مؤسسة الحرمين: في انتظار قذف حذاء آخر

الكاتب: ويليام فيشر
موظف سابق في وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة التنمية الدولية
3 إبريل 2010

بينما يبحث خبراء القانون في الآثار طويلة المدى لحكم المحكمة الذي صدر الأسبوع الماضي، والذي أعلن عدم شرعية برنامج المراقبة غير القانونية الذي كانت تطبقه إدارة بوش الابن، تتجه الأنظار الآن نحو وزارة العدل في إدارة أوباما لمعرفة ما إذا كانت ستستأنف ضد هذا الحكم المثير للجدل ام لا.

يقول المحامي في ولاية كاليفورنيا الذي كسب ذلك الحكم التاريخي الأسبوع الماضي "لو استأنفت الحكومة ضد هذا الحكم فهو دليل على أن أوباما لا ما نع لديه من وراثة تركة بوش في حكم راعي البقر".

يوم الأربعاء الماضي، أصدر قاض فيدرالي حكماً مفاده أن وكالة الأمن الوطني قامت بانتهاك قانون المخابرات الأجنبية لعام 1978 وهو قانون فيدرالي كان يستلزم حصولها على إذن قضائي عندما قامت بالتصنت على المكالمات الهاتفية لمؤسسة الحرمين، وهي مؤسسة خيرية إسلامية كان مقرها في ولاية أوريجون و قد تم حلها.

وقال القاضي مشيراً إلى تعرضهم لمراقبة غير قانونية، أن الحكومة تتحمل المسئولية القانونية لدفع تعويضات للمدعين.

وهذا الحكم الذي أصدره القاضي فون ولكر، رئيس القضاة في المحكمة الفيدرالية بمقاطعة سان فرانسيسكو، رفض ادعاءات وزارة العدل الأمريكية- التي أصرت منذ البداية إبان إدارة بوش وكذلك في إدارة أوباما- على أنه ينبغي إلغاء الدعوى التي تقدمت بها المؤسسة الخيرية لأن الاستمرار في القضية سيؤدي إلى الكشف عن أسرار تخص الدولة.

وقد وصف القاضي ذلك الاستخدام الموسع لما يسمى بامتياز أسرار الدولة الذي يقود إلى تكريس السلطات المطلقة للسلطة التنفيذية التي غالباً ما تنطوي على الاستغلال السيئ لسلطات الحكومة.

وقال القاضي أن هذا الموقف سيمكن المسئولين الحكوميين من خرق قانون الإذن القضائي بالرغم من أن الكونغرس سن القانون "بشكل خاص لكبح جماح انتهاكات السلطة التنفيذية وفرض نوع من الرقابة القضائية على سلطات المراقبة".

وقد زعمت إدارة بوش أن برنامج المراقبة السرية كان قانونياً. وكانت وكالة الأمن الوطني في إطار هذا البرنامج تقوم بمراقبة الرسائل الالكترونية للأمريكيين ومكالماتهم الهاتفية بدون الحصول على إذن قضائي، وذلك بالرغم من قانون مراقبة المخابرات الأجنبية لعام 1978، يستلزم الحصول على هذا الإذن.

وقالت وزارة العدل أنها تنظر في قرار المحكمة وأنها لم تتخذ بعد أي قرار حول ما إذا كانت ستستأنف ضد هذا القرار ام لا.

وهناك شيء من التردد بين الخبراء القانونيين، فأغلب الذين اتصلنا بهم أشادوا بهذا الحكم على أنه يعد بداية النهاية للاستخدام غير المقيد لامتياز أسرار الدولة.

وفيما يلي ما قاله بعض هؤلاء الخبراء:

ستيفن أفترغود، رئيس برنامج السرية الحكومية لاتحاد العلماء الأمريكيين:

"على الأقل ضمنياً، القرار يعني أن بعض جوانب برنامج الرئيس بوش لمراقبة الإرهابيين كانت غير قانونية، والمهم في ذلك أن الحكم صدر المحكمة بناء على شكوى خاصة قدمت بعد سنوات من الواقعة، وليس من خلال رقابة من الكونغرس، حيث أن الكونغرس قد سن قانون مراقبة المخابرات الأجنبية في لعام 1978، وهو الأساس القانوني الذي استند عليه حكم المحكمة". فرقابة الكونغرس وحدها ما كانت لتكشف الانتهاك الذي تعرضت له مؤسسة الحرمين (وآخرون غيرها) وبالتالي معاقبة الحكومة على ذلك.

"الحكم الجديد يضع امتياز أسرار الدولة في وضع يسيء اليه نوعاً ما " حيث قال محامو الحكومة أن الحكومة لا تصر على "امتياز أسرار الدولة" للتستر على انتهاكات مزعومة بوجود أفعال غير قانونية. ولكن استخدام إدارتي بوش وأوباما لامتياز أسرار الدولة، وهو ما حدث بالضبط- كان للتستر على عمل تبين الآن أنه كان غير قانوني.

"وبقدر ما أن هناك دور مشروع لامتياز أسرار الدولة، ربما تكون الحكومة الآن في موقف يدفعها لتعزيز شرعية هذا الامتياز، وذلك ربما من خلال سن قانون حماية أسرار الدولة الذي ينتظر دوره. وسيتضمن هذا القانون، الى جانب أمور أخرى، وجود مراجعة قضائية والمصادقة على مضمون الأدلة التي توصف بأنها تقع ضمن هذا الامتياز".

"أخيراً، يسلط هذا الحكم أضواء جديدة على المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2005 والذي كشف عن برنامج إدارة بوش للمراقبة غير القانونية. وقد أثيرت قضية مقنعة من قبل غابريال سكونفيلد (في مجلة كومينتري، مارس 2006، وفي كتاب الذي سيصدر قريباً تحت عنوان "أسرار ضرورية"، حيث يقول أن مقال صحيفة التايمز يمثل انتهاك للقانون الذي يحظر وبشكل واضح الكشف غير المصرح به ونشر معلومات سرية تتعلق بمعلومات عن اتصالات )". لكن مقال التايمز هو الأساس الذي استندت إليه مؤسسة الحرمين في دعواها القضائية.

"وفي ظل حكم قضائي قاطع بأن برنامج المراقبة المذكور لم يكن قانونياً، فإن ما قامت به صحيفة التايمز من كشف عن هذا البرنامج يعد دعماً وتمكيناً لحكم القانون، وليس تحدياً له".

دافي إفياتار من منظمة حقوق الإنسان أولاً:

"قضية مؤسسة الحرمين مثال رائع على ضرورة عدم قبول المحاكم لمزاعم الحكومة بأن الكشف عن المعلومات حول إمكانية انتهاكها للقانون قد يعرض أسرار الدولة للخطر. لقد نجح القاضي ولكر في الفصل في هذه القضية بدون أن يعرض الأمن القومي للخطر بأي حال من الأحوال".

"وفي ذات الوقت، تؤكد هذه القضية على أهمية قيام الكونغرس بسن قانون جديد يمنع الحكومة من السعي لإلغاء الدعاوى القضائية التي تتعلق "بأسرار الدولة". وتؤكد إدارة أوباما أن إجراءاتها الجديدة لاستخدام امتياز أسرار الدولة إنما تهدف إلى توفير حماية كافية حتى لا يساء استخدام هذا الامتياز. ولكن في هذه القضية، حاولت وزارة العدل مرة أخرى إلغاء دعوى قضائية أشارت إلى تورط الحكومة في عمل غير قانوني".

"وقد أثبت القاضي ولكر أن الحكومة قامت فعلاً بانتهاك القانون من خلال التصنت على مكالمات مؤسسة خيرية إسلامية ومحاموها بدون أن تحصل على إذن قضائي يسمح لها بهذا التصنت. ولسوء الحظ، الكثير من القضاة في دعاوى أخرى قبلوا ببساطة ادعاءات الحكومة بدون أي اعتراض. ومن خلال سن قانون جديد يحد من قدرة الحكومة علي اللجوء إلي امتياز أسرار الدولة لإلغاء الدعاوى القضائية، يمكننا أن نطمئن من أن الحكومة لا تستخدم امتياز أسرار الدولة لحماية نفسها من مواجهة مسئولية انتهاك القانون".

البروفيسور بيتر شين من مدرسة القانون بجامعة أوهايو:

"قضية مؤسسة الحرمين تدعم بقوة ضرورة سن إطار تشريعي لتقييم ادعاءات أسرار الدولة. التقارير الإخبارية التي تناولت القضية حتى الآن ركزت بشكل عام على الظروف غير العادية للقضية، والتي تمكن فيها المدعين من إقناع قاضي المحكمة بموقفهم وبأحقيتهم في الحصول على تعويض بدون اللجوء إلى معلومات سرية".

"ولكن هناك شيء لا يقل أهمية عن السابق هو أن محكمة الاستئناف قد اشتركت في المراجعة السرية للوثيقة السرية التي أصرت الحكومة أنها تقع ضمن طائلة امتياز أسرار الدولة، وأيدت حق الحكومة في الحفاظ على سريتها ولكن بعد التفتيش القضائي لمحتويات الوثيقة. وهذا يؤيد وبقوة فكرة أن امتياز أسرار الدولة المحدد بشكل صحيح يمكن أن يتعايش مع حماية التفتيش القضائي، وهذا من شأنه أن يسمح للدعاوى التي تتعلق بالأمن القومي بالاستمرار بطريقة أو بأخرى بدون المساس بمصادر المعلومات الاستخبارية وأساليبها".

سكوت هورتون، محامي متخصص في مجال الحقوق المدنية، ومحاضر في بمدرسة القانون بجامعة كولومبيا، ومحرر في مجلة هاربر

"لقد تحدثت وزارة العدل كثيراً عن معاييرها الجديدة في استدعاء امتياز أسرار الدولة وقد شارك في ذلك جمع غفير من كبار المسئولين في الوزارة قبل اتخاذ القرار باللجوء إلى هذا الامتياز. وهذا شيء جيد، ولكنه شأن داخلي يخص الإدارة. والتجربة مع وزارة العدل تشير إلى أن ممارساتها بسيطة جداً: وهي عندما تتعرض لأي مشكلة تلجئ إلى أسرار الدولة".

"عندما يتبين أن الدعوى يمكن أن تسبب حرجاً لوزارة العدل، تلجأ إلى الادعاء بوجود أسرار دولة لمنع هذا الحرج. وعندما يتبين أن قضية بعينها يمكن أن تثبت تورط الوزارة في سلوك إجرامي – تسعى الوزارة لاستدعاء امتياز أسرار الدولة بكل الوسائل، وتبين قضية الحرمين بما لا يدع مجالا للشك، أن امتياز أسرار الدولة قد زج به في القضية لتجنب الكشف عن جريمة الحكومة الرسمية، وهو أمر محرم قطعاً – وهو الأمر الذي تعترف به وزارة العدل نفسها".

"وليس هناك ثمة فرق كبير بين وزارتي العدل في إدارتي بوش وأوباما في هذه النقطة (بل وأضيف أن ما قامت به وزارة العدل في إدارة أوباما لا يمكن أن ينسجم مع التصريحات الرسمية التي أدلى بها الرئيس أوباما، وهو ما يشير إلى أنها لا تزال تمثل وزارة عدل مارقة)".

"وتعكس قضية مؤسسة الحرمين الشكوك القضائية المتزايدة حول استخدام امتياز أسرار الدولة، والاعتراف المتزايد بأن وزارة العدل قد أدلت أمام المحاكم بتصريحات خاطئة أو على الأقل مغرضة بشأن استخدامها لامتياز أسرار الدولة. وهي تبين أيضاً أن المحاكم يمكنها أن تلتف حول امتياز أسرار الدولة من خلال استبعاد المعلومات السرية وبناء القضية على أساس المعلومات التي لا يمكن أن تكون سرية. كما أن تشير إلى رسم المحكمة لافتراضات مطلقة حول استخدامات الوزارة السلبية لمبدأ السرية. إنها قضية تاريخية، فهي تقدم للمدعين في المستقبل خارطة طريق واضحة لمقاضاة الحكومة حول ممارسة المراقبة غير القانونية بحقهم".

وأخيراً هناك جون إيزنبيرج، احد المحامين في القضية عن مؤسسة الحرمين. يقول إيزنبيرج أن مكتبه القانوني لم يقم بشيء آخر خلال السنوات الأربع الماضية غير قضية مؤسسة الحرمين. ويقول أنه أنفق الكثير من الوقت "وهو عالق بين الغضب وعدم التصديق".

وقال أنه لا يفهم لماذا يبدو الرئيس أوباما وكأنه "مصمم للغاية لكي يصبح نسخة طبق الأصل من سلفه بوش".

وتكهن قائلاً: ربما كان في حاجة إلى أصوات الجمهوريين لإكمال أجندته التشريعية ولا يرغب في عزل الحزب المعارض، أو لعله لم يشأ أن يكون أول رئيس تنفيذي يقوم بالحد من سلطات السلطة التنفيذية، ولربما يظن أن السير في أي طريق آخر قد يجعله هو وحزبه عرضة للاتهامات بالتساهل مع الإرهاب.

ولكن إيزنبيرج قال لنا: على أوباما أن يدرك مدى خطورة الطريق الذي سلكه، أي الطريق الذي سارت عليه وزارة العدل في إدارة بوش.

وأعتقد أن الأمر هنا أشبه بالحرب في أفغانستان. بدأها جورج بوش . وورثها أوباما. فهي الآن حرب أوباما. ويريد أوباما يريد أن يتخلص منها. والطريق الذي تسير عليه وزارة العدل حالياً، رسمه ورج بوش الابن، وورثه أوباما. ولو استمر أوباما في السير على ذات الطريق التي سار عليها بوش، بتقديم استئناف ضد هذا الحكم، فإن في هذه الحالة يكون ورث كل "الديدان" التي تركها له بوش، فهل أوباما يريد فعلاً أن تكون هذه تركته ؟

لقد استخدام امتياز أسرار الدولة مرة واحدة نادرة في تاريخ أمريكا، ولكن خلال إدارة بوش زج بهذا الامتياز عشرات المرات في جهود مستمرة ومتوالية لإبعاد الدعاوى القضائية حتى لا تنظر فيها المحاكم. وحتى قبل انتخاب باراك أوباما، بدأ الكونغرس النظر في قانون يتضمن بعض القواعد التي تحكم استخدام امتياز أسرار الدولة. حيث أن قانون حماية أسرار الدولة قد طرح أصلاً في عام 2008 من قبل السناتور الراحل إدوارد كينيدي، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية مساشوسيت، ثم قام بطرحه السناتور الجمهوري إرلين سبكتر، عضو مجلس الشيوخ، من بنسلفانيا.وقد أصبح السناتور سبكتر بعدها عضواً في الحزب الديمقراطي.

ويدافع الآن عن هذا التشريع العضو الديمقراطي عن ولاية فيرمونت، السناتور بات ليهي، رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي وهي لجنة قوية. ولكن النظر في هذا القانون قد أجل بسبب ازدحام جدول أعمال اللجنة بالكثير من المواضيع المتعلقة بالنقاش حول قانون الرعاية الصحية وغيره من القوانين التي لابد من إجازتها.

ولكن أنصار الحقوق المدنية لا يزالون مستمرون في حشد التأييد للقانون المقترح، آني سوفيك، وهي محامية تعمل مع مجموعة "حقوق الإنسان أولاً" تقول أنها ليست متأكدة من الأثر الذي سيتركه قرار المحكمة على سير العميل في سن القانون الذي صمم لتنظيم استخدام امتياز أسرار الدولة. ولكنها قالت لنا "إن هدفنا في هذه اللحظة هو أن نستمر في حشد المؤيدين والضغط على اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي للنظر في القانون، والبحث عن فرصة مناسبة لطرح القانون للتصويت".

وتصر إدارة أوباما على أنها ستكون أكثر حذراً من سابقتها في استخدام امتياز أسرار الدولة، وساتستخدمه فقط عند الضرورة القصوى لحماية الأمن القومي.

ولكن كما تقول صحيفة لوس أنجلس تايمز في افتتاحيتها، أن هناك طريق سهل للمدعي العام إريك هولدر ليقوم بعمل صالح في هذه اللحظة: يجب أن يرفض الاستئناف ضد حكم القاضي ولكر.

المصدر: http://www.huffingtonpost.com/william-fisher/al-haramain-waiting-for-t_b_524364.html

1
8275
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني