مسؤولو المؤسسات الخيرية يتطلعون أن يتضمن نظام الهيئة السعودية للأعمال الخيرية في الخارج الإشراف والمتابعة لأعمال مؤسساتهم

صدرت مؤخراً موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله بانشاء (الهيئة السعودية الاهلية للاغاثة والاعمال الخيرية في الخارج) .

وتأتي هذه الموافقة توجهاً من الدولة وفقها الله الى ضبط الاعمال الخيرية والاغاثية في الخارج وتوحيد جهودها تحت مظلة واحدة.

وفي التحقيق التالي نستعرض عدداً من آراء مسؤولي المؤسسات الخيرية حول هذه الهيئة واقتراحاتهم حول طريقة ومنهج عملها.

مؤسسات النفع العام في الاستراتيجيات الدولية بداية قال رئيس لجنة افريقيا في مؤسسة الحرمين الخيرية الشيخ محمد بن فهد التويجري ان لدى الولايات المتحدة الأمريكية قرابة مليون منظمة من هذا النوع تندرج في إطار مؤسسات النفع العام وتحظى بالدعم المادي والمعنوي الكبير وهي منتشرة في عالمنا العربي والاسلامي على هيئة مؤسسات خيرية وكنائس ومراكز بحوث وجامعات تنظمها إستراتيجية واحدة غايتها التغيير الثقافي والعقدي والسياسي، ولدى إسرائيل قرابة 37الف منظمة مماثلة تخدم في النهاية الاهداف الصهيونية، ففي روسيا وحدها على سبيل المثال (500) منظمة ومع مرور الزمن ستعطي نتائج تؤثر في القرار السياسي الروسي كما حدث ويحدث في الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات النفع العام هي من انجع الصيغ المتقدمة والتي اثبتت فاعليتها في مؤازرة الجهد الوطني كما هو مأخوذ به في معظم الدول المتقدمة، فلا تكاد تجد دولة إلا لديها سلسلة من المؤسسات الموظفة في سياسة هذه الدولة او تلك.

المؤسسات والهيئات الخيرية في المملكة

وأضاف ان المؤسسات والهيئات الخيرية في المملكة جاءت بديلاً للعمل الفردي الذي كان سائداً قبل قيام هذه المؤسسات والذي لم يكن بحال من الأحوال موظفاً التوظيف الصحيح بل وتعتريه الكثير من الإشكالات والمخاطر ووجود المؤسسات ارتقى بالعمل الخيري وقفز به مراحل متقدمة ووظفت هذه المؤسسات إمكانياتها في تأصيل وتوثيق علاقة المملكة والشعب السعودي بالدول والشعوب والاقليات المسلمة، ومع حداثة هذه المؤسسات إلا ان جهدها في تحسين العلاقات وتمتينها واضح للعيان ويمكن قياسه بين مرحلتين قبل وبعد قيامها وكذلك وجود المؤسسات استوعب طاقات شابة لديها الكثير من الحماس والرغبة في العمل الخيري ووظف هذه الطاقات في عمل راشد مضمون يجري تحت الأضواء وتحت أعين المسؤولين والعلماء الثقات.

المنظور الغربي حيال العمل الخيري السعودي

وأوضح بأن المخططين في العالم الغربي يدركون علاقة المملكة العربية السعودية بالعالم الاسلامي ورمزيتها كنموذج وسمتها المقدسة بوجود الحرمين الشريفين كما يدركون تكوين المملكة التي قامت على اسس عقدية مكنتها من الثبات وتجاوز الازمات وموجات التغيير في المنطقة العربية وكرس هؤلاء المخططون جهدهم لإحداث تغيرات تخل وتزعزع الثوابت ومن ذلك قطع علاقة المملكة بامتدادها الاسلامي وتركز ذلك على سحب المؤسسات الخيرية السعودية من العالم الاسلامي واذا كان ذلك هدفاً استراتيجياً لهؤلاء فإنه جزء من سلسلة اهداف تتحقق بالتتابع.

وأردف التويجري قائلاً يحاول الإعلام الغربي وصم المملكة بالدولة الوهابية ومن ثم ربط الارهاب بالوهابية او السلفية في محاولة لجعل "الدولة الوهابية" معزولة عن عاملها الاسلامي، ومع مرور الزمن تزداد هذه العزلة خاصة في مناخ ملائم ينتشر فيه الجهل والامية والتباين الفقهي والعقدي ويخشى ان ثمة مخططاً قد بدأت حلقاته ولذا لابد من فكر استراتيجي يستوعب ابعاد هذا المخطط، وان لا تخضع الثوابت الاستراتيجية للفكر السياسي الآني الذي يركز على حل المشكلات الظرفية مما قد يخل بالثوابت.

الهيئة السعودية الاهلية للاغاثة والاعمال الخيرية في الخارج

وقال حسب رأي بعض القانونيين في الولايات المتحدة الأمريكية فإن هذه الهيئة التي ستكون بديلاً عن هذه المؤسسات الخيرية سوف ترث حتماً الدعوى والمشكلات القانونية في الولايات المتحدة الأمريكية والغاء المؤسسات الخيرية القائمة والتي لها باع طويل وخبرات متراكمة في العمل الخيري سيترك فراغاً تنشط فيه المؤسسات التنصيرية وغيرها من المؤسسات الغربية وغياب هذه المؤسسات سيعيد العمل الفردي الى سابق عهده وفي الكثير من المخاطر التي جميعنا يخشاها.

مرئيات حول الهيئة

وأكد التويجري ان البيان الملكي الصادر ذكر ان (الهيئة السعودية الاهلية للاغاثة والاعمال الخيرية في الخارج) ستقوم بشكل حصري بجميع الاعمال الخيرية والاغاثية في الخارج ولذلك فإن دول العالم الاسلامية منها وغير الاسلامية تقوم على فكرة تنوع هيئات العمل الخيرية، ولم تختزل اية دولة في العالم مؤسساتها الخيرية في مؤسسة واحدة بل العكس هو الصحيح، اذ تسعى دوماً لانشاء مزيد من المؤسسات وفي الولايات المتحدة مثلاً اكثر من مليون ونصف من الجمعيات الخيرية منها ما يعمل في داخلها ومنها ما يعمل في الداخل والخارج. كما تدعم الامم المتحدة حالياً قيام المؤسسات الخيرية باعتبارها رافداً من روافد العمل الذي تقوم به الجهات الرسمية وكذا الحال في اوروبا.

وأضاف ان الهيئة قد تحمل تبعات الاخطاء التي قد نسبت الى بعض المؤسسات الخيرية التي حلت الهيئة محلها مما يوقع الهيئة والدولة في حرج لا مبرر له. كما ان الدعاوى القانونية المرفوعة في الوقت الحالي في أمريكا ضد بعض المؤسسات السعودية قد تنال الحكومة السعودية مباشرة باعتبار الهيئة مؤسسة وارثة لهذه المؤسسات وايقاف عمل المؤسسات يترتب عليه عدم الوفاء بالعقود والالتزامات التي ابرمتها هذه المؤسسات في مجال عملها، وهذا يترتب عليه مشاكل ودعاوى واجراءات حقوقية لا حصر لها مع اهتزاز الثقة في التعامل بشكل عام مع المؤسسات السعودية.

وأشار ان الظروف الدولية الراهنة والحملات الإعلامية التي تشوه صورة العمل الخيري السعودي في الخارج قد تحد من الحصول على تراخيص لمكاتب الهيئة في المناطق المستهدفة ومن ثم يتعذر عليها فتح مكاتب كما يوجد عشرات المكاتب حول العالم لهذه المؤسسات تدير نشاطات خيرية متعددة اوجدت في المحصلة سمعة طيبة للمملكة ودورها الريادي في العمل الخيري، واغلاق هذه المكاتب دفعة واحدة هو نسف لكل هذا الرصيد الذي كسبته المملكة من العمل الخيري من جهة، ومن جهة اخرى - وهو الاهم - فهو تأكيد للاتهامات التي رميت بها هذه المؤسسات من قبل الجهات الاجنبية، ومن الصعب على الهيئة الجديدة تعديل هذه الصورة عندما تفتح مكاتب جديدة في تلك المناطق.

وقال التويجري ان حصر العمل الخيري في هيئة واحدة قد يؤدي الى تعطيله تماماً لو قدر لهذه المؤسسة التوقف نتيجة لأي سبب من الاسباب، خاصة في ظل التربص بهذه المؤسسات الذي نشهده الآن واختزال المؤسسات الخيرية في مؤسسة واحدة سيلغي تماماً صفة العالمية التي تتصف بها هذه المؤسسات ولا يقبل في العرف الدولي قيام منظمة اهلية (غير حكومية) تحت مظلة حكومية.

وأردف وفي حال اغلاق المؤسسات الخيرية التي تعمل تحت بصر الدولة وسمعها والتي يمكن ضبطها والاشراف عليها بشكل مباشر، سيتجه جزء رئيسي من التبرعات الشعبية الى عشرات بل مئات الافراد وسيمارسون اعمالهم ونشاطاتهم الاغاثية في الظل، ويصعب مراقبتهم ومحاسبتهم من الجهات المعنية، وستختلط التحويلات التجارية بالعمل الخيري، وذلك اشبه ما يكون باغلاق جميع البنوك التجارية العاملة والسماح فقط للبنك المركزي بالعمل، عند ذلك ستنشأ المصارف غير المرخصة والسوق السوداء. كما ان بعض المتبرعين سيقومون بايصال تبرعاتهم بأنفسهم الى الخارج وخاصة اولئك الذين بدؤوا مشروعات خيرية بواسطة المؤسسات الخيرية الموقوفة عن العمل.

وأضاف ونظراً لتعدد المؤسسات وتنوع مناشطها وادارتها ومناطق عملها فقد حازت ثقة مختلف شرائح المجتمع واستجابت بتنوعها لمختلف المشارب، ويشق ذلك على هيئة واحدة وان مجالات العمل الخيري كثيرة ومتنوعة، وهناك مؤسسات تقوم على التخصص والتنوع في مجالات عملها مما يوسع نطاق الاستفادة من اعمال هذه المؤسسات. ومن الصعب ان تقوم مؤسسة واحدة بالعمل في مجالات العمل الخيري كله بحيث تكون هذه الاعمال على درجة من الاتقان والتميز التي تقوم بها المؤسسات المتخصصة كل في مجال تخصصه.

وقال إن طبيعة العمل الخيري تتلخص في وجود مجموعة من الأفراد يتجمعون حول مؤسسة أو برامج معينة في جو يسوده التطوع والاحتساب.وتقليص المؤسسات سوف يحرم المحتاجين من كثير من هذه الطاقات والأفكار التي يفيد منها العمل الخيري كثيراً. وإن اختزلت المؤسسات فسيكون هناك فكرة واحدة ورأي واحد مسيطر على العمل وهو الذي تمثله إدارة الهيئة مما يضيق مساحة التنوع والإبداع الذي يخدم العمل ويثريه.

وأوضح أن دمج المؤسسات في الهيئة يقلل بشكل كبير من روح التنافس والسعي للتميز القائم بين المؤسسات الخيرية، وتبعاً لذلك سيقلل التطوير وتدارك الأخطاء، وسيصبح حالها حال أية جهة متفردة في مجالها ليس هناك من ينافسها، فلا ضرورة ملحة عندئذ للتطوير والتميز وتدارك الأخطاء وإن عمل الهيئة بشكل حصري في الخارج سيضطرها إلى العمل من خلال السفارات مما سيشكل عبئاً ومسؤولية وحساسية دولية تعاني منه السفارات وإغلاق كثير من مكاتب هذه المؤسسات يترتب عليه مآس إنسانية من توقف كفالات الأيتام والأرامل وأشباههم، وقد يتحول المحب المستفيد إلى كاره حاقد تستغله جهات أخرى.

مقترحات لنظام الهيئة

وأكد التويجري قائلاً وبناءً على ما تضمنه البيان الملكي وعطفاً على العرض السابق نتطلع أن يتضمن نظام الهيئة ما يأتي أن تكون هي الجهة المعنية حصرياً بالإشراف والمتابعة لأعمال المؤسسات الخيرية في الخارج واعتماد السياسات العامة للمؤسسات وخططها الاستراتيجية وبرامجها السنوية، منح تراخيص للمؤسسات الخيرية، وضع التعليمات والضوابط المنظمة للحوالات المالية للخارج، اعتماد مراجعي حسابات للمؤسسات الخيرية، اعتماد الحسابات الختامية والتقارير السنوية للمؤسسات الخيرية.

تمكين أبناء الشعب من دعم المسلمين

وقال الأستاذ حمد بن عبدالعزيز العاصم مدير إدارة الشؤون الاجتماعية والمشاريع التنموية ورئيس لجنة أوروبا الشرقية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أن الأمة الإسلامية وعلى مر العصور ألمت بها ظروف عصفت بها ومرت بمنعطفات اربكتها لكنها بفضل الله ثم بسلامة وإلهية منهجها نجد انها تجاوزت ذلك كله وعادت لتتسلم موقعها ومكانتها التي أرادها الله لها، والمستقرئ للتاريخ يلحظ وبشكل عجيب أن هذه الظروف والمنعطفات بينها تشابه كبير وإن اختلفت الأزمان وتعاقبت الأجيال.

وأضاف: ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كاد عليه السلام أن يعطي ثلث ثمار نخيل المدينة لبعض القبائل العربية المعادية نظير رجوعها عن حرب المسلمين، وكذلك في عام الرمادة عطل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد السرقة لما ألمت به الأمة من فاقة وشدة آنذاك، كذلك ردت الجزية إلى أهل الذمة في بعض عصور الدولة الإسلامية عندما لم تستطع الدولة الإسلامية المحافظة على الحقوق المدنية لهؤلاء الذميين.

وأوضح أن الأمة الإسلامية ليست جماداً ينكسر عند أدنى هزة وإنما هي كائن حي متفاعل يعيش في بؤرة التاريخ صانعاً ومؤثراً حاملاً لرسالة تنطوي على سعادة ورخاء واطمئنان للبشرية ولا يضر هذه الأمة أن تثبت في إحدى زوايا أرجائها نبتة غريبة مؤذية لا تلبث الأمة أن تقتلعها وتطهر ظلالها الوارقة من خطرها.

وأكد أن هذه الهيئة الأهلية التي أمر خادم الحرمين الشريفين - وفقه الله - بإنشائها تأتي متناغمة مع هذا المفصل التاريخي الدقيق والمعقد الذي تمر به البشرية، ونحن نطرح بين يدي تأسيس هذه الهيئة المباركة إن شاء الله عدة مقترحات لعلها تسهم في بلورة ملامحها:

أولاً: من الأهمية بمكان ونحن نروم من هذه الهيئة "..تمكين أبناء الشعب السعودي الكريم من الاستمرار في مد يد العون ومساعدة أشقائهم المسلمين في كل مكان وحرصاً على تنقية العمل الخيري السعودي في الخارج من أي شوائب قد تعترض مسيرته وتشوه سمعته" جريدة "الرياض" 1425/1/9ه.

أن تجتنب هذه الهيئة ردود الفعل وأن تنطلق في عملها من رسالة المملكة العربية السعودية، ومكانتها وحضورها العالمي وتأثيرها في القرار الدولي وكذلك عن كونها ضمير العالم الإسلامي وبيت خبراته.

وأضاف قائلاً وثانياً: أن تبدأ هذه الهيئة المباركة بخطتين إحداهما سريعة أشبه ما تكون بخطة طوارئ تعمل على معالجة توقف الحوالات المالية لبعض المشاريع المتعلقة مباشرة بمعاش الناس (أيتام وأسر محتاجة) والأخرى طويلة الأجل ذات بعد استراتيجي منهجي يراعي اخر ما توصلت إليه البشرية في هذه الجوانب.

ثالثاً: أن تطلب هذه الهيئة الفتية تقارير عاجلة ومختصرة من المؤسسات السعودية التي تعمل في الخارج تتضمن نوع النشاط، أماكنها ومبالغها، مع إرفاق جداول ترتب هذه المشاريع والمناشط حسب أولوياتها.

وأشار العاصم ورابعاً: الحرص على إنشاء مراكز بحوث ودراسات متخصصة في العمل الخيري ويختار لها طاقماً مهنياً متخصصاً في هذا المجال على أن يكون من أولويات هذا المركز:

أ - بناء قاعدة بيانات برجالات العمل الخيري في هذا البلد.
ب - بناء قاعدة بيانات بالتجارب الدعوية والإغاثية الرائدة المنطلقة من مؤسسات هذا البلد.
ج - استقطاب تجارب الآخرين في هذا المجال.

خامساً: الاعتناء ببناء معايير علمية دقيقة لكل عناصر العمل الخيري ابتداءً باختيار الأفراد ومروراً بالمشاريع والمناشط.

وأردف وسادساً: أن تحرص هذه الهيئة وهي في طور التكوين على أن لا تطرح نفسها بديلاً للمؤسسات القائمة وإنما تجعل من أولويات عملها التنسيق بين المؤسسات العاملة على مستوى المشاريع والمناشط وكذلك الدول المستفيدة.

سابعاً: أن تبدأ هذه الهيئة الأهلية ومن يوم إعلان إنشائها في جميع ما يُكتب في الصحف والمجلات لأن ذلك يمثل اقتناصاً لأفكار ربما تكون خلاقة على أنه يجدر بهذه الهيئة مراعاة عنصر الزمن وأن لا تغرق نسفها في تعقيدات إدارية وبيروقراطية بائدة.

 

1
797
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني