مملكة منقسمة [1]

كيف قاد الحادي عشر من سبتمبر عالم بارز لتحدي تعاليم آل سعود للإسلام.

الكاتب: كلير مورفي - 15 يوليو2010
ترجمة موقع إسلام ديلي

جدة، المملكة العربية السعودية – في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان احمد بن باز في إجازة في باريس، وعندما شاهد الفظائع في نيويورك وواشنطن على شاشات التلفزة، شعر "بصدمة هائلة".

وعندما ظهرت التفاصيل التي اشارت إلى أن 15 من الخاطفين الـ 19 كانوا سعوديين، وان المؤامرة تم تدبيرها بواسطة سعودي آخر وهو أسامة بن لادن، بالإضافة الى مجموعة كبيرة من الفرضيات التي لم تجد من يعترض عليها على مدى سنوات طويلة حول آل سعود والتي فجأة باتت مطروحة أمام هذا المفكر الإسلامي.

يقول بن باز "خلق هذا الموضوع شيء أشبه بالهزة في داخلي" وقادته إلى خلاصة مفادها "يجب أن نعيد التفكير في أنفسنا.... ونعيد التفكير في جذور الإسلام، وأن نعيد التفكير فيما إذا كان كل ما نقرأه في الكتب إسلاماً صحيحاً".

وهذا ليس قول سهل خصوصاً إذا كنت ابن عبد العزيز بن باز، الذي ظل أكبر نجم في المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية على مدى ربع قرن من الزمان، فبصفته مفتياً للمملكة، كان الراحل بن باز من ابرز أنصار الإسلام السلفي شديد المحافظة، الذي يعرف أحياناً بالمذهب الوهابي.

غير أن ابنه، 40 عاماً، بدأ في الآونة الأخيرة يخرج من جلباب أبيه، فقد أصبح شخصية مثيرة للجدل، حيث يسخر منه بعض السعوديين ويصفونه بأنه شديد التحرر، بينما يحظي بإعجاب البعض الآخر بسبب صراحتة الغير عادية.

وخلال مقابلة طويلة ونادرة مع (Global Post) في منزله الواسع في هذه المدينة الساحلية، كشف ابن باز الستار عن النزاع الحاد والحاسم الذي يقوده آل سعود وحلفائهم من المعتدلين لاستعادة السيطرة على الإسلام من المتطرفين الذين حرفوا الدين القديم إلى مذهب فوضوي لتبرير الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في عام 2001، والمملكة العربية السعودية في 2003.

إنه الصراع الذي لا تقف نتائجه عند حدود المملكة العربية السعودية، كونها موطن الوحي الذي حمل رسالة الإسلام، فإن الملايين من المسلمين حول العالم يتطلعون لقيادتها الروحية، وابن باز من أحد المشاركين في هذا الصراع بالرغم من أنه لا يتولى أي منصب رسمي، ولا يدعي صفة العالم، أو رجل الدين، وهو محاضر سابق في الجامعة وأستاذ للفقه الذي درسه على يد والده، ويقول ابن باز انه يفضل ان يوصف "مفكر مستقل".

وفي ذلك الحور انتقد ابن باز مقاومة المسؤولين الدينيين السعوديين للضغط الذي مارسته الولايات المتحدة على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فيما يخص مراجعة المناهج التعليمية السعودية، وذلك بالرغم من أنها- على حد قوله - "كانت تحتاج إلى مراجعة".

وبينما هناك "بعض الخطوات الجادة" التي اتخذت "لاستئصال بذور الإرهاب" من المناهج التعليمية، إلاّ أن ما تم حتى الآن ليس كافياً.

ودعا على أقل تقدير إلى ما يمكن أن يكون "انتفاضة أكاديمية" - على حد قوله- لتجديد نظرة المملكة العربية السعودية تجاه الثقافة الإسلامية.

وقال ابن باز في إشارة إلى الشريعة الإسلامية "لا يمكننا أن نوافق على ربطنا بمجموعة من مبادئ الشريعة التي تم وضعها قبل مئات السنين... ونحاول تطبيقها في الوقت الحاضر. ويجب أن ندخل مفاهيم جديدة تتناسب مع العصر والواقع الذي نعيشه في زماننا هذا".

وقال أن المملكة في حاجة إلى قبول المزيد من التنوع في الفكر الإسلامي.

وقال أيضاً "هناك الكثير من الأصوات الجديدة التي بدأت تظهر في المذهب السلفي ... وهي تناقش بشكل هادئ وتقدم أفكار جديدة".

وقال مع أن هؤلاء العلماء لم يجدوا القبول في المجتمع السعودي على نطاق واسع، إلاّ أنهم قد تأثروا بالعولمة إلى حد كبير، ويدركون أن فكرة "أن بقية أهل الأرض كلهم ملحدون وأنهم ضدنا، لم تعد موجودة".

تعليقات ابن باز- وانتقاداتها الضمنية للمؤسسة الدينية للملكة- سمعت قبل ذلك من سعوديين آخرين، وعادة كانوا يدفعون مقابلها ثمناً غالياً بما في ذلك السجن، عقاباً على صراحتهم.

ويقول خالد الدخيل وهو عالم اجتماع من الرياض "لكن بالنظر إلى انتماء احمد بن باز، فإن رحلته الفكرية من الخلفية الدينية لوالده إلى رؤيته الحالية، يؤكد المرونة والتنوع الذي بات يتسم به الخطاب الديني السعودي في الآونة الأخيرة".

ويضيف الدخيل: "هو جزء من هذه الظاهرة ... وهي أن الكثيرين من بدءوا متدينين جداً ومحافظين للغاية ... غيروا مواقفهم لأنهم بدءوا بقراءة كتب أخرى تختلف عن تلك التي تمت تغذيتهم بها أثناء فترة الشباب، حينما كان يجب عليك أن تقرأ النصوص الدينية فقط".

لقد كانت النتيجة ظهور طيف واسع من وجهات النظر الإسلامية في الوقت أصبحت المؤسسة الدينية الرسمية تشهد تدهوراً في التأثير والمكانة، وهو التدهور الذي يعزوه الخبراء لعدة أسباب. ويقول ديفيد دين، أستاذ التاريخ في كلية ديكنسون ومؤلف كتاب "الرسالة الوهابية والمملكة العربية السعودية"؛ أولاً، الفراغ الذي خلفه رحيل ابن باز الأب في عام 1999، وكذلك رحيل عالم آخر كبير وهو محمد صالح العثيمين بعد عامين من وفاة ابن باز، وكلا الرجلين كانا شخصيتين عظيمتين في الإسلام السلفي المحافظ، ولا يزالان يحظيان باحترام هذا المذهب. ومنذ رحيلهما، لم يظهر أي شخص آخر يتمتع بنفس القدر من السطوة في المؤسسة الدينية السعودية.

وفي الوقت ذاتة، اجبر تنظيم القاعدة النظام الملكي على إعادة تقييم ما كان يعظ به بعض حلفائهم من رجال الدين. ولمدة طويلة، لم يعترض القادة السعوديين على إسلامهم السلفي الحرفي والمتزمت وضيق الأفق، الذي ينظر إلى المسلمين الآخرين وإلى غير المسلمين باستخفاف.

ولكن تسامح الحكومة مع هذا النوع من الإسلام السلفي بات يضعها أمام مسؤولية بعد الحادي عشر من سبتمبر، وبعد الهجمات الانتحارية التي تعرضت لها المملكة في عام 2003، حيث تعالت أصوات المنتقدين من داخل البلاد وخارجها على حد سواء، التي تندد بالمذهب المتعصب لأنه يمثل البذرة للتفسير الذي يعتنقه تنظيم القاعدة للإسلام، كما قال ديفيد دين وآخرون.

نتيجة لذلك، كان على حكام السعودية أن يحددوا وبشكل واضح أين يقفون من معتقدات شركائهم من رجال الدين. وكان رد الملك عبد الله بن عبد العزيز ببرنامج إصلاحي تضمن تأكيداً على التسامح والحوار. وفي ظل هذه البيئة الفكرية الأكثر انفتاحاً، بدأ المعتدلين من المتدينين وغيرهم والذين ظلوا مخنوقين لفترة طويلة يتحدثون علانية، منهين بذلك احتكار المؤسسة الدينية للمذهب.

وبناء على هذه الخلفية، كانت تعليقات ابن باز في الأعمدة الصحفية ومن خلال شاشات التلفزيون تتلقى وجهات نظر مختلطة.

إنهم مرحب بهم في قاعات الديوان الملكي التي تفوح بروائح البخور، حيث يسعى الملك المسن جاهداً لإقناع رعاياه المحافظين بقبول التغيير. كما يجدون الترحيب لدى عدد كبير من السعوديين الذين يؤيدون أجندة الملك ويريدون تفسيراً أكثر تقدمية للنصوص الإسلامية المقدسة.

عبد العزيز القاسم، وهو مفكر إسلامي وقاض سابق، تعرض للسجن في عقد التسعينيات عندما طالب بإصلاحات سياسية، يقول "إنه شخص ذكي، وصاحب عقلية مرتبة، ولديه معرفة كافية بالشريعة... وهو يتحدث بطريقة أفضل من العلماء التقليديين (علماء الدين)".

ولكن بالنسبة للكثير من السعوديين الآخرين – التي أعدادهم لا يستهان بها - فإن ابن باز هو ابن غير مطيع، بل خائن لإرث والده. ويقول هؤلاء المنتقدين، وبينهم بعض أقارب ابن باز، أن وسائل الإعلام "الليبرالية" تستغله لخدمة أجنتها التي ترمي إلى تحويل المجتمع السعودي إلى مجتمع علماني.

محمد الحضيف، وهو مسئول مراقبة الجودة في قناة تلفزيونية دينية ، ردد القول المسموع غالبا بأن ابن باز يحاول أن يستغل اسم أبيه لكي يصبح نجم وسائل الإعلام ... مثل باريس هيلتون".

غير أن هذه الانتقادات على مايبدو لا تضايق ابن باز، الذي يستقبل زواره في نهار مدينة جدة المشمس. لقد رحب بنا قائلاً أهلاً بكم، وصافحنا ثم قادنا إلى مجلس صغير أو غرفة استقبال، بها شاشة تلفزيونية كبيرة.

يعترف بحبه لمشاهدة الأفلام وأضاف : "لدي شو تايم".

(وقد أعلن والده ذات مرة أن التلفزيون وتسجيل الفيديو محرم في الإسلام، ولكنه قال فيما بعد أن استخدامها الحسن أو السيئ هو الذي يحدد تحريمهما من عدمه).

وقال ابن باز مبتسماً وهو يرتدي غترة بيضاء أنه يقضي جل وقته في دراسة القضايا الإسلامية، وفي إدارة مؤسسة خيرية تحمل اسم والده. وهو يحمل درجة الماجستير في الفقه الإسلامي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهي منارة الفكر الوهابي، حيث كان يُدرس الفقه لمدة عقد من الزمان.

وهو يعترف بأنه إرث والده يمنحه قدراً من المصداقية. ولكنه أيضاً يقيده ويمنعه من مناقشة بعض القضايا بشكل مفتوح، مثل ما إذا كان الحظر الذي تفرضه المملكة على الاختلاط بين الرجال والنساء ضروري في الإسلام.

وقد شهد الموضوع نقاشاً ساخناً في الأشهر الأخيرة، ولكن ابن باز لم ينضم الى هذا النقاش نزولاً على رغبة عائلته بأن لا يختلف علانية مع وجهة نظر والده في موضوع حساس كهذا. وقال ابن باز "المشكلة أنني أنوء بحمل ثقيل، إنني أحمل إرث والدي، لأنه ناقش هذا الأمر".

وفي عام 2003، توقف عن الكتابة، بعد أن أثارت مقالاته العديد من الحملات السلبية بما في ذلك من بعض أقاربه.

ومن المواضيع التي يناقشها ابن باز هو الحظر الذي تفرضه المملكة على قيادة النساء للسيارات، وهو الحظر الذي تم تبريره بفتوى من والده في عام 1990. ويقول ليس هناك أي شيء في الكتب الإسلامية يقول بأن المرأة ممنوعة من قيادة السيارة، ولكن مثل أي فتوى فإن فتوى والده كانت نتاج وقتها، وقد صدرت تحت ظروف خاصة.

فقد كانت البلاد تعيش في حالة خوف من قيام العراق بتوسيع غزوه للكويت ليشمل المملكة، وأن الآلاف من الجنود الأمريكيين الذين جاءوا إلى البلاد جلبوا معهم "غزواً" من الثقافة الغربية. ولذلك عندما احتجت مجموعة من النساء السعوديات ضد هذا الحظر بقيادة السيارات داخل مدينة الرياض، أدى ذلك إلى ردة فعل قوية من جانب المحافظين.

وقال ابن باز وهذه كانت "الأسباب الدنيوية" التي دفعت والده لتحريم قيادة النساء للسيارات، وأضاف، وعند تغير هذه الظروف يمكن مناقشة الموضوع مرة أخرى.

وقال ابن باز أن القصر الملكي نفسه شجعه للعودة مؤخراً إلى ميدان النقاش العام.

"الوقت الآن مختلف تماماً، الملك عبد الله مختلف.،لقد وجدت منه قدر كبير من التشجيع- على المستوى الشخصي، هذا يغير الكثير من الأمور. كما أنني الآن بدأت أجد القبول بين الجمهور. فهناك جيل جديد بدأ يظهر الآن، إنه جيل واعٍ، حيث يقرأ ويستمع لقضايا مختلفة.

المصدر: http://www.globalpost.com/print/5570573

[1] هذا هو الجزء الثاني من سلسلة تقارير Global Post التي أعدها كاريل مورفي Caryle Murphy التي تتناول العائلة المالكة السعودية وكفاحها في الداخل لاستعادة الإسلام من تنظيم القاعدة. إقرأ الجزء الأول على الرابط التالي: http://islamdaily.org/ar/Contents.aspx?AID=8656

1
8662
تعليقات (0)