بالرغم من الفرص الكبيرة التي بدأت تظهر بالقرار الذي اصدرة الملك عبد الله مؤخراً بتعيين أول امرأة في منصب نائب وزير، إلاّ أن السعودية تعتبر مجتمع يمنح المرأة القليل جداً من الحريات.
داخل المملكة الصحراوية : يعرفن سابقا بالسائقات، حيث قامت 47 امرأة قبل 19 عاماً بقيادة قافلة من السيارات طفن بها الرياض في تظاهرة احتجاجية ضد الحظر الذي تفرضه السعودية على قيادة النساء للسيارات. لقد قضين تلك الليلة في السجن. وإقف أغلبهن من أعمالهن، واتهمن علناً بأنهن بدون أخلاق.
فوزية البكر، أستاذة التربية في جامعة الملك سعود، تقول "تلك الوصمة لا تزال موجودة، وقد واجهت الكثيرات منهن صعوبات جمة في الحصول على العمل بسبب هذه التجربة، السائقات سابقاً".
وتقول باستهجان "هذا هو السعر الذي يجب أن ندفعه مقابل نضالنا. إنني لم أندم أبداً لمشاركتي في ذلك اليوم".
وبعد عقدين تقريباً، لا يزال الحظر سارياً، مما يجعل السعودية البلد الوحيد في العالم الذي لا يسمح فيه للمرأة بقيادة السيارة.
وهي أيضاً بلد يمنع المرأة من السفر، أو الذهاب إلى المحكمة، أو الزواج أو العمل، بدون إذن من محرمها، وقد يكون المحرم ابنها في بعض الأحيان. وتعتنق المملكة مذهباً إسلامياً يتبنى فصلاً صارماً بين الجنسين، ويشترط وجود محرم مع النساء من جميع الأعمار.
وأغلب النساء اللاتي تحدثت إليهن في السعودية، سواء كن إصلاحيات أو محافظات، اتفقن كلهن على أن فرصاً أكبر قد أتيحت لهن في التعليم والعمل منذ أن استلم الملك عبد الله الحكم، الذي قام في الشهر الماضي بتعيين أول امرأة في منصب وزير، وقد تولى العرش عام 2005.
وباستطاعة النساء الآن السفر إلى الخارج بدون محرم (مع أنهن لا زلن في حاجة إلى الحصول على إذن منه)، كما بدأن في امتلاك شركاتهن الخاصة، واستئجار الشقق، والحجز في الفنادق بدون محرم.
وقال الملك أنه لا يعارض قيادة النساء للسيارات، ولكن على المجتمع أن يتقبل الفكرة أولاً، وهنالك بعض الدلائل التي تشير إلى إمكانية السماح للنساء بقيادة السيارات.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة Gallup عام 2007، تبين أن 55% من الرجال السعوديين كانوا يؤيدون قيادة النساء للسيارات، وقد وجدت إحدى الطالبات في العام الماضي ترحيباً كبيراً بدورها البطولي عندما قادة السيارة لتوصيل أبيها الى المستشفى الذي تعرض لحروق شديدة. كما أن إحدى الأميرات أعلنت في إحدى الصحف المحلية بأنها مستعدة لقيادة السيارة.
وهناك توقعات متزايدة بأن هذا الحظر قد يرفع قبل نهاية هذا العام، حيث أن الحجج الاقتصادية التي تدعو إلى رفع هذا الحظر أصبحت أكثر قوة. حيث تشير التقديرات إلى أن توظيف السائقين ليكونوا في خدمة النساء يكلف المملكة أكثر من ثلاثة مليارات دولار في العام الواحد.
وتقول بعض الناشطات في شؤون المرأة أن على الحكومة أن تمنح النساء الخيار في قيادة السيارات، سواء قبله المجتمع أو رفضه، حيث أن الملك الراحل فيصل، قام بفرض تعليم البنات في مجتمع كان يرفض تعليمهن في ذلك الوقت في عام 1960م.
وبمناقشة هذا الموضوع مع الرجال والنساء السعوديين يتمخض وجهات نظر مثيرة للاهتمام تتجاوز مسألة منع قيادة السيارات.
وفي هذا المجتمع الأبوي المفرط في المحافظة، فإن جزء كبير من القلق الذي يثار حول قيادة النساء للسيارات ينبع من مخافة أن يؤدي ذلك إلى تآكل بعض الأعراف والتقاليد الاجتماعية. ويوافق بعض المسؤولين ورجال الدين السعوديين على أن الإسلام لا يمنع النساء من قيادة السيارات، ولكن الكثيرين يعتقدون بأن وجود المرأة وحدها في السيارة ستكون أكثر عرضة للعنف والانتهاك.
وقال أحد الشباب، متجهم الوجه، إن الازدحام المروري الذي تشهده الرياض سيكون أكثر سوءاً إذا ما سمح للنساء بقيادة السيارات. وقال رجل آخر أن الأمر سيقود إلى جميع أنواع السلوك الغير أخلاقي، كما أصر آخر على أن الوضع سيضاعف معدلات حوادث المرور العالية أصلاً التي تعاني منها السعودية.
ثم هناك بعض النساء اللاتي يقلن أنهن سعيدات بالوضع الراهن، وحجتهن في ذلك أنهن يعاملن كالأميرات. وتقول سوزان باعقيل، أول مصورة سعودية محترفة "كوني لا أعيش على النمط الغربي الذي تعيشين فيه لا يعني أنني مضطهدة". غير أنها تقود السيارة عندما كانت تعيش وتدرس في الولايات المتحدة.
"نحن هنا مدللات للغاية. قيادة المرأة للسيارة تعني المزيد من المسؤولية. فلو نظرتِ إلى الأمر من هذه الناحية، ستجدين أن عدم قيادة السيارة يعتبر أفضلية".
مني أبو سليمان، مقدمة سابقة لبرنامج تلفزيوني، والتي تعمل الآن في مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية، رددت آراء الكثيرات من النساء السعوديات التي قابلتهن عندما قالت بالرغم من أنه يجب ترك الخيار للنساء فيما يتعلق بقيادة السيارات، إلاّ أن هناك معارك أكبر يجب عليهن أن يخضنها.
"قيادة السيارة مسألة رمزية، ولكنني لا أحب أن أعيش في الأمور الرمزية، لدينا الكثير من الأمور العملية التي يجب أن نبحث لها عن حلول لكي نحصل على حقوقنا الأساسية، والشيء الذي يثير قلقي بشكل أكبر هو النظام القانوني، كيف أضمن أن النظام القانوني سيحمي أضعف فئتين في المجتمع- النساء والأطفال- عندما تكون لديهم مشكلة؟"
"القضية سيئة السمعة التي تعرف "بقضية فتاة القطيف" كانت بمثابة رسالة تذكير بالوضع الخطر الذي تعيشه المرأة أمام النظام القضائي السعودي، فبعد أن تعرضت لاغتصاب جماعي من عصابة من الشباب، حكم عليها بـ200 جلدة لأنها كانت عند حدوث الاعتداء في سيارة مع رجل ليس من محارمها، غير أنها حصلت على عفو ملكي في عام 2007، بعد أن أثارت قضيتها غضب العالم".
ولكن هناك جيل جديد من النساء يتمتع بالثقة وعلى مستوى عالٍ من التعليم، ويشكلن أكثر من النصف في المدارس والجامعات، وهن الآن يتوجهن إلى سوق العمل بأعداد غير مسبوقة، ويطالبن بالمزيد من المشاركة في إدارة حياتهن.
تقول مها، وهي في العشرينيات من العمر، وتعمل موظفة لدى أحد البنوك في الرياض "النساء الآن أصبحن أكثر شجاعة وعناداً. ولم يعد يشعرن بالخوف من قول ما يردن قوله".
وتوافق فوزية قائلة: الأمر لم يعد يقتصر على المدن الكبيرة، ففي آخر زيارة للقصيم، أحد أكثر المناطق المحافظة في المملكة، فوجئت بطموح وإصرار الفتيات اللاتي التقت بهن هناك.
بعض الناشطات يردن رفع الفصل الصارم بين الجنسين في بلادهن بالكامل، بينما هناك أخريات يفضلن نمط المنشآت الخاصة بالنساء بما في ذلك فروع البنوك والفنادق ومراكز التسوق والحمامات المعدنية والجامعة الخاصة بالطالبات فقط، والتي ستفتتح قريباً.
الكثير من النساء السعوديات الإصلاحيات يستشهدن بالقرآن لدعم حجتهن بأن الحقوق الاقتصادية والدينية والسياسية التي يطالبن بها الآن، كانت تمارسها النساء في عهد محمد.
تقول فاتن بندقجي، المديرة السابقة لوحدة تمكين المرأة في الغرفة التجارية في جدة "لا يزال الطريق طويلاً، فالنساء لا يشاركن في صنع القرار. فصحيح أننا نعمل، ولكن نتبع التعليمات لأن السياسات يضعها الرجال".
ولهذا السبب، هناك الكثيرات سيراقبن الأمور عن قرب مثل نورة الفايز، المرأة التي عينت نائبة لوزير التعليم الشهر الماضي، حيث ستكون بمثابة اختبار لإمكانات المرأة السعودية التي لم يتم اختبرها حتى الآن. وتعترف إحدى الناشطات قائلة "لن يكون الأمر سهلاً بالنسبة لها. ولكن حقيقة أنه حدث بالفعل، يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام".