هناك طبقة اسمها "طبقة رجال الدين" في كل مجتمع، بما في ذلك المجتمع السعودي. التخصص في العلوم الشرعية هو أحد ما يميز هذه الطبقة. هذا تخصص الآن قائم بذاته، وله مناهجه ومؤسساته التعليمية، وله مرجعياته التي تميزه عن غيره من التخصصات الأخرى، سواء في مجال العلوم الإنسانية أو الطبيعية. هناك أيضاً لغة خاصة بهذه الطبقة، وتميزها عن غيرها. وأنا أقصد باللغة هنا الخطاب، بمعنى المفردات، وطريقة التفكير، والرؤية، والمزاج، والمفاهيم، والتعابير والجمل... إلخ. مثلا هناك آلية "العنعنة" كطريقة معتمدة للرواية. "حدثنا" أو "أخبرنا"، أو "عن فلان، عن فلان". هناك على سبيل المثال، كلمة "سماحة" أو "فضيلة". "سماحة الوالد الشيخ"، أو "سماحة المفتي"، أو "فضيلة الشيخ". وهذه تعبيرات خاصة، ترمز إلى مكانة معينة داخل طبقة رجال الدين. وليس المقصود بالمكانة هنا المكانة "العلمية" فقط، وإنما يمتد ذلك إلى العناصر الاجتماعية والروحية. يختلف تعبير "سماحة أو فضيلة الشيخ" عن تعابير أخرى، مثل "معالي الوزير"، أو "سعادة الدكتور"، أو "سمو الأمير"، أو "سمو الشيخ". كل هذه التعابير الأخيرة ترمز أيضاً إلى مكانة اجتماعية، لكنها مكانة لا علاقة لها بمعايير وقيم الطبقة الدينية. لاحظ أن الجميع هنا ينتمي إلى الدين نفسه. المكانات شيء آخر. مكانة رجل الدين مرتبطة بالدين نفسه، والدور الذي يقوم به في سياق معطيات ومتطلبات الدين. المكانة التي يرمز إليها تعبير "معالي الوزير" أو "سعادة الدكتور" فترتبط بشأن دنيوي بحت، إما علمي أو سياسي، أو بيروقراطي، أو معرفي، أو سياسي.
قد يكون الانتماء للدين في حالة مجتمع معين، أو زمن معين، شرطاً من شروط التمايز الطبقي. لكن هذا ليس مبدأ عالميا أو ثابتاً في كل مكان وكل زمان. المكانة الاجتماعية تتحد ضمن عملية اجتماعية تتضافر فيها عناصر وآليات مختلفة. في مجتمع مثل المجتمع السعودي، الجميع ينتمي إلى الدين نفسه. وبالتالي تتحدد المكانة، أو التراتبية الاجتماعية داخله على أسس تتعلق بالمجتمع نفسه وتاريخه، بما في ذلك قيمه، وعاداته. ولعله من الواضح أن طبقة رجال الدين بما هم متخصصون في علوم الشريعة يتميزون على أساس من هذا المعيار عن متخصصين في أي من فروع العلوم الإنسانية، دع عنك العلوم الطبيعية.
رجال الدين يرفضون أنهم يمثلون طبقة متميزة عن غيرها. وربما لهذا علاقة بالدعوة إلى أسلمة العلوم، انطلاقاً من أن العلوم الدينية والعلوم الإنسانية الأخرى لا اختلاف بينها من حيث أن منهجها واحد، وهدفها واحد. الحقيقة أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. القول بأن الهدف واحد فيه الكثير من التضليل. صحيح أن هدف كل، أو على الأقل أغلب من ينتمي إلى مجتمع معين، مثل المجتمع السعودي، هو هدف واحد. هذا هدف اجتماعي سياسي، وبالتالي يقتصر تبنيه داخل المجتمع نفسه، وغير ملزم لجماعات أو مجتمعات أخرى. الهدف العلمي، وخاصة في العلوم الطبيعية، هو هدف عالمي لا يختص بجماعة دون غيرها. عندما اكتشفت الأبحاث المادة التي تصنع منها حبة الأسبيرين، أصبحت فائدتها لكل البشر في جميع أنحاء المعمورة، لأن هذه الحبة تؤدي الوظيفة نفسها بالنسبة لأي إنسان بغض النظر عن الحدود والحواجز السياسية أو الاجتماعية. هذا فضلا عن اختلاف المنهج بين تخصصات العلوم الدينية، وتخصصات العلوم الأخرى. وليس هنا مجال التفصيل في ذلك. لهذا وغيره من الأسباب بقي التيار الذي يدعو إلى أسلمة العلوم لا يمثل إلا تيار الأقلية.
هناك شيء آخر يميز طبقة رجال الدين، وأعني بذلك اللباس، وطريقة اللباس. طبعاً هذا شيء معروف عالمياً، لدى كل المجتمعات والديانات في العالم. في المجتمع السعودي كمجتمع مسلم، يبدو رجال الدين أقل تميزاً من هذه الناحية. وهذا صحيح، فليس لرجال الدين هنا ملابس مختلفة عن ملابس بقية أفراد المجتمع. هم هنا يختلفون بشكل واضح ، مثلا، عن رجال الدين المسيحيين من الكاثوليك الذين تتميز ملابسهم بالكثير من الألوان، والطقوس، والتعقيد إلى درجة أن ملابس البابا في روما لا يرتديها إلا البابا نفسه. رجال الدين في السعودية أكثر بساطة وتواضعاً من ذلك بكثير. لكن في الإطار السعودي هناك ما يميز ملابس طبقة رجال الدين. والحقيقة أن ما يميز رجال الدين هنا ليس الملابس ذاتها، وإنما بعض التفاصيل المتعلقة بطريقة لبسها، من حيث أن هذه الطريقة أصبحت مع الوقت شيئا خاصا بطبقة رجال الدين، تعبر عن موقعهم ومهنتهم، وتمنح شيئا من الرمزية لهم ولمكانتهم في المجتمع. طريقة المشايخ في اللبس ليست ممنوعة على الآخرين. من الممكن لأي فرد أن يلبس مثلهم. لكن الأغلبية لا تفعل ذلك. لا يلبس مثل المشايخ، أو رجال الدين، إلا الأتباع. أكثر ما يميز رجال الدين هنا هو أنهم لا يعتمرون العقال أبداً. يلبسون الشماغ من دون عقال. لماذا؟ ليس الأمر متعلقاً بالدين. في عشرينيات القرن الماضي حاول بعض المتشددين من "الإخوان" في السعودية إشاعة أن لبس العقال حرام. كان "الإخوان" يرون أن العمامة هي اللباس الشرعي. لكن العلماء حينها تصدوا لذلك، وفندوا كلام هؤلاء المتشددين. ومع ذلك بقي رجال الدين، والنجديون منهم تحديداً، لا يعتمرون العقال. أصبح عدم لبس العقال أحد أهم الأعراف التي يجب أن يلتزم بها رجل الدين. حتى رجال الصحوة وجدوا أنفسهم ملزمين بذلك.
في الأغلب لا يلبس رجال الدين الغترة، ويفضلون بدلاً من ذلك الشماغ عليها. هناك حالات استثناء نادرة، ولا يلجأ إليها إلا بعض من شباب الصحوة، ربما بفعل تطلعات مرحلة الشباب نحو التميز والتشخيص، والاستمتاع بما توفره سوق الطفرة من مغريات هذه الأيام. عدم لبس الغترة ليس مرتبطا بمحضور ديني. يبدو الأمر رمزيا، ويتعلق بالذائقة. فالغترة باعتبارها بيضاء ناصعة ربما ينظر إليها من قبل رجال الدين على أنها تعطي الانطباع بشيء من الأبهة، أو البروز، أو التميز. وبالتالي فالأمر يعبر عن ميل رجال الدين نحو الزهد، والابتعاد عن زخرف الدنيا. الأمر نفسه ينطبق على عدم لبس العقال. هذا له علاقة بتاريخ الملابس، في السعودية. كان الشماغ في الماضي هو الأكثر شعبية لأسباب عدة، منها أنه أكثر قدرة على التحمل، وأرخص من الغترة. وبسبب من لون الشماغ، وطبيعة النسيج المصنوع منه من الممكن لباسه لفترة طويلة نسبيا من دون الحاجة إلى غسله. أما الغترة فلأنها بيضاء فيتطلب لبسها المحافظة على بياضها ونصاعتها، مما يتطلب غسيلها كثيرا. بالإضافة إلى أن أسعار الغتر من النوع الجيد والمتميز مرتفعة. التمييز بين الغترة الجيدة والمتواضعة الجودة سهل وواضح. ومن ثم فإن شراء الغترة الرخيصة لا معنى له. ليس من الوضوح التمييز بين الشماغ الثمين والأرخص منه.
يشترك رجال الدين في السعودية مع بقية الرجال في المجتمع في أن لباسهم هو الثوب، والغترة، والطاقية. لكن لباس رجال الدين يتميز بأمور منها: أن يكون الثوب غير مسبل، أي أن طوله لا يتجاوز الكاحل، والأفضل أن يكون أقصر من ذلك. ومنها أن يكون لبس الشماغ بطريقة تعبر عن المحافظة والوقار. وهذا يشمل البشت (أو العباءة) أيضا. وربما أن أفضل طريقة لتوضيح ذلك هي أن أقدم مثالا حدث لي شخصيا عام 1996. ما حدث ليس من النوع الذي يسمى حالات فردية. كان مثالا معبرا عن السائد بين طبقة رجال الدين، وأتباعهم. المهم أنه في شتاء تلك السنة كنت في زيارة لوالدتي، لطيفة العوض. وكان الجو يميل إلى برودة غير معهودة. فذهبت إلى سوق البشوت في بريدة لشراء بشت شتوي. وعندما حان وقت أخذ المقاسات اصطدمت مع ابن صاحب المحل، وهو من عائلة معروفة في بريدة. ولأن الابن هو الذي يتولى عملية الخياطة لضبط مقاسات البشت الجديد، فقد أصر على أن يكون طول بشتي أنا فوق الكاحل، وإلا فإنه لن يقوم بتقصير البشت لأن في ذلك إثما لا يريد أن يشارك فيه. أصررت أنا طبعا على أن يبقى طول البشت تحت الكاحل. فاحتج الأب على ابنه قائلا له ما معناه بأن إصراره على التقصير لا معنى له مع إنسان حليق اللحية أصلا. لكن الابن أصر على موقفه. كان من الممكن أن أذهب إلى محل آخر أكثر تسامحا، ولا يتدخل في شأن خاص مثل مقاسات اللباس. لكننا كنا نقترب من أذان المغرب، وإذا لم أحصل على البشت الآن فإن علي أن أعود في اليوم التالي.
وللحديث بقية.
د. خالد الدخيل أستاذ مساعد علم الاجتماع السياسي (جامعة الملك سعود - الرياض) ــ أستاذ زائر في (مؤسسة كارنيجي ــ واشنطن)
http://www.alhaqaeq.net/defaultch.asp?action=showarticle&issueid=9&secid=5&articleid=62188