لعبة "الديمقراطية" بين عرب أوروبا وعربة الشيطان

لقد بدأت في العواصم الأوروبية منذ سنوات حملة سرية مُنظمة لاستقطاب عناصر مُحددة من أبناء عرب أوروبا, بهدف تأهيلهم لحمل ألوية تغيير بعض من النُظم السياسية في المنطقة العربية, ودفع حكومات بعينها نحو تطبيق "الديمقراطية" على الطريقة الغربية, ولقد كانت هذه الحملة الأوروبية إلى وقت قريب تسير دون ضجيج, إلا أن فحوى الموضوع الذي دار في لقاءات تمت مؤخرا بين " كونداليزا رايس " - مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومى - مع عدد من ساسة وخبراء في الشؤون الأمنية بدول الاتحاد الأوروبي, والتي عرضت فيها عليهم خطة سياسية وتوجهات أمريكية جديدة, زعمت أنها لتحقيق "الديمقراطية" في العالم العربي, وهو الموضوع الذي عُرف "بمبادرة الشرق الأوسط", جعلت من تحركات فئات بعينها من عرب أوروبا "من وجهة نظرهم" شرعية, أضفت عليها مشاعر دعم تضع نهاية لأساليب التحفظات الأقرب للسرية, والتي تم العمل بها لفترة دامت حوالي عقد من الزمان, في لعبة الديمقراطية التي وضعها الغرب في عربة الشيطان.

أما العناصر العربية في أوروبا والذين أشرت إليهم فهم غالبا من الفلول التي هربت من أوطانها لأوروبا, طلبا للعيش في نعيم ورغد الحياة الاقتصادية, الأكثر سهولة وارتفاعا من حيث المستوى في بلادهم الأصلية, وتعلل نسبة كبيرة من هؤلاء بأسباب وادعاءات سياسية " ليست كلها حقيقية ", وذلك من أجل الحصول على حق الحماية واللجوء لأوروبا, والعيش في بعض من بلادها بإقامات شرعية, ونسبة قليلة من هؤلاء من الممكن قول إن لهم خلافات أيدلوجية مع حكومات بلادهم العربية, معظم هؤلاء من الأصوليين والمتطرفين, وقلة منهم اتخذت من الإرهاب وسيلة لتحقيق مآربها, وتنفيذ أهداف لمؤسسات مشبوهة, وبعض من الدول الغربية التي تحمل العداء للمنطقة العربية, وعلى رأس هؤلاء وهؤلاء تقف إسرائيل وأعوانها من خلف الستار, وتارة أخرى علانية.

والحكومات العربية المستهدفة من قبل أوروبا وحديثا من ناحية أمريكا فهي وفقا للترتيب النوعي: مصر على اعتبار أنها الأخت الكُبرى للعرب, والنافذة التقليدية ذات التأثير السياسي والثقافي, والمملكة العربية السعودية لكونها قبلة المسلمين, ولأن المد الإسلامي ينطلق منها, إضافة لنصيبها الإلهي في منحها نعمة الثروة النفطية, أما سوريا فهي الدولة التي تتمسك بسياسة رافضة لعقد السلام مع ربيبة الغرب المزعومة "إسرائيل", كما تشترك هذه الدول الثلاث في محاور جغرافية استراتيجية, تؤكد الدراسات العلمية الأمريكية والأوروبية أن استمرار نموها وتقدمها ومواردها الطبيعية ليس في مصلحة الغرب, وحتى إن أعلنوا عكس ذلك.

نأتي الآن لقضية الديمقراطية, التي تريد أمريكا والغرب تصديرها لوطننا العربي حكومات وشعوبا, لنتساءل بحكمة وموضوعية من قال لأمريكا إن النُظم الديمقراطية بالأساليب الغربية مُناسبة لنا؟.... وهل تصلح لكي نقوم بتطبيقها في بلادنا؟... ثم أين كانت أمريكا طوال القرن الماضي؟ لماذا لم تطالب من قبل, وتساعد دول المنطقة العربية, أو كما يطلقون علينا "دول الشرق الأوسط" بتطبيق ديمقراطيتهم؟...

يجب التأكيد على ثمة حقائق لا تقبل الشك, تكمن في أن أمريكا لها في المرحلة الراهنة مصلحة عُليا خاصة بها فيما تخطط له, وتريد استخدام عربة الديمقراطية وسيلة لتحقيق أهدافها, لأن هذه الكلمة لها سحر وجاذبية عند كثير من الشعوب, التي اشتاقت لتقليد الممارسات السياسية على النمط الغربي, ولا ترى إلا واجهات سطحية خارجية هي قشور فقط, تلك التي لا تفسر واقع وحقيقة الديمقراطية الغربية, التي تستند إلى محور لنظريات براقة تدفع شعوبها للدوران حوله, فالحكومات الأوروبية وحكومة واشنطن نجحت بالفعل في إقامة مجتمعات أطلقت لها حُريات كثيرة نلقي الضوء على بعضها:

حُرية التصرُف بأجسادهم كما يتراءى لهم... فممارسة شتى أنواع الجنس غير الشرعي, وبتنوعاته اللا أخلاقية هي من الأمور المباحة للمواطنين في أمريكا ومعظم الدول الأوروبية, لكن نتيجة وإفرازات هذا النوع من الحرية, كانت ولا تزال انتشار وتفشي كثير من الأمراض وأشهرها مرض الإيدز الذي يعتبر طاعون العصر الحديث.

إباحة شرب الخمور وفتح أبواب المراقص, وفي بعض الدول الأوروبية مثل "هولندا" تعاطي المخدرات مسموح به, وتوجد مقاه خاصة لبيع الحشيش والأفيون, والدولة الهولندية ذاتها تصرف للمدمنين تذاكر الهيروين.

حُرية الأبناء الذين بلغوا سن الثامنة عشرة من الجنسين في مخالفة وعدم طاعة الآباء في أي شيء, فمن حق الفتى أو الفتاة أن يستقل ليعيش بمفرده مع من يريد من ذات جنسه أو الجنس الآخر, ويمارس أي شيء وكل شيء بإرادته دون رقيب أو حسيب.

إسقاط مفاهيم احترام الأبناء لذويهم من قاموس العلاقات الاجتماعية, وذلك لدرجات وصلت لحد حتى احتقار الصغير للكبير.

أما الحقوق السياسية فإن المال ومن يملكه له السُلطة والسطوة, فبدونه لا يمكن ممارسة الحقوق الدستورية, وبدون رضاء أصحاب مراكز القوة "وهم قلة تسير مقاليد الأمور" لا يستطيع أحد أن يشغل منصبا سياسيا, وتترك الفرص لبعض الضعفاء وذلك على سبيل الديكور السياسي للأنظمة الحاكمة, التي يسيطر عليها أصحاب الأحساب والأنساب, لكن الأساليب التي يتم بها ذلك تتم بأشكال مخادعة وماكرة, فهي تحمل أسماء لحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات, وهذه هي الأساليب التي تريد أمريكا تصديرها إلى شعوبنا العربية، حتى تخترق ثقافتنا وعقيدتنا الإسلامية, وما هي إلا لعبة "الديمقراطية" التي تريد أمريكا وأوروبا ممارستها مع شعوبنا العربية, مستخدمة قلة خارجة من عرب أوروبا, لوضعهم في عربة الشيطان, فإذا كانت هذه هي الديمقراطية التي أوضحنا بعضاً من نماذجها فلا, لكن السؤال الأكبر كيف نحمي أنفسنا وشعوبنا من الخطر القادم من الغرب باسم الديمقراطية ؟ أليس لدينا نظام الشورى في الإسلام؟ أوليس لدينا شريعة إسلامية تنظم حقوق الإنسان, وتنظم علاقة الحاكم بالمحكوم بعزة وكرامة؟ نريد العودة لعدالة عمر بن الخطاب, ونقتدي بسلوكيات خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وبذلك يأخذ الجميع حقه في الحياة وتضيع فرصة أمريكا وأوروبا في اختراق مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

*كاتب مصري مقيم في هولندا

1
160
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني