ماذا عن المسلمين المعتدلين ؟

إرهاب الإسلاميين دفع الحكومتين الأمريكية والبريطانية الشهر الماضي إلى بدء برامج منفصلة للدبلوماسية الشعبية التي تهدف إلى التواصل مع المسلمين في الداخل والخارج. وبإجراء مقارنة سريعة يمكننا اكتشاف أن المبادرتين تتجهان في اتجاهين متعاكسين، ويبدو أن البريطانيون على الأقل فهموا الأمر على الوجه الصحيح.

إدارة بوش تقوم ببناء جسور لمنظمات ذات تمويل جيد انتشار ذاتي والتي تدعي أنها تتحدث باسم جميع المسلمين، بالرغم من أن بعض هذه المنظمات تعتنق وجهات نظر معادية للقيم والمصالح الأمريكية. وبعد سنوات من إتباع خطط مشابهة- بينما تنتشر مقرات الإرهابيين في الداخل- فإن حكومة بلير-براون باتت الآن أكثر دراية بالمسلمين الذين يمكن أن تعمل معهم. مشيرين إلى أن "مجرد الوعود بتحقيق السلام" لم تعد كافية، فإن البريطانيين بدءوا بالتعرف على أولئك الراغبين في اتخاذ مواقف واضحة ضد الإرهاب والفكر المؤيد له.

ففي خطاب هام ألقاه في مؤتمر حكومي انعقد في بداية الشهر الماضي واستمر ليومين "تحت عنوان: الإسلام والمسلمون في عالم اليوم" تعهد بلير الذي كان حينها رئيساً للوزراء وبحضور غوردن براون، تعهد بتصحيح عدم التوازن. وقال أنه في الجالية الإسلامية البريطانية، والجماعات غير التمثيلية ذات التمويل الجيد، يمكنها بقدر غير متكافئ اجتذاب قدر كبير من الشعبية، بينما الأصوات المعتدلة تظل غير مسموعة وغير منتشرة.

وأكد السيد بلير أن الإسلام "ليس ديناً أحادياً" بل هو دين "غني بالتنوع". وقد أكد السيد بلير أيضاً أن الغرض الأساسي من ذلك المؤتمر هو أن "ندع الأصوات الأصيلة في الإسلام، بمذاهبها المختلفة، تتحدث عن نفسها". لقد كان الرجل حسن كما الكلمات التي قالها.

دعوات المشاركة في ذلك الاجتماع امتدت إلى الجماعات المعتدلة الأقل انتشاراً كالمجلس الإسلامي الصوفي والمؤسسة الإسلامية البريطانية ومنهاج القرآن. وقد لوحظ غياب المجلس الإسلامي البريطاني من المؤتمر، وهي المنظمة التي تدعي أنها تمثل المسلمين في البلاد، ولكنها مشغولة بصراعها مع ظاهرة الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام – وهو مصطلح تلجأ إليه لسد الطريق على أي تحليلات منتقدة لكل ما هو إسلامي، سواء كان مشروعاً أو متزمتاً.

كما سقط أيضا من قائمة أسماء المتحدثين طارق رمضان الإسلامي الأوربي البارز، والذي بالرغم من منعه ذات مرة من الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة إلاّ أنه لا يزال عنصراً مهماً في المؤتمرات التي تعقد حول المسلمين في أوربا. إن حفيد جماعة الأخوان المسلمين هذا يتسم بشيء من الضبابية حول ما إذا كان يؤيد أفعال معينة من الإرهاب- كما تجنب تحدياً من نيكولا ساركوزي في إدانة الرجم.

لقد التزم السيد بلير ببعض الأموال لتحسين وضع الدراسات الإسلامية في الجامعات البريطانية، كما أعلن عن جهد جديد لتطوير "معايير الحد الأدنى" لأئمة المساجد في بريطانيا، والأهم من ذلك، أعلن أنه من الآن فصاعداً ستمنح الحكومة الأولوية في قراراتها في الدعم والتمويل لقيادة المنظمات التي تعمل على معالجة العنف المتطرف. البيانات الصحفية الروتينية والمبهمة لن تكون مجدية.

وبعد أيام قليلة تبين عزم بريطانيا مرة أخرى بمنح لقب الفارس للروائي سلمان رشدي. فمنذ العام 1989، ظل الرجل يعيش في ظل التهديد بالقتل منذ أن وصف الملالي في إيران أحد أعماله بأنها "كفر"، وهي أول فتوى ذات اختصاص كوني ضد رجل مسلم يعيش في الغرب. وعندما أشارت الأنباء إلى أن بريطانيا ستقوم بتكريم هذا الكاتب، قام المسلمون المتطرفون بالاحتجاجات. ولكن الكثير من الإصلاحيين من المسلمين الغربيين، ظلوا يتعرضون لتهديدات بالقتل بشكل متزايد وبالفتاوى التي تجيز قتلهم. أيان حرسي علي، عضو البرلمان الهولندي السابقة، التي ولدت مسلمة في الصومال، كتبت ما يلي: "لقد كرمت الملكة حرية الضمير والإبداع التي تجد الإجلال في الغرب".  

وعشية مغادرته لمنصبه، تحدث السيد بلير في مقابلة تلفزيونية تناول فيها الذين قام بمغازلتهم ذات مرة –الإسلاميون البريطانيون الذين أسرعوا بتوجيه تهم كراهية الإسلام والاضطهاد إلى بريطانيا والولايات المتحدة: "السبب الذي يجعلنا نشعر بصعوبة الانتصار في هذه المعركة (ضد الإرهاب) هو أننا لا نقوم بمحاربته على النحو الصحيح. ونحن في الواقع لا نواجه هؤلاء الناس ونقول لهم "إن الخطأ لا يكمن في مناهجكم وحدها، بل أن أفكاركم أيضاً سخيفة. لا أحد يقوم باضطهادكم. وأن إحساسكم بالظلم لا مبرر له"...وأن بعض الذي كتب حول هذا الأمر تطرف مجنون".

وهذا مغاير للرؤية الجديدة لإدارة بوش. ففي 27 يونيو، ألقى الرئيس بوش خطابه الذي تحدث فيه عن "مبادرته الإسلامية" في المركز الإسلامي في واشنطن بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء المركز بواسطة المملكة العربية السعودية. والجدير بالذكر أن الوهابية هي الدين الرسمي في المملكة العربية السعودية، وأن الفكر المتطرف لهذا المذهب يتدفق مع أموال المملكة. والمركز الإسلامي ليس استثناءً من هذه القاعدة.

وقبل سنوات قليلة، عندما كنا في مؤسسة بيت الحرية، زودونا بعض المهتمين من المسلمين بنسخ من بعض المواد التعليمية السعودية قاموا بإحضارها من المركز الإسلامي بواشنطن الذي كان يأمر المسلمين أن يعزلوا أنفسهم عن باقي الأمريكيين. ويقول أحد النصوص في هذا الشأن: "اعتزال الكفار هو كرههم لدينهم، وهجرهم، وعدم الاستعانة بهم في شيء، وعدم احترامهم، وعدم تقليدهم، ومعارضتهم بكافة السبل، حسب الشريعة الإسلامية".

وبما أن خطاب السيد بوش كان موجهاً إلى جميع المسلمين الأمريكيين، فإن الإدارة تركت قائمة المدعوين لإدارة المركز الإسلامي بواشنطن. ويتوقع أنهم قاموا باستبعاد المعتدلين الحقيقيين الذين لا يعتمدون على السعودية في التمويل والتأييد: كالمجلس الإسلامي الأعلى في أمريكا، والمؤتمر الإسلامي الأمريكي، والمنتدى الإسلامي الأمريكي للديمقراطية، ومركز السياسة اليورو أسيوية، ومركز التعددية الإسلامية، ومشروع الإسلام والديمقراطية، ومركز شؤون الخليج، ومركز الديمقراطية وحقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، وغيرها.

وهذه المنظمات في الواقع يتم منعها من المناسبات واللقاءات والمقابلات التي تقيمها الحكومة الأمريكية، بحجة أنها لا تعتبر مهمة، أو أنها مثيرة للجدل من وجهة نظر الجماعات التي يتم تمويلها بالدولارات النفطية. فالإدارة الأمريكية ترتكب أخطاء جسيمة بتعيين هذه المؤسسات التي تقع تحت تأثير الوهابية مثل المركز الإسلامي في واشنطن حارساً على جميع المسلمين الأمريكيين.

والمادة الرئيسية لخطاب الرئيس بوش في المسجد –وقد كانت جيدة بشكل خاص من حيث الحرية الدينية- طغى عليها الإعلان عن مبادرته الوحيدة: أمريكا سترسل بمبعوث إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. وهذه المنظمة التي يوجد مقرها في جدة بالمملكة العربية السعودية، قد أنشئت خصيصاً لتشجيع الكراهية ضد إسرائيل، وعادة ما تتضمن اجتماعاتها تهجماً على إسرائيل. وفي أحد اجتماعات هذه المنظمات في العام الماضي، دعا الرئيس الإيراني إلى "استئصال النظام الصهيوني". وهي لا تملك آلية لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في الدول الأعضاء فيها، وهي لذلك لم تتحدث أبداً عن الإبادة التي يتعرض لها المسلمون في دارفور بالسودان. وهي تقوم بجهود لنشر قوانين التكفير الإسلامية في العالم، والتي تنطبق على الخطاب الذي ينتقد الدول الأعضاء بحجة أنه تجديف ويخلو من الوقار. وقد وصف مؤتمر وزراء الخارجية بالمنظمة الشهر الماضي "رهاب الإسلام" أو islamophobia  بأنه "أسوأ أشكال الإرهاب". وفي الوقت الحاضر ليست هنالك أي دولة غربية لديها عضوية ولا حتى مجرد مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي.

وتنظر إدارة بوش الآن بشكل نشط فيما إذا كان يجب على دبلوماسيتها الشعبية الوصول إلى جماعات الأخوان المسلمين. وبالرغم من أن هذه الجماعات تنادي شفهياً بالسلام، إلاّ أنها لا تستنكر الإرهاب الذي تمارسه حركة حماس، والتي هي فرع من جماعة الأخوان المسلمين. فهي متمسكة بشعارها: "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شريعتنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". فباختيار أولئك الذين لا يتضمن تعريفهم للإرهاب قتل اليهود، وجرائم الشرف، أو إصدار الفتاوى ضد المعارضين والإصلاحيين المسلمين، الحكومة الأمريكية تظهرهم بمظهر القوة –وخصوصاً في ثقافة الخزي والشرف السائدة في الشرق الأوسط- وتقوي قبضتهم على المعتدلين والإصلاحيين الحقيقيين.

إن بريطانيا كما تم تذكيرنا بذلك الأسبوع الماضي، لديها الكثير مما ستفعله لهزيمة الإرهاب الإسلامي، وكذلك للتغلب على التضليل الذي يتعرض له تعددها الثقافي في الماضي القريب. فالقوانين البريطانية لن تكون جميعها مناسبة لأمريكا، مع التعديل الدستوري الأول. ولكن الاشتراكيين في حزب العمال البريطاني فعلوا شيء واحد صحيح لم تفعله هذه الإدارة الجمهورية الأمريكية: وهو التواصل مع بعض الزعماء المسلمين الذين هم من الواضح معتدلون ويقاسموننا قيمنا، حتى أنهم ليست لديهم آلية الدعم بالدولارات النفطية.

وبالرغم من أنه ليست لدينا ملكة توزع ألقاب الفرسان، إلاّ أننا نحن الأمريكيين لدينا طريقتنا الخاصة في تكريم أبطالنا.

سيدي الرئيس.. امنح وسام الحرية لمسلم أمريكي بارز من مواطنينا. ولاختيار الأبطال، عليك أن تبحث بين الذين لم تتم دعوتهم إلى حضور خطابك الأخير. فإذا كان الإسلاميون يتهموننا بـ "رهاب الإسلام" أو islamophobia، ردد بعد توني "Loopy loo. Loopy loo[1]".

المصدر: http://online.wsj.com/article/SB118403539025761775.html?mod=opinion_main_commentaries



*السيد ولسي هو الرئيس المشارك للجنة الخطر الحالي، وقد كان مدير المخابرات المركزية في الفترة بين عامي 1993-1995. السيدة شيا مديرة مركز الحرية الدينية بمعهد هدسون.

[1] المترجم : نوع من السخرية

1
5829
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني