حصص سرية

حماقة الحكومة جعلت اثنين من المحامين يدركان أن ثمة شخصاً ما كان يتجسس عليهما. ولكن سياسة أسرارا الدولة تمنعهم الآن من معرفة سبب ذلك.

سليمان البطحي

سليمان البطحي لم يقرأ كتاب فرانز كافكا "المحاكمة". وهي رواية عبثية تؤرخ للشهور الأخيرة من حياة المصرفي جوزيف ك الذي اعتقل واقتيد إلى المحكمة حيث أدين وحكم عليه بالإعدام حتى بدون معرفة التهم الموجهة إليه.

غير أن سليمان البطحي ليس في حاجة إلى كافكا. لأنه يخوض قضية تختلف عن موضوع رواية كافكا في إحدى المحاكم في سان فرانسيسكو.

لقد عمل البطحي مديراً لمؤسسة خيرية إسلامية تقوم الآن بمقاضاة وكالة الأمن الوطني- وهي منظمة تديرها وزارة الدفاع الأمريكية وتقوم بجمع المعلومات الاستخبارية – لتجسسها على مكالمات هاتفية خاصة بينه وبين محاموه خلال النصف الأول من عام 2004 بدون الحصول على إذن قضائي للقيام بهذا التصنت.

وعلم أن الحكومة فعلت ذلك لأنها أعطت المحامين عن طريق الخطأ نسخة من سجل المكالمات التي قامت باعتراضها في أغسطس عام 2004م ، ووزارة الخزانة الأمريكية اعتبرتها اكتشافا يمكن استخدامه ضد جهودها بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 الرامية إلى تحييد المؤسسات الخيرية الإسلامية وجهات أخرى غيرها اعتبرتها ممولة لتنظيم القاعدة والشبكة الإرهابية المسئولة عن مهاجمة مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون.

لقد كان الوثيقة مختومة بختم "سري للغاية" وقد جاءت معها بكل شيء، ما عدا الانحناءة وبطاقة الهدية.

يقول البطحي، وهو الآن مدير إدارة صحة البيئة في مدينة الرياض، بالسعودية " أول مرة رأيت فيها الوثيقة كان ضممن البريد الذي جاءني من المحامي، ولم أكن أعرف ما يمكن أفعله بها في ذلك الوقت". وقد ساهم البطحي في إنشاء فرع لمؤسسة الحرمين، وهي مؤسسة خيرية سعودية عالمية، في مدينة آشلاند بولاية أوريجون.

كما أن المحاميان وكلاهما أمريكيان لم يكونا يدركان طبيعة الوثيقة التي يتعاملان معها.

ولكنهم في النهاية تعرفوا على الوثيقة في ديسمير 2005 عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن وجود برنامج هائل للحكومة يستهدف الإرهابيين تقوم من خلاله بالتصنت على المكالمات الهاتفية. وفي اليوم التالي مباشرة لنشر الخبر، أكد الرئيس الأمريكي جورج بوش عن وجود البرنامج. وهكذا قام المحاميان وكذلك مؤسسة الحرمين بإقامة دعوى قضائية ضد الحكومة الأمريكية للتصنت على مكالماتهم الهاتفية بدون أن تحصل على إذن من القاضي.

كشف الأسرار

لقد بدا الأمر وكأن الحكومة ضبطتت بالجرم المشهود وقد تدلى سروالها الداخلي، عندما قامت بتسليم الدليل الرئيسي في دعوى تطالبها بملايين الدولارات من التعويضات، كما كانت تلك فرصة جيدة لكشف الأفعال المحرجة التي قام بها المسئولين المتورطين في القضية. ولكن بعد أن أقيمت الدعوى في فبراير من عام 2006، حاولت إدارة بوش أن تدفع القاضي إلى أن يكون السجل المعني بالقضية لا يمكن الاطلاع عليه.

وعندما يكون المحاميين ومؤسسة الحرمين أنفسهم في مواجهة مع امتياز أسرار الدولة، وهي قاعدة قانونية تتعلق بالأدلة تسمح للحكومة بأن تطلب من القاضي إغلاق ملف القضية قبل أن تبدأ. غير أن المسئولين الفدراليين يعتمدون على مزاعم جوفاء لا أكثر؛ بأن الكشف عن أدلة بعينها يعرض الأمن القومي للخطر.

"ويقول ويندل بليو، وهو محام يعمل في واشنطن "رد فعلي الأول تجاه المسألة انها مجرد محاولة غير موفقة لتخويف المحامين من تمثيل موكلين بعينهم". وقد كان بليو وعاصم غفور موكلين للمدعي وشاركا في الدفاع في دعوى قضائية أقامتها أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر ضد عدد كبير من الأفراد والمنظمات السعودية ومن بينهم سليمان البطحي ومؤسسة الحرمين وصهر أسامة بن لادن.

وفي محاولة لامتصاص غضب الرأي العام، قال بوش في خطابة الإذاعي أن برنامج التصنت صمم لاعتراض المكالمات الدولية لبعض الأشخاص الذين لديهم علاقات معروفة بتنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية المرتبطة به.

غير أن بليو وغفور ينظران إلى الموضوع من زاوية أخرى.

ويندل بليو و عاصم غفور

يقول عاصم غفور، وهو أيضاً محام يعمل في واشنطن "لقد كنا نظن ان الحكومة لديها إذن قضائي بالتصنت".

وبصفتهما مدعيين في القضية، فإن المقاضاة بالنسبة لبليو وغفور تعني أكبر من مجرد مراقبة بدون إذن قضائي.

يقول بليو "أنا أتعامل مع العلاقة بين المحامي وموكله بجدية تامة، وهذا مكون أساسي في نظام العدالة الأنجلو أمريكي. وهذه ليست قضية مهمة وحسب، بل هي قضية ملزمة ولابد على المحامي أن يخوضها".

اعتراف بوش بوجود البرنامج كانت الخطوة الأولى فقط.

وقد جاءت ملاحظات قاضية محكمة الاستئناف الدورية التاسعة، القاضية مارغريت ماكيون في القرار الذي أصدرته المحكمة في عام 2007 حول قضية مؤسسة الحرمين ضد بوش، على النحو التالي " تطوع المسئولين الحكوميين بالكشف عن معلومة تلو الأخرى حول برنامج التصنت، محددين مخططات برنامج المراقبة بل عرضوا أجزاء منه أمام الملأ في وضح النهار". وقد أشار رأي المحكمة الى أن الحكومة لها الحق في الاطلاع على سجل المكالمات، ولكنها خلصت أيضا إلى أن مبدأ السرية لن يجعل الحكومة بمعزل عن الملاحقة القضائية حول البرنامج في حد ذاته، كما أشار القرار إلى أن المدعين لا يزالون في حاجة إلى الكشف عن الوثيقة".

كما أن موقف قاضي المحكمة الجزئية في سان فرانسيسكو القاضي فون ولكر يمثل موقفاً مهماً بالنسبة لمحكمة الاستئناف، حيث أنه ينظر في طلب الحكومة بإلغاء الدعوى، وطلب جهة الادعاء بإصدار ملخص الحكم حول ما إذا كان المدعين قد تعرضوا للتصنت بطريقة غير قانونية.

لقد نجح محامي الحكومة في المجادلة بمسألة الأمن القومي، حيث أن الكثير من القضاة يأخذون كلام الحكومة على انه امر مسلماً ولا يجهدون في الاطلاع على الأدلة. وهذا عادة ما يضع المدعين في موقف حرج لا يترك أمامهم من سبيل آخر غير الذهاب إلى منازلهم. حيث أن عرض قضيتهم أو الدفاع عن أنفسهم بدون وجود أدلة هامة هو مثل لعبة تثبيت الذيل على الحمار دون أن يكون هناك حمار.

ولكن شكراً لغباء الحكومة، فربما يكون بليو وغفور والبطحي هم الوحيدين الذين يمكنهم تقديم دليل ملموس يثبت أنهم تعرضوا للتصنت- وليتها تركتهم وشأنهم. فربما ما تكمن بقية العالم من الاطلاع هذا السر.

وهنا يأتي دور كافكا. يقول بليو "العملية هنا سريالية. إنهم لا يخبرونك ما هي الاتهامات الموجهة إليك. ويجب عليك أن تخمن. فلو كنت متهماً بجريمة جنائية، لديك الحق على الأقل في أن تعرف الدليل الذي يستخدم ضدك. ولا أظن أن لديهم شيء من هذا".

العمل التجسسي

حتى لو كانت تلك الوثائق السرية مليئة بالأدلة، فإن المدعين معرضون لمخاطرة السجن بموجب قانون التجسس لعام 1917 لو تلفظو ولو بكلمة من تلك الوثيقة. لقد خضع ذلك القانون للتعديل عدة مرات خلال الاثنين وتسعين سنة الماضية، فهو لا يزال يحرم أعمال التجسس وحسب، بل يحرم أيضاً نشر الأسرار الدفاعية بأي شكل كان.

المحكمة الأمريكية العليا نظرت في مسألة امتياز الحكومة مرتين، المرة الأخيرة كانت في قضية الولايات المتحدة ضد رينولدز في عام 1953، حيث اعترفت بشكل رسمي. في قضية أقامها المدنيين الناجين من حادث تحطم طائرة (B-29)، وحكمت المحكمة بعدم أحقية القضاة بمراجعة مادة الطعن. وقد ادعت الحكومة أن تقرير الحادثة يتضمن معلومات سرية عن المعدات العسكرية التي جربت في الطائرة. وفي النهاية رفعت السرية عن الوثيقة في عام 2004، غير أنها لم تكن تتضمن أي شئ يشير إلى لهذه الأسرار.

وخلال السنوات السبعة والأربعين، التي انتهت بعام 2000م ، استخدمت الحكومة امتياز أسرار الدولة 65 مرة. ولكن خلال ثماني سنوات فقط، وأسرفت إدارة بوش في استخدام هذا الامتياز، حيثد استخدمته 48 مرة، وذلك حسب ما جاء في تقرير صدر في سبتمبر الماضي من منظمة (OpenTheGovernment.org) وهو تحالف مقره في واشنطن يتكون من المستهلكين وبعض الجماعات التي تنادي بإصلاح الحكومة، والصحفيين وغيرهم، يحاولون تقليص السرية الحكومية.

وبعد ثماني أشهر من استلام إدارة أوباما السلطة في البلاد، أعلن المدعي العام إريك هولدر عن سلسلة من التغييرات في السياسات قامت برفع مستوى الرقابة.

وقد كانت الحكومة في السابق تتحجج بمعيار أدنى من "الخطر المعقول" على الأمن القومي، والآن يقول هولدر أن وزارة العدل ستقلص استخدام هذا الامتياز في قضايا معينة "فقط عندما يكون هناك خطر حقيقي يهدد الدفاع الوطني أو العلاقات الخارجية، وفقط في الحدود اللازمة لحماية هذه المصالح". وحيث أن رؤساء الأجهزة المعنية هم الذين يقررون استخدام هذا الامتياز بأنفسهم حسب ما جرت به العادة، فإن سياسة هولدر تترك الكلمة الفصل في هذا الشأن للمدعي العام.

ويقول المحامي جون إيزنبيرج الذي يتولى جزء كبير في الدفاع عن مؤسسة الحرمين التي تتضامن مع 54 قضية أخرى مشابهة في سان فرنسيسكو يقول، "صدقوني لا أريد أن انتهك القانون كما فعلت إدارة بوش".

غير أن إجراءات هولدر الجديدة استثنت مؤسسة الحرمين وحفنة من القضايا الأخرى التي قدمت قبل هذه السياسات التي طبقت اعتباراً من الأول من أكتوبر، كما أن السياسة تغطي ممارسة الحكومة "للتسليم الاستثنائي" حيث كان يتم اختطاف الأشخاص المشتبه في كونهم إرهابيين خارج البلاد، ثم يتم أخذهم إلى بعض الدول التي تسمح قوانينها للمحققين بإخضاعهم للتعذيب.

وبالرغم من أن جمعية المحامين الأمريكيين واتحاد الحريات المدنية الأمريكي، وبعض المنظمات المهنية وغيرها من جماعات الضغط، رحبت بالنقلة التي حدثت في سياسات هولدر، إلاّ أنهم قالوا بأنها تعالج فقط الجانب التنفيذي من المعادلة ، ولا يزال ينتظر من الكونغرس أن يفعل شيئاً حيال هذا الأمر، والتشريعات التي لا تزال تنتظر الإجازة في مجلسي الشيوخ والنواب يجب أن تفرض إجراء المراجعة القضائية للأدلة التي تدعم ادعاءات أسرار الدولة، وتسمح للمحاكم بمعاقبة الحكومة بإصدار الأحكام ضدها إذا لم تتقيد بالقواعد القانونية. ويجب أن ينطبق على القضايا التي لا تزال عالقة.

ولعل الشيء الأهم أن كلا القانونين يشترطان على الحكومة استبدال امتياز أسرار الدولة: بتقديم نسخة من الوثيقة وقد شطبت منها العبارات التي تتضمن المعلومات السرية، نسخة مجلس النواب من هذا القانون تستثني المحكمة من تحديد مسائل أسرار الدولة حتى تعطي الطرفين فرصة لجمع بعض الأدلة غير السرية من مصادر يمكن الاطلاع عليها بسهولة.

ويقول غريغوري نجيم، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والحريات المدنية بقسم حقوق الأفراد والمسؤوليات بجمعية المحامين الأمريكيين "الشيء الأساسي هو أن المحكمة لديها الصلاحية لتقييم ما إذا كانت الأدلة البديلة تستوفي متطلبات اختبار النزاهة." وهناك مشكلة أخرى كبيرة وهي أن الحكومة تسعى لإلغاء هذه الدعاوى منذ البداية بدون أن تسمح للمدعين بالمشاركة في البحث عن الأدلة، والتي قد تقود إلى إيجاد أدلة غير سرية".

كما أن قانون آخر مشابه لهذا القانون لم يخضع للتصويت في أي من مجلسي الشيوخ أو النواب في عام 2008، مما دفع بعض المتشائمين إلى الاستنتاج بأن هولدر قد أخرج السياسة العدلية الجديدة لكي تكون نسخة حماسية خرقاء.

يقول بن ويزنر المحامي في اتحاد الحريات الأمريكي، ومحام كبير في قضايا التسليم "إن الأمر يعود بالفعل إلى إدارة أوباما. لو دعموا القانون سيمر، ولو طلبوا مراجعة المحكمة العليا فسيكون لهم ذلك على الأرجح".

غير أن وزارة العدل لا تريد أن تصرح بما إذا كانت تؤيد القوانين الحالية أم أنها ستنقل المسألة إلى المحكمة العليا، ولكن مع القرارات المبعثرة للمحكمة والكثير من القضايا التي لم يبت فيها، لا يشك كثيرون في أن المحكمة العليا ستحل المسألة في نهاية المطاف.

تقول باتريشا والد، وهي قاضية متقاعدة كانت تعمل في محكمة الاستئناف الأمريكية بمنطقة كولومبيا، وهي أيضاً عضو سابق في المحكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا السابقة "أنا أنتظر- ومتأكدة أن الكثيرين ينتظرون مثلي، بفارغ الصبر، أين ستضرب الفردة الأخرى للحذاء". وقد أدلت القاضية باتريشا والد بشهادتها أمام الكونغرس لتأييد إجازة تشريع لتقنين امتياز أسرار الدولة. ولكنها أضافت أن سياسة هولدر التي لم تغير أي سياسة على الإطلاق، قد تمنح وزارة العدل بعض التفوق في مواجهة بعض القضاة المشككين.

وتضيف قائلة "كلما كانت الوزارة حذرة في القيام باعمالها، كلما كانت المحاكم أكثر استعداداً لمنحها المصداقية". ولعل هذا هو ما تعول عليه العدالة.

ويقول المتحدث باسم الوزارة تراسي سمالر"هذه السياسة تؤسس لعملية قضائية بأن الحكومة ستستمر في استخدام هذا الامتياز. حيث أنها ببساطة ستلجأ إلى هذا الامتياز وتطالب بإلغاء الدعوى، وهذه العملية ستتطلب من الحكومة أن تتقدم بقضيتها الى المحكمة من خلال تقديم أدلة كافية".

ومثل عملية المراجعة التي تجري حالياً لبعض المواضيع التي تثار بموجب قانون حرية المعلومات، تنص مذكرة سياسة هولدر على أن الوزارة لن تؤيد استخدام الامتياز لحماية انتهاك القوانين أو عدم الكفاءة أو الأخطاء البيروقراطية، أو لمنع الإحراج. ولكن هذا القطار ربما غادر المحطة بالفعل بالنسبة لقضية مؤسسة الحرمين.

يقول محامي المدعين "إن التحقيق الذي أجرته الحكومة حول المؤسسة كان مجرد تجسس".

فالحكومة لم تقدم أي تهمة تتعلق بالإرهاب الجنائي ضد مؤسسة الحرمين أو إدارتها. وبالرغم من أنها أنفقت الملايين لإبعاد قضية مؤسسة الحرمين من أروقة المحكمة، فإن كل ما حصلت عليه من المؤسسة لا يتجاوز مبلغ 600 ألف دولار من الممتلكات أغلبها معطل في مبنى بولاية أوريجون، بالإضافة إلى تهم تتعلق بضريبة الدخل ضد أمين عام الجمعية برويز صدقاتي وانتهاك لقانون العملة ضد البطحي المدير المالي للمؤسسة لأنه لم يبلغ عن مبلغ 150 ألف دولار من الشيكات السياحية خرج بها من الولايات المتحدة عند عودته إلى السعودية.

توماس نيلسون

"إنها طريقة آل كابون" يقول توماس نيلسون، وهو محام في ويلشز بولاية أوريجون، وهو المحامي الذي تقدم بدعوى التصنت لأول مرة. وبالرغم من أنه كان هناك اعتقاد أن كابون كان مسئولاً عن ارتكاب جرائم لم تذكر، إلاّ أن التهرب الضريبي هو الذي أوقع بذلك الشقي.

البطحي لا يزال عالقاً في السعودية، ولا يستطيع الخروج منها حيث فهو معرض للاعتقال والتسليم للولايات المتحدة لو خرج منها.

وتقول الحكومة أن الأموال كانت موجهة إلى المتمردين في الشيشان، والبطحي يقول أنها كانت موجهة إلى الأرامل والأيتام، وأنه ببساطة لم يكن يعلم بضرورة التبليغ عن المبلغ الذي كان يحمله.

ويقول نيلسون "لم أسمع قط بأي شخص تمت محاكمته بمثل هذه الظروف، ما لم يكن الأمر يتعلق بأموال المخدرات".

والمؤسسة الخيرية لا تزال في الإنعاش.

ويقول نيلسون "نحاول أن نبقيها على قيد الحياة في سجلات وزير الدولة بولاية أوريجون، لقد أخذوا منها 600 ألف دولار، والحكومة تقول أنها لن تأخذ المال، بل تجمده؛ فما الفرق إذاً ؟"

فتح السجلات

منذ بداية التحقيقات الحكومية، أدركت مؤسسة الحرمين أن الهجوم خير للدفاع، وعرضت المؤسسة على الحكومة أن تفتح لها جميع سجلاتها، وأن تتعاون في التحقيق مع مؤسسات خيرية أخرى متهمة بدعم الإرهاب. وعرضت مؤخراً إحضار الشهود أمام المحكمة بما فيهم البطحي، الذي يقول أن حكومته حققت معه مرتين في قضية الشيكات السياحية وبرأته.

يقول البطحي "لقد اندهشوا بذلك العرض".

وفي سبتمبر 2004، قفذت الحكومة فوق مؤسسة الحرمين بكلتا قدميها؛ مستشهدة بوجود معلومات سرية، وأعلنت إدراج مؤسسة الحرمين ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الدولية، لوجود روابط -لم تسمها- مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن. وقد كانت سلمتها ذلك السجل الغامض للمكالمات قبل ذلك بشهر. وبالرغم من أنهما لم يكونا متأكدين من أهمية الوثيقة، إلاّ أن بيلو وغفور قاما على الفور بتوزيع نسخ منها على مسئولي مؤسسة الحرمين وأعضاء الفريق القانوني وصحفي في صحيفة واشنطن بوست.

وبعد حوالي ستة أشهر من تلقي المحامين للوثيقة الغامضة، حضر اثنين من صغار مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى مكتب بليو.

يقول بليو "لقد كانا خجولين للغاية. وطلبا مني ما إذا كان بمقدورهما استعادة الوثيقة، فقلت لهم بكل تأكيد". حيث أن الرفض في التعاون معهم يمكن أن يؤدي إلى حكم بالسجن تحت طائلة قانون التجسس.

كما قام غفور بتسليم النسخ التي كانت بحوزته من تلك الوثيقة في مقهى ستاربكس بالقرب من منزله، ويقول غفور "لقد كان لدي أجهزة كمبيوتر تحتوي على معلومات تتعلق بالعمل مع موكله". لقد تمكن رجال الحكومة من استعادة جميع النسخ ما عدا نسختين فقط، قام المحامي بإرسالهما إلى البطحي في السعودية.

ويتذكر إيزنبيرج زيارة عملاء مكتب التحقيقات له "قالوا لنا لا تفكروا ولا حتى مجرد تفكير فيما رأيتموه في الوثيقة. امسحوها من أدمغتكم".

وفي النهاية وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي يده على حواسيب المحامين حتى يتم تنظيفها من بقايا الوثيقة. وقد أثبت كمبيوتر إيزنبيرج القديم أنه عميل صعب على فني الأمن بوزارة العدل الأمريكية الذي أعلن تعرض الجهاز للعطل ثم طلب تدمير القرص الصلب تحوطاً. ولكن الفني لم يكن يملك الأدوات، ولذلك حاول دون جدوى تحطيم الحاسوب على الطاولة بطريقة ارتجالية. ثم حاول تحطيمه برجل الطاولة ، غير أن ذلك أدى إلى ثني رجل الطاولة. وأخيراً تمكن من فتح الغطاء باستخدام أداة ، ثم قام بإحداث خدوش في المكونات الداخلية للجهاز، كما قام المشرف بتحطيم الذاكرة إلى مليون قطعة.

وبعد عدة أشهر من المساومات وافق غفور في النهاية على تسليم حاسبين مكتبيين لرئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي للقيام بعملية المسح التي كان يفترض أن تستغرق يوماً واحداً. ويقول "لم أستعد حاسباتي منهم إلاّ بعد مرور أسبوعين".

وحتى ذلك الحين، لم تكن لدى المحامين أي فكرة عما ستفعله الحكومة بسجل المكالمات. وقد انتهت لعبة التخمين حول الوثيقة في النهاية، وسلطت عليها الأضواء الكاشفة بنشر التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

علاقة مريبة

كان غفور يمثل حوالي 25 شخصاً كانوا متهمين في الدعوى التي أقامها ذوي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، من بينهم صهر أسامة بن لادن، محمد جمال خليفة الذي قتل في مدغشقر في عام 2007، واثنين من رجال الدين قيل أنهما من مشائخ زعيم تنظيم القاعدة. بينما كان بليو يمثل أحد البنوك وكان يعتبره متهم هامشي، بالإضافة إلى تولي بعض مهام العلاقات العامة ذات الصلة بالمحاكمة. اما زميلهم المتهم، البطحي فكان يقوم بتمويل أغلب أعمال الدفاع.

يقول إيزنبيرج "كل ما يمكنني قوله هو أن العلاقة المباشرة بين مؤسسة الحرمين وصهر أسامة بن لادن هي أنهما كان لديهما نفس المحامين".

وقد قام المحامون بالتعاون مع البطحي لإقناع بعض المتهمين الذين لم يكونوا أحياناً يأبهون بالقضية، بالرد على المدعين. ويقول غفور " أن صدور أي حكم غيابي على احد المتهمين سيجعل ذلك المتهم مرتبطاً بتنظيم القاعدة إلى الأبد".

ويقول غفور أيضاً "بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اتصل بي عدد كبير من الناس، كان بعضهم ممن استهدفتهم دعوى ذوي ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، لقد كانوا يريدون تجاهل الدعوى. فقلت لهم أن هذا خطأ. اسمكم سيكون مرتبطاً بها على الدوام".

من بين المواضيع الأخرى التي تضمنتها المكالمات التي اعتراضها، دفع الأتعاب والنزاعات التي يحتمل أن يتعرض لها غفور بتمثيل الكثير جداً من الموكلين. وبالرغم من أنهم ممنوعون من مناقشة بعض الأمور، إلا أنهم وصفوا المحادثات بأنها كانت روتينية في مجملها.

ويقول بليو "كان على الحكومة أن لا تفاجأ بهذا الأمر".

في ذات الوقت كان محامو المدعين يضعون النقاط على الحروف من الأدلة المعلنة استعداداً لإقامة دعوى ضد الحكومة في قضية التصنت. ويقولون أن الحكومة سلمتهم زمام القضية من الناحية العملية، باستثناء سجل المكالمات الرئيسي الذي يحدد موكليهم كأهداف لعملية المراقبة.

المدعي العام، ألبرتو غونزاليس، الغى في النهاية الأسلوب غير القانوني وبدأ في استخدام قانون مراقبة المخابرات الأجنبية، وهو قانون صدر في عام 1978 تم تصميمه لمثل هذه الحالات. وعلى العكس من برنامج بوش، يشترط القانون المشار إليه وجود إذن قضائي صادر من محكمة خاصة.

ولكن المدعين يزعمون أن المدعي العام السابق جون أشكروفت ونائبه جيمس كومي، قالا لمسئولين آخرين في الإدارة من بينهم نائب الرئيس ديك تشيني، في وقت مبكر في مارس 2004، أن التصنت بدون الحصول على إذن قضائي، عمل غير قانوني. ويقول المدعون أيضاً أن أحد المتهمين، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت موللر، كان قلقاً جداً لدرجة أنه هدد بالاستقالة من منصبه.

واختتمت الحلقة بالزيارة الغير المعلنة لغونزاليس (الذي كان مستشاراً للبيت الأبيض آنذاك) وأندرو كارد رئيس موظفي البيت الأبيض لأشكروفت الذي كان مريضاً جداً في المستشفى. وقد حاول الرجلان إقناع أشكروفت دون جدوى بأن يسمح بتنفيذ البرنامج، فالبرنامج يعد باطلاً بدون توقيعه.

تقدم المدعون بدعوى التصنت إلى المحكمة في فبراير 2006. وادعاءهم الأساسي يزعم وقوع انتهاك لقانون مراقبة المكالمات الأجنبية، ويسعون إلى إبطال أي دليل تم الاستيلاء عليه نتيجة عملية التصنت. كما طالبوا بمبلغ واحد مليون دولار كتعويض لكل واحد منهم.

مقاضاة الدولة في قضية أسرار الدولة لم يكن بالأمر السهل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصياغة المرافعات. والقضايا التي تتعلق بأسرار الدولة تأتي في العادة بمجموعتين من المعلومات- إحداهما تكون متاحة علناً ومتوفرة في سجلات المحكمة، والمجموعة الأخرى لا يسمح بالاطلاع عليها إلاّ للقضاة فقط.

محامو المدعين لديهم مساحة العمل الخاصة بهم لصياغة ردودهم السرية على الحجج السرية للحكومة (التي لم يطلعوا عليها قط). غير أن الحكومة منحتهم غرفة بدون نوافذ تكاد تخلو من كل شيء في مبني الفيدرالي في سان فرانسيسكو، واستخدام حاسب تابع للحكومة وتحت مراقبة ضابطة من أمن وزارة العدل.

ومهمة ضابطة الأمن هي التأكد من استلام المحكمة وكذلك رؤسائها نسخهم من حجج الدفاع، ثم تمزيق ما تبقى من الورق. والمحامون لم يتمكنوا من أخذ نسخ من حجج الدفاع التي قاموا بكتابتها في تلك الغرفة.

وبالرغم من أن الحكومة وجدت المحاكم تقف بجانب أسرار الدولة إلى حد كبير، إلاّ أن بعض الحجج التي قدمتها أربكت القضاة. ففي سان فرانسيسكو يرى القاضي ولكر أنه من المستغرب أن تحاول الحكومة الحصول على دعم دستوري بموجب البند الثاني من قضية الرئيس ريتشارد نيكسون وتسجيلات ووترغيت- التي أجبرته المحكمة العليا على تسليمها.

وكتب القاضي ولكر في قرار أصدره في عام 2008: فلو تمسك القاضي بمسألة دستورية فسيؤدي هذا إلى تعقيد المحاولات الدستورية لتقنين الامتياز، هذا إن لم يؤدي إلى تعطيلها. ولكن "من الصعب القبول بأن صلاحيات الرئيس بموجب المادة الثانية تشكل حاجزاً ضد الكشف عن المعلومات".

وبالرغم من أن بعض المحاكم بدأت في تخفيف القيود، فقد كان القضاة دائماً غير متحمسين للمدعين الذين يلاحقون أسرار الدولة قضائياً. ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يعد هناك بين القضاة من يريد اتخاذ القرار الخطأ بشأن ما إذا كان الكشف عن دليل بعينه يكن أن يلحق ضرراً بالأمن القومي.

كما أن بعض المحاكم رفضت صراحة النظر في الأدلة المطعون فيها، أو السماح بالبحث عن الوقائع أو السماح للأطراف بالرد على إصرار الحكومة على امتياز أسرار الدولة. وهذا مكن القضاة في محكمة الاستئناف الرابعة باتخاذ قرار سريع للخروج من إدعاء خالد المصري بأنه تم اختطافه وتعذيبه كجزء من برنامج التسليم.

وقد كتب القاضي روبرت كينغ في ريشموند: في قضية المصري ضد الولايات المتحدة: "بعد أن تقرر أن المعلومات ستكون محمية بموجب امتياز أسرار الدولة، فهي محمية أيضاً من الكشف- حتى لغرض الفحص الداخلي بواسطة المحكمة".

وفي قضية أخرى للمحامي ويزنر تتعلق بالتعذيب، وهذه في سان فرانسيسكو، ربما تمنح موكليه الاستراحة التي يقولون أنهم في حاجة إليها. فقد رد قضاة محكمة الاستئناف التاسعة الدعوى لأنها كانت تعج بأسرار الدولة. ولكن في قضية محمد ضد شركة جيبنسن داتا بلان، قامت المحكمة بفتح الباب أمام خمسة على الأقل قاموا بمقاضاة الشركة لقولهم أنها قامت بالتخطيط وقدمت الدعم اللوجستي لبرنامج التسليم.

وبالرغم من أن القاضي ألغى الدعوى لأنها تقع ضمن طائلة أسرار الدولة، قضت محكمة الاستئناف بأن يقوم القاضي بالاطلاع على جميع الأدلة كل على حده، وليس النظر إليها بشكل إجمالي وهو وسيلة للإلغاء الصريح. وبمجرد قيام المحكمة بحذف الدليل الذي يخضع للامتياز من جملة الأدلة، ويمكن للقضية أن تستمر ما لم تكن المادة المستبعدة ضرورية لأحد الطريفين إما للادعاء بها أو للدفاع عن قضيته.

هذا القرار يمكن أن يفتح الطريق مباشرة إلى المحكمة العليا. فلو رفضت محكمة الاستئناف التاسعة طلب الإدارة الأمريكية بالنظر في القضية بكامل هيئتها، فقد يضطر وزارة العدل أن تطلب من المحكمة العليا النظر في القضية بدلاً من المخاطرة بخفايا المحاكمة. أو ربما صدور قرار من أي مستوى ضد الحكومة يؤدي إلى تخفيف القيود على التسوية الودية. وهو الشيء الذي لم يظهر حتى الآن.

يقول إيزنبيرج محامي مؤسسة الحرمين "جميع العروض التي قدمت للحكومة لم تجد غير الصمت".

ويقول ويزنر؛ السرية يمكن أن تكون قضية ثانوية، طالما أن الحكومة مهتمة بالأمر.

ويحتج ويزنر قائلاً "لم يكن أي من ضحايا التعذيب يرغب في أن يقضي ولو يوم واحد في المحكمة. نحن لا نتحدث عن السرية. نحن نتحدث عن الحصانة".

المصدر: http://www.abajournal.com/magazine/article/secret_sharers

1
8039
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني