هنالك علامات تدل على أن السعودية، المعروفة بارتباطها بالقيم الاجتماعية الصارمة وتفسيرها المتشدد للإسلام، بدأت تخطو خطواتها الأولى باتجاه الإصلاح الحقيقي.
كان الوقت بعد صلاة الظهر يوم 14 فبراير. على طول شوارع مدينة الرياض النظيفة، وكانت الشرطة الدينية التي تعرف بالمطوعين، مشغولة بالتأكد من أن محلات بيع الهدايا والزهور لا تقوم ببيع الورود الحمراء أو أي شيء يمكن أن يمثل خرقاً للحظر الوطني على عيد الحب.
لقد كنت جالسة في مكتب أحد الأمراء السعوديين الذين يقدر عددهم بخمسة آلاف أمير، أستمع إلى شكواه من البطء الشديد في مسيرة التغيير في هذا المجتمع الذي يعد من أكثر المجتمعات محافظةً على وجه الأرض. لقد تلقى الرجل تعليمه في الولايات المتحدة وأوربا في نهاية عقد الستينيات، وعاد إلى بلاده مبهوراً بالأفكار التي كانت تشكل الغرب آنذاك. وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، أخذت مثاليته تتبدل تدريجياً – إن لم تكن قد تبدلت كلياً- ما يمكن أن يكون استسلاما مخففاً. وفجأة رن تلفون الأمير. لقد كان أحد الأصدقاء الذي طلب منه تشغيل المحطة التلفزيونية المملوكة للدولة.
ما أعلنه المقدم التلفزيوني في ظهيرة ذلك اليوم هو أعظم تعديل تشهده المؤسسة السعودية منذ سنوات طويلة. حيث قام الملك عبد الله، ذي الثمانين عاماً، بإجراء تغييرات كاسحة في حكومته، معيناً عدد من الشخصيات الإصلاحية في مناصب هامة بمجلس الوزراء والنظام القضائي، ومقصياً المتشددين من المؤسسات الدينية بما في ذلك هيئة المطاوعة المثيرة للجدل، ومعيناً أول امرأة في منصب نائب وزير التعليم، وهو أرفع منصب سياسي تتبوؤه المرأة في السعودية.
لقد كان هذا التعديل بالنسبة للبعض وعداً طال انتظاره لتنفيذ إصلاحات بعيدة المدى. بينما كانت في نظر البعض الآخر تغييراً لم يكونوا يتوقعونه أبداً. حيث قالت أستاذة جامعية وناشطة لفترة طويلة "ليس في حياتي على الأقل". كما أنها مثلت بالنسبة لأناس آخرين انحرافاً خطيراً عن المبادئ التقليدية العزيزة على أنفسهم.
وحتى قبل الرجة الرسمية التي حدثت الشهر الماضي، كانت هناك علامات على أن السعودية، تلك المملكة الصحراوية المرتبطة بالقيم التقليدية الصارمة والتفسير المتشدد للإسلام، كانت تسير ببطء في نظر العالم الخارجي نحو تبني التغيير.
يمكنك رؤية ذلك في القائمة التجريبية للسعوديين في السنوات الأخيرة- أول طيارة أنثى في بلاد لا يسمح فيها للمرأة بقيادة السيارة، وأول فيلم عام يعرض على الجمهور فقي بلد تمنع فيها دور السينما، أوعرض سيرك أمام الجمهور مختلط من الجنسين بالرغم من قانون المملكة الصارم الذي يفصل بين الرجال والنساء الذين لا تربطهم صلات قرابة.
كما يمكنك أن تقرأ حول هذا الموضوع في بعض الصحف الوطنية الجريئة – حيث أن الكثير من الصحفيات فيها من الفتيات الشابات- أو في الإنترنت من خلال بعض المدونات النشطة والاستفزازية. كما يمكنك أن تحس بذلك من خلال الضجة التي أشارتها الأميرة الفاتنة زوجة الملياردير الأمير الوليد بن طلال، في يناير عندما ظهرت صورتها الفوتوغرافية وهي كاشفة الوجه في صحيفة وطنية نشرت مع حوار أجرته معها تلك الصحيفة أعلنت فيه أنها مستعدة لقيادة السيارة.
وأغلب الذين يتحدثون إليك حول هذا الموضوع هم من الشباب الذين يملكون مفاتيح المستقبل بالنسبة للمملكة.
وتعتبر السعودية واحدة من الدول الشابة في العالم، حيث أن حوالي 75% من السكان هم من الشباب دون سن الثلاثين، و60% من السكان دون سن الحادية والعشرين. وهذا الجيل الذي يتغذى على الإنترنت والقنوات الفضائية والهواتف النقالة – ومعرفته بالعالم خارج حدود المملكة، يمثل تحدياً غير مسبوق بالنسبة للوضع الراهن.
في عام 2005، كان عمر رجاء الصانع آنذاك 24 عاماً حيث كانت طالبة في كلية طب الأسنان، قامت بنشر روايتها الأولى بعنوان "بنات الرياض". كانت تتضمن أحاديث صريحة عن حياة أربع فتيات يعشن في العاصمة السعودية. وقد أثارت الرواية ضجة داخل البلاد وفي أنحاء مختلفة من العالم العربي. وتقول رجاء الصانع "الكل يعلم أن السعودية مجتمع محافظ، وأن المرأة هناك مغطاة من قمة الرأس حتى القدمين، ولا يسمح لهن أن يتصرفن كما يشأن. وهناك القليل من الناس الذين يدركون بأن هناك أخريات يبحثن عن التغيير ويردن المزيد من الحقوق".
"الكثيرات هذه الأيام، يتلقين تعليمهن خارج السعودية ومنفتحات على مجتمعات أخرى من خلال الإنترنت. نحن نرى ما يجرى في هذه المجتمعات ونحن نريد التغيير وأن نحسن من أوضاعنا، وهؤلاء هن اللائي أردت أن أكتب عنهن".
فؤاد الفرحان هو أحد أشهر المدونين السعوديين. وقد تعرض للسجن العام الماضي لمدة أربعة أشهر بدون أن توجه إليه أية اتهامات بعد أن استخدمت مدونته منبراً للدعوة إلى الإصلاحات السياسية. قال لي عندما التقيت به في أحد المقاهي في مدينة جدة التي تعتبر الأشهر عالمياً بين مدن البلاد لمدة طويلة " قبل ظهور الإنترنت والمحطات التلفزيونية الفضائية، كنا مجتمعاً منغلقاً على نفسه، حيث كان المصدر الوحيد لتلقي المعلومات هو المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والتي كانت كلها تخضع لرقابة صارمة، غير أن هذا الجيل مختلف كلياً- فجميع وجهات النظر متاحة أمامنا".
وتقول هند الجهني، وهي شابة في الثالثة والعشرين من العمر تعمل مصممة "بينما يحاول هذا الجيل إيجاد طريق وسط بين التقاليد والمشاركة في عالم يرتبط بوسائل الاتصالات ويعيش العولمة بشكل متزايد، يواجه الصور النمطية السائدة لدى العالم الخارجي". وقد التقيت هند وأختها نوره الطالبة التي تدرس التمويل، ووالدتها حنان في مقهى الأندلس، وهو مقهى مشهور يملكه احمد الشقيري وهو داعية في الثلاثينيات من العمر لديه أسلوب في الدعوة يجد القبول لدى عدد كبير من الشباب السعودي. وتقول هند "يوصف السعوديون إما بأنهم متطرفون أو بأنهم ليبراليون يريدون أن يتغربوا بشكل كامل، وهذا يضع جميع الناس في الوسط ، رغم أنهم ابقية يحترمون الثقافات الأخرى، ويريدون أن تكون لديهم هويتهم السعودية المتفردة".
هند ستغادر بعد فترة قصيرة لمتابعة دراستها في جامعة ليدز في إطار برنامج الملك عبدالله للمنح الدراسية. وتشير إلى أن عدد النساء العاملات في هذا العام يفوق عدد الرجال، وتقول هند، وكذلك أختها، إن الحقوق التي تطالب بها المرأة السعودية الآن قد كفلها الإسلام في بداية عصره الأول. "عندما ندع ثقافتنا وعاداتنا تتضارب مع ديننا، فحينئذ سنعاني من المشكلات".
وتتفق النسوة الثلاث على حتمية التغيير، حيث تقول حنان "إن بناتي سيقدن السيارات في هذا البلد لا محالة". ولكنهن يؤكدن على أهمية أن يأتي هذا التغيير من الداخل.
والشيء الذي تسمعه كثيراً من ذوي العقليات الإصلاحية هو أن هذا التغيير يجب أن يأتي من داخل المجتمع السعودي، وبشكل تدريجي. حيث أنه كما يقول ذلك الأمير "فإن المنهج الأتاتوركي لن ينجح هنا".
مها الفالح، وهي امرأة في العشرينيات من العمر تعمل موظفة في أحد البنوك تردد آراء الكثيرين "نحن مجتمع شاب نسبياً، ومجتمع قبلي، ولذلك لا يمكنك أن تغير الأمور بشكل سريع- وإلاّ ستكون هناك فوضى. فنحن لدينا تاريخنا وديننا...عندما نأتي إلى تغيير العقليات هناك الكثير من القيود. وعلى العالم أن يتفهم بأننا يجب أن نخوض معركتنا بأنفسنا وبطريقتنا الخاصة".
لم يشعر الجميع بالارتياح للتغيرات التي أجراها الملك عبد الله الشهر الماضي. حيث أن شريحة كبيرة من المجتمع لا تزال متمسكة بقيمها المحافظة، وتخشي أن يؤدي التغيير زحف التغريب نحو ثقافة وهوية فريدة من نوعها متجذرة في البلاد التي انطلق منها الإسلام. يقول إبراهيم وهو طالب في جامعة الأمير سلطان "أنا أؤيد هذه الخطوات الكبيرة، ولكنني قابلت أناس كثيرين لا يؤيدونها. إنهم يريدون أن تبقى الأمور على ما هي عليه، حسب التقاليد والدين".
وهناك من يشعر بخوف عميق من هذه التغييرات، حيث أن سليمان البطحي، مدير الإدارة العام لصحة البيئة في أمانة الرياض، الذي تمتلئ أرفف مكتبته بالكثير من الكتب ككتاب آل غور "حقيقة مزعجة Inconvenient Truth" وكتب أخرى لا حصر لها ولا عد عن "الحرب على الإرهاب"، يسعى جاهداً لإلغاء قرار الحكومة الأمريكية بإدرجه في قائمة الإرهاب الدولي، بسبب دوره في إدارة مؤسسة خيرية مقرها في السعودية تعرف باسم مؤسسة الحرمين.
" منذ الحادي عشر من سبتمبر والغرب بشكل عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص، باتت تدفع لتغيير أمور في مجتمع محافظ تسير ضد المجتمع نفسه؛ فالتغيير الذي يحدث الآن في اعتقادي ليس في صالح المجتمع، بل هو لإرضاء الآخرين، ولو تم إجراء استفتاء شعبي حول هذه التغييرات، فإن الغالبية العظمى ستصوت ضد هذه التغييرات، لأن شعب هذا البلد شعبٌ محافظ".
وتحدثت منى أبو سليمان، وهي في الثلاثينيات من عمرها، حول ما إذا كانت قوى الإصلاح ستتغلب على القوى المحافظة. منى كانت تشارك في تقديم برنامج يعد من البرامج الشهيرة في الشرق الأوسط، وهي أول امرأة يتم تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، وهي أيضاً تشغل منصب المدير التنفيذي لمؤسسة المملكة، الذراع الخيري لإمبراطورية الأمير الوليد بن طلال.
منى مطلقة وتقوم بتربية أبنائها كأم عاملة- وهي تعترف بأن الأمر ليس سهلاً في بلد كالسعودية. حيث أن 5% فقط من النساء يعملن خارج المنزل، ويعشن في مجتمع أبوي جداً يفرض عليهن قيوده ويعاملهن بدرجة أكثر قليلاً من الأطفال.
"في أي مجتمع هناك نزاع بين الطرفين المحافظ والليبرالي. وفي النهاية سيخضع المجتمع لصوت الأغلبية، لأن الأغلبية هي التي تضع القوانين. والشيء الذي لا نعرفه الآن هو من الذي يمثل هذه الأغلبية في السعودية. وإلى حد ما أعتقد أننا نخاف من طرح السؤال. فالمحافظون يخشون من أن لا يكونوا قد فقدوا الأرضية التي كانوا يقفون عليها، بينما يتخوف الليبراليون من أنهم لا يملكون الأرضية التي يعتقدون أنهم يملكونها"
وهناك آخرون في الوسط، حيث يقول هشام 32 عاماً، مدير محل للبيع بالتجزئة "أحب أن أرى أبنائي وهم يتمتعون بقدر من الحريات أكبر من تلك التي تمتعت بها. ولكنني لا أريد حرية كالتي في أوربا أو أمريكا. يجب أن تكون هناك حدود لهذه الحرية. أريد الحرية التي تسمح لنا في نفس الوقت بالمحافظة على ما نتفرد به عن غيرنا".
وآخرون أيضاً يعترفون بشعور من الارتباك ينتابهم، بينما تخط السعودية طريقها عبر القرن الحادي والعشرين. ويقول رجل سعودي في منتصف العمر مبتهج بالتعديلات التي أجراها الملك عبد الله "هناك تضارب بين رأسي وقلبي. ففي رأسي أشعر أنني أقرب إلى الغربيين، ولكني قلبي يجذبني في اتجاه آخر".
كل العيون الآن ترقب الشخصيات التي عينها الملك عبد الله. يقول خالد الدخيل، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود "والسؤال الأهم هو: ماذا بعد؟. هذه التحركات تضع فقط البنى التحتية التي تجعل النظام أكثر قابلية للتغيير والإصلاح... ولإرسال رسالة مفادها أن الدين يجب أن لا يكون عقبة أو عائقاً أمام التغيير".
الذين يطالبون بالكثير يعلمون جيداً بأن الملك عبد الله في منصف الثمانينات من عمره، وأن الأمراء الذين يلونه في الترتيب لوراثة العرش من بينهم عدداً من المحسوبين سياسياً على التيار الديني المحافظ. وأي كان خليفة الملك الحالي، ربما لن يكون ميالاً إلى الاستمرار في طريق الإصلاح. ومن هذا المنطلق يعتقد الناشطون أن هذه الانتصارات التي تحققت بصعوبة في السنوات الأخيرة، لا يجب أن ينظر إليها على أنها غير قابلة للنقض.
وتقول فاتن بندقجي، التي أسست برنامجاً لتدريب النساء عندما كانت تعمل في الغرفة التجارية بجدة "لقد كانت النقلة هائلة ومحسوسة، غير أنه يجب أن لا نتعامل معها على أنها أمر مفروغ منه وأن الأمور ستسير على هذا النسق من الآن فصاعداً، لأننا يمكن أن نفعل شيئاً الآن. ولكن هناك النزاع الثقافي الذي لا يزال يدور في مجتمعنا".
http://www.irishtimes.com/newspaper/weekend/2009/0307/1224242428665_pf.html