مخلص – سلسلة المائدة المستديرة لمنطقة الخليج[1]

 المملكة العربية السعودية: التحركات المحلية والسياسات الإقليمية[2]

لقد اتسعت دائرة النقاش في المملكة العربية السعودية بشكل كبير حول القضايا الاجتماعية وقضايا السياسة الإقليمية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وجزء كبير من هذا النقاش تحركه وسائل الإعلام، التي قامت هي الأخرى بتوسيع دائرة تغطيتها للأحداث لتشمل بعض المسائل كحقوق المرأة، وحرية التعبير، والمسائلة الحكومية، حيث طالب بعض المعلقين ولأول مرة الحكومة كي تستخدم نفوذها السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به لرسم سياسة إقليمية أكثر فاعلية، خصوصاً فيما يختص بإيران والعراق.

د. غريغوري غوس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيرمونت، يقول أن الملك يستمع إلى حد ما لآراء الآخرين، وقدم غريغوري تقييمه للنقلة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في التحركات الداخلية وعلى صعيد سياساتها الإقليمية، ضمن فعاليات المائدة المستديرة التي عقدها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS حول منطقة الخليج في 21 مايو 2010.

ويقول غريغوري إن وضع المرأة هو مؤشر جيد لقياس التقدم الذي تحققه المملكة العربية السعودية في مجال الإصلاحات الليبرالية، وبناءً على هذا المؤشر- حسب غريغوري- فقد خطت البلاد خطوات بسيطة ولكنها هامة خلال السنوات الخمس أو العشر الماضية، فقد أصبح الاختلاط في المناسبات العامة أكثر شيوعاً من ذي قبل، حيث قام الملك بإنشاء أول جامعة مختلطة في المملكة في تحدي واضح للعناصر الدينية المتشددة، كما قام الناس والسعوديات على المستوى الفردي بكتابة مقالات مثيرة واستفزازية في الصحافة، ونشر روايات (مثيرة في أغلب الأحيان) بينما القيود السياسية والثقافية لا تزال صارمة، ويقول غريغوري أن الملك يقوم بوضع الأسس اللازمة لبدء إصلاحات فيما يخص المرأة، وذلك من خلال تشجيع النقاش والتعليق حول هذا الموضوع.

ويقول غريغوري أيضاً أن وسائل الإعلام المطبوعة، أصبحت وبشكل متزايد في الفترة الأخيرة، كمنتدى لإدارة هذا النوع من المناقشات الاجتماعية والثقافية. ولاحظ غريغوري أن الصحف باتت الآن أكثر نشاطاً وحيوية مما كانت عليه قبل عقد من الزمان، كما أصبح الصحفيون وكتاب الأعمدة اليومية أكثر قدرة على تناول قضايا أكثر أهمية وأكثر إثارة. غير أن غريغوري يبدي بعض الحذر، فبالرغم من هذه التغييرات، فأن إقالة رئيس التحرير السابق لصحيفة الوطن، جمال خاشقجي، يشير إلى أن هناك حد معين لهذا التسامح الذي تبديه الحكومة بالرغم من أن الحكومة السعودية شجعت النقاِش العام حول بعض القضايا، إلاّ أن الصحفيون لا يزالون يواجهون قيود الرقابة والعقوبات لتجاوز الخطوط الحمراء، التي هي غير واضحة في أغلب الأحيان.

في الآونة الأخيرة، بدأت الحكومة السعودية في التسامح مع المزيد من النقاش العلني حول الاتهامات ذات الصلة بالفساد، وقد استشهد غريغوري بردة فعل الملك عبد الله تجاه الفيضانات القاتلة التي تعرضت لها مدينة جدة في نهاية عام 2009، حيث قتل فيها أكثر من 130 شخص، وفي رد على بعض التسريبات بأن بعض المسئولين في جدة قاموا بسوء استغلال الأموال العامة وتوجيهها بعيداً عن المشاريع التي كان يمكن لها أن تحد من آثار الفيضانات التي تعرضت لها مدينة جدة، أمر الملك الأمير خالد الفيصل، والذي يعد جديد نسبياً في منصب أمير منطقة مكة، بإجراء تحقيق حول الموضوع، وقد تضمن تقرير الأمير خالد بعض الأسماء – بالرغم من أنه لم يتم الإعلان عنها- وقام الملك بإحالة هذه الأسماء إلى السلطات القضائية، وقامت الصحافة السعودية بدورها بشكر الملك على هذه الخطوة، وزعمت أن الملك وضع معياراً للمحاسبة الحكومية.

وبينما الرأي العام لا يعد عاملاً رئيسياً في صناعة السياسة الخارجية السعودية، إلاّ أن هناك تزايد واضح في الآونة الأخيرة في النقاش الذي يتناول مواقف المملكة العربية السعودية على الصعيد الإقليمي. حيث أكد غريغوري أن بعض المنتديات وبعض الأعمدة الصحفية عبرت عن لومها للحكومة السعودية لكونها لم تلعب أدواراً أكثر فاعلية بشان العراق وإيران، وقد لمس من خلال بعض المناقشات الخاصة مع المتخصصين في السياسة الخارجية السعودية، أن الملك يتغلب على كراهيته الشخصية لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ويمارس قدر أكبر من التأثير في العراق. كما طالب بعض الصحفيين السعوديين بموقف أكثر قوة تجاه إيران وعملائها في المنطقة.

وعزا غريغوري جزء من الموقف السلبي للنظام السعودي تجاه القضايا المتصلة بإيران إلى الحذر التقليدي الذي يتسم به السعوديون في خوض المواجهات المباشرة مع جيرانهم، وفهم غريغوري لهذا الأمر هو أن الحكومة السعودية تنظر إلى التأثير السياسي لإيران على أنه أكبر تهديد للاستقرار في المنطقة، وبالتالي تسعى الحكومة السعودية جاهدة لبناء تحالفات ضد إيران وحلفائها أو كسر التحالفات التي تقيمها إيران في المنطقة. وحتى هذا الوقت، تمكنت الجهود السعودية من تحقيق بعض النجاحات في هذا المسعى، فالاتفاقية التي تمت في عام 2007 بين فتح وحماس بوساطة سعودية في مكة لم تدم طويلاً. كما أن الدعم السعودي لحركة الرابع عشر من آذار في لبنان ساعدها على الفوز بالانتخابات في عام 2009، ولكن هذا لا يعني أنها تمكنت من تحييد حزب الله. والمملكة أيضاً تصف هجماتها العسكرية ضد الحوثيين في شمال اليمن بأنها انتصار على عملاء إيران في المنطقة، ولكن الكثير من المراقبين يلاحظون مبالغة في النجاحات السعودية، فضلاً عن وجود أدلة محدودة لتورط إيران في القضية.

وعلى حد قول غريغوري ، فأن الحكومة السعودية ليس لديها موقف رسمي من البرنامج النووي لإيران، فيما عدا رغبتها في شرق أوسط خال من الأسلحة النووية، ويلاحظ أن المملكة العربية السعودية لا تدري كيف تتصرف لإفشال الطموحات النووية لإيران: فهي تتمنى أن تقوم الولايات المتحدة بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، ولكنها في الوقت نفسة لا ترغب في أن تلجأ إيران إلى الانتقام من دول الخليج إذا ما قامت الولايات المتحدة أو إسرائيل بتوجيه ضربات عسكرية إليها، وهو ما ستفعله إيران دون شك. ويتوقع غريغوري أن يقوم المسئولين السعوديين بتأخير اتخاذ أي قرار بالخيارات التي سيلجئون إليها إذا تمكنت إيران من الحصول على السلاح النووي حتى يصبح الأمر ضرورياً، وتصبح الضمانات العسكرية الأمريكية في صالح حساباتهم بقوة، كما ان النقاش العام حول الآثار الإستراتيجية لإيران نووية، قد إسكت بشكل ملحوظ، وقد عبر غريغوري عن مخاوفه من أنه عندما يأتي الوقت الذي تصبح فيه الحاجة ملحة لاختيار خط معين للتحرك ، أن لا تكون الحكومة تمكنت من دراسة سلسلة كافية من الخيارات.

وعلى الرغم من ذلك، فالتغيير الذي شهدته المملكة خلال السنوات العشر الماضية لم يؤثر بشكل كبير على علاقاتها مع الولايات المتحدة، والتي يصفها غريغوري بأنها في صورة جيدة. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وحذر الحكومة الأمريكية من ممارسة ضغوط علنية على المملكة العربية السعودية لتحسين سجلها في حقوق الإنسان، وزعم أن المنظمات غير الحكومية في وضع أفضل لتحريك مثل هذا النقاش. وفي مجال السياسة الخارجية، لا يزال واضحاً أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تقيسان دراجة حرارة علاقتهما على ضوء عملية السلام المتوقفة بين العرب وإسرائيل، والطموحات النووية لإيران.

___

 [1] سلسلة المائدة المستديرة لمنطقة الخليج : بدء برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بمائدة مستديرة عن منطقة الخليج في إبريل من عام 2007، لدراسة الأهمية الإستراتيجية لسلسلة واسعة من النزعات والميول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشهدها منطقة الخليج، والتعرف على الفرص التي يمكن أن تساعد الولايات المتحدة للقيام بمشاركة بناءة في هذا الشأن، وتقوم المائدة المستديرة بتعريف منطقة الخليج بأنها تضم دولة الإمارات العربية والمتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطة عمان وقطر والبحرين والكويت والعراق وإيران، وتنعقد المائدة المستديرة شهرياً، وتجمع مجموعة متنوعة من خبراء المنطقة من صناع القرار والأكاديميين وقادة الشركات، سعياً لبناء فهم أوسع للتعقيدات التي تشهدها المنطقة، ومن بين المواضيع التي تناقشها المائدة : دور الحركات الإسلامية في السياسة، والحرب على الإرهاب، والتحول الديمقراطي، والقيود التي تواجه المجتمع المدني، والأهمية الإستراتيجية للطاقة التي ينتجها الخليج، وميول وساءل الإعلام، وتحرير التجارة، وفرص أكبر للتكامل الإقليمي. وقد نجحت المائدة المستديرة لمنطقة الخليج في أعمالها بفضل الدعم السخي الذي تقدمه سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة.

 [2] ترجم الى العربية بواسطة موقع إسلامي ديلي :

(http://csis.org/event/gulf-roundtable-saudi-arabia-domestic-dynamics-and-regional-policies )

1
8625
تعليقات (0)