إعادة محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة الخيرية

إعادة محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة الخيرية : ليس بسبب العلاقة بين المؤسسة و"الإرهابيين" ولكن بسبب العلاقة بين الحكومة الأمريكية والإرهابيين

"إذا غابت البصيرة هلك الناس" الأمثال 18:29

محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة الخيرية يمكن تلخيصها في مفهوم هذا المثل من الكتاب المقدس: "إذا غابت البصيرة هلك الناس".

"فالإرهاب" هو المفهوم الأكثر ترويعاً في نظر الأمريكيين. بل حتى انهيار اقتصادنا الرأسمالي قد لا يترك مثل هذا الفزع في قلوب الأمريكيين. فالانهيار الاقتصادي يمكن ترميمه بسهولة- من خلال سعي الحكومة الفيدرالية للحصول على 700 مليار دولار، ينقذ المؤسسات المترنحة، محولاً الولايات المتحدة إلى دولة اشتراكية بين عشية وضحاها، تمتلك فيها الحكومة أكبر شركات الرهن وشركات التأمين في العالم لإنقاذ الأرزاق. ولكن "الإرهاب" لا يمكن التخلص منه بهذه السهولة- كما يقول ماثيو ليفيت (مرة أخرى) الشاهد الرئيسي في محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة.

وتبقى مشكلة "الإرهاب" المستعصية لأن الحكومة تريدها أن تبقى. فلولا "الإرهاب" عندما ذهب الأمريكيون لخوض الحروب في العراق وأفغانستان، وعندما أعطى الأمريكيون المحبون للحرية، السلطة لعصابة من اللاهثين خلف الطاقة ليقوموا بسلب حقوقنا المدنية، بينما يقومون بتحويل ديمقراطيتنا النيابية إلى أوليغاركية (حكم الأقيلة) من الديماغوجيين ذوي العقول المتشابهة.

وفي علم الأساطير الشعبية، أصبح "الإرهاب" القضية الرئيسية بعد الحادي عشر من سبتمبر. غير أن هؤلاء الديماغوجيون كانوا صبورين ومخادعين في تسلقهم الطويل إلى الأوليغاركية. وقد بدأ تسلق الإرهاب هذا إلى موقعه في السلطة قبل فترة قصيرة من انهيار جدار برلين، والذي استوجب إيجاد "عدو" جديد ليحل محل الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1986 كتب آرثر روبين ما يلي عن اجتماع جمعية المحامين الأمريكيين:

قال الرئيس ريجان للمحامين في جمعية المحامين الأمريكيين في خطابه الافتتاحي للاجتماع السنوي أن تحالفاً من الدول الإرهابية يدار بواسطة مجموعة من الغرباء، والأفكار المعتوهة والمجرمين القذرين منذ جاء الرايخ الثالث ليحاول طرد أمريكا من العالم. وكتب أنتوني لويس عن الخطاب في صحيفة نيويورك تايمز: لقد ضحك المحامون وصفقوا: إنها علامة مخجلة للمزاج الشعبي. فهل بدأت مكافحة الإرهاب في التحول إلى "مكارثية" عقد الثمانينات؟ المزاج الشعبي القبيح الذي أشار إليه لويس، قد لا يكون بعيداً عن مزاج آخر في عهد آخر. حيث قال مكارثي عن المصطلح الذي قام بإلهامه: "إن المكارثية هي أمريكانية ذات أكمام مطوية" .

سنبذل قصارى جهدنا لكي نفهم جذور "الحرب على الإرهاب". لقد كانت في البداية جزءاً من النظرية الغريبة للمحافظين الجدد "القوة تصنع الحق" وهي نظرية الرجال الذين ظلوا يتحولون من موقع إلى آخر داخل الحكومة حتى قبل الإدارة الأولى لبوش الأب. والكثير من هؤلاء كانوا تلاميذ لألبرت ولستيتر في جامعة شيكاغو أو زملاء له في مؤسسة راند.

الحيرة كانت العدو، والنتائج المتوقعة للفشل استعداداً لجميع الاحتمالات كانت إيحائية في الميزان... كتب ولستر مقالة مؤثرة بعنوان "التوازن الدقيق للإرهاب" والتي أشار كل من بول ولفويتز وريتشارد بيرل إلى تأثيرها التحولي في عقليتيهما الشابتين ... ومع سقوط جدار برلين في عام 1989، كان العدو الجديد واضحاً ... "صراع الحضارات" كان ... نظرية كونية تقوم على افتراض تجريبي ضعيف عن الكتل الحضارية المتفرقة والمتعارضة. وقد أعطى هذا المفهوم مهارة نظرية عن الأفكار النمطية الشائعة عن المسلمين والعرب والتي استمرت في الانتشار في الثقافة والخيال الشعبي... والنموذج الاستراتيجي للمعرفة الذي أسسه ولستر حقق نجاحاً هائلاً. وتضاعف نسله، وبنى المؤسسات، وقدم المعلومات للآلة السياسية الأمريكية، ولم يواجه غير القليل من المنافسة الفاعلة .

لقد تصدر تلاميذ ولستر فلسفة "صراع الحضارات" في قلب الرؤية الكونية للمحافظين الجدد. ومن بين هؤلاء ولفويتز وبيرل ودانيال بايبس و "سكوتر" ليبي، وزلماي خليل زاد (وهو حالياً سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة والمسلم الذي يشغل وظيفة كبيرة في الحكومة الأمريكية)، وأحمد الجلبي (العراقي سيء السمعة صديق ولفويتز، ومصدر الكثير من المعلومات المضللة التي أدت إلى غزو العراق).

ومن بين نشاطات هؤلاء إنشاء وتوجيه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) والذي يعمل فيه ماثيو ليفيت خبيراً للبحث. وثقافة ماثيو ليفيت التي تنبع من القناعة الشخصية يمكن أن تكون أكثر وضوحاً من خلال الاستماع إلى شهادته- أو قراءة كتبه. وسيصيح الكثيرين "قذر! معاد للسامية" إذا قام شخص ما بالإشارة إلى أن تعليمه الجامعي كان في جامعة يشيفا Yeshiva University، وهي جامعة رائعة من الناحية الأكاديمية، وهي يهودية دون خجل، وحسب ما جاء في رسالة الجامعة أنها "تجلب الحكمة إلى الحياة من خلال دمج أفضل العلوم الأكاديمية المعاصرة مع التعاليم الخالدة للتوراة".

ويفتخر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) بأن بيرل وولفويتز وبايبس أعضاء في مجلس مستشاريه (وقد استقال بيرل وولفويتز عندما أصبحا جزءاً من إدارة بوش الابن، ولكن اسميهما لا يزالان مدرجين ضمن المستشارين). ولكن المعهد لا يعمل وحده:

فمن خلال التشابك في طاقمه، يرتبط المعهد برباط وثيق مع مركز جافي للدراسات الإستراتيجية Jafee Center for Strategic Studies ، بجامعة تل أبيب. وكان اللواء أهارون ياريف، الوزير السابق في الحكومة الإسرائيلية، ومدير المخابرات، والذي مات عام 1994، مديراً لمركز جافي لمدة طويلة. وكان تمويل مركز جافي يقدم من أعضاء الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والذين أثبتوا اهتمامهم بضرورة وجود مؤسسة من هذا النوع في إسرائيل. وحسب ما جاء في موقع جافي على الإنترنت، يقوم المركز بإجراء بحوث حول الأمن الوطني لإسرائيل ويهدف إلى "الإسهام" في النقاش العام والمداولات الحكومية للقضايا التي هي – أو يجب أن تكون على رأس أجندة الأمن الوطني لإسرائيل .

ومرة أخرى فإن محاكمة المواطنين الأمريكيين الذين يمارسون حرياتهم في التعبير الديني التي كفلها لهم الدستور، ترتبط "بالجاذبية الفتاكة" بين حكومتنا والتهديد الضروري "للإرهاب". وحتى المحكمة الأمريكية الجزئية للمقاطعة الشمالية لأوهايو فقد سقطت فريسة لهذه الفتنة. وقد وصفت المحكمة الجزئية منهج ليفيت بأنه "المعيار الذهبي في مجال الإرهاب الدولي".

وهكذا تبدأ محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة مرة أخرى بشهادة ما يسمى "بالخبير" أو "العالم" الذي تشكلت خبراته المهنية بواسطة رجال يؤمنون بأن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تلاحق " الإرهاب" في أي اتجاه- كبديل "للتهديد الشيوعي" الذي كان يمنحهم الطاقة في يوم من الأيام. إن نضال الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير – والأهم من ذلك من أجل البقاء- في مواجهة استبداد المحتلين لأراضيهم يصبح ذريعة لاستمرار "الحرب على الإرهاب". والمواطنين الأمريكيين، الذين لم يرتكب أي منهم "الإرهاب" أو يساند الإرهاب ضد الولايات المتحدة (أو ضد أي دولة أخرى) مصنفون على أنهم بيادق في لعبة "الإرهاب" التي "ستهلك الإدارة الأمريكية بدونها".

المصدر: http://theenemyshallnot.blogspot.com/

1
6803
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني