الجهاد ضد حرية الرأي

في يونيو قامت وزارة الخزانة الأمريكية بتصنيف كامل لمؤسسة الحرمين الإسلامية التي تدار من السعودية، ضمن قائمة الإرهابيين الدوليين المصنفين بشكل خاص، وذلك بسبب دورها النشط وطويل المدى في تمويل الإرهاب الدولي، فبين عامي 2002 و2004، صنفت 13 فرعاً من فروع مؤسسة الحرمين بصفة فردية، بما في ذلك فرع المؤسسة في مدينة آشلاند بولاية أوريجون بالولايات المتحدة، الذي اتهم بتوفير الأموال لتنظيم القاعدة، والإعلان الأخير ينطبق على المؤسسة برمتها في جميع أنحاء العالم.

هنالك عنصر هام تجدر الإشارة إليه بشأن التصنيف الأخير لمؤسسة الحرمين وهو أنه في مناسبتين منفصلتين على الأقل، استخدمت المؤسسة تهديدات قانونية ضد منظمة إعلامية أمريكية لإجبارها على التراجع عن متابعة روابط المؤسسة بشبكة الإرهاب الدولي – وهي الروابط التي تعتبر راسخة من قبل الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام.

وتشير هذه الوقائع إلى كيف أن الإسلاميين المتطرفين استخدموا استراتيجيات الحرب القانونية لإسكات أولئك الذين يثيرون التساؤلات حول نشاطاتهم، ويمدوننا بفهم عميق حول كيفية استخدام هذه التهديدات القانونية اليوم لوأد التحقيقات الإعلامية.

ففي القضية الأولى، أطلقت مؤسسة الحرمين محاموها على برنامج (Frontline) بمحطة PBS الذي يتم إنتاجه بواسطة تلفزيون (WGBH) التابعة لشبكة PBS في بوسطن، بعد أن أورد برنامج (Frontline) في إبريل من عام 1999 ذكر تقرير بعنوان: "الإرهابي والقوة العظمى" جاء فيه أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قامت بالتحقيق مع مكاتب مؤسسة الحرمين في إفريقيا قبل تفجيرات السابع من أغسطس 1998 للسفارتين الأمريكيتين كينيا وتنزانيا.

والواقع قامت الوكالة بالتحقيق حول مؤسسة الحرمين وعلاقاتها بتنظيم القاعدة قبل تفجير السفارتين، وذلك قبل عام من تفجير السفارتين. وبناءً على معلومات استخبارية قدمتها الوكالة، قامت السلطات الكينية باعتقال تسعة مسؤولين في مؤسسة الحرمين من مكاتبهم في نيروبي في أكتوبر عام 1997. هذه الحقائق تم نشرها مسبقاً بواسطة صحيفة نويويرك تايمز في يناير من عام 1999.

ولكن محامو مؤسسة الحرمين طالبوا (WGBH) بالتراجع عن هذه الادعاءات، وفي مارس من عام 2000، استسلمت (WGBH) لمطالبهم، ووافقت على إزالة ذكر مؤسسة الحرمين من بثها في المستقبل. ورحب محامو مؤسسة الحرمين بهذا الانتصار من خلال البيان الصحفي التالي:

مؤسسة خيرية سعودية تتوصل إلى تسوية حول ادعاءات برنامج (Frontline)

أعلنت مؤسسة الحرمين، وهي منظمة إسلامية خيرية مقرها في المملكة العربية السعودية، اليوم أنها توصلت إلى تسوية خارج المحكمة مع تلفزيون (WGBH) التابع لشبكةPBS في بوسطن، بشأن ما بثته في عام 1999 في البرنامج الإخباري، وبرنامج (Frontline) الذي ينتجه تلفزيون (WGBH) بالتعاون مع صحيفة نيويورك تايمز، وكان بعنوان "الإرهابي والقوة العظمى"، وتناول البرنامج التحقيق حول التفجيرات الإرهابية للسفارة الأمريكية في نيروبي بكينيا، في أغسطس 1998. وقد ذكر البرنامج أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أجرت تحقيقاً حول موظفين في مؤسسة خيرية تمولها السعودية لاحتمال تورطهم في مؤامرة التفجير، وحددت مؤسسة الحرمين بأنها المؤسسة الخيرية المتورطة. وأكدت مؤسسة الحرمين بأن ما جاء عن المؤسسة في برنامج (Frontline) كان مضللاً ولم يكن صحيحاً.

وبموجب بنود التسوية التي أعلنت اليوم، وافق تلفزيون (WGBH) على مراجعة البرنامج المزمع بثه في محطات شبكة PBS في 21 مارس 2000، وإزالة أي ذكر لمؤسسة الحرمين. وإصدار بياناً مفاده أن منتجي برنامج (Frontline) لم يقصدوا القول في البرنامج الذي بث في إبريل من عام 1999، بأن مؤسسة الحرمين شاركت في أي مؤامرة لها صلة بتفجير السفارة الأمريكية في نيروبي، كما سيظهر البيان بشكل مستمر على موقع برنامج (Frontline) على شبكة الإنترنت.

وعند توقيع اتفاقية التسوية مع برنامج (Frontline)، قال سليمان البطحي، رئيس مؤسسة الحرمين بالولايات المتحدة "أن العمل الجيد الذي تقوم به مؤسسة الحرمين قد عاني من تأثير التصريحات الخاطئة التي وردت في برنامج (Frontline)، إن عملنا هو تعليم الإسلام، كما يتضمن دستور المنظمة على أننا نقف ضد الإرهاب والظلم والنشاطات الهدامة أياً كان شكلها. ومؤسسة الحرمين لم تكن لديها قط أي علاقة بأي جماعة إرهابية. ونتمنى أن تؤدي هذه التسوية والخطوات التي سيتخذها تلفزيون (WGBH) على تصحيح الصورة".

وقد كان يمثل مؤسسة الحرمين في هذه القضية، مكتب أكين & غمب للمحاماة في واشنطن دي سي.

في يناير من عام 2004، قامت الحكومة الأمريكية بتصنيف فروع مؤسسة الحرمين في تنزانيا وكينيا كمنظمات إرهابية، وذلك بناءً على أدلة تربط هذه الفروع بتنظيم القاعدة وتفجير السفارتين الأمريكيتين في عام 1998، وتفجير نوفمبر 2002 للسفارة الإسرائيلية في نيروبي. كما قامت الولايات المتحدة بتصنيف فرع مؤسسة الحرمين في جزر القمر بعد أن اكتشفت أنه قام بمساعدة بعض الذين قاموا بتفجير السفارتين الأمريكيتين على الهروب من كينيا بعد الهجوم. وفي ذلك الوقت، كانت محطة CBS الإخبارية وصحيفة وول ستريت جورنال وغيرها من وسائل الإعلام كانت تنشر على نطاق واسع بأن تلفزيون (WGBH) قد إجبرت على التراجع، وذلك قبل عدة سنوات.

وبعد التصنيفات المتتالية لم يصدر محامو الحرمين بياناً صحفياً بالتراجع عن نصرهم القانوني السابق على تلفزيون (WGBH).

ولكن محامو مؤسسة الحرمين هددوا صحيفة واشنطن تايمز بالملاحقة القانونية في عام 2003، وذلك بعد أن نشرت التايمز أن فرع المؤسسة قد صنف بسبب علاقته بالإرهاب. كما اعترضوا على افتتاحية لصحيفة التايمز بأن مكتب مؤسسة الحرمين في أوريجون ظل يواصل العمل بالرغم من علاقته المعروفة بتنظيم القاعدة. وقد جاء تراجع صحيفة واشنطن تايمز كما يلي:

لقد أوردت صحيفة التايمز في عددها الصادر في 15 سبتمبر 2003 أن مؤسسة الحرمين كانت ضمن قائمة الأمر الرئاسي في عام 2001 الذي يسمح للولايات المتحدة بوقف موارد الأشخاص والمؤسسات التي تقرر بأنها كانت متورطة في أعمال إرهابية محتملة، وأن مؤسسة الحرمين لديها علاقة بتنظيم القاعدة.

كما قامت بنشر مقال افتتاحية في يوم 19 سبتمبر تناولت فيه مؤسسة الحرمين (فرع الولايات المتحدة) كمثال للمؤسسات الخيرية السعودية المشبوهة. ومؤسسة الحرمين (بالمملكة العربية السعودية) لديها فروع في أماكن مختلفة حول العالم. وفروع المؤسسة في الصومال والبوسنة قد تم إغلاقها بناءً على طلب الولايات المتحدة التي أصرت على أن هذين الفرعين لهما علاقة بتنظيم القاعدة. ففي 11 مارس عام 2002، صرح وزير الخزانة الأمريكي أونيل بأن المكتب الرئيسي للمؤسسة في المملكة العربية السعودية مكرس لنشر التعاليم الإسلامية. وفرع مؤسسة الحرمين في آشلاند بولاية أوريجون لم يرد ذكره في الأمر الرئاسي عام 2001، أو أي أمر رئاسي آخر يتعلق بالأعمال الإرهابية. كما أن مؤسسة الحرمين (بالولايات المتحدة) لم يتبين بأنها قد تورطت بشكل فعلي أو محتمل في أية أعمال إرهابية أو لها أي صلة بتنظيم القاعدة.

وتأسف صحيفة التايمز عن أي إشارة وردت في المقال تدل على غير ذلك.

وفي نفس اليوم الذي ظهر فيه هذا التراجع، نشرت صحيفة واشنطن تايمز ضمن الإتفاق مقالاً يحتج على أن مؤسسة الحرمين ضحية الشخصنه، كتبته محامية مؤسسة الحرمين لين برنابي وديفيد كول أستاذ القانون بجامعة جورج تاون بعنوان "النمطية تضر بالحرب، القليل من التعاون في توجيه أصابع الاتهام":

شخصنة أو تصنيف المسلمين والعرب، والتكلفة الخفية لهذا التصنيف، تمتد إلى أبعد من الحكومة. وكمثال على ذلك، مؤسسة الحرمين الإسلامية بأوريجون قد اتهمت ظلماً بالارتباط بالإرهابيين. ومؤسسة الحرمين في أوريجون مؤسسة خيرية إسلامية مكرسة لتوزيع القرآن ومعلومات عن الإسلام في أرجاء الولايات المتحدة، لإعلام عامة الناس بأن الإسلام يعارض الإرهاب بجميع أشكاله. وإن جزء من رسالتها نشر أن المسلمين الحقيقيين يمقتون العنف ضد الأبرياء، وهي لذلك تبدو شريكاً طبيعياً في الحرب على الإرهاب. كما أن عقد تأسيس المؤسسة الذي قدمته إلى الجهات الرسمية بولاية أوريجون في عام 1998 يؤكد بأن المؤسسة مكرسة من أجل السلام ومحاربة الإرهاب. ومن بين المؤيدين لهذه المؤسسة في المجتمع المحلي احد حاخامات اليهود، الذي اشتركت معه مؤسسة الحرمين في نشاطات تعليمية عامة. غير أن مؤسسة الحرمين قد تعرضت للاتهام من قبل الذين يتهمون أولاً ثم يبحثون عن الحقيقة بعد ذلك.

ولكن الحقيقة، هي عكس ما ذهب إليه برنابي وكول، حيث أن مؤسسة الحرمين في ذلك الوقت كانت تخضع للتحقيق. وبعد أسابيع فقط، تمت مداهمة مجمع مؤسسة الحرمين في أوريجون، وقامت وزارة الخزانة بالحجر على ممتلكاتها. وفي سبتمبر 2004، وبعد سبعة أشهر من المداهمة، قامت الحكومة الأمريكية بتصنيف فرع المؤسسة في الولايات المتحدة ومديره.

والتهديدات القانونية ضد صحيفة واشنطن تايمز، من مؤسسة الحرمين بالرغم من إثباتها بعد عدة شهور فقط، لم تتوقف عند هذا الحد بل أشارت إلى انتشارها على تلفزيون (WGBH):

فعلى حد قول سليمان البطحي عضو مجلس إدارة الحرمين، هذه الادعاءات ليست جديدة "ففي عام 1998، برنامج (Frontline) في شبكة PBS الإخبارية تراجع عن المعلومات التي أوردها بعد أن زود بحقائق تفيد بعدم وجود علاقة لمؤسسة الحرمين بالأعمال الإرهابية في إفريقيا، وبالرغم من أن الاتفاقية الحقيقية مع شبكة PBS سرية، إلاّ أنهت تعتبر انتصاراً، ليس لمؤسسة الحرمين وعملنا الخيري، بل كانت انتصاراً من أجل الحقيقة".

ومنذ سبتمبر 2003، وقبل تصنيف وإغلاق فروع مؤسسة الحرمين بالولايات المتحدة، كانت مجلة فرونت بيج تخبر القراء بخطورة ما تسمى "بالمؤسسة الخيرية". وقد تساءل مايكل تريموغلي لماذا لم يتم اتخاذ أي خطوة ضد هذه المؤسسة، حتى بعد أن أشارت عائلات الضحايا في الدعوى التي أقامتها في ولاية نيويورك، إلى دور مؤسسة الحرمين في شبكة القاعدة.

كما نشرت مجلة فرونت بيج أول مقال ينشر للموظف السابق بمؤسسة الحرمين، وهو الآن محلل ومعارض معروف للإرهاب، دافيد غارتنشتين روز (حيث كتب فيما بعد بالتفصيل عن تجربته في مؤسسة الحرمين). ومؤخراً، وقبل أسبوعين فقط، قام محرر مجلة فرونت بيج جامي غلاسوف بإجراء مقابلة مع أليكس إليكسيف من مركز سياسات الأمن حول المخاطر المستمرة التي تأتي من المؤسسات الخيرية السعودية المرتبطة بالإرهاب.

وفي ذات الوقت لا يزال هنالك من يدافع عن مؤسسة الحرمين، وذلك كما ظهر في مقال بموقع صالون، في مايو يدافع عن هذه المؤسسة الخيرية الإرهابية ويصف قادتها بأنهم أبرياء ومعتدلون ويعانون من حصار إدارة بوش السيئة. ولاشك في أن موقع صالون لن يتلقى تهديدات إرهابية من محامو مؤسسة الحرمين لجرأته في ذكر المشكلات المستمرة للمؤسسة (حيث أن أحد مديريها يواجه تهم بالاحتيال الضريبي في أكتوبر لإرساله مبلغ 170 ألف دولار إلى جمعية خيرية تمثل واجهة للإرهابيين في الشيشان إلخ).

من المهم أن نتذكر الخطوات التي قامت بها مؤسسة الحرمين ضد كل من تلفزيون (WGBH)، ومجلة واشنطن تايمز. وفي كلا الحالتين، كلا الوسلتين الإعلاميتين قد بررت ما نشرته فيما بعد. ولكن من المحزن، أن كليهما أذعنتا للمؤسسة الإرهابية، وقدما المزيد من التشجيع لإستراتيجيتها للتخويف بالحرب القانونية، وجعلا الأمر أكثر صعوبة لوسائل الإعلام الأخرى في الاستمرار في النشر خوفاً من التهديدات القانونية. ومن المفارقة أن هذا التكتيك يجعل وسائل الإعلام أكثر اعتماداً على تصنيفات الإرهاب الحكومية، لحماية نفسها من أي ملاحقات قانونية محتملة، وبالتالي يجردها من استقلاليتها.

ونفس التكتيك لا يزال مستخدماً اليوم لوقف التحقيقات الإعلامية حول نشطات مؤسسات إسلامية متطرفة أخرى. وهذا يجب أن يذكرنا بأن أعداؤنا لا يملكون الأموال الكافية وحسب، بل لديهم أفضل المحامين الذين يمكن شراؤهم بأموالهم الملوثة بالإرهاب، ولكن حملتهم القانونية ضد وسائل الإعلام غير المتعاونة لا تزال تشكل جبهة أخرى في الحرب على الإرهاب- وهي الجبهة التي تحتاج إلى كوادر بشرية.

المصدر: http://frontpagemagazine.com/Articles/Read.aspx?GUID=7E42EB9C-39CD-4E55-87DA-D6A389A6D9CD

1
6691
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني