بسم الله الرحمن الرحيم
3 أكتوبر 2009
رسالة الى : السناتورة كلير ماكاسكل
عضوة مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميزوري، واشنطن، دي سي
من : أحد اعضاء المركز الإسلامي في سبرنقفيلد، ميزوري
سيدتي المحترمة ... عليك السلام
ابعث اليك بهذه الرسالة والتي تتعلق بالمعاملة السيئة للمواطنين المسلمين والمهاجرين وبالطريقة الغير قانونية ضد المسلمين والمنظمات الإسلامية على يد مكتب تابع لوزارة الخزانة الأمريكية، حيث قام مكتب الرقابة على الممتلكات الأجنبية OFAC بالحظر والاستيلاء على ممتلكات تابعة لعدد لا يحصى من المسلمين من الأفراد والمؤسسات، وذلك في إطار حملة سرية لانتهاك حقوق المسلمين ومعاقبتهم لأسباب الدين الذين يعتنقونه، ولعل هذا هو السبب الحقيقي الذي كان يدفع إدارة بوش إلى هذه المعاملة، ولا يزال هذا الأمر مستمراً حتى الآن، وقد نشر ذلك في الصحافة – في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وواشنطن بوست وأظن كذلك في صحيفة سانت لويس ديسباتش- فلو كانت هناك أدني شرعية حقيقية في الإجراءات والممارسات التي يقوم بها هذا المكتب لما أصبحت نشاطاته بهذه السرية، وما كان سيتصرف مثل المحكمة الاستبدادية السرية التي تحول إليها.
فقد قام المكتب بهذه الممارسات من خلال إصدار ما أسماها بالقرارات التجريدية، هذا الاستيلاء على ممتلكات الأفراد والمنظمات الإسلامية بدون وجه حق، وبدون أي علم لهؤلاء الذين يتم الاستيلاء على أموالهم بدون أسباب عدا وصفهم بأنهم إرهابيين أو داعمين للإرهاب، وبدون أن يسمح لهم بالاطلاع على الأدلة التي تستخدم في اتهامهم- أدلة سرية غالباً ما تكون مجرد إشاعات أو وشايات وإساءات مبطنة وأكاذيب، وبدون أن تكون هناك أي فرضية للبراءة. وعلى المتهم أن يثبت براءته (بدون أن يعرف الاتهامات أو حتى الأدلة المستخدمة ضده) وفي محكمة ليست معلنة للجمهور؛ حيث أن الحكومة ( أي مكتب OFAC) هي المدعي وهي القاضي وهي هيئة المحلفين! وهذا يقلب كل معايير حكم القانون رأساً على عقب. وإلغي أي حماية دستورية للمتهمين، وكل الذين تحرش بهم مكتب OFAC ليست لهم أي حقوق.
وفي إطار هذه العملية، فقد جمد حساب المركز الإسلامي وبشكل سري، والذي كان يحتوي على مبلغ يزيد عن 13 ألف دولار ولمدة تزيد عن أربع سنوات، وفي النهاية قام مكتب OFAC ولأسباب لا يعرفها إلاّ المكتب نفسه، برفع الحظر عن الحساب وسمح بإعادة أموالنا إلينا. وعندما جُمد الحساب لأول مرة، حتى البنك الذي كان به الحساب لم يخبرنا بما جرى لحسابنا، وفي النهاية علمنا بأن مكتب OFAC قام بحظر الحساب، ولكننا لم نعرف ابدا ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الحظر، وعلمنا فقط عندما قاموا برفع الحظر عن الحساب، لأننا تلقينا نسخة من خطاب كان قد أرسله مكتب OFAC إلى البنك الذي به حسابنا يفيده فيه بأن حسابنا لم يعد محظوراً الآن. وكما قلت في رسالة بعثت بها إلى مكتب OFAC، لقد جاءوا كاللص الذي يأتي في أنصاف الليالي، ولعل الفرق الوحيد هو أننا استعدنا أموالنا في النهاية، ولكن بدون أي تفسير أو اعتذار، ولم تكن هناك أي محاكمة عادلة أمام مكتب OFAC، ونحن لم نكن قادرين أبداً على مواجهة الذين قاموا باتهامنا.
إن جاليتنا صغيرة جداً، وبكل تأكيد لا تشتمل على أي شخص يمكن أن يكون إرهابي أو مؤيد للإرهاب[1] ، وكل من نظر إلى جماعتنا في وقت حظر حسابنا المصرفي، ومنهم مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ، لم يجد أي شيء يدل ولو على مجرد التعاطف مع الإرهاب، وخلاصة الأمر هي أننا عوقبنا لمجرد أننا مسلمين ولم يكن هناك أي سبب آخر، والافتراء والتشهير الذي استخدم ظاهرياً هو إما أننا "إرهابيين أو مؤيدين للإرهاب" (وهي الحجج التي قدمها مكتب OFAC لصحيفة Springfield Leader and Press ونشرت في نيويورك) ولم يتم دحضها، حيث أن مكتب OFAC يتمتع بحصانة سيادية، ويسمح له بالعمل في سرية تامة، ويبدو أن هناك فرصة محدودة في الحصول على أي تعويض من شأنه تصحيح تلك الإهانة الفظيعة التي لحقت بنا.
وربما تعتقد أن هذه هي نهاية القصة، ولكنها ليست كذلك. فالمبنى الذي نستعملة في العنوان المبين أعلاه لا يزال محظوراً بواسطة مكتب OFAC، فعند شراء المبنى (وذلك قبل فترة من الأحداث المأساوية التي جرت في الحادي عشر من سبتمبر)، قام السكان المحليين بجمع ما يتراوح بين ربع وثلث سعر المبنى، وقامت مؤسسة الحرمين الإسلامية بدفع باقي المبلغ. ولأن المركز الإسلامي منظمة صغيرة وناشئة، فقد سجيل المبنى باسم مؤسسة الحرمين، وكانت هناك نية لنقل المبنى إلى اسم المركز الإسلامي متى ما اشتد العود وأصبح قادراً على الاعتماد على نفسه، وطلبنا من مكتب OFAC أن يمنح مؤسسة الحرمين تصريحاً لنقل ملكية المبنى إلى المعهد، ولكننا حتى يومنا هذا لم نتلقى أي رد على طلبنا.
لقد كانت مؤسسة الحرمين مؤسسة خيرية إسلامية متعددة الجنسيات، تقوم بتوزيع الأموال وتتبنى المشاريع في الكثير من المناطق، وكغيرها من المنظمات الخيرية الأخرى، ربما قامت بتبني نشاطات كانت تقع تحت رقابة الحكومة الأمريكية بعد 11/9، واتهمت المؤسسة، والنتيجة التي توصلت إليها -ولست بكل تأكيد الشخص الذي يحمل هذه الرؤية- وهي أن نشاطات هذه المؤسسة كانت مختلفة نوعاً ما عن نشاطات غيرها من المنظمات الخيرية غير الإسلامية والتي كانت تعمل في ذلك الوقت.
والجدير بالذكر أن اثنتين فقط من المؤسسات الخيرية الإسلامية التي كانت تعمل في الولايات المتحدة قبل أحداث 11/9 سلمت من الرقابة الحكومية، ويبدو جلياً أن أغلب المصاعب التي واجهتها هذه المنظمات على يد الحكومة كانت لمجرد أنها مسلمة، وليس لأي دعم حقيقي قدمته للإرهابيين، فقد قام الإرهابيين على الأقل في السنوات العشر الأخيرة بقتل المسلمين وغير المسلمين، والاعتقاد بأن المنظمات الخيرية الإسلامية تدعم منظمات تستهدف المسلمين بشكل أساسي، هو ضرب من الغباء.
على أية حال، إذا ما استمر مكتب OFAC على حاله ولم يتغير، فلن نتمكن من معرفة ماهية تلك الاتهامات غير المثبتة ضد مؤسسة الحرمين، ويبدو أنه لو كانت هناك نار خلف الدخان الذي أثاره مكتب OFAC، لتم الفصل في بعض تلك التهم الجنائية، وعلى ما يبدو فقد وجهت بعض الاتهامات -التي يمكن نقضها- إلى اثنين من مسئولي مؤسسة الحرمين تتعلق بتحويل الأموال خارج الولايات المتحدة، ولكن حتى لو ثبتت صحة هذه النشاطات، فإن هذا الأمر لا يجب أن يؤدي إلى توريط المؤسسة برمتها، فلم يثبت أن الأموال ذهبت لدعم الإرهاب، كما أن مؤسسة الحرمين كانت على ما يبدو تقدم بعض الصدقات في الشيشان، ولو وجد بعض هذا المال طريقه إلى أيدي المتمردين في ذلك الإقليم الانفصالي في روسيا، فأظن أن أغلب الأمريكيين سيتساءلون، ما الذي يخص الولايات المتحدة من هذا الأمر. فروسيا يمكنها أن تحمي مصالحها بنفسها، ولن تحتاج إلى مساعدة من الولايات المتحدة.
ولعله من الصحيح القول أنه قبل سنوات قليلة، كانت الولايات المتحدة نفسها تقدم السلاح والمال لجماعات متمردة كانت تحارب روسيا (أو الاتحاد السوفيتي آنذاك) وكانت هذه الجماعات تتابع قتالها ذاك بكل حماس- لقد فعلنا ذلك عندما كان هؤلاء الذين نصفهم الآن بالأعداء يحاربون الروس في أفغانستان.
كانت تلك مجرد لمحة تاريخية.
ان علاقة هذا بالمبنى الذي نستخدمه في سبرينغ فيلد، هو سياق الأحداث التي قيدت المبنى ومنعت استخدامه بحرية، كما انه من غير المعلوم ما إذا كان مكتب OFAC سيسمح بمنح تصريح لنقل ملكية المبنى إلينا من مؤسسة الحرمين، وعلى حد معرفتنا وحسب قول المحامين الذين اطلعوا على القضية، فإن الأمر لا يمكن التكهن به، والقرارات التجريدية، كما قلت في الخطاب المرفق مع هذه الرسالة، والذي بعثت به إلى الرئيس أوباما، كانت أحد الأسباب المباشرة لاندلاع الثورة الأمريكية، وأن السماح لهذا هو إفساد للقانون والحرية لكي يطل بوجهه القبيح، ولن يكون في مصلحة حكم القانون في هذا البلد.
إن مكتب OFAC، -على حد علمي- قد أفلت من الرقابة التشريعية، والمحاكم الدستورية بدت مترددة في اتخاذ أي خطوة حيال هذا الموضوع، وهذا الوضع ربما يتغير، لأن كلا السلطتين التشريعية والقضائية لديهما مطلق الحرية للتحقيق فيما تريدان، بصرف النظر عن الرغبات الفعالة والأكثر قوة للسلطة التنفيذية.
وهناك عدد من مسلمي هذه البلاد الذين خاضوا الحروب من أجل الدفاع عن الدستور وحماية الحريات (وأنا واحد من هؤلاء) الذين يشعرون الآن بأن حقوقهم قد انتهكت بفعل هذا الانحراف الواضح نحو الاستبداد. فماذا عساه أن يقال عندما تقوم الدولة عشوائياً بالاستيلاء على ممتلكات المواطنين وبشكل سري، وبدون تراجع؟ وفكرة أن أي شخص مطالب بأن يثبت براءته ضد تهم سرية غير معروفة تستند إلى أدلة سرية وغير معروفة، وبدون أي فرصة لمواجهة الجهة التي توجه إليه الاتهام في محاكمة علنية وعادلة، لابد أن تثير قرف أي شخص يحب الحرية ويعشق التحرر. وإن الذي تعرض له الكثير من المسلمين قد يختلف قليلاً في الشكل، مع أنه لا يختلف في المقدار عن الذي تعرض له الأفارقة السود في العقود التي عاش فيها جيم كرو.
وبالرغم من أنك جديدة نسبياً في مجلس الشيوخ، إلاّ أنك حصلت على مكانة هامة في هيكل المجلس، ولذلك أتمنى أن تقتطعي جزء بسيط من وقتك الثمين لإلقاء نظرة على هذه الأمور، وتساعد في إعادة هذه البلاد إلى جادة الدستور والقانون، فقد اختارت أمريكا طريقاً وسطاً من حكم الغالبية الذي يحمي حقوق الأقليات، حتى أولئك الذين لا تتفق معهم الغالبية، والأخذ بنظرية روسو التي تقول أن الأغلبية دائماً على حق، وأن على الأقلية أن تنصاع لرغبة الغالبية أو تسحق (ومن هنا جاءت الانتهاكات التي ارتكبتها الثورة الفرنسية) لا شك في أنه منحدر سحيق.
إن طريقة معاملة أمريكا لمسلميها والأقليات (الأخرى) ستكون أكبر شاهد على ما إذا كانت تحب الحرية، أم أنها تريد النظام بأي ثمن (وهو النظام الذي لا يمكن أن يكون شيئاً آخر غير الدكتاتورية). وفي أوقات النزاعات، تنحرف الأمم بسهولة عن قيمها العادلة والديمقراطية وتلجأ إلى تطبيق أنظمة استبدادية وقمعية، وهذا التهافت نحو الأمن الافتراضي لن ينجح أبداً، بل هو في أغلب الأحيان يصبح نقطة الانحراف التي تبعد الأمة عن قيمها التي كانت تعشقها في يوم من الأيام، إن الحرية شيء طري وهش، ويمكن أن ينكسر بكل سهولة، وإذا لم يقم الذين بيدهم السلطة بحمايتها برفق، فستتفرق وتتلاشى.
أتمنى أن تكوني من الذين يدافعون عن كل ما هو صحيح وصالح، ولا يلتفتون إلى الحلول "السهلة" التي يتبناه المتعصبين الأنانيين وغير الديمقراطيين.
_________________________________
[1] أقول هذا حتى تكون لديك شيء من الحقيقة، مع أنني لا أحب هذه الكلمات، إلاّ أنها ضرورية (إنها أقرب إلى بشاعة يمين الولاء في عهد مكارتي، العهد الذي فسدت فيه القيم الأمريكية، وهو العهد الذي تمنيت أن نتركه وراء ظهورنا).
المخلص / عبد الواحد
المركز الإسلامي في سبرينغ فيلد، ميزوري
(2151 E. Division Street, Springfield, Missouri 65803)