تربة لنمو الإرهاب؟

تقرير CBS news

27/2/2005م.

في الأسبوع الماضي اتهمت وزارة العدل أمريكياً من أصل عربي يدعى: أحمد عمر أبوعلي بالتآمر لاغتيال الرئيس بوش، وقد سلم للولايات المتحدة بعد أن كان محتجزاً لمدة عشرين شهراً في أحد السجون السعودية دون توجيه أي اتهام له.

وقد تعقدت قضيته بالمزاعم القائلة إنه تعرض للتعذيب، ولكن وفقاً للاتهام الموجه له فإنه كان على اتصال بالقاعدة أثناء دراسته في السعودية، حيث أن مساجد ومدارس السعودية متهمة بغرس مبادئ الإرهاب في نفوس النشء.

وفي الحقيقة فإن الكثير من الأمريكيين عندما يذكرون السعودية فإنما يذكرون الإرهاب فقد كان معظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر 2001م من السعوديين كما هو حال أسامة بن لادن، وفي أعقاب حوادث سبتمبر نفى السعوديين بشدة أن كانوا يواجهون مشكلة التطرف، وظلوا في ذلك الحال حتى وجهوا الإرهاب داخلياً من أتباع بن لادن.

وقد كان رد الفعل الحكومي لذلك هو اتخاذ إجراءات أمنية صارمة لمطاردة الإرهابيين وفي غضون ذلك فإن الإصلاحيين السعوديين يقولون أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تكفي وأن السعودية في حاجة إلى التغيير.

هذا وقد ذهب مراسل سي بي أس "أد برادلي" إلى المملكة – التي عادة تتكتّم على الأخبار– ليقف بنفسه على حربها ضد الإرهاب.

والشيء الملفت للنظر في الرياض – عاصمة السعودية – هو إجراءات الأمن المشددة في أنحاء المدينة كما هو الحال في المناطق الأخرى من البلاد.

وكانت قوات الأمن الخاصة قد قامت بإجراء تدريبات أمنية لمكافحة الإرهاب حيث الحرب دائرة على قدم وساق بين الحكومة والإرهاب، بل أن هذه الحرب تتم بإشراف ولي العهد الأمير عبد الله: وهو الحاكم الفعلي للسعودية وقد أكد الأمير عبد الله تصميم المملكة على محاربة الإرهاب، وهذه الرسالة أصبحت واضحة منذ الهجمات الإرهابية قبل سنة ونصف.

ففي 12مايو 2003م شهدت الرياض حوادث تفجيرات متعددة في مجمعات سكنية يقطنها رعايا دول غربية ورعايا دول أخرى إلى جانب عدد من الأثرياء السعوديين.

وتلك الهجمات والتفجيرات التي تمت بتخطيط ذكي وتنسيق جيّد كانت الأعنف من نوعها ضد النظام السعودي خلال ربع قرن من الزمان، كانت حصيلتها مصرع 35 شخصاً من بينهم ثمانية من الأمريكيين.

وفي هذا الصدد قال عادل الجبير: مستشار الأمير عبد الله للشئون الخارجية إن بن لادن ظل يستهدف السعودية منذ بداية التسعينات وأعلن تخطيطه لتدمير السعودية، ويرى عادل الجبير أن بن لادن وأعوانه يعملون للإطاحة بالحكومة الحالية ليقوم على أنقاضها نظام شبيه بنظام طالبان في أفغانستان والرجوع بالبلاد إلى الوراء خمسة قرون، ولكن هيهات: فلن يقدروا على تحقيق ذلك حيث أن البلاد بأسرها رافضة لهم.

ومن المفارقات أن الحكومة السعودية هي التي شجعت الآلاف من الشباب السعودي للانخراط في قتال الروس في أفغانستان في الثمانينات من القرن الماضي.

وفي هذا الصدد يقول كاتب عمود في إحدى الصحف السعودية: سليمان الهتلان يجدر بنا أن نعرف بأن إرسال الشباب للقتال في روسيا كان من أكبر الأخطاء التي إرتكبناها، ويضيف : إن الإرهاب الذي نواجهه اليوم ماهو إلا نتيجة للخطأ الذي ارتكبته الحكومة في الماضي، حيث أرسلنا شبابنا ليتلقفهم أشخاص من أمثال بن لادن، حيث تعرض الشباب لعملية غسيل الدماغ، وها نحن ندفع ثمن باهظاً للخطأ الذي ارتكبناه فهؤلاء الشباب عادوا لبلادهم لمحاربة أهلهم وذويهم.

وقد كان رد فعل الحكومة السعودية لانفجارات 12 مايو هو ملاحقة ومطاردة المشتبه بهم ومداهمة مخابئهم، ولستة أشهر ظل الإرهابيون في حالة دفاع، ولكن في نوفمبر وجهوا ضربة أخرى وهاجموا مجمعاً سكنياً لا يقطنه الأمريكيون أو رعايا الدول الغربية الأخرى وإنما يقطنه رعايا من الدول العربية والإسلامية، وقد لقي سبعة عشر منهم مصرعهم، وكان من بينهم مصري وزوجته وطفلان إلى جانب امرأة لبنانية قطع رأسها بزجاج متطاير من جراء الإنفجار، وكان مهاجموا المجمع السكني قد شنوا الهجوم وهم يركبون سيارة طلاؤها كطلاء سيارات رجال الشرطة ومن المرجح أن المهاجمين كانوا أعضاء في منظمة القاعدة لشبة الجزيرة العربية، وكان هدفهم هو إرغام الغربيين على مغادرة المملكة، ثم الإطاحة بالأسرة المالكة السعودية لتقوم على أنقاضها دولة إسلامية متشددة.

والسعودية من أكثر الدول تشدداً على وجه الأرض، فهي مهد الإسلام، والإسلام هو الذي يحدد أسلوب الحياة لساكنيها إبتداء من المواطن العادي إلى ولي العهد، والقرآن هو دستور البلاد، ومناهج التعليم فيها تعمل على غرس العقيدة الإسلامية في النفوس، كما أن مهمة الدولة هي حماية الإسلام، والمذهب السائد هو الوهابية التي توصف بالتشدد وبعدم التسامح وبغرس مبادئ التطرف.

ويرى الهتلان بأنه منذ الثاني عشر من مايو فإن السعوديين اكتشفوا أن التطرف أصبح جزءاً من الممارسة اليومية في المدارس والمساجد وفي كل مكان.

وفيما إن كانت الوهابية تزرع التطرف يجيب الهتلان: أعتقد أن الوهابية تساهم في صنع التطرف، بيد أن الدكتور صالح آل الشيخ: وزير الشئون الإسلامية وأحد زعماء الوهابية لا يقر بذلك والدكتور صالح آل الشيخ أجرى تحريات بشأن الألوف من رجال الدين السعوديين والمدرسين ليعرف إن كانوا من دعاة التطرف ولكنه لم يفصل إلا 150 منهم من مناصبهم، وعمل على إعادة تدريب حوالي الألف منهم ويضيف آل الشيخ: لا نملك إحصائيات بشأن عدد الذين يضمرون ويؤمنون بأفكار متطرفة، إلا أننا نرى أن عددهم قليل ولا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وفي حواره مع آل الشيخ يقول المراسل: إد برادلي: إن هناك اعتقادا على نطاق واسع في الولايات المتحدة بأن الإسلام السائد في السعودية هو إسلام متشدد وغير متسامح، وأن المدارس تغرس في نفوس الشباب البغض والكراهية للآخرين، ومن ثم فإن المتطرفين الذين هاجموا الولايات المتحدة في سبتمبر 2001م وهاجموا السعودية في العام الماضي هم نتاج المجتمع السعودي المتشدد.

ولكن آل الشيخ يجيب: إذا كان كما تقول أن المناهج الدراسية السعودية تنتج المتطرفين لما كان عددهم قليلاً كما هو حالياً، حيث لا يتجاوز عددهم العشرين أو المائة ولأصبح عددهم يتجاوز عشرات الألوف، ويجب ان تعلم أن هؤلاء المتطرفين لا يشكلون إلا أقلية ضئيلة، وهم ليسوا من نتاج مناهج التعليم السعودية.

ومنصور النقيدان يمثل أحد الذين صنعتهم مناهج التعليم السعودية إلا أنه أصبح من أكثر نُقّاد هذه المناهج، وقبل أن يصبح كاتب عمود مثيراً للجدل كان متطرفاً ومتشدداً ومن ثم فإنه على دراية بطريقة تفكير الإرهابيين.

يقول منصور النقيدان: إن هؤلاء المتشددين يرون أن عالم اليوم أصبح فاسداً ومنحطاً أخلاقياً وأن من واجبهم العمل لتغيير هذا العالم بأية وسيلة ممكنة بما في ذلك قتل الأطفال وإراقة الدماء والقيام بأعمال وحشية لتحقيق أهدافهم.

ويشير النقيدان إلى أن السعوديين أصوليون وأن مجتمعهم مجتمع ديني محافظ، كما أن الحكومة السعودية حكومة دينية وأن المشكلة هي غياب آراء أخرى، والمشكلة معقدة حيث أن المشكلة ليست فقط أننا لا نقبل غير المسلمين، إننا أولاً بحاجة إلى ندمر هؤلاء الوحوش الذين يبذرون بذور الكراهية ويحاربون من يختلفون معهم في الرأي حتى ولو كانوا مسلمين من بلادنا.

وعندما يذكر برادلي أن هناك نقداً للمناهج الدراسية التي تعلم الشباب بأن معتقدات الآخرين ودياناتهم غير مقبولة، يجيب عادل الجبير: إلى حد ما فإن ذلك النقد صحيح، وأننا عندما قيّمنا مناهجنا اكتشفنا أن 5% منها غير مقبولة وأن 10% منها موضع شك، وقد حذفنا الـ 5% ولا نزال ندرس الـ 10%، بل أننا نعمل على إدخال طرق تدريس جديدة لتحسين مستوى التدريس، حيث أن هدفنا هو جعل الطلاب مواطنين نافعين.

وإلى جانب ذلك فإن السعوديين يمضون قدماً في محاربة الإرهاب الذي تصاعد في الربيع الماضي حيث أن انفجارا ضخماً نسف مبنى للشرطة في قلب العاصمة الأمر الذي جعل الأمير عبد الله يقول غاضباً "أعلنها بوضوح بأن أي شخص يظل ساكنا ولا يدلي بالمعلومات التي يعرفها عن الإرهابيين فإنه واحد منهم وشريك في الجريمة ولن تكون هناك رحمة إلا رحمة الله ".

وبالرغم من ذلك التحذير الذي أعلنه الأمير عبد الله فإن الهجمات الإرهابية إستمرت كما إستمرت مطاردة الحكومة للإرهابيين وقتلهم، بيد أن الهتلان يعتقد أن الإجراءات الأمنية وحدها لا تكفي لحل المشكلة في السعودية، ويقول في هذا الصدد إن محاربة الإرهاب لا تكون فقط عن طريق مطاردة الإرهابيين وقتلهم، ولكن يجب ان يكون ذلك مصحوباً بتجفيف منابعهم واقتلاع جذورهم ويضيف قائلاً: مالم تسعى لخلق ثقافة جديدة، وما لم تسعى لجعل المواطنين يقبلون تنوع الآراء والأفكار، فإننا سنظل نواجه مشكلة التطرف الذي يقود إلى الإرهاب.

في يونيو الماضي  أحرزت حرب الحكومة السعودية ضد الإرهاب نجاحاًَ كبيراً، فبعد مضي 24ساعة فقط من قطع رأس أحد الأمريكيين استطاعت السلطات السعودية القبض على عبد العزيز المقرن. زعيم القاعدة في السعودية في إحدى محطات الغاز وقتلة.

وفي هذا الصدد يقول الجبير: تم القضاء على رأس المنظمة الإرهابية وأن العمل جار على قدم وساق لمطاردة ما تبقى من أعضاءها.

وعندما سأل برادلي: على أي أساس تقول أن الإرهابيين اليوم ليسوا كما كانوا بالأمس، يجيب الجبير قائلاً: لقد حللنا ألغاز عدد من خلاياهم ومخابئهم، وتعرفنا على الجهات التي تؤيدهم ، وقد أدركنا أنه عند مواجه هؤلاء الإرهابيين فإن قدرتهم على المقاومة ليست كما كانت في الماضي، كما أن مخابراتنا أصبحت على دراية بأمورهم وقادرة على تتبعهم، والمسألة أصبحت مسألة وقت فقط حتى يتم القضاء عليهم بمشيئة الله.

1
2623
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني