البنلادنية[1] الوهابية ومأزق المملكة العربية السعودية

 

يقول غريغوري غوس Gregory Gause في حديث له عن "الوهابية والمملكة العربية السعودية والحادي عشر من سبتمبر" أن المملكة العربية السعودية تحتفظ بتوازن مرن.

أنجيلي شاه

غريغوري غوس Gregory Gause، أستاذ مشارك للعلوم السياسية، ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة فيرمونت University of Vermont، تحدث في جامعة كاليفورنيا و لوس أنجلس (UCLA) في يوم 25 مايو حول العقيدة الرسمية في المملكة العربية السعودية، وأسامة بن لادن، وكيف تتعامل الدولة معهما بعد الحادي عشر من سبتمبر. ففي محاضرة له برعاية مركز جامعة كاليفورنيا ولوس أنجلس لدراسات الشرق الأدنى، في إطار محاضرات الجامعة، قال غوس Gause أن الحركة الوهابية وفكر بن لادن يختلفان فيما بينهما في طرق هامة، وأن المملكة العربية السعودية نجحت في الاستفادة من هذا الأمر إلى جانب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر.

تطور المذهب الوهابي كعقيدة رسمية

إن الوهابية حركة إسلامية تقوم على تعاليم محمد بن عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي. وقال غوث Gause "إن مصطلح وهابي أو الوهابية هو بمثابة إهانة". ويقول أن أتباع هذا المذهب ويدعون بأنهم مسلمون صالحون ملتزمون بالقيم الإسلامية الأولى. حيث أن الطواف حول القبور على سبيل المثال، يعد أمراً كفرياً في نظر الحركة الوهابية، أو منافياً للإسلام. وقد بدأت تعاليم ابن عبد الوهاب في الانتشار في بدايات العقد الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك بفضل تحالفه مع محمد بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الأولى. وقد رأى ابن عبد الوهاب بأن هنالك حاجة ماسة إلى ربط حركته بسلطة الدولة."

وقال غوس Gause  لم يكن التحالف بين ابن عبد الوهاب وابن سعود قائماً على مجرد اعتبارات شخصية. "إذا أنه لم يكن هنالك أي شيء استثنائي في علاقة ابن عبد الوهاب بآل سعود." مع أن العلماء كانوا مهتمين بأن يصبحوا وكلاء يمثلون الدولة. وقد كان هؤلاء الزعماء الدينين يقومون بجمع الضرائب ويقيمون العدل باسم الملك. كما ظل العلماء يعكسون أهمية الروابط الرسمية من خلال إذعانهم لقرارات الزعماء السعوديين، حتى لو كانت هذه القرارات تتعارض مع المعتقدات الدينية لدى الوهابية. مع أن خضوعهم هذا لم يكن يستند إلى مبادئ دينية في أغلب الأحيان، بل كان يقوم على مفهوم "ولاية العهد"، أو السلطة المتوارثة، بناءً على هذه الفكرة، حيث أن الزعيم لديه سلطة اتخاذ القرار في أمور معينة، مثل إعلان الجهاد أو إيقافه.

وعندما تعزز موقف الوهابية بأن أصبحت عقيدة رسمية،  توسعت العلاقات بين رجال الدين والحكام، خصوصاً بفضل أموال النفط. حيث حصلت طبقة رجال الدين على المزيد من الإدارات الحكومية، كوزارة الحج والشرطة الدينية أو المطاوعة. وقال غوس Gause، غير أن هذا التوسيع لم يأتي دون مقابل: فقد احتل العلماء موقعاً متميزاً في الدولة السعودية، إلاّ أنهم بدءوا في فقدان المركزية والسيطرة الحصرية. ولا يزالون يزودون الدولة "بالتبريرات والتشريعات لأي سياسة تقررها قيادة آل سعود". وقال غوث "لم تكن هنالك أي حالة قام فيها كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بالاعتراض على أي عناصر رئيسية في قرارات الدولة".

وهكذا وافق العلماء على تعليم النساء واستخدام المخترعات التقنية كالتلفزيون خلال الفترة الممتدة بين عقدي الخمسينيات والستينيات. وقد أذعن العلماء لخلع سعود بن عبد العزيز في عام 1964م، كما أصدروا فتوى بشرعية محاربة العراق في عام 1991. وبالرغم من أن العلماء كانوا مؤثرين جداً في الحياة الثقافية، إلاّ أن المثل الدينية للحركة الوهابية تمت ترجمتها من الناحية السياسية إلى عقيدة رسمية تدين بها الدولة، مما يوجب على السعوديين الالتزام بطاعة حكامهم.

أسامة بن لادن يختلف مع الدولة

قال غوس Gause "لقد أيد العلماء السعوديين الرسميين الدولة إلى حد كبير بعد الحادي عشر من سبتمبر"، حيث قاموا بإدانة أسامة لادن، كما قاموا بمساندة تجاوب الحكومة السعودية مع الضغط الخارجي.

وقال غوس Gause أيضاً، لقد انسلخت "البنلادنية" من الحركة الوهابية، وانسلخت عنها من عدة وجوه. وقال أن بن لادن تبنى فكر التكفير، وأثر في المحافظة الاجتماعية بين أتباعه، خصوصاً في لبس المرأة ودورها. غير أن بن لادن اختلف مع الوهابية في شيء أساسي: وهو أنه تمرد على الدولة الوهابية وأنشأ نظامه الخاص به في تنظيم القاعدة، ورفض بذلك الخضوع للحكام السعوديين.

وقال غريغوري غوس Gregory Gause "لدى بن لادن رؤية دولية للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي، بينما الوهابية من علماء المملكة العربية السعودية قد حصروا أنفسهم فيما يدور في محيطهم وحسب". ويعود هذا الانسلاخ في جزء منه إلى تجربة بن لادن في الجهاد الأفغاني ضد غزو الاتحاد السوفيتي في عام 1979.

قال غوس Gause "لقد لعبت تجربة الجهاد الأفغاني دوراً مركزياً في تطوير البرنامج الفكري لحركة بن لادن". وحسب الحكومة الأمريكية، كان بن لادن قد تأثر بالطبيعة العالمية التي أكتسبها الجهاد في أفغانستان- حيث اجتمع الناس من أوزبكستان والشيشان وكشمير وإندونيسيا. وكذلك تنظيم عملية الجهاد من خلال مكتب الخدمات الذي تحول فيما بعد إلى تنظيم القاعدة.

قال غوس Gause "كانت أفغانستان بمثابة نجاح، ولا شيء يعدل النجاح. فقد أدى هذا النجاح إلى دفع الحركة السياسية. ولم يكتفي المسلمون بطرد الاتحاد السوفيتي من أفغانستان، بل ساهموا في انهبار الاتحاد السوفيتي نفسه". وقال غوس Gause، وقد كان هذا النوع من الخطاب وسيلة ممتازة للتجنيد.

وبعد أن تم تحقيق هذا النصر، قام بن لادن بانتقاد قرار المملكة بالسماح للقوات الأمريكية بالتمركز في المملكة العربية السعودية إبان حرب الخليج في عام 1991. وفي عام 1994 قامت المملكة العربية السعودية بتجريد بن لادن من جنسيته السعودية. فانتقل إلى السودان ولندن وأسس لجنة الشورى والإصلاح، وفي عام 1995 أعلن تكفير الدولة السعودية لكونها أصبحت أداة في يد الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومنذ ذلك الوقت قام بن لادن بتوجيه معارضته من المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة. ويُعتقد بأنه اشترك في تدبير مؤامرة تفجير مركز التجارة العالمي في 1993، والتي راح ضحيتها ستة وجرح فيها أكثر من مائة آخرين. وفي عام 1998، شارك في توقيع فتوى ضد الدول. وقال غوس Gause "إن الرجل ينظر إلى ديمقراطيتنا بجدية، فإن كنت ديمقراطياً، إذاً أنت مسئول عن حكومتك". ولذلك قام بن لادن بدعوة جميع المسلمين إلى قتل الأمريكيين بسبب ما تفعله الحكومة الأمريكية.

أزمة في الدولة السعودية

في عقد التسعينيات كان بن لادن قد غادر المملكة العربية السعودية، ولكن مذهبه بقي فيها. فقد استمرت الدعوة إلى الجهاد بعد انتهاء الجهاد الأفغاني كما أن شبكات التجنيد والاستقطاب كانت تواصل عملها. وقال غوس Gause "بعد عشر سنوات من الترويج للجهاد، هدأ الجهاد في المملكة العربية السعودية ".

وفي الفترة التي تلت حرب الخليج، ظهرت معارضة داخلية من قبل من يعتقدون بأن النظام قد خرج عن الطريق القويم. حيث تم توزيع العرائض والمذكرات- وقال غوس Gause، لقد كان هنالك نشاط سياسي محدود في الواقع في المملكة العربية السعودية. وفي عام 1994 بدأ النظام في اعتقال الناشطين والشيوخ الذين تكلموا ضد النظام. وعلى أية حال، كانوا سعداء أن يغضوا الطرف عن الفكر الجهادي.

وقال غوس Gause، كان السلفيين من معارضي الداخل.  حيث أنهم قاموا بانتقاد علاقات المملكة مع الولايات المتحدة، تماماً مثل ما فعل أتباع بن لادن، إلاّ أنهم "لا يريدون تغيير النظام بالقوة." وقد ظهر هذا الاختلاف جلياً فيما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وفي التفجيرات التي حدثت في الرياض عام 2003م، حيث قام رجال الدين السلفيين بإدانة أسامة بن لادن، ولم يوافقوا على إدانته للمملكة العربية السعودية.

وقال غوس Gause إن المملكة العربية السعودية كانت ناجحة جداً مع رجال الدين السلفيين من الناحية السياسية. حيث أثبتوا قدرة الدولة التي تواجه الضغوط من الخارج وتتحدى السلفيين وتقوم بإخضاعهم".

وقال غوس Gause هؤلاء المعارضين لا يؤيدون الإصلاح الديمقراطي ولا الانتخابات. إلاّ أنه في إبريل من عام 2005م تمكنت "القائمة الذهبية" غير الرسمية للإسلاميين من اكتساح أول انتخابات بلدية في البلاد من خلال تنظيم الرسائل النصية وغرف الدردشة. ولا يزال رجال الدين السلفيين الموالين للنظام مرتبطين بالنظام الملكي أكثر من رجال الدين الليبراليين. ومع أن الولايات المتحدة تؤيد الإصلاح الديمقراطي، إلاّ أنها لا تؤيد الإصلاحيين الأصوليين الذين فازوا في هذه الانتخابات.

وقال غوس Gause، إن المأزق الذي تمر به المملكة العربية السعودية الآن يتمثل في كيفية "التوفيق بين هذه الضغوط". وقد يستطيع رجال الدين السلفيين أن يدينوا العنف الذي يمارس ضد النظام "بشيء من المصداقية المباشرة"، وإعادة المجاهدين إلى جادة الصواب، ويقوموا بتهدئة ما يسميه هو "بتخبط الولايات المتحدة".

إن سيطرة السعوديين على النفط ساعدت على التوفيق بين هذه الأمور- حيث بقيت العلاقات مع الولايات المتحدة في حالتها الراهنة بالرغم من أن المؤسسات الدينية لازالت قوية. وقال غوس Gause، وقد يكون هذا النوع من التوازن قابلاً للاستمرار. ولكن إذا حاولت الولايات المتحدة اكتشاف مصادر بديلة للطاقة، أو ظهرت تحديات خطيرة من قبل المعارضة الدينية، ربما تعيش المملكة العربية السعودية أوقاتاً أكثر صعوبة لكي تحافظ على هذا التوازن القائم. ونقطة الانهيار الوحيدة قد تأتي بعد فترة طويلة من الآن، عندما يموت جميع أبناء بن سعود، وفي تلك النقطة ربما يحدث صراع على السلطة قد يؤدي إلى تغيير الوضع الراهن.

وعندما سئل عن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية، أجاب غوس Gause قائلاً "إدارة بوش كانت حذرة إلى حد بعيد". حيث مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على السعوديين من خلال تغذية بعبع الصحافة. ولكنهم في الحقيقة سهَّلوا لهم الطريق إلى الإصلاح الديمقراطي. كما أن الإدارة الأمريكية وصفت الانتخابات البلدية التي انعقدت مؤخراً بأنها نجاع عظيم، وأثنت على إعاقة المملكة العربية السعودية للعمليات الجهادية.

وقال غوس Gause، الولايات المتحدة ربما كانت مضللة في افتراضها أن الإصلاح الديمقراطي يمكن أن يساعد في الحرب على الإرهاب. حيث أن العلاقة بين الإرهاب وغياب الديمقراطية يتم تناولها بين الاتجاهات السياسية على نطاق واسع. "

وقال غوس Gause، وما لم يفهمه السياسيون هو أن الإرادة الشعبية في المملكة العربية السعودية معادية للولايات المتحدة، وأنه لا علاقة بين الحكم الاستبدادي والإرهاب. وقال غوس Gause "تنظيم القاعدة لا يحب الديمقراطية، ولا يستطيع بن لادن أن يصل إلى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية". وحسب الخارجية الأمريكية، فإن الهند التي توصف بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم- لديها أخطر الإرهابيين على مستوى العالم. ولذلك لا أرى في الديمقراطية مخرجاً من الإرهاب.

وقال غوس Gause، ولذلك تقوم الإدارة الأمريكية بتركيز حملتها الديمقراطية باتجاه سوريا وإيران، وتصفهما بأنهما "دولتان معاديتان" بينما تتجاوز عن مصر والمملكة العربية السعودية."

لقد كان غوس  Gauseيعمل في جامعة كولومبيا في الفترة (من 1987إلى 1995) وكان زميلاً لقسم الدراسات العربية والإسلامية في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك في الفترة (من 1993 إلي 1994). وتتركز اهتماماته البحثية حول السياسة الدولية للشرق الأوسط، مع اهتمام خاص بشبه الجزيرة العربية والخليج الفارسي. وهو مؤلف كتاب ممالك النفط: التحديات الداخلية والأمنية في دول الخليج العربي، (دار مجلس العلاقات الخارجية للنشر، 1994)، وكذلك كتاب العلاقات السعودية اليمنية: التركيبات الداخلية والتأثيرات الخارجية (دار جامعة كولومبيا للنشر، 1990)، إلى جانب الكثير من المقالات في الصحافة.



[1] إشارة إلى الفكر الذي يعتنقه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

1
3109
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني