاورة تضم الآن مركز للرعاية، واستمرار برنامج المناصحة ما بعد فترة السجن، ويقدم نشاطات تأهيل أكثر كثافة. وكل مجمع من هذه المجمعات يضم حتى 20 رجلاًن يدرسون فيه معاً ويأكلون وينامون طيلة فترة البرنامج.

وعند وصولهم إلى المجمع، يعطى كل سجين من هؤلاء حقيبة مليئة بالهدايا: ملابس، ساعة رقمية، وأدوات مدرسية، ولوازم شخصية. ويتم تشجيع النزلاء على المطالبة بالأطعمة المفضلة لديهم (التويكس والسنيكرز هي من الأشياء التي يتم طلباها بشكل متكرر). كما أن شبكات الكرة الطائرة، وألعاب البليستيشن، وطاولات كرة التنس متوفرة أيضاً. والجو العام في المركز- الذي زرته عدة مرات في بداية هذا العام- يشوبه دفئ حذر، وتجانس، وتنتشر فيه المفارش والسجاد للنزلاء في المساحات الخضراء ليتمشوا فيها. وباستثناء عدد قليل فجميع الرجال لديهم لحى غير مزينة (حليقة)، ويرتدون ثيابهم وهي فوق الكاحل وهو النمط المحبب لدى الذين يريدون التمسك الصارم بتعاليم الإسلام، وهؤلاء الرجال طيبون، ولكن الكثيرين منهم بدينين بعض الشيء ويميلون إلى الكسل، وأحد النزلاء، وعمره 19 عاماً، اسمه فهد السبيعي، أوضح أنه يتم تشجيعهم على قضاء أغلب يومهم إما في الصلاة أو الراحة.

وفي المملكة العربية السعودية، الاضطرابات النفسية عادة يمكن فهمها على أنها نتيجة لشعور الشخص بأنه خارج الدائرة التقليدية للأسرة والمجتمع بشكل أو بآخر. وأغلب النصائح التي يتلقاها النزلاء تتركز على مساعدتهم في تطور علاقات أسرية صحية أكثر. ويقول ت. م. العطيان الطبيب النفسي للمركز في إشارة إلى الدروس الدينية المكثفة، "نستخدم تقنيات غربية للعلاج النفسي إلى جانب التقنيات الإسلامية". وأضاف أن بعض النزلاء تم تشخيص حالاتهم على أنها اضطراب الشخصية المناهضة للمجتمع، ولكنه يزعم أن الأمراض العقلية الشديد نادرة في أوساط الجهاديين.

وبالرغم من أنه يبدو غريباً في مجتمع يرفض دينه تصوير الإنسان أو الحيوان، إلاّ أن هنالك ممارسة للعلاج بالفن التشكيلي؛ عواد اليامي، الذي درس هذه المادة في جامعة بنسلفانيا، يدير هذه الدروس، وهنالك رسوم بالطباشير على جدران قاعة الدرس قام برسمها الجهاديين. ومع أن الاسكتشات هي بالخط العربي وصور للزهور- لا توحي بأن هناك صراع مع الشياطين. ويقول اليامي العلاج بالفن التشكيلي يساعد النزلاء على اختبار نتائج تصرفاتهم. ويقول اليامي "أنا أسألهم، لو قمت بتفجير سيارة، ماذا سيحدث؟ فالورقة تمنحهم مكاناً آمناً للتعبير عن بعض الانفعالات الهدامة".

وأغلب السجناء يكملون البرنامج في غضون شهرين، وعند الإفراج عنهم، يطلب من أي جهادي سابق أن يوقع على تعهد بأنه قد تخلى عن تأييد المتطرفين، كما أن ولى أمره يجب أن يوقع على تعهد أيضاً. كما أن بعضهم أيضاً يحصل على سيارة (وهي عادة من ماركة تويوتا) ومعونة من وزارة الداخلية لاستئجار منزل. كما يقوم موظفي الشؤون الاجتماعية بمساعدة الجهاديين السابقين وأسرهم في إعداد خطط ما بعد مرحلة الإفراج، للتعليم والتوظيف، وعادة الزواج. حيث يقول الهدلق "الزواج يساعد على استقرار شخصية الرجل. فهو ينشغل بتفكير أكثر في المستقبل البعيد، وبتفكير أقل بنفسه وغضبه".

هناك دولاً أخرى لديها تجربة مع جهود إعادة تأهيل المتطرفين الإسلاميين. ففي مصر واليمن، يقوم رجال المعتدلين بتقديم النصائح للسجناء المتهمين بنشاطات التمرد. ومؤسسة التأهيل الديني في سنغافورة حصلت على الكثير من الثناء لتقليلها من تأثير المنظمة الإرهابية المسماة بالجماعة الإسلامية، ولكن المنهج السعودي، منهج غير عادي، وعلى حد قول بيرنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون، "فإن محاولات المداهنة بالطرق السلمية، والرشوة، وشراء المعارضة، يتماشى مع التاريخ السعودي".

الشيخ جيلاني يحب أن يشجع النقاش في قاعة الدرس من خلال مطالبة الرجال بالمشاركة بتجارهم، وفي إحدى المناسبات التي زرتهم فيها، سال جيلاني أحد الطلاب واسمه عزام، أن يشرح له لماذا قضى خمسة أشهر في العراق، وفي إشارة إلى عملية القتل سيئة السمعة التي وقعت في مدينة المحمودية في عام 2006، أجاب عزام أنه قرأ مقالاً في الإنترنت حول الطفلة التي اسمها عبير التي اغتصبها الأمريكيون وقتلوها.

أضاف عزام، "شعرت بتعاطف شديد مع المسلمين، فالكفار يغتصبون النساء ويقتلون الأطفال. وحينئذ قررت أن أنضم إلى المسلمين في العراق من أجل إخراج الأمريكيين".

لقد كان ذلك المساء الصحراوي يزداد برودة، فخلع جيلاني بشته وأعطاه لأحد التلاميذ كان يرتجف من البرد. والتفت إلى عزام. "حدثنا يا عزام. ماذا وجدت في العراق؟ شعرت بتحسن عندما ذهبت إلى هناك؟"

عبس عزام بوجهه وقال "أصدقكم القول، لم أجد ما كنت أتوقعه. حتى المسلمين يقاتلون بعضهم بعضاًً، كنت أتوقع أن يكونوا منظمين بشكل جيد، ولكنهم لم يكونوا كذلك".

فأومأ جيلاني برأسه وقال "إذاً هل قاتلت؟"

فقال عزام "لم أجد الفرصة. ولعدة شهور ظللنا ننتقل من بيت آمن إلى آخر. لم يكن هنالك أي شيء كان يمكن أن نفعله- لا تحرك ولا تدريب. وأخيراً طلبوا مني أن أكون انتحارياً. ولكني أعلم أن الانتحار حرام في الإسلام، ولذلك عدت إلى البلاد".

الكثير من الجهاديين السابقين يبدو عليهم الشعور بعدم التقدير، وإحساسهم بالضرر واضح للغاية، وجيلاني وزملاؤه يساعدون المتمردين السابقين على اختبار هذه المشاعر، حتى لو اعتبروا أنفسهم ضحايا. نعم لقد خضعوا وغرر بهم بواسطة فكر منحرف (وهو المصطلح الذي يفضله السعوديون لوصف التطرف)، ولكن الآن لديهم فرصة للرجوع.

ومن جميع المفاهيم التي تتم دراستها في قاعات الدرس في مركز التأهيل، فإن مفهوم التكفير هو الذي يميل إلى إثارة أكبر قدر من الغضب في أوساط الغالبية العظمى من السعوديين، والفكرة هي أن هنالك منحدر زلق من الجهاد إلى التكفير، وهو ما يظهر عادة في المناقشات مع رجال الدين السعوديين.

وقال لي جيلاني "بعض شبابنا لا يستمعون إلى العلماء الحقيقيين، حيث أنهم يبدءون أولاً بالاعتقاد بأن لديهم الحق في الذهاب للجهاد في أي وقت، ثم بعد ذلك، يبدءون في الاعتقاد بأنه من حقهم قتل أي شخص غير مسلم. ثم يبدءون في القول بأن قادتنا كفار" ويستمر الشيخ قائلاً، "ثم يقولون بعد ذلك أن علمائنا أيضاً كفار. وبعد قليل يعلنون الحرب على العالم بأكمله".

لقد عملت الحكومة السعودية مؤخراً على تكثيف جهودها لمحاربة التطرف، وإبعاد التعاطف الشعبي عن الجماعات الإرهابية. فقد اتخذ بعض رجال الدين البارزين مواقف علنية ضد تنظيم القاعدة، ومؤخراً العام الماضي، أصدر مفتي عام السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، فتوى تحرم ذهاب الشباب السعوديين للجهاد خارج البلاد. كما قامت وزارة الشؤون الإسلامية بإنشاء برنامج جديد يسمى برنامج الصفاء لمحاربة الإرهاب عبر الإنترنت، من خلال جر المحرضين على الإرهاب إلى غرفة دردشة فكرية مع رجال دين معتدلين.

وتؤكد الحكومة أنه لم يعد أي من خريجي برنامج المناصحة إلى العنف. ولكن البرنامج لا يزال جديد نسبياً، وهنالك بعض الأسئلة التي لم تجد إجابات.

هل الحكومة تتعامل مع المتمردين الذين تم القبض عليهم بينما تعاني فعلاً من الفشل في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف؟ والمتطرفين المفرج عنهم الذين يعتبرون الآن نجاحاً، هل سيعودون في النهاية إلى الجهاد؟

ويقول مستشار نفسي في مستشفى الملك فيصل بالرياض، إن المحاربة الحقيقية للفكر الجهادي يعني إحداث تغيير جذري في طريقة تدريس الإسلام في المدارس والمساجد السعودية، غير أن الحكومة السعودية لا تزال حتى الآن غير راغبة في القيام بهذه المحاولة. ويوضح قائلاً "الحكومة لن تقول، قفوا، ذاك جهاد خاطئ". والعقيدة جزء مكمل للقانون الإسلامي، والحديث ضدها سيثير غضب علماء الدين، وربما يضع المبادئ الإسلامية للمملكة العربية السعودية في موضع الشك.

ويقول الطبيب النفسي، ولا يزال الجهاد العالمي هو الطريق المقبول اجتماعياً بالنسبة للشاب السعودي الذي لا يجد أمامه سوى القليل من الخيارات، ويقول "لديك شاب مكتئب، ومحبط من الحياة، وربما رسب في الامتحان، ويمكنه أن يتحول من كونه إنسان خاسر، وفاشل، إلى جهادي، وهو شخص صاحب مكانة".

كيف ولماذا يغادر المتطرفين المسلحين منظماتهم هو الآن موضوع اهتمام جديد في الدراسات الأكاديمية حول الإرهاب. نتائج هورغن- بأن الخوف البسيط والاسترشاد يمكن أن يلعبا دوراً هاماً في قرار الشخص في الانفصال عن جماعته- يبدو أنها تجد صدى في تقرير جديد صدر مؤخراً من مؤسسة راند حول زوال الجماعات الإرهابية، والذي توصل إلى أن الجهود التي يبذلها عناصر الشركة والمخابرات لخلق ضغوط داخلية كثيفة داخل الجماعات الإرهابية، أكثر نجاحاً من العمليات العسكرية في محاربة التطرف.

خذ مثلاً أبو سليمان، وهو رجل بدين يبلغ من العمر 32 عاماً، والذي قضى أكثر من ثلاث سنوات معتقلاً في غوانتنمو، ويقول أنه قاتل بجانب أسامة بن لادن في تورا بورا، وتحدث أبو سليمان بشرط أن استخدم اسمه الحركي القديم، وأكمل برنامج المناصحة، ولكن تم الإفراج عنه قبل فترة وجيزة من إنشاء مركز التأهيل، وقال مازحاً أنه يحسد الدفعة الحالية في هذا المنتجع الذي يقيمون فيه.

قال لي أبو سليمان "الأسر، والاعتقال في غوانتنمو، كلها كانت دروس جيدة، أقصد أن الفكرة العامة للجهاد جيدة – لا يختلف اثنان على ذلك".

أول التحاق له بالجهاد كان في عام 1996، عندما سافر إلى الفلبين، ليقاتل إلى جانب جبهة مورو الإسلامية. "معهم أشخاص من أماكن مختلفة، وجميع هذه الجنسيات تعمل معاً. والغالبية عادة من السعوديين". وفي عام 1997، ذهب أبو سليمان إلى أفغانستان. وبعد أربع سنوات، وبعد رحلته الثانية إلى البلاد، بدأ يتحرر من الوهم الذي كان يعتقده تجاه بن لادن، وخطط للمغادرة إلى الفلبين لأن "الشيشان قالوا لا يريدون أحداً في تلك الفترة، غير أنه وقع في الأسر".

ويقول اليوم أن معسكرات القاعدة التي كان يعامل فيها مدرباً منحته تطوراً مهنياً واضحاً، وحياته الجديدة- وهو يقيم في حي من أحياء الطبقة الوسطى في جدة، ويعمل في شركة كهرباء- لا يوفر له نفس الهدف، ومع ذلك، يكن القليل من التقدير للذين ساروا على خطاه.

ويقول أبو سليمان "أغلب الناس يريدون حمل السلاح فقط" ولكن حسب تعبيره، لا يملكون حجج دينية قوية. ويقول "بالنسبة لي كان الأمر يتركز حول الشعور بمساعدة المسلمين، ولكن الجهاد مسألة معقدة. فلو كنت متجهاً إلى أفغانستان أو العراق، هل لديك فعلاً الحقائق التي تجعلك تقف إلى جانب الطرف الذي هو على حق؟"

واستمر أبو سليمان قائلاً "لقد كان التدريب مع تنظيم القاعدة رائعاً بالفعل، وهؤلاء الذين يذهبون إلى العراق في هذه الأيام، ليسوا مدربين، ولذلك يتم إرسالهم فقط لتفجير أنفسهم".

ويقول "وحكمتنا الآن تقول: لا تذهبوا إلى العراق، لأن ذلك ليس في مصلحتنا. وأعتقد أنني الآن حققت شيئاً في حياتي؛ لقد خرجت وقاتلت من أجل قناعتي، ووجدت أن الأمور لم تأتي كما كنت أخطط لها، ولكن على الأقل قاتلت حسب قناعتي. والله يعلم ما في قلبي".

ويتذكر أبو سليمان، أن المشايخ الذين قاموا بإعادة تأهيله فوجئوا بأسلوبه المتمهل، ومع أن الرأي العام السعودي قد انقلب ضد تنظيم القاعدة على نطاق واسع، إلاّ أن الكثيرين من السعوديين لا يزال يساورهم القلق من الجهود التي تقودها أمريكا لمحاربة الإرهاب، ويعتبرونها جهود معادية للمسلمين، ويشعرون بالغضب تجاه ما يحدث في غواتنمو. "يعتقدون أنه بعد كل هذا الوقت في غوانتنموا سأكن بعض الكراهية في نفسي. ولكنني لن التفت إلى الوراء. وقلت حسناً، سأبدأ الآن حياة جديدة".

http://www.nytimes.com/2008/11/09/magazine/09jihadis-t.html?partner=rssnyt&emc=rss

1
6910
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني