الأسرة المالكة ضدّ الوهابيون

صحيفة "واشنطن تايمز"
معظم الإرهابيّين المطلوبين في المملكة العربيّة السّعوديّة ، الذين يبلغ عددهم 25 رجلاً ( 22 سعوديًّا, مغربيّان, و يمنيّ واحد ) ، و الذين ظهرت صورهم يوم الأحد الماضي على الصّفحات الأولى للجرائد المحلّيّة ، لا يزالوا طلقاء حتّى الآن ، و فيما يبدو أنهم في حمى التنظيم "القاعدة" السري في المملكة .

خصصت الحكومة جائزة قدرها مليون ريال سّعوديّ ( 267,000 $ ) لمن يعطي معلومات تؤدّي إلى اعتقال أحد الإرهابيّين المشتبه فيهم ، و ترتفع الجائزة إلى 1.3 مليون دولار أمريكي لأكثر من واحد من الإرهابيّين المشتبه فيهم، والى 1.9 مليون دولار امريكي لأي أعمال تؤدّي إلى إفشال أية عملية هجوم إرهابيّ .

و قد أُمِر كلّ الموظّفين الدّبلوماسيّين و العسكريّين الأمريكيّين في الرّياض, جدة ،

والظهران ، أن لا يخرجوا من مساكنهم - باستثناء الأعمال الضرورية – وأن يبقوا داخل البيوت الخاضعة للحراسة المشددة.

الهجوم الإستشهادي ، الذي قتل 17 شخص، كان ضدّ مجمع إسكان سعوديّ في 8 نوفمبر.

و السّؤال الذي يطرح كثيرًا في مجموعات النقاش في واشنطن: " كم من المدة يلزم حتى يسقط آل سعود ؟" والإجابات عن هذا السؤال، منها ما يقول أشهر قليلة ، والبعض الآخر يقول سنوات قليلة جدًّا.

لقد بدأت الحكومة السّعوديّة عملية رادعة ضخمة ضدّ المتطرّفين الدّينيّين والمتعصّبين الدينيين المشتبه فيهم بعد هجوم "الفدائيّين" لثلاثة مجمّعات إسكانية في تاريخ 12 مايو الماضي.

و هجوم "القاعدة" لم يزل يُوَجَّه حتّى الآن ، الى الأهداف الأمريكيّة و البريطانيّة و الى المواطنين من هذين البلدين . و لم يصبح الهدف حتى الآن ضد آل السعود انفسهم ، الذين يبلغ عددهم 24,000 عضواً ( متضمّنًا البنات و الزوجات) ، و الجدير بالذكر أن المملكة العربيّة السّعوديّة هي البلد الوحيد في العالم التى تسمّى باسم العائلة المالكة.

و يعتقد سعد الفقيه ، الذي يرأس الحركة الإسلاميّة للإصلاح في الجزيرة العربية،

أنّ الإرهابيّون سينقلون هدفهم الإرهابيّ قريبًا إلى العائلة المالكة، ومن ثمّ يكون الانهيار للحكومة وشيكاً بعد ذلك .

و لكن العائلة المالكة أكثر مرونة بكثير ممّا يبدو للناس في الخارج. فحيثما يذهب المرء في المملكة فهناك أمير ملكيّ - وعدد الامراء 7,000 - و هو مسئول عن مراكز التّحكّم المحلّيّة و القوميّة الأساسيّة .

فعلى سبيل المثال ، لا يستطيع أن يحاول عقيد عسكري ثائر من غير العائلة الملكية تدبير انقلاب قوميّ في هذا البلد ، الذي سعته بحجم أوروبّا الغربيّة تقريباً ، ففي الغالب سوف تسمع المخابرات الوقائيّة عن المؤامرة بعد قليل من تدبيرها. ويمكن القول أنّ عقيد مجهول من الممكن أن ينجح في مؤامرته في بلدة واحدة و ربّما حتّى في مدينة واحدة ، و لكنه بعيد جداً عن السّيطرة الكلية على الوطن . لكنّ يمكن أن يكون ذلك النجاح المحلي بداية لحرب أهليّة تؤدي الى تقسيم الأمراء بين أمراءالشّباب اللّيبراليّين الذين تثقّفوا بالثقافة الغربيّة و بين أمراء كبار السن الذين هم في سن السّبعين من عمرهم.

بعد التفجير الإرهابيّ الذي حدث في 12 مايو في الرّياض, أحضرت الحكومة قرابة 1,000 من رجال الدين إلى الديوانية الملكيّة ، و طُلِبُوا منهم إسقاط أي إشارة للجهاد أو الجهاديين من فتاواهم الدينية ، وإلا سيتم معاقبتهم بإعادة تأهيلهم في المعاهد الحكومية الشرعية ، و سيحرم الذين يخالفون الامر حقّهم في الوعظ .

منذ الاتّفاقيّة بين الوهابيين " رجال الدين" و النظام الملكيّ الوهابي ، التي حصلت بعد محاولة جماعة من الوهابيين الاستيلاء علىالمسجد الكبير(الحرم ) في مكّة سنة 1979، كان رجال الدّين يحصلون على دّعم الكبير من الأسرة الملكيّة ، لكنّ مع الشرط : ألا يصدر منهم ذرّة واحدة من الانتقاد على آل سعود .

لكنّ لم يكنّ هناك حدّ معين لما يمكن ان يفعلوه رجال الدين هؤلاء لتدريب الدّعاة الوهابيين وأن ينشروا التّعاليم الوهابية بالخارج ( فقد حميّ بالجوازات الدّبلوماسيّة التي أعطتهم المناعة) فعملوا على بناء المساجد الوهابية ، والمدارس القرآنيّة ، و المراكز الإسلاميّة التابعة لهم .

و هكذا حتّى في جزيرة " ميندناو" في الفلبّين حيث يعيش معظم مسلمين للبلد وهم 10 في المئة من سّكّان الفلبّين و عددهم 8 ملايين وهي المنطقة التي تتخذها جماعة "أبو سياف" كفرع للقاعدة ومقر لهم ، و هناك قرابة 3,000 مدرسة تمول سعودياً في منطقة " مندناو" كلها.

و نظام طالبان أيضًا ، قبل اسقاط الولايات المتّحدة له ، كان يجد الدعم من الصناديق السعوديّة . و عشرات الآلاف من المدارس المنتشرة في العالم ، في اندونيسيا وبنجلاديش ، و باكستان، و الشّرق الأوسط ، والمغرب ، و إفريقيا ، و شمال أمريكا جنوبها.

و الحكومة السّعوديّة قد سحبت موظفيها أخيرًا من معهد العلوم الإسلاميّة و العربيّة في فيرفاكس في ولاية فرجينيا ، بعد سّنوات من عرض قصص من التّعاليم البذيئة التي كانت تسبب لليهود و المسيحيّين الإهانة. و في الوقت نفسه ألغت الولايات المتّحدة التّأشيرة الدّبلوماسيّة لاحد رجل دين وهابي "جعفر إدريس" وهو مواطن سودانيّ الذي كان لديه جواز دبلوماسيّ سعوديّ ، والذي كان عنده مكتب في السّفارة السّعوديّة و الذي كان يحاضر في المعهد أيضًا .

معهد فرجينيا تابع لجامعة في الرّياض قد درّب فيه 75 من قادة الدين المسلمين للقوّات المسلّحة الأمريكيّة، حسب ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز. رئيس مجلس الأمناء للمعهد هو السفير السعودي الأمير بندر بن سلطان للولايات المتّحدة الأمريكية.

لقد سلّم آل سعود أخيرًا، أن دعاة الوهابية الذين تمتعوا بالحصانة الدّبلوماسيّة كانوا يشاركون في أنشطة تخريبيّة و في تعليم التّعصّب الدّينيّ المعادي للغرب .

بدا من نّقاشات المدافعيين كذبهم بأنّ الاسلام - كما هو في المملكة العربيّة السّعوديّة- هو دين متسامح ، ففي الوقت الذي يوجد فيه قرابة 2,000 مسجد في أمريكا أغلبيتها منشأة عن طريق الوهابيون - الطائفة الإسلامية الأكثر تعصّبًا - فليس هناك كنيسة مسيحيّة واحدة مسموح بها للأجانب في المملكة .

لقد شجّع رجال الدّين السّعوديّون الشّباب ، أثناء الاحتلال السّوفييتيّ لأفغانستان في الثّمانينيّات ، بأن يتطوّعوا للواجب ضدّ السّوفيت الوثنيّة . وكان أسامة بن لادن هو بطل رجال الدّين ، فهو من عائلة جيّدة ، و كان يعطي المال الكثير للمتطوّعين العرب الأفغان (الذين بلغ عددهم قرابة 20,000 سعوديّ ) الذين ذهبوا ليحاربوا بجانب المجاهدين الأفغان في أفغانستان . و بعد أن قرّرت موسكو تقليل خسائرها و ترك الحقل إلى أعداءه (بترك أفغانستان) أصبح بن لادن الوهابي الورع الرجل القوي الخارق للعادة "سوبرمان" في بلده السعودية .

بعد غزو العراق للكويت في أغسطس 1990 و قرار آل سعود دعوة القوّات الأمريكيّة إلى المملكة للقيام بعملية " درع الصّحراء" انقلب بن لادن على الأسرة المالكة. كما قام رجال الدّين المتعاطفون معه بقراءة رسائله السّرّيّة أثناء الخطب صلاة الجمعة. وبذلك أصبحت الاتّفاقيّة السابقة بالية .

في النهاية طُرِدَ بن لادن من قبل الأسرة الملكية من البلد ، و منزلته الشعبية تنمو و كبّر، لا سيما من بعد حلول 11 سبتمبر 2001 .

يعتقد رجال الدّين السّعوديّون بان الغزوات الأمريكيّة لأفغانستان وللعراق كانت مصمّمةً من قبل إدارة بوش لتحجيم العالم الإسلامي ، الرّجل الوحيد الذي يقود الصّراع العالميّ نيابة عن المسلمين ضدّ وللمرة الثانية ضد إمبراطوريّة الشر الآن هو بن لادن.

كان الدعم السّعوديّ لعملية "حرية العراق" هو القشّة الوارد بالأمثال التي قصمت ظهر البعير. فقد أخبر الشّيخ حمود بن عقلاء الشعيبي أحد رجال الدين المعتبرين جماعته بان هذا الدّعم قد حرم آل سعود من الشّرعيّة الإسلاميّة حسب ما يقول سعد الفقيه رئيس" الحركة الإسلاميّة للإصلاح في الجزيرة العربية (ميرا)" .

اعترف الدّكتور فقيه، أستاذ الجراحة السّابق في جامعة الملك سعود والموجود في لندن في مقابلة مع نشرة الشّرق الأوسط الإستخباراتيه بأنه كان يطالب "بقلب النّظام السّعوديّ" وتطالب " ميرا " بتّغييرات في البلد لا يمكن تنفيذها مع بقاء النّظام السعودي.

لا يتقبل النّظام السعودي أدنى حد من حرّيّات التّعبير والتجمعات .

إذا سُمِحَ بهذه الحرّيّات فسوف تطالب النّاس بمحاسبة الأسرة الحاكمة على البلايين الكثيرة المسروقة، وسيطوّقون قصور الأمراء إذا لم يُوقَفُوا مطالبين بعودة هذه البلايين. وسيطالب النّاس معاقبة المسئولين عن إساءة معاملة آلاف من السّجناء، وإذا لم يوقّفوا سيهاجم الناس السّجون أو وزارة الدّاخليّة ."

يتوقّع الدّكتور فقيه أيضًا أنّ النّظام " سيسقط من نفسه بسبب مشاكله الدّاخليّة . ومن ثمّ سيكون دورنا منع الفوضى أكثر من مهمة إزالة النّظام ." و عندما سُئِلَ عن نقاط الخلاف بينه و بين أسامة بن لادن، ادّعى الدّكتور فقيه أنه لم ير أيّ منطق في السّؤال " لكننيّ أعتقد أنّ بن لادن أكثر اهتمامه بأمريكا ." و وهو يعني ذلك، ويمثل العراق حالياً ميدانه المختار لقتال الأمريكان .

فانسحاب أمريكا من العراق دون تحقيق أهدافها كاملة، ربّما سوف يواكب نهاية آل سعود بأيّة حال .

------
الكاتب : أرنود دي بورتشجريف ، هو محرّر صحيفة واشنطن تايمز، والمنظمة الدولية للصحافة.

1
179
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني