المصدر معهد أبحاث السياسة الخارجية (Foreign Policy Research Institute)
هناك عاملان يعدّان من الثوابت في العلاقات الأمريكية السعودية على مدى عدة عقود وهما: النفط وأمن الخليج، وأمن العائلة المالكة السعودية على وجه الخصوص. ومع أن القواسم المشتركة بين المجتمعين محدودة، بل هناك بعض الاختلافات العميقة، إلاّ أننا ظللنا نتمتع "بعلاقات خاصة" مع المملكة العربية السعودية لأكثر من 60 عاماً، أي من منذ عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. ومع ذلك لم توصف هذه العلاقات بأنها علاقات خاصة إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان بين البلدين ميثاق استند إلى النفط السعودي مقابل مظلة أمنية أمريكية لحماية المملكة من أي عدوان خارجي. وقد رست دعائم هذه العلاقات على المصالح الرسمية، وليس على الأفكار المشتركة والأنظمة السياسية أو الاجتماعية، والتي تبقى بعيدة كل البعد عن بعضها البعض.
فمن الناحية العملية ليس هناك مجتمع مدني في السعودية. فالدولة تحكم بواسطة آل سعود وبمشاركة مع مؤسسة دينية محافظة جداً تعتنق فكر أصولي متشدد يعرف بالوهابية. ويعود هذا التحالف إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
إن آل سعود وقيادة المذهب الوهابي كلاهما ضد حرية التدين والديمقراطية والصحافة الحرة والاختلاط بين الرجال والنساء غير المتزوجين. كما أن رجال الدين الوهابية يعارضون دور السينما، والرقص والمسكرات ومراكز الرياضة النسائية، وممارسة الطالبات للنشاطات الرياضية المدرسية في المدارس وقيادة النساء للسيارات. ففي السعودية لا يمكننا عقد مؤتمر كهذا. حيث أن النساء سيجلسن في قاعة أخرى يتابعن المؤتمر من خلال الشاشات التلفزيونية، أما إذا كان اللقاء مؤتمراً دولياً، يكون هناك حاجز فاصل بين الجنسين.
كما أن العائلة المالكة والمؤسسة الدينية كلاهما لا يرغب في تنظيم الانتخابات. فالغرف التجارية وحدها هي التي يسمح لها بتنظيم الانتخابات- أي بين رجال الأعمال، والذين لا يشكلون أي تهديد للمؤسسة.
تأسست المملكة في عام 1932 على يد الملك عبد العزيز، بعد أن تمكن من هزيمة خصومه في المنطقة. وخلال أقل من عام واحد قام بتوقيع امتياز مع شركة ستاندارد أويل النفطية في كاليفورنيا، والتي تعرف الآن بشركة شيفرون، لتقوم بالتنقيب عن النفط في الجزء الشرقي من البلاد. وقد كان ذلك أمراً استثنائياً للغاية، حيث أن الولايات المتحدة لم يكن لها أي تعامل مع تلك الدولة. حيث أن بعض المبشرين المسيحيين الذين كانوا يقيمون في البحرين، وهي جزيرة مقابل الشواطئ السعودية، وهم أعضاء في الكنيسة الإصلاحية. هؤلاء المبشرون ساعدوا في إقناع الملك عبد العزيز بإمكانية العمل مع الأمريكيين. حيث دخلوا إلى الأراضي السعودية لتقديم الرعاية الطبية لبعض جنود الملك ولم يقوموا بأي محاولة للتنصير . لقد كانت مهمتهم طبية بحتة. وفي إحدى المرات قاموا بمعالجة الملك، فالأجانب الوحيدين الذين تعامل معهم السعوديون في ذلك الوقت هم البريطانيون، ولذلك وجدوا الأمريكيين مختلفين عنهم كلياً.
والتفسير الذي تركه لنا الملك عبد العزيز للسبب الذي دفعه إلى العمل مع الأمريكيين، هو أن هذا التعامل جاء نتيجة مذكرة بعثها مساعد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج ماكاغي، الذي التقى بالملك في عام 1950. ولم نعلم بذلك اللقاء إلاّ في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، عندما تم رفع السرية عن ذلك اللقاء. لقد كان ذلك شيئاً رائعاً. فقد حرر عبد العزيز نفسه من عقدة الخوف على البلاط السعودي. ولم يكن شغله الشاغل في ذلك الوقت مطاردة واشنطن، بل كان قلقه من الشيوعية التوسعية. بل بالأحرى كان يخشي من هجوم وشيك من قوات العائلات الهاشمية التي كانت تحكم الأردن والعراق في ذلك الوقت. فقد كانوا حاقدين على آل سعود لأنهم قاموا بإبعادهم من الأراضي المقدسة في مكة والمدينة في العشرينيات من القرن الماضي. وللتعامل مع التهديد الهاشمي أراد الملك الدخول في تحالف عسكري مع الولايات المتحدة والحصول على السلاح في شكل منحة وبأسرع وقت ممكن. وقد عرض عليه البريطانيون تحالفاً كهذا، غير أنه لم يكن يثق بهم لأنهم كانوا المؤيدين الرئيسيين لأعدائه الهاشميين. ولعل هذا ، كما قال ماكاغي هو ما دفع الملك عبد العزيز إلى منح امتياز التنقيب عن النفط للشركات الأمريكية. وسمح للولايات المتحدة ببناء واستخدام القاعدة الجوية في الدمام "لإثبات أن أمن المملكة العربية السعودية يمثل أهمية قصوى بالنسبة للبلدين".
ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، كان هناك إنتاج أو نقل محدود للنفط بعد أن تم أول اكتشاف للنفط في الدمام عام 1938. ولكن في عام 1943، بدأ الرئيس الأمريكي روزفلت وإدارته يدركان أن النفط ستكون له أهمية كبيرة في المستقبل. وبدأت العلاقات في النمو. وتمهيداً لتقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية للسعودية، أعلن روزفلت "أن الدفاع عن السعودية مسألة حيوية للدفاع عن أمن الولايات المتحدة". وهو أمر لابد أنه فاجأ الكثير من الأمريكيين الذين لم يسمعوا قط بالسعودية من قبل.
وقال وزير البحرية في إدارة روزفلت، ويليام نوكس للكونغرس في مارس 1944 أن الحرب جعلت حكومة الولايات المتحدة أكثر قلقاً تجاه النفط. وأعلن ما كان يفترض أن تكون سياسة أمريكا النفطية لما بعد الحرب، وتحديداً "السعي لاستملاك مصادر للنفط خارج حدود الولايات المتحدة من أجل أمن وسلامة البلاد". هذا هو السبب الجوهري الذي زاد من ارتباطنا أكثر فأكثر بالسعودية.
في عام 1944، شركة كاليفورنيا أرابيان ستاندارد أويل (California Arabian Standard Oil Company) التي أسستها شركة شيفرون، تحول اسمها إلى أرابيان أمريكان أويل كومباني (Arabian American Oil Company) أو أرامكو Aramco. وأحضرت شركة شيفرون ثلاثة شركاء آخرين من أكبر الشركات الأمريكية وهي شركات: موبيل Mobil و وإيكسون Exxon، وتكساكو Texaco. ولم تكن أرامكو شركة نفط وحسب. ففي السنوات الأولى كان يتجه إليها الملك للقروض، لأنهم لم يكونوا يجنون أية أموال من النفط في ذلك الوقت وحتى بعد ذلك بفترة طويلة. وأصبحت أرامكوا بمثابة وكيل للولايات المتحدة في السعودية. وشركة أرامكو هي التي أدخلت الحداثة إلى السعودية.
وفي فبراير عام 1945، التقي الرئيس الأمريكي روزفلت بالملك عبد العزيز على ظهر السفينة الحربية الأمريكية (USS Quincy) في البحيرة المصرية المرة العظيمة (Great Bitter Lake). وكلا البلدين يعتبران هذا اللقاء بمثابة البداية لعلاقاتهما الخاصة. وفي حدود علم الجميع، لم يتحدث الزعيمان عن النفط، ولكنهما تحدثا عن فلسطين. فقد كان الملك قلقاً بشأن ما ستفعله الولايات المتحدة تجاه إنشاء دولة يهودية هناك، وهل ستكون هناك دولة للفلسطينيين. وهذه القضية تعود إلى بداية علاقتنا، وهي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا.
وفي عام 1948، تم اكتشاف كمية كبيرة من الذهب. وقامت أرامكو باكتشاف حقل غوار النفطي، وهو أكبر حقل لإنتاج النفط في العالم. وحقل غوار الذي بدأ الإنتاج في عام 1951، طوله 170 ميل وعرضه 20 ميل. وفي مرحلة معينة كان يحتوي على احتياطي مؤكد من النفط يبلغ 170 مليار برميل. وقد ظلوا ينتجون نصف إنتاجهم أو أكثر من النفط منذ خمسين عاماً. وأغلب الصادرات النفطية السعودية تأتي من هذا الحقل، أي حوالي 5 ملايين برميل في اليوم. ولا يزال حقل غوار اليوم يحتفظ بحوالي 70 مليار برميل من احتياطي النفط، مقارنة بحوالي 20 مليار برميل إجمالي الاحتياطيات الأمريكية من النفط.
وفي عام 1950، وفي محاولة لحل مشكلة توصيل النفط السعودي إلى الأسواق الأمريكية والغربية، قامت شركة بكتل الأمريكية ببناء أنبوب للنفط طوله 1000 ميل يمتد مباشرة من حقول النفط السعودية عبر الأردن ومرتفعات الجولان إلى ميناء صيدا في لبنان، لنقل النفط مباشرة إلى أنابيب البحر الأبيض المتوسط. وقد بدأ النفط يتدفق عبر هذا الأنبوب في العام التالي، واستمر في العمل حتى عقد السبعينيات. والسنة الأخيرة في الاكتفاء الذاتي لأمريكا من النفط كانت سنة 1970- ومنذ ذلك الوقت حتى عقد الثمانينيات، لم يكن النفط السعودي مهماً بالنسبة للولايات المتحدة.
في عام 1971، انسحب البريطانيون من الخليج الفارسي، تاركين فراغاً سبب قلقاً شديداً بالنسبة للولايات المتحدة، التي أصبحت مسئولة عن حماية دول الخليج العربي ومسارات النفط إلى الولايات المتحدة.
وفي عام 1973، قادت الحكومة السعودية حملة الحظر النفطي على الولايات المتحدة. (وكذلك هولندا). مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط من 3 دولارات للبرميل إلى 12 دولاراً. وفجأة أصبحت السعودية تحت مراقبة دقيقة من قبل الولايات المتحدة، وأصبحت غنية جداً. حيث ارتفعت عائدات النفط السعودية من 8.5 مليار دولار في عام 1973 إلى 35 مليار دولار في عام 1974. وبتلك الأموال بدءوا بشراء الدبابات والطائرات الأمريكية وتشييد البنى التحتية. وبدأت العلاقات العسكرية الأمريكية. حيث قامت الشركات الأمريكية ببناء كل البنية التحتية العسكرية للسعودية القائمة اليوم. وخلال السنوات العشرين التي تلت تلك الفترة، أنفق السعوديون ما يتراوح بين 85-86 مليار دولار في شراء الأسلحة الأمريكية. فعندما تقوم بناء طائرة، يجب أن يكون لديك منشأة لصيانتها وتدريب الأشخاص الذين يستخدمونها. إنه مشروع ضخم. لقد كنا حلفاؤهم الرئيسيين.
ولكن في عام 1973، وبسبب الحرب بين إسرائيل والدول العربية، بدأ السعوديون يهيمنون على أرامكو. فأصروا على أخذ 25% فائدة على الشركة، يتم دفعها من النفط- لم يرغبوا في تأميم الشركة بدون مقابل. وبحلول عام 1980 امتلكوا الشركة بنسبة 100%. ولكنهم تعاملوا مع شركائهم الأمريكيين معاملة حسنة. حيث منحوا شركاؤهم الأمريكيين- شفرون وموبيل وإكسون وتكساكو- الأولوية في بيع النفط ومنحوهم خصومات خاصة، لإرضاء كل من واشنطن وتلك الشركات. ولذلك استمرت العلاقات قوية ووثيقة بين هذه الشركات والسعودية.
ويمكن للمرء أن يقف على ثلاث فترات مرت بها العلاقات الأمريكية السعودية منذ عام1973:
المصالح المشتركة 1973-92
كانت هذه الفترة من أشد فترات العلاقة الوطيدة بين البلدين. فمنذ أن دخلت السعودية تحت مراقبة ردار واشنطن في عام 1973، تضاعفت مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية، وبناء البنى التحتية للمنشآت العسكرية. وخلال تلك الفترة أصبحت السعودية المزود الأول للولايات المتحدة بالنفط. وخلال إدارة كارتر، انفصل الملك عن كل نظرائه من منتجي النفط العرب. وللمساعدة في إعادة انتخاب كارتر قاموا بتخفيض النفط بحوالي 6-7 دولارات عن سعر المنتجين الآخرين، غير أن تلك الخطة لم تنجح للأسف الشديد. ولعل هذا كان بمثابة مكافأة له على جهوده في اتفاقيات كامب ديفيد. لذلك كانت العلاقات مع كارتر جيدة جداً.
انضم السعوديون بعد ذلك إلى حملة ريجان نيابة عن محاربي الشيوعية، فقاموا بتقديم الأموال للمجاهدين الذين كانوا يحاربون السوفييت في أفغانستان. ومساعدة ريجان عندما رفض الكونغرس المصادقة على تقديم الأموال إلى ثوار الكونترا في نيكارغوا، حيث قام السعوديون بتقديم الأموال إلى يونيتا في أنغولا.
غير أن إدارة بوش الأب وحرب الخليج في عام 1990-91 مثلت القمة في منحنى العلاقة بين البلدين. فقد سمح السعوديون للرئيس بوش بإرسال 500 ألف جندي إلى المملكة لحمايتها وتحرير الكويت، لأنه كانت هناك شكوك في احتمال عدم توقف صدام حسين في الكويت.
تدهور بطيء 1992-2001
بدأت العلاقات الأمريكية السعودية في التراجع إبان إدارة كلنتون. حيث أن كلينتون لم يكن يرغب في السعودية. فقد بدأ بداية سيئ جداً مع السعوديين، والعلاقات بين البلدين كانت تدار بطريقة أشبه "بالطيار الآلي" كما قال لي السفير السعودي السابق الأمير بندر بن سلطان. لقد شعر السعوديون بالقلق في خريف عام 1998، وحينها ذهب ولي العهد حينها الأمير عبد الله (الملك حالياً) إلى واشنطن لمحاولة إحياء العلاقة بين البلدين. والتقى بجميع الشركات النفطية التي كانت تعمل في السعودية سابقاً، وقال "نحن مستعدون للعمل". ودعاهم إلى تقديم عروض للعودة إلى المملكة للتنقيب عن الغاز وربما عن النفط. لقد كان ذلك منعطفاً هاماً أشار إلى أن السعوديين كانوا قلقين بالفعل مما كان يجري. لقد أرادوا بناء الجانب الاقتصادي من العلاقة، على أمل أن يعيد هذا الجزء الحياة إلى العلاقات السياسية. غير أنه وللأسف الشديد أن تلك المفاوضات التي بدأت في عام 2000 واستمرت حتى عام 2003، لم تنجح لاسباب سنأتي إليها فيما بعد. ولكن في إطار تلك العملية، تم تشكل ثلاثة اتحادات دولية، اثنين منهما كانا بقيادة إكسون وموبيل.
إدارة بوش 2001-2008
إدارة جورج بوش الابن أيضاً بدأت في عام 2001 بداية سيئة مع السعودية. وكان السعوديون يعقدون عليه آمالاً كبيرة بسبب علاقتهم الجيدة مع والده. ولكن جورج بوش الابن لم يكن مهتماً بالسياسة الخارجية. فقد أهمل الشرق الأوسط. وأصبح غضب الملك عبد الله يزداد أكثر فأكثر. وقبيل الحادي عشر من سبتمبر، تعرضت العلاقات لضربة قوية. فقد قال الملك، إذا لم تفعلوا شيئاً لتحريك محادثات السلام في الشرق الأوسط، سنقوم بتجميد علاقاتنا العسكرية معكم. بل كانت هناك تلميحات إلى أنهم ربما يفعلوا الشيء نفسه مع النفط.
ثم وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واتفاق النفط مقابل الأمن لم يعد مرتبطاً بمراحل معينة. حيث أن 15 من الخاطفين الـ19 كانوا سعوديين. كما أن أسامة بن لادن كان سعودياً، بالرغم من تجريده من جنسيته السعودية. وتغير موقف الجميع بشكل مثير تجاه المملكة العربية السعودية. وأصبحت الوهابية قضية لأول مرة في علاقاتنا. وباتت السعودية ينظر إليها على أنه المصدر الروحي للإرهاب، ومؤسس للإرهابيين. وثار جدل كثيف في الكونغرس ووسائل الإعلام حول ما إذا كانت السعودية عدو أم صديق. ولماذا يتورط كل هذا العدد من السعوديين في هذه الأحداث ؟ ما الذي كان يحدث هناك؟ وبات من الضروري جداً بالنسبة لوزارة الخزانة ومكتب التحقيقات الفيدرالي الاستيلاء على كافة الوثائق المالية الخاصة بالأمير بندر بن سلطان في السفارة السعودية، في محاولة لمعرفة الجهات التي كانت تذهب إليها الأموال السعودية داخل الولايات المتحدة. وهذا شيء استثنائي ونادر الحدوث. ومن خلال متابعة ما كانت تقوم به المؤسسات الخيرية، كانوا خائفين من قيام السعوديين بتمويل الإرهابيين أو الأصوليين داخل الولايات المتحدة.
وفي عام 2003، حدثت عدة أشياء جعلت العلاقات بيننا أكثر تعقيداً. فالغزو الأمريكي للعراق كان بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة للسعودية. وفجأة أصبحت الولايات المتحدة مصدر أساسي لعدم الأمن بالنسبة للسعودية. عندما قمنا بتنصيب حكومة يهيمن عليها الشيعة المؤيدين لإيران في بغداد. فمن وجهة نظر السعوديين، كان هذا أسوأ كابوس يمكن أن يتوقعوه في منطقة الخليج بسبب التوتر بين إيران، وهي قوة شيعية، والسعودية، أرض الحرمين الشريفين مكة والمدينة، وهي تعتقد أنها تتبوأ موقع القيادة بالنسبة للطائفة السنية في العالم، بينما الأخرى ترى نفسها قائدة للطائفة الشيعية في العالم. وبينما كان السعوديون قلقون من توازن القوة في الخليج، جاءت الولايات المتحدة، حليفتهم، لتنصب حكومة عراقية مؤيدة لإيران! ومن وجهة نظر السعوديين، فأنهم لم يفهموا ما كان يفكر فيه بوش ولماذا فعلت الولايات المتحدة هذا بهم.
وبعد إبعاد صدام على الفور، قام السعوديون بإبعاد طواقم القوات الجوية وأوقفوا المفاوضات مع شركات النفط الأمريكية. واتجهوا بدلاً من ذلك إلى شركات النفط الصينية والروسية والأوربية، ودعوها إلى الدخول والتنقيب عن النفط والغاز. وقرروا بعد ذلك عدم شراء الطائرات الأمريكية ، الرمز الأساسي للعلاقات العسكرية. وبدلاً منها قاموا بشراء طائرات "تايفون الأوربية من بريطانيا.
ومن ناحية أخرى، وفي ربيع عام 2004، حاول السعوديون أن يسيطروا على أسعار النفط. وفي مايو 2004، ارتفع سعر برميل النفط من 26 إلى 28 إلى 40 دولار، حتى وصل إلى 174 دولار للبرميل في مثل هذا الوقت من العام الماضي. وبناءً على طلب من الأمريكيين، قال السعوديون أنهم مستعدون لضخ مليوني برميل إضافية من النفط يومياً لتخفيض الأسعار. والمشكلة هي أن السعوديون فقدوا السيطرة على السوق. ومع ذلك قاموا بضخ ما يقارب المليوني برميل إضافية في اليوم، غير أنها لم تؤثر على أسعار النفط. ومع حلول موعد الانتخابات في عام 2004، كان سعر برميل النفط قد بلغ 50 دولاراً. ولذلك فقدت السعودية سيطرتها على سوق المضاربين والتجار، وهي قوى لا يملكون السيطرة عليها.
وهكذا، فإن الاتفاقية التي تربط بين البلدين لعدة عقود- يقوم السعوديون بموجبها بتزويدنا بالنفط بأسعار معقولة، بينما نقوم نحن بتوفير الأمن لهم- لم تعد قائمة. فقد كنا نحن الذين تسببنا في حالة انعدام الأمن التي واجهوها في الخليج، كما أنهم لم يتمكنوا من تزويدنا بالنفط بأسعار معقولة. وتعرضت الدعامة الأساسية التي كانت تقوم عليها هذه العلاقة إلى هزة شديدة.
وفي عام 2005، حاول بوش أن يعيد العلاقات إلى سابق عهدها، عندما حضر الملك عبد الله إلى كروفورد بولاية تكساس للقاء بوش. وفي نهاية عهد إدارته، حاول بوش إعادة تحريك العملية السلمية، ولكن دون أن ينخرط فيها بنفسه. والسعوديون لم يكونوا مرتاحين لذلك. ولم تعجبهم الأجندة الديمقراطية لواشنطن، فرفضوا مطالبة واشنطن لهم بقيادة عملية إصلاح ديمقراطي في المنطقة.
عهد أوباما
على العكس من أسلافه، بدأ الرئيس أوباما بداية جيدة مع السعوديين، بمعنى أنه يقول الأشياء التي طالما رغب السعوديون في سماعها منذ عهد بعيد. إنه رئيس أمريكي يقول أنه يريد بدأ محادثات السلام في بداية إدارته وليس في نهاية عهدها. إنه يمارس الضغوط على إسرائيل لوقف الاستيطان قبل أن تتحول الضفة الغربية إلى شيء لا يمكنه أن يصبح دولة للفلسطينيين قابلة للحياة. كما أن أول مقابلة له مع وسيلة إعلام أجنبية، كانت مع قناة العربية، وهي محطة تلفزيونية يملكها السعوديون. وذهب إلى السعودية في 23 يونيو قبل أن يذهب إلى القاهرة، لقد كان يحاول دفع الملك إلى اتخاذ خطوات باتجاه اعتراف مبدئي من السعودية بإسرائيل. وذلك من قبل السماح بدخول دبلوماسيين إسرائيليين أو أشخاص يحملون جوازات إسرائيلية إلى المملكة، وكذلك السماح للطيران الإسرائيلي بعبور الأجواء السعودية. غير أن من وجهة نظر السعوديين، فإن هذه أشياء يمكن القيام بها في نهاية العملية، وليس في بدايتها، لأن هذه مجرد مساومة بأشياء بسيطة في العملية السلمية بين الفلسطينيين وإسرائيل. ولذلك، حتى يومنا هذا، لم نجد أساس للتعاون مع السعوديين.
هذا بالإضافة إلى العراق. فبينما نقوم نحن بدعم حكومة نوري المالكي، رفض السعوديون فتح سفارة لهم في العراق. ولن يقوموا بدعوة المالكي لزيارة السعودية، حيث أنهم يعتبرونه عميلاً لإيران.
ولذلك نحن نسعى جاهدين لتحديد المجالات التي يمكن أن تكون أساساً للتعاون بيننا، ولعل آخرها مشكلة أسعار النفط، فبينما يريد السعوديون رفع أسعار النفط إلى مستوى 75-80 دولار للبرميل، يريد الأمريكيون إبقاءه أدنى من ذلك بسبب الحالة الاقتصادية. إن قدرة الحكومتين الأمريكية والسعودية في بناء (أو إعادة بناء) علاقات اقتصادية وأمنية متينة، لا تزال قيد البحث.
__________________
1 ديفيد أوتاوي : أحد الخبراء في معهد ودورد ويلسون ومراسل صحفي سابق لصحيفة واشنطن بوست.
2 هذا المقال ماخوذ من العرض التقديمي الذي أعده حول "السياسة الخارجية الأمريكية والشرق الأوسط الحديث"، مادة تدريبية ضمن البرنامج الصيفي لتدريب المعلمين الذي أقيم برعاية معهد البحوث، في الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2009م، في فيلادلفيا.
المصدر: http://hnn.us/roundup/comments/115247.html