بعض الوقت لمحمد بن عبد الوهاب؟

محمد بن عبد الوهابي يعاني من مشكلة حقيقة في العلاقات العامة. وهذا الرجل الذي قضى جل عمره وهو يحاول تخليص المملكة من الشرك وعبادة الأوثان والسحر والبغاء على أبواب مكة، كان يعاني من الطعن والتشكيك فيما يقوم به، حتى داخل المملكة العربية السعودية، بحجة أنه يمارس تأثيراً مضراً. الكثيرين من السعوديين الذين ارتبطوا بالغرب، يلومونه على الأحداث الجارية الآن. غير أن أسامة بن لادن لم يعتمد على تعاليم محمد بن عبد الوهاب، وكذلك حركة طالبان. وأسمع هنا أنه "سيء بالنسبة للإصلاح" و"متطرف" في آرائه، و"عنيف" أو "متشدد". ولذلك أتساءل، كم منا بالفعل قرأ كتابات هذا الرجل ودرس سيرته.

لقد تعرض محمد بن عبد الوهاب للهجوم من العلماء الذين تشبثوا بمناصبهم ليعيشوا وليأخذوا نصيباً من المنح والإعانات التي كانت تقدم في مكة، غير أنه لم يرد عليهم. وكان الإسلام آنذاك قد تراجع إلى أدنى مستوى له في التاريخ: حيث كان الخوارج يعتقدون أن ارتكاب الشخص لأي خطيئة يبيح لهم أخذ ماله؛ بينما آمن أتباع القادرية بالإرادة الحرة المطلقة، وآمن أتباع الجابرية بالإلزام المطلق، في الوقت الذي كان فيه البدو يسجدون للشمس والقمر والنجوم. وانتشر الفساد والطمع. وكل ما كان يريده ابن عبد الوهاب هو التوحيد (أي الإيمان بإله واحد). وقد كان يفضل الاجتهاد (أو التفكير المنطقي) فيما يختص بالقضايا المعاصرة، وشدد على الحاجة إلى المعرفة والتعلم، وأكد على النقاش لا القوة.

حيث كتب: "لا نكفِّر أي مسلم لمجرد خطيئة يرتكبها". من الصعب إذاً أن نصف هذا الرجل بالتطرف و العناد.

إنه الرجل الذي أراد أن يعيد الإسلام إلى جوهره الحقيقي، ليخلّص الأرض من الشرك والبدع. واختار التقيد بالقرآن والسنة دون غيرهما. ولو كان الناس يعبدون المشعوذين، ويسجدون للحجارة، ويمارسون الشذوذ الجنسي علانية، ويبذلون المال للبغاء والخمر في ساحة الكعبة، فهم ببساطة -لم يكونوا مسلمين. وإذا كان العلماء يبجلون الأولياء ويتعلقون بالفحول. لقد كان هنالك ثمة شيء خطأ في دولة الإسلام. لقد اختفى التوحيد بسرعة.

فلو كان باستطاعة شخص ما أن يقدم تعاليم هذا الرجل بنجاح لما رأينا المملكة العربية السعودية اليوم تتعرض للوم بسبب مذهبها الوهابي الإسلامي المتطرف. حتى أن بعض العلماء في الشرق الأوسط مقتنعون بأن المملكة العربية السعودية دولة "وهابية"، وهي عبارة تحقير ابتدعها العثمانيون. هنالك طائفة دينية واحدة في هذا البلد، وهي الإسلام، وحسب. ومحمد بن عبد الوهاب أراد أن يتأكد من أن الأمور تسير على هذا النحو.

والآن، خلال الأسابيع التي سبقت رمضان، قرأنا الكثير من القصص عن المزيد من الانحطاط في المناطق المحيطة بمكة والمدينة وجدة وحتى الرياض. المجرمون يستفيدون من كل الميزات التي تقدمها لهم تأشيرة العمرة لكي ينفلتوا كما يشاءون، ويجوبون الشوارع ويفترسون ضمائر السعوديين. النساء يرتدين العباءات ويسرقن المحلات التجارية، والباعة يقفون على أهبة الاستعداد للقبض على النساء السارقات. النساء اللائي يدعين الفاقة ويستخدمن في ذلك أطفال معاقين، أملاً في نيل العطف والشفقة. (في عقد السبعينيات زرت دولاً كثيرة في إفريقيا وأتذكر جيداً كيف أن الآباء كانوا يضحون بأبنائهم الأصحاء بتشويههم بالسكاكين ، لاستدرار شفقة السياح).

ولذلك، نفس النمط يعيد نفسه مرة أخرى. فبعد ثلاثمائة عام من ميلاد محمد بن عبد الوهاب، نفس الحالة بدأت بالزحف تجاه المملكة. وبدون بذل أية جهود فعالة لوقف هذه الممارسات، وبدون حملة إعلامية فاعلة لبيان السبب في عدم الإبقاء على الأبواب مفتوحة طوال الليل لكل شخص يريد الزيارة، وبدون جهود منسقة لشرح المقاصد الأصلية للإسلام، والمملكة، كدولة إسلامية، ستصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.

أحد أمرين سيحدث، إما أن تسوء الأمور ويفقد السعوديون ثقافتهم المضيافة بالسماح باستمرار هذا الوضع، أو أن يظهر منهج تصحيحي جديد كمنهج محمد بن عبد الوهاب.

غير أن المسؤولين السعوديين في موقف خطير: فالمملكة موضوعة تحت منظار الرقابة من جميع أنحاء العالم، لمجرد أي علامة تدل على التعصب. والتصدق على المحتاجين الأقل حظاً الآن ، ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ إذا أزيلت حالات الحصار التي تتعرض لها المؤسسات الخيرية السعودية بفعل الضغوط الأمريكية. وبالرغم من ذلك، فعندما تقوم هذه المؤسسات الخيرية بمساعدة الآخرين، يتم اتهامها بتمويل الإرهاب.

إنها حرب ليس فيها منتصر، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تسيطر على الأحداث، ولا المملكة العربية السعودية ستبقى واقفة لوحدها. ومما يدعو إلى السخرية دون شك أن الذين ربما يوقفون تدمير البلاد لا يملكون القدرة العسكرية، ولا تتبناهم الدولة، ولا يشتكون من العائلة المالكة. ولكنهم يملكون سكاكين صغيرة، تهدد وتخيف.

تانيا سو محللة سياسية متخصصة في الشؤون البريطانية والسعودية والأمريكية. كانت من بين الذين أسهموا في إعداد الشهادة المكتوبة التي قدمتها جمعية أصدقاء المؤسسات الخيرية (فوكا (www.foca.net ) ) في جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ الأمريكي. وهي تعيش حالياً في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

1
4931
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني