الجدران تنطبق على بيت آل سعود

الحكام بين خيارين ؛ إما أن يكونوا حلفاء للولايات المتحدة، أو التماشي مع رغبة الشعب الرافضة لهذا التحالف

جدة – في أمسية رطبة من أمسيات شهر رمضان الماضي، وفي حديقة مخضرة من فله تعود ملكيتها لعائلة أحد التجار القدماء في جدة، حدث أمر لم يكن معهوداً من قبل.

مجموعة مختارة من الرجال والنساء السعوديين شربوا عصير البرتقال واستمتعوا، واستمعوا إلى محاضرة هاجمت النمط الصارم من الإسلام والمعروف بالوهابية.

لقد ألقى المحاضرة السيد/ سامي عنقاوي، الزعيم الصوفي المعروف في منطقة الحجاز؛ الإقليم الممتد عبر البحر الأحمر ويضم المدينتين الأكثر قداسة في الإسلام، مكة والمدينة.

ومن خلال عرضه لشرائح مصورة تحدث العنقاوي عن تفتيت الوهابيين للثقافة الحضرية التاريخية لأهل الحجاز من التسامح والتنوع.

وعند عرض شريحة ظهر فيها منزل النبي (صلى الله عليه وسلم) في حالة متقدمة من القِدَم. وحيث الحجارة قد تحولت إلى رماد تحت عجلات ضخمة لبلدوزر أصفر.

وأبرز ما تم عرضه هو أحد المباني العثمانية الجميلة القديمة في المدينة، والتي تم تحطيم سقفه مؤخراً بواسطة ذراع آلة رافعة.

وبعد ذلك، وعلى يسار الشريحة ظهرت صورة تمثال بوذا يتعرض للتحطيم بواسطة جماعة طالبان. وأخيراً ظهرت صورة مركز التجارة العالمي ببطء في الشاشة بين الصورتين السابقين. وهو يحترق.

إن رسالة السيد/ عنقاوي كانت واضحة، وهي أن جذور الإرهاب الإسلامي العالمي يمكن نسبته إلى أولئك البدو المتعصبين والمتزمتين المعروفين بالوهابية.

في الحقيقة أن خمسة عشر من التسعة عشر من المختطفين الانتحاريين، في هجمات 11 سبتمبر 2001م كانوا من السعوديين. وقد أحدث هؤلاء "صدمة" في الاتفاق التاريخي المعروف: "بالنفط مقابل الأمن" القائم منذ 14 فبراير 1945م، عندما التقي مؤسس المملكة الملك عبد العزيز بن سعود، بالرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت) على ظهر سفينة حربية في قناة السويس.

السيد (ديفيد أوفهوزر) المستشار العام لوزارة الخزانة الأمريكية، وكبير المسؤولين الأمريكيين والمسئول عن تتبع تمويل الإرهاب، قد وصف مؤخراً المملكة العربية السعودية ومذهبها الوهابي بالمصدر الرئيسي لتمويل الإرهاب الدولي.

وقال: "إن إنفاق المملكة العربية السعودية لمليارات الدولارات على الحملات الوهابية لهو مركب قابل للاشتعال إذا ما تم خلطه مع التعاليم الدينية التي تدّرس في الآلاف من المدارس الإسلامية الدينية التي تدين التعددية، وتصف غير المؤمنين بالأعداء".

السناتور (جون كيل) والسناتور (شارلز شومر) اتهما المملكة العربية السعودية بخداع حلفائها الأمريكان.

وقد كتب الرجلان مقال نشر في صحيفة الواشنطن بوست في أغسطس الماضي جاء فيه : " إن آل سعود قد لعبوا دوراً مزدوجاً مع الولايات المتحدة، فمن جهة يتظاهرون بأنهم حلفاء لنا، ومن جهة أخرى يدعمون الحركة الوهابية التي تسعى إلى تدمير مجتمعنا".

وليس من المستغرب أن يُتهم السيد/ عنقاوي ومعارضون آخرون للوهابيين السعوديين بالمتشددين لأن لديهم وجهة نظر مؤيدة للأجندة الأمريكية.

وقد هوجم - عنقاوي والمعارضون- في عدد من مواقع الإسلامية على الإنترنت، ووصفوا بأنهم كفرة. كما صدرت فتاوى من بعض العلماء الوهابيين ضدهم.

ولكن مازال لدى هؤلاء الأمل في الأمير عبد الله، الإصلاحي الذي تولى تسيير شئون البلاد منذ عام 1995 عندما أصيب أخيه غير الشقيق الملك فهد بالسكتة الدماغية.

في بداية العام الماضي، قام ولي العهد بزيارة لأحد الأحياء الفقيرة في مدينة الرياض، وعرضت هذه الزيارة على الهواء مباشرة في التلفزيون السعودي. وقد لفتت هذه الزيارة انتباه الرأي العام إلى الحرمان وعدم المساواة التي لم تكن موجود من قبل في هذا المجتمع.

في اليوم التالي للزيارة نشرت الصحف صورة لرجل مسن في بيته القديم، وهو يشير بإصبعه إلى وجه الأمير عبد الله، شارحاً للأمير معانات الآلاف من السعوديين.

لقد جاءت هذه الصورة لتعلن أنه قد بدأ عهداً جديداً، تناقش فيه القضايا الاجتماعية بشكل مفتوح، حيث أنه لم يحدث منذ عهد والد الأمير عبد الله، الملك عبد العزيز أن مسئولا سعودياً بهذا المستوى قد ظهر بهذه البساطة بين أفراد شعبه، ولديه الرغبة في أن يستمع إليهم.

يمكن إعادة أصل المذهب الوهابي إلى أفكار العالم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي. الذي ولد في نجد التي هي أيضاً الموطن الأصلي لأسرة آل سعود المالكة.

لقد حكم آل سعود وأحفاد محمد بن عبد الوهاب المملكة العربية السعودية لسبعة عقود في شراكة غير سهلة. فأتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، "الإخوان" قد حاربوا إلى جانب آل سعود لمساعدتهم في إخضاع الأراضي التي تم توحيدها فيما بعد تحت اسم "المملكة العربية السعودية" في عام 1932م.

وفي الطائف على سبيل المثال ارتكب الوهابيون مذبحة في عام 1920م ضد من وصفوهم "بصغار مشركي الحجاز" بالرغم من اعتراض الملك عبد العزيز على ذلك.

بعضاً من الحضور في محاضرة عنقاوي من كبار السن يتذكرون المذبحة المذكورة. إن أبناء هؤلاء وبناتهم وأحفادهم وحفيداتهم بملابسهم الحجازية البسيطة الملونة بدلاً من العباءة النجدية السوداء، قد كبروا وهم يذكرون مذابح الوهابيين في الطائف.

وفي عام 1931 قضى الملك على تمرد في شرق إقليم الأحساء وذلك بواسطة مجموعة من قيادات الإخوان.

لقد اعتبر المتمردون الملك غير متمسك بالإسلام بالشكل المطلوب، وذلك لأنه سمح لأقلية من الشيعة أن يمارسوا شعائرهم الخاصة، ولأنه وقع اتفاقية أمنية مع بريطانيا، القوة الاستعمارية الرئيسية في المنطقة.

ولذلك وقع الملك عبد العزيز معاهدة مع عدد قليل من الوهابين الذين مازالوا يعملون على تسيير المؤسسات الدينية. فقد سمحت هذه المعاهدة لآل سعود بحكم البلاد وتولي أمر الميزانية والأمن القومي والسياسة الخارجية.

وبالمقابل سمحت المعاهدة للوهابيين بأن يطبقوا نظاماً اجتماعياً متشدداً وتولي أمر التعليم والقضاء وفق مبادئهم الأساسية.

وقد استعمل الملك عبد العزيز المذهب الوهابي في نشر مبادئ التعايش السلمي في مجتمع متنوع الأعراق، تسود فيه بؤر متعددة للتمرد في بلد يعتبر صحراوياً إلى حد كبير ويعادل مساحة غرب أوروبا.

ولكن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واجه آل سعود نداءات للتغيير، ليس فقط من الداعين إلى الإصلاح في الحجاز ولكن أيضاً في العديد من أجزاء المملكة بما في ذلك قبائل الجنوب. 40 إلى 60 % من سكان المملكة البالغ تعدادهم العشرين مليون نسمة مازالوا متمسكين بالنظام القبلي.

يقول / مأمون فندي عضو المعهد الأمريكي للسلام والمتخصص في الشئون السعودية : " إن القبيلة والأسرة هي المكون الرئيسي للخارطة الجينية للمجتمع السعودي". " وأن كل شيء يأتي بعد ذلك يعتبر درجة ثانية. وإن من لديه قبيلة هو الفائز في المملكة العربية السعودية".

إقليم عسير الجنوبي، عبارة عن مناطق جبلية قريبة من اليمن، لا يزال يعرف بثقافته القبلية أكثر من أي إقليم آخر في المملكة العربية السعودية. وهو الإقليم الذي جاء منه أغلب المختطفين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وكان أغلبهم مؤيدين بشدة لأسامة بن لادن لأنه يشاركهم جذورهم القبلية بين اليمن والسعودية.

وقد كان هؤلاء مثلهم مثل أسامة بن لادن مستاءين من كونهم محكومون بعائلة مالكة لا تفرض سلطتها الإسلامية بالحزم الكافي في كثير من الحالات، كما أنها تعيش باستعمال معايير مزدوجة.

إحدى قبائل عسير وهي قبيلة الغامدي القوية، والتي يبلغ تعدادها المليون، قد لعبت دوراً مركزياً خاصاً في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي عمليات القاعدة التي تلتها في المملكة العربية السعودية. فقد كان خمسة من أفراد هذه القبيلة من بين منفذي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإن الكهف الذي وضعت فيه الخطة كان يعرف ببيت الغامدي في أفغانستان.

وعندما كتب أسامه قصيدته التي مدح فيها قبائل عسير فقد ذكر فيها الغامدي بشكل خاص. وإن الرجل الذي ظهر يزوره في شريط الفيديو الذي أشار فيه إلى انتصار الحادي عشر من سبتمبر، كان يدعى الشيخ الغامدي.

ثلاثة أو أربعة من أعضاء خلية القاعدة التي شنت هجمات الثاني عشر من مايو من العام الماضي في الرياض، كانوا من قبيلة الغامدي بما فيهم الرأس المدبر علي عبد الرحمن الفقعسي الغامدي.

ولكن عندما استسلم الرجل، أُعلن ذلك بواسطة وكالة الأنباء السعودية التي تسيرها الدولة، وتم حذف اسم قبيلة. وتمشياً مع هذا النهج لم تتناول الموضوع أي من الصحف السعودية في اليوم التالي.

وبدلاً من ذلك، وفي الشهر التالي صدرت بيانات رسمية وصور فوتوغرافية تعرض لقاءات زعماء القبائل من عسير والحجاز بالأمير عبد الله ووزير الداخلية الأمير نايف في الطائف، موقع المذابح الوهابية في عشرينيات القرن الماضي.

وفي أحاديث شبه متطابقة قدم كل زعماء القبائل فروض الولاء والطاعة للمملكة "ولقيادتها الحكيمة". وفي الحقيقة إن الأمير عبد الله يمثل أقلية بين كبار أفراد الأسرة المالكة. حيث أن أغلب كبار أفراد الأسرة المالكة ينحازون إلى المؤسسات الدينية في المملكة العربية السعودية. ومادام الملك فهد حياً فإنه ليس لدى الأمير عبد الله السلطة الكافية والدعم ليقوم بالبرنامج الإصلاحي.

منذ عهد الملك عبد العزيز، كانت توصف المملكة بنظام الهبات والإعانات: أولاً للقبائل والقيادات الدينية، ومن ثم في شكل دولة رفاهية تتميز بالسخاء.

إلاّ أن أغلب السعوديين الذين ولدوا في التسعينيات لا يمكنهم التوجه للدولة للحصول على دعم. والحكومة لم يعد لديها القدرة على تقديم ذلك الدعم.

إن الدخل السنوي للفرد الآن هو 8 آلاف دولار، بالمقارنة مع 24 ألف دولار في الثمانينيات. والصحف مليئة بقصص تتحدث عن الخدمات الصحية التي دون المستوى العادي.

البطالة أصبحت عالية جداً حيث وصلت إلى 30 بالمائة. وأن هناك مقاعد للدراسة ثلاثون ألف طالب فقط من خريجي المدارس الثانوية في الجامعات الست في العام والواحد، بالرغم من أن ثلاثمائة ألف لديهم الدرجات التي تؤهلهم للالتحاق بالجامعة.

إن العالم الخارجي يحلل كيفية تحدي أحداث الحادي عشر من سبتمبر لستين عاماً من العلاقات المتميزة بين الولايات المتحدة والسعودية، والتي بقيت غير عابئة إلى الحد الذي زادت فيه الضغط على حلفائها المحليين الضعفاء - من الدينيين والقبليين والإقليميين – الذين تهددهم الظروف الاقتصادية الصعبة.

مع بداية العام الماضي أصبحت كلمة "إصلاح" في شفاه كل الناس. عدد كبير من الجماعات ذات المصلحة؛ من الجماعات ذات التوجه الغربي، إلى الجماعات الدينية التقليدية، أحست بأن هذا هو الوقت المناسب للضغط من أجل التغيير. وكذلك فعل الإسلاميين الراديكاليين بتورطهم في السعي لقلب نظام الأسرة المالكة.

هذه المجموعات تضم حجازيين مثل السيد عنقاوي، والمضطهدين الشيعة في المنطقة الشرقية، وبعض الجريئين من المسلمين السنة، ورجال الأعمال، والصحفيين، والأكاديميين الذين يختنقون تحت وطأة القيود البيروقراطية والرقابة على المطبوعات.

إن الأمير عبد الله هو الذي قام بالمبادرة مرة أخرى. حيث قبل عريضة موقعة من مائة وأربعة أشخاص من الشخصيات البارزة من رجال الأعمال، والمفكرين، والأكاديميين والإسلاميين المعتدلين.

وقد نادت العريضة بعقد اجتماعي جديد يقوم على أساس مبادئ الديمقراطية الإسلامية ومن ثم الوصول إلى مرحلة الحكم الدستوري.

علاوة على ذلك فمن الصعب أن تتخيل أن هناك بلداً قياداته بعيدة كثيراً عن الاتصال بعامة الناس، حيث أن أكثر من 60% من السكان هم دون سن الحادية والعشرين، بينما كل قياداتهم فوق سن السبعين.

هذه القيادات كانت تتمتع على الأقل بالاحترام حتى من خارج الحدود من خلال ثروات البترول. ولكن الأمر أصبح مختلفاً جداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

لقد عانى السعوديون من أثر مدمر أفقدهم مكانتهم في العالم. لقد عاد الكثير من الشباب السعوديين الذين كانوا يدرسون أو يعيشون في الخارج احتجاجاً على سوء المعاملة والتفرقة التي كانوا يعانون منها كنتيجة لصلتهم بأسامة خاصةً في الولايات المتحدة.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونتيجة لتصاعد الاحتجاجات من السعوديين على ما يرون أنه حملة موجهة ضد الإسلام من الإعلام الغربي، وجد آل سعود أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر، وهو إما المحافظة على علاقاتهم مع الولايات المتحدة أو تهدئة عدم الاستقرار والعداء للولايات المتحدة في كثير من أجزاء البلاد.

إن التناقض المتوارث الذي حدث في عام 1940م في اتفاقيات آل سعود مع الوهابيين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، قد وصل في نهاية المطاف إلى مأواه.

1
743
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني