إستراتيجية الولايات المتحدة في العالم الإسلامي بعد 11/9

من المهم بالنسبة لقادة الولايات المتحدة على ضوء أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب، أن يعدوا إستراتيجية محددة للتعامل مع العالم الإسلامي.

ومن هذا المنطلق، تتضمن هذه الدراسة وصفاً لنظام يمكن من خلاله التعرف على التوجهات الفكرية الرئيسية في الإسلام، والتمعن في الانقسامات بين الجماعات الإسلامية، وتتبع الأسباب طويلة الأمد والحالية للتطرف الإسلامي. كما أنها تشير إلى بعض الاستراتيجيات السياسية والعسكرية المتاحة للمساعدة في تحسين الأحوال التي أنتجت ذلك التطرف.  

إن الأحداث المزلزلة التي وقعت خلال الثلاث سنوات الماضية – بما فيها الحادي عشر من سبتمبر والحرب على الإرهاب في أفغانستان والعراق وما بعدها- قد أثرت على العالم الإسلامي، وعلى موقفه تجاه الولايات المتحدة، بشكل خطير. إلاّ أن بعض القوى المحركة التي تؤثر على البيئة في الدول الإسلامية، هي أيضاً نتاج لتلك النزعات التي ظلت سائدة لعدة عقود. كما أن استمرار هذه النزعات سيجعل من الصعب إدارة البيئة الأمنية في العالم الإسلامي لسنوات قادمة، وقد يؤدي ذلك إلى تزايد الطلب على الموارد السياسية والعسكرية الأمريكية. وعليه، من الأهمية بمكان إعداد إستراتيجية محددة للتعامل مع العالم الإسلامي، والتي من شأنها  المساعدة في تحسين الأحوال التي أنتجت التطرف الديني والسياسي، والمواقف المعادية للولايات المتحدة.

لقد طلبت القوات الجوية الأمريكية من مشروع مؤسسة راند للقوات الجوية، دراسة النزعات الأكثر احتمالاً في التأثير على مصالح الولايات المتحدة وأمنها في العالم الإسلامي. واستجابة لذلك، قام الباحثون بإعداد هيكل تحليلي للتعرف على التوجهات الفكرية الرئيسية في الإسلام، والتمعن في الانقسامات بين الجماعات الإسلامية، وتتبع الأسباب طويلة الأمد والحالية للتطرف الإسلامي. كما أن هذا الهيكل سيساعد صناع القرار في الولايات المتحدة في فهم الاستراتيجيات السياسية والعسكرية التي يمكن إتباعها للتفاعل مع الظروف المتغيرة في هذا الجزء الخطير  من العالم.

المؤشرات الرئيسية، المواقف تجاه الديمقراطية واللاعنف

يشتمل العالم الإسلامي على مجموعة من الدول تمتد من غرب إفريقيا إلى جنوب الفلبين، بالإضافة إلى الجاليات التي تعيش في المهجر في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية. وقد أعد الباحثون آلية للتمييز بين التيارات الإسلامية الدينية والسياسية، بناءً على أفكارها وتوجهاتها السياسية والقانونية، والأشكال المفضلة لديها من أنظمة الحكم، ومواقفها من حقوق الإنسان، والأجندة الاجتماعية، وعلاقاتها بالإرهاب، وميلها إلى العنف. وتأسيساً على هذه المؤشرات، تقع الجماعات الإسلامية في طيف يمتد من تأييد القيم الديمقراطية ورفض العنف، إلى رفض الديمقراطية وتبني العنف. وآلية التمييز هذه، يمكن أن تساعد صناع القرار في الولايات المتحدة في التعرف على الشركاء المحتملين في العالم الإسلامي، الذين قد يتعاونون في الترويج للديمقراطية والاستقرار، ومواجهة تأثير الجماعات المتطرفة والتي تمارس العنف.

الانقسامات في العالم الإسلامي تفرض التحديات والفرص

بالإضافة إلى الخلافات الفكرية التي أشرنا إليها أعلاه، هنالك انقسامات أخرى تفتك بالعالم الإسلامي، لها مضامينها في مصالح الولايات المتحدة وإستراتجيتها:

السنة والشيعة. إن غالبية المسلمين من السنة. كما أن الشيعة الذين يشكلون 15% من مسلمي العالم، هم الفئة المهيمنة في إيران، وهم  يشكلون الأغلبية المهمشة في البحرين، وفي المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، كما أنهم كانوا كذلك في العراق قبل إزاحة صدام. وقد تكون هنالك مصلحة للولايات المتحدة للانحياز بسياساتها إلى جانب الجماعات الشيعية، التي تطمح في الحصول على قدر أكبر من المشاركة في الحكم، والمزيد من حرية التعبير، السياسية والدينية. فإذا أمكن تحقيق هذا التوافق، فإنه قد يشكل حاجزاً أمام الحركات الإسلامية المتطرفة، وقد يخلق أُساس لموقفٍ أمريكيٍ مستقر في الشرق الأوسط.

المسلمين العرب وغير العرب. يشكل العرب حوالي 20% من مسلمي العالم. كما أن العالم العربي يتصف بمعدلات أعلى للاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من المناطق الأخرى فيما يسمى بالعالم النامي. وبالمقارنة، القطاعات غير العربية من العالم الإسلامي أكثر شمولاً من الناحية السياسية، ويفتخرون بأغلبية الحكومات التي تتبنى الديمقراطية  بالكامل أو بشكل جزئي، وهم أكثر علمانية في رؤاهم. وبالرغم من أن الشرق الأوسط كان يعتبر "نواة" العالم الإسلامي من الناحية التقليدية، إلاّ أنه يبدوا أن مركز الجاذبية سينتقل إلى القطاعات غير العربية. إذ أن الفكر الأكثر ابتكاراً وتطوراً حول الإسلام يوجد في مناطق تقع خارج العالم العربي، مثل جنوب شرق آسيا، والجاليات التي تعيش في المهجر ببلاد الغرب. وعلى الولايات المتحدة أن تعير اهتماماً خاصاً لهذه التطورات المتوالية، لأنها تستطيع مواجهة التفسيرات الأكثر تطرفاً للإسلام، والتي توجد في بعض أجزاء العالم العربي.

المجتمعات الإثنية، والقبائل، والعشائر. إن الإخفاق في فهم السياسة القبلية كان من بين الأسباب الكامنة وراء التورط المأساوي للولايات المتحدة في الصومال. وبالرغم من مرور عشر سنوات على ذلك، إلاّ أن الولايات المتحدة تعرف القليل جداً عن القوى القبلية المحركة في المناطق التي تتواجد بها، أو قد تعمل فيها القوات الأمريكية. وبينما تمارس الولايات المتحدة سياسة نشطة في بعض المناطق المضطربة من العالم، إلاّ أنه سيكون من الأهمية بمكان دراسة وفهم إدارة القضايا الإقليمية والقبلية.

الظروف والعمليات والأحداث المحركة التي تشعل التطرف الإسلامي

يعمل الباحثون للتعرف على الأسباب المستمرة والمباشرة لانتشار التطرف الإسلامي طيلة العقود الماضية. إن الأحوال السائدة تقريباً في العالم الإسلامي، مثل فشل النماذج السياسية والاقتصادية في كثير من الدول العربية، أدت إلى إشعال حالة من الغضب ضد الغرب، حيث أخذ المسلمون المحرومون يلومون سياسات الولايات المتحدة على فشل دولهم. هذا العداء "الهيكلي" لأمريكا لا يستجيب للعلاج من خلال الوسائل السياسية أو الدبلوماسية. فضلاً عن ذلك، فإن لا مركزية السلطة الدينية في الإسلام السني، فتحت الباب على مصراعيه للمتطرفين من ذوي القناعات القاصرة ليستغلوا الدين في غاياتهم.

لقد حدثت عدة عمليات عبر الزمن أدت إلى تفاقم التطرف الإسلامي. حيث أن الصحوة الإسلامية التي ظهرت في الشرق الأوسط خلال الثلاثين سنة الماضية، وتصدير الفكر والممارسات الدينية العربية إلى المسلمين من غير العرب في العالم الإسلامي، أدت إلى زيادة التأييد للأصولية. كما انتشر الفكر الإسلامي المتطرف في المجتمعات القبلية التي تفتقر إلى سلطة سياسية مركزية قوية (كما هو الحال في مناطق البشتون في باكستان وأفغانستان)، مما أدى إلى إنتاج خليط، يعتقد بعض المراقبين بأنه "يقود إلى بن لادن". فضلاً عن ذلك، نجح الإسلاميين المتطرفين في تشكيل شبكات تدعم الأنشطة الأصولية، بل حتى الإرهابية أيضاً، من خلال التمويل والتجنيد. والكثير من هذه الشبكات تقدم خدمات اجتماعية للمجتمعات المسلمة، مما صَعَّب مهمة اكتشافها وتمزيقها. وأخيراً، ظهور القنوات الفضائية الإقليمية مثل قناة الجزيرة، قدم وسائل قوية لتقوية الأفكار المسبقة عن العداء لأمريكا، وقصص التضحيات العربية التي تخدم أجندة المتطرفين.

هنالك بعض الأحداث المحركة تكمن وراء هذه العوامل طويلة الأمد والتي نقلت البيئة السياسية في العالم الإسلامي إلى التطرف. ومن بين تلك الأحداث الهامة، الثورة الإيرانية، وحرب الأفغان مع السوفييت، وحرب الخليج في عام 1991م، والحرب الكونية على الإرهاب، التي اندلعت بعد الحادي عشر من سبتمبر. كما أن الحرب على العراق وإزاحة صدام حسين، كان لها تأثيرها على العالم الإسلامي دون شك، ولكن المضامين طويلة الأمد لذلك لم تظهر بعد للعيان. إلاّ أن عراقاً مستقراً وتعددياً وديمقراطياً سيتحدى وجهات النظر المعادية للغرب في الشرق الأوسط، وسيقضي على حجج المتطرفين. ولكن إذا عاد العراق إلى الحكم المتسلط أو انقسم إلى دويلات عرقية، فحينئذ ستضمحل مصداقية الولايات المتحدة، وستجد الجماعات المتطرفة فرصاً أكبر للإمساك بناصية الأمور.

الولايات المتحدة وأصدقاءها وحلفائها يمكنهم التعاون في إزالة النزعات السلبية في العالم الإسلامي

كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتجاوب مع التحديات والفرص التي تفرضها الظروف الحالية على مصالحها في العالم الإسلامي ؟

يقترح الباحثون سلسة من الخيارات الاجتماعية والسياسية والعسكرية:

تشجيع إنشاء الشبكات المعتدلة لمواجهة الدعوات المتطرفة. المسلمين الليبراليين والمعتدلين لا يملكون شبكات فعالة كالتي أنشأها المتطرفين. وعليه، من الضروري إنشاء شبكة عالمية للمسلمين المعتدلين لنشر الرسائل المعتدلة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولتوفير الحماية للجماعات المعتدلة. وقد تكون هنالك حاجة لقيام الولايات المتحدة بمساعدة المعتدلين الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإنشاء هذه الشبكات بأنفسهم.

تمزيق الشبكات المتطرفة. من الضروري فهم صفات هذه الشبكات المتطرفة، والقواعد التي تدعمها، والكيفية التي تتبعها في التواصل والتجنيد، ونقاط الضعف التي تعاني منها. ومن ثم وضع إستراتيجية (لتمزيق العُقَد) تستهدف هذه المناطق الخطيرة، وتفكيك الجماعات المتطرفة، والعمل على تمكين المسلمين المعتدلين.

رعاية عملية إصلاح المدارس الدينية والمساجد. هنالك حاجة ملحة لقيام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بدعم جهود الإصلاح والتأكد من أن المدارس الدينية تقدم تعليماً متحرراً وحديثاً، وكفاءات مرغوبة. ومن وسائل تحقيق هذا الغرض، المساعدة في إنشاء أو تقوية مجالس إجازة التعليم العالي، التي تتولى مراقبة ومراجعة المناهج الدراسية في التعليم الحكومي والخاص. وبالرغم من أن الأجانب يترددون في إقحام أنفسهم فيما يزعمون أنها شئون دينية، إلاّ أنه يمكن إيجاد بعض الوسائل لدعم جهود الحكومات والمنظمات الإسلامية المعتدلة، للتأكد من أن المساجد لا يتم استخدامها منابر للأفكار المتطرفة.

توسيع الفرص الاقتصادية. إن مقدرة بعض المنظمات المتطرفة في تناول المشاكل الاجتماعية والاقتصادية العميقة، أدت إلى إيجاد قاعدة متنامية من المؤيدين لسياساتها. ولذلك، فإن توفير الخدمات الاجتماعية البديلة في الكثير من الأماكن قد يساعد على ضرب إغراء المتطرفين بطريقة غير مباشرة. والولايات المتحدة وحلفائها على وجه الخصوص، عليهم التركيز على المبادرات التي ترمي إلى تحسين الظروف الاقتصادية المستقبلية للشباب. كما أن البرامج التي تعمل على تشجيع التوسع الاقتصادي والاكتفاء الذاتي قد تساعد في تقليل فرص استغلال المتطرفين للصعوبات الاقتصادية، والقول بأن مصالح الولايات المتحدة في العالم الإسلامي مصالح عسكرية محضة.

دعم "الإسلام المدني". إن دعم جماعات المجتمع المسلم المدني التي تدافع عن الاعتدال والحداثة، يعد مكوناً أساسياً لسياسة أمريكية فعالة تجاه العالم الإسلامي. كما يجب منح الأولوية لمساعدة جهود المنظمات العلمانية والمنظمات الإسلامية المعتدلة للقيام بأنشطة تعليمية وثقافية. كما يتوجب على الولايات المتحدة وحلفائها المساعدة في تطوير المؤسسات الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.

قطع الموارد عن المتطرفين. من العناصر المكملة لإستراتيجية دعم المنظمات العلمانية والمنظمات الإسلامية المعتدلة، هو حجب الموارد عن المتطرفين. ويجب بذل هذا الجهد في طرفي دورة التمويل المتطرفة، وذلك إما في الدول التي يأتي منها التمويل (مثل المملكة العربية السعودية) أو التي يمر من خلالها (مثل باكستان) لدعم الجماعات المتطرفة.

موازنة متطلبات الحرب على الإرهاب مع الحاجة إلى تشجيع الاستقرار في الدول الإسلامية المعتدلة. على الولايات المتحدة التأكد من أن الخطوات التي تقوم بها لا تصب في مصلحة المتطرفين، الذين يقومون بتصوير هذه التحركات على أنها حرب على الإسلام. كما يجب على الولايات المتحدة أن تثبت أن جهودها هذه لا ترمي إلى تقوية الأنظمة الظالمة أو المتسلطة، بل ترمي إلى إحداث التغيير الديمقراطي.

السعي إلى إشراك الإسلاميين في السياسة النظامية. من القضايا الصعبة مدى إمكانية أن تسمح عملية تطوير ديمقراطيات إسلامية، بالمشاركة السياسة للأحزاب الإسلامية التي قد لا تكون لديها قناعات كاملة بالديمقراطية. وبالرغم من أن هنالك مخاوف من أن يتحرك الحزب الإسلامي الذي قد يتولى السلطة ضد الحريات الديمقراطية بمجرد توليه لمقاليد الأمور، إلاّ أن إشراك هذه الجماعات في المؤسسات الديمقراطية المفتوحة قد يشجع على الاعتدال في المدى البعيد. كما أن الالتزام التام باللاعنف وبالعملية الديمقراطية يجب أن يكون شرطاً أساسياً للمشاركة.

إشراك المسلمين في المهجر. إن الجاليات المسلمة في بلاد المهجر هي المدخل للشبكات، وقد تساعد على تقديم القيم والمصالح الأمريكية. فالولايات المتحدة على سبيل المثال، يمكنها العمل مع المنظمات الإسلامية غير الحكومية في التعامل مع الأزمات الإنسانية.

إعادة بناء العلاقات العسكرية - العسكرية مع الدول الرئيسية. إن المؤسسات العسكرية ستستمر في كونها لا عباً سياسياً مؤثراً في العالم الإسلامي. ولذلك، فإن العلاقات العسكرية – العسكرية ستكون لها أهميتها الخاصة لأي إستراتيجية أمريكية في العالم الإسلامي. حيث أن هنالك حاجة ماسة إلى إعادة بناء نواة من الضباط المدربين في الولايات المتحدة، داخل جيوش الدول الإسلامية الهامة. كما أن بعض البرامج مثل برامج التعليم والتدريب العسكري الدولي ليست مجرد تأكيد على أن قادة الجيوش في المستقبل قد سبق لهم التعرض لقيم وممارسات الجيش الأمريكي وحسب، بل يمكن ترجمتها إلى المزيد من التأثير والتدخل الأمريكي.

بناء قدرات عسكرية ملائمة. إن الولايات المتحدة تواجه حاجة ماسة إلى تقليص أكثر الجوانب وضوحاً في تواجدها العسكري في بعض المناطق الحساسة في العالم الإسلامي، مع العمل على زيادة أشكال أخرى مختلفة من هذا التواجد (كالاستخبارات، والعمليات النفسية، وبعض الشئون المدنية مثل المساعدات الطبية). وعلى الجيش الأمريكي أن يعمل على تحسين مداركه الثقافية من خلال المزيد من المختصين العرب والفرس والأفارقة في المجالات الإقليمية واللغات.



ó الدراسة صدرت من مؤسسة راند في 500 صفحة بعنوان " العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر "  وهي جزء من مشروع للقوات الجوية الأمريكية.

1
2652
تعليقات (0)

 

"خدمة "اسلام ديلي" تعنى برصد ومتابعة كل ما ينشر في وسائل الإعلام، وما ينشر ليس بالضرورة يعبر عن رأي الموقع."

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني