في الإسلام مبدأ أساسي عظيم لم يوله المسلمون حقه من العناية والرعاية كما ينبغي , يرمي هذا المبدأ إلى تقرير أن الإنسان ليس مسئولاً من عمله فحسب بل هو مسئول عن حياته الاجتماعية التي يحياها في الناس .
هذا المبدأ سمي في القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهـي عن المنكر ووردت فيه الآيات الكثـيرة مثـل : ( ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) آل عمران 104. وقال : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ) التوبة 71 ، فقرن سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصلاة . وقال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) المائدة 79 .
وعدّ المؤمنين خير الأمم لرعايتهم هذا المبدأ فقال : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) آل عمران 110. وقال : ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) الحج 41.
وعبَّر عن هذا المبدأ بتعبير آخر فقال عز وجل : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة 2 . وذم اليهود بأن أحبارهم لم يكونوا ينهون عن الفساد في الأرض فقال : ( لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) المائدة 63. وقال : ( فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ) هود 116.
وعبَّر عن هذا المبدأ في صياغة أخرى فقال عز وجل : (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر 1-3 . وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) النساء 135. وقال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) النساء 114. وقال تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) الحجرات 9.
إلى كثير من مثل هذه الآيات وكلها ترمي إلى وجوب أن يكون كل فرد في المجتمع مسئولاً عن مجتمعه مراقباً لشؤونه ثم هو لا يكتفي بالمراقبة بل يتدخل بمقدار مركزه الاجتماعي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
ثم ما هذا المعروف وما هذا المنكر ؟
يميل الإسلام إلى القول بأن في الإنسان ملكة يعرف بها أمور الخير وأمور الشر من غير حاجة إلى فلسفة أو إطالة بحث , فأصول الخير ومناحيه معروفة عند جميع الناس إلا من فسدت طبيعته , وأصول الشر ومناحيه منكرة عند الناس كذلك , فالناس حتى العامة يعرفون أن الصدق ، والأمانة ، والوفاء بالعهد ، والعدل ، أمور مستحسنة يجب الإتيان بها ، فسماها كلها معروفاً ، والناس يعرفون أضدادها من ظلم وجور وكذب أمور مستهجنة يجب البعد عنها فسماها القرآن منكراً , ولذلك قال بعض اللغوين : المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه , والمنكر ما ينكره العقل أو الشرع .
وأوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم هذا المبدأ بكثير من أقوالهم وأفعالهم ؛ فقال رسول الله صلـى الله عليه وسلم : ( إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكـروه فلا ينكروه ) وسئل صلى الله عليه وسلم : " أنهلك وفينا صالحون ؟ قال : نعم , بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله " . وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال : " هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه " . وقال بلال بن سعد رضي الله عنه : " إن المعصية إذا اختفت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة " ..
وكان من أثر هذا المبدأ وجود نظام الحسبة في الإسلام وهو نظام دقيق مفصل , الغرض منه منع المنكرات بالوسائل الممكنة من غير تجسس , وتفصيل هذا النظام يطول .
وكل ما نريد من أثر هذا المبدأ الهام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ يربط بين أفراد الأمة رباطاً وثيقاً ويمنعها من الإنحلال لأنه يشعر كل فرد بأنه مسئول إلى حد كبير عما يجري حوله من ضروب الخير والشر ويطالبه بالتدخل في الشر حسب قدرته وحسب مركزه الاجتماعي ليمنعه _ هو مبدأ يقضي على هؤلاء الذين يصح أن نسميهم " اللامباليين " وهم الذين لا يبالون بأي شئ لا يتصل بأشخاصهم ولا يكترثون لما يقع حولهم ، فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مبدأ اعتبار الأمة كلها وحدة تتأثر كلها بما يضر جسمها , إن هذا المبدأ يرقى بالأمة رقياً عظيماً .
من مقتضى هذا المبدأ أن كل فرد في الأسرة مسؤول عن سعادة أسرته . فليس للرجل ولا للمرأة أن يقول لا أبالي , فكل فرد مسئول عن البيت يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ويجب أن يشعروا أن سعادة البيت أو شقاءه نتيجة تيقظهم أو إهمالهم واحتمالهم العبء أو الهرب منه .
وتصوروا كل هيئة أو مؤسسة من المؤسسات الاجتماعية أو كل حزب أو إدارة من الإدارات الحكومية ، جرى كل فرد فيه على هذا المبدأ ، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر , أو بتعبيرنا الحديث دعا إلى الحق وهاجم الباطل ، وتصوروا مجلساً للوزراء أو مجلساً للشورى هذا شأنه ، ليس له غاية إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وتصوروا كل مصلحة من المصالح الحكومية وغير الحكومية جرت على خطة الغضب للحق والوقوف أمام الباطل .!!!
إن مجتمعاً يسير على هذا المنهج من غير شك هو المثل الأعلى للمجتمعات , وبمقدار سيره على هذا المبدأ أو انحرافه يكون رقيه وانحطاطه _ فلا يصح لفرد في أسرة أن يقول فلأنعم بطيبات البيت وما فيه من مأكل لذيذ وفرش وثير وبعدي الطوفان ، وليس لأحد على هذا المبدأ أن يقول ما دمت لست حاكماً أو مسؤولاً في الحكومة فلأغل يدي ، ولأترك كلاٌ يعمل ما يشاء حتى تظهر للأمة ثمرة عملهم ، فهذا وأمثاله فروا من المسؤولية التي يلقيها علينا هذا المبدأ الإسلامي العظيم ؛ وهو أن الخير الذي يقع خير للأمة كلها ، والشر هو شرٌ على الأمة كلها ، وليس لأحد أن يفر من المسئولية وليس من حق أي جزء في الجسم أن ينفصل عنه.
ألهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين ، آمين