في بداية شهر مارس الماضي، عقدت الجمعية الأمريكية الإسرائيلية لشئون العلاقات العامة AIPAC مؤتمرها السنوي السابع والأربعين في واشنطن. وقضى المدير التنفيذي للجمعية سبع وعشرين دقيقة في تلاوة "قائمة المدعوين" من الوجهاء الذين حضروا حفل العشاء، وكان من بينهم أغلب أعضاء مجلس الشيوخ وربع الموظفين في البيت الأبيض، إلى جانب العشرات من المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
وكما يتبين من هذه المناسبة، من المستحيل أن تتحدث عن علاقة الكونغرس بإسرائيل بدون الإشارة إلى جمعية AIPAC، أهم صوت للجالية اليهودية الأمريكية في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين. حيث أن ردة فعل الكونغرس على هجوم حزب الله على إسرائيل، والقصف الإسرائيلي الانتقامي ضد لبنان، يقدم أحدث مثال لهذه العلاقة.
ففي 18 يوليو، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع على قرار "يدين حماس وحزب الله والحكومات الراعية لهما، ويؤيد ممارسة إسرائيل لحقها في الدفاع عن النفس". وبعد أن قام جون بوهنر John Boehner زعيم الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي بإزالة العبارات التي "تطالب كلا الطرفين بحماية حياة المدنيين الأبرياء والبني التحتية" تم تمرير نسخة مجلس النواب الأمريكي من هذا القرار بأغلبية ساحقة بلغت 410 صوت مقابل 8 أصوات فقط.
إن جمعية AIPAC لم تقم بالضغط لاستصدار القرار وحسب، بل هي التي قامت بكتابته أيضاً. حيث قال زبيجنيو برزيزنسكي Zbigniew Brzezinski مستشار الأمن القومي الأسبق بإدارة الرئيس كارتر الذي كان يخاطب المؤتمر التحضيري للحزب الديمقراطي في 19 يوليو "جمعية AIPAC قدمت القرار للكونغرس ".
وجمعية AIPAC هي اللاعب الرئيسي فيما يشار إليه في بعض الأحيان "باللوبي الإسرائيلي" – وهو تحالف يضم كبرى الجماعات اليهودية، من مفكري المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة. وبعلاقاتها المتنفذة بين أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، والقواعد الشعبية المؤثرة، وصلاتها الوثيقة بالمتبرعين من الأغنياء، تعتبر جمعية AIPAC المبعوث الرئيسي للوبي الإسرائيلي إلى الكونغرس. ولكن في كثير من الحالات، أصبحت جمعية AIPAC أكثر من مجرد لوبي آخر، فقد نجحت بعملها هذا في حشد تأييد لا حدود له لصالح إسرائيل، وهي تكلفة مقبولة لعقد الصفقات داخل قاعات الكونغرس. وقد أصبح غالبية القادة المنتخبون ينظرون إلى مصالح جمعية AIPAC، ومصالح إسرائيل، ومصالح الولايات المتحدة، على أنها شيء واحد. حيث قام المسيحيون المحافظون بالوقوف إلى جانب جمعية AIPAC مطالبين زعماؤهم الجمهوريون بتقديم الدعم اللامحدود لإسرائيل. (وفي منتصف يوليو، حضر أكثر من ثلاثة آلاف من المسيحيين الإنجيليين للمشاركة في القمة السنوية الأولى لجماعة "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل"). والديمقراطيون بالمقابل قلقون من نفور الناخبين والمتبرعين اليهود عنهم- والذين كانوا ولمدة طويلة يشكلون حجر الزاوية لحزبهم. البعض في الكونغرس يشعر بانزعاج شديد من جمعية AIPAC بسبب وجهات نظرها المعارضة ووسائلها الخرقاء، ولكن الغالبية لا يتجرؤون على التصريح بذلك علانية.
ويقول هنري سيجمان، الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي الأمريكي والخبير في شؤون الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي " إدارة بوش سيئة جداً في التسامح مع بعض الإجراءات التي لم تكن لتقبل بها لأي مكان في العالم ما عدا إسرائيل. غير أن الكونغرس، يطالب الإدارة بالتساهل مع هذه الإجراءات وينتقدها حتى في أغلب المجاملات التي تقوم بها. ولكن عندما يتعلق الأمر بالنزاع الإسرائيلي العربي، فإن شروط النقاش تتأثر إلى حد كبير بالدور الذي تلعبه الجماعات اليهودية المنظمة، مثل جمعية AIPAC، حيث أن معارضة إسرائيل تعني القضاء على قدرة الشخص في النجاح في السياسة في أمريكا ".
هناك عدد قليل من الجمهوريون التدويليون internationalist Republicans في مجلس الشيوخ، وهنالك ديمقراطيون تقدميون في مجلس النواب، والذي يبدون معارضتهم من حين لآخر. فالنائب دينيس كوسينيتش Dennis Kucinich وثلاثة وعشرين من المؤيدين له قاموا بطرح قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، والعودة بدون شروط إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية متعددة الأطراف بين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية. ولكن حتى الذين يؤيدون هذا القرار يعترفون بأنه لن ينجح. وهناك أيضاً قانون آخر قدمه بعض المشرعين الأمريكيين من ذوي الأصول العربية، يشدد على ضرورة الحد من إيقاع الضحايا بين المدنيين في كلا الجانبين، "تم سحقه سياسياً" حسب ما ذكره النائب نك رحّال، وهو لبناني الأصل، وديمقراطي من ولاية فرجينيا الغربية، كان قد صوت ضد قرار مجلس النواب. الجماعات الأمريكية الإسرائيلية المسالمة، مثل أمريكيين من أجل السلام الآن، كانوا بعيدين بشكل عام عن هذه المعركة.
وأحدث نشاط متشددة قام به الكونغرس كان يرمي إلى إظهار أن الناخبين والمتبرعين الذين صوتوا للمسئولين المنتخبين هم أصدقاء معتمدين لإسرائيل وأعداء للإرهاب. وقال شارلي رانجل Charlie Rangel، وهو نائب ديمقراطي قويّ من نيويورك، قام بلتصويت لصالح قرار كوسينيتش Kucinich " هذا للاستهلاك المحلي فقط ". بينما قال زميله رحّال " نحن لا نتمتع بدعم الدول التي تأيدنا، فما الذي سنفعله بحق الجحيم، هل سنلقي بالقنابل على إيران؟ أم على سوريا؟ وقال أن زملاؤه كانوا يحاولون إبعاد جمعية AIPAC".
وسرعان ما توسع النقاش في الكونغرس ليتناول سياسة أشمل تجاه المواجهة في الشرق الأوسط برمته. وقام أعضاء الكونغرس بتبادل موجة من الرسائل تتضمن عبارة "زميلي العزيز"، أملاً في الضغط على الإدارة لتشديد العقوبات على إيران وسوريا الداعميْن الرئيسيّين لحزب الله. دينيس روسDennis Ross ، المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط خاطب غداء عمل تم تنظيمه بدعم من جمعية AIPAC في (كابيتول هيل) مبني مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، قال روس للمجتمعين حسب قول أحد الحاضرين "هذا الأمر كله يتعلق بسوريا وإيران... يجب أن لا ندين إسرائيل الآن". فقال النائب روبرت أندروس Robert Andrews، وهو ديمقراطي من ولاية نيوجيرسي مساعد رئيس مجموعة العمل حول إيران، والتي قامت هذا الأسبوع باستضافة مسؤول من السفارة الإسرائيلية "أنا أتفق تماماً مع هذا الرأي".
وأما الديمقراطيون، فكما فعلوا في فضيحة موانئ دبي، استغلوا هذه الأزمة في إحراز القليل من النقاط السياسية الرخيصة السهلة ضد إدارة بوش. حيث أن رئيس الوزراء العراقي الجديد، نوري المالكي، وجد نفسه في زوبعة نارية داخل الكونغرس عندما أدان الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان واصفاً إياها "بالعمل العدواني". فقام رحام إيمانويل Rahm Emanuel ، رئيس لجنة الحملة الديمقراطية بالكونغرس، والذي كان متطوعاً بإسرائيل إبان حرب الخليج الأولى، بدعوة المالكي إلى إلغاء خطابه الذي كان مقرراً أمام الكونغرس. وتساءل السناتور شوك شومر Senator Chuck Schumer الذي تغيب عن خطاب المالكي الذي ألقاه في 26 يوليو: "في أي جانب يقف عندما يتعلق الأمر بالحرب على الإرهاب؟". بينما حث هوارد دين Howard Dean زملاؤه على وصف المالكي "بعدو السامية" أثناء إلقاء الأخير لخطابه في بالم بيتش Palm Beach في فلوريدا Florida.
ومن سخرية القدر أن هوارد دين Howard Dean هذا دعا الولايات المتحدة خلال حملة عام 2004 لأن تكون وسيطاً "عادلاً" في الشرق الأوسط. وقد أغضب هذا الموقف زعماء الحزب، كزعيمة الأقلية في مجلس النواب نانسي بيلوسي Nancy Pelosi، التي كتبت رسالة هاجمت فيها تعليقاته. ويقول روسنبيرغ M.J. Rosenberg من المنتدى السياسي ليسار الوسط الإسرائيلي "لقد قرر أن يبعث برسالة لم يسبقه إليها أحد. والشيء الوحيد الآمن هو أن تقول أنا أؤيد إسرائيل". وفي إبريل وصف ممثل لجمعية AIPAC تصويت عضو الكونغرس الأمريكي بيتي ماك كولينز Betty McCollum ضد قرار متشدد يمنع إرسال المساعدات إلى السلطة الفلسطينية بأنه "دعم للإرهاب".
وليس من المستغرب، أن يرى أغلب أعضاء الكونغرس أن أضرار الوقوف أمام اللوبي الإسرائيلي أكثر بكثير من منافعه. حيث يقول جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأمريكي "لا يزال هنالك اعتقاد بالخوف من سطوة جمعية AIPAC". وهو بذلك يشير إلى الهزيمة التي تعرض لها النائب بول فيندي Paul Findley والسناتور شارلز بيرسيCharles Percy في الثمانينات من القرن الماضي. والنائبين سينثيا ماكيني Cynthia McKinney وإيرل هيليارد Earl Hilliard في عام 2002، عندما قامت جمعية AIPAC بتحريض كبار المتبرعين لمعارضتهم. وبالرغم من أن الاعتقاد بأن جمعية AIPAC هي التي تصنعك أو تلغيك يبدو مجرد خرافة إلى حد كبير، إلاّ أن لهذا الاعتقاد فعاليته في السَّنة الانتخابية. فهنالك 36 لجنة عمل سياسية مؤيدة لإسرائيل (PACs) قدمت 3.14 مليون دولار للمرشحين في الدورة الانتخابية لعام 2004. وقال رحّال أن منافسه في دورة إعادة الانتخاب أصدر البيان الصحفي الأول لحملته الانتخابية بعد أن صوّت رحّال ضد قرار مجلس النواب. ويقول رحّال "وكل شخص كان يعلم ما يمكن أن يحدث لو لم يصوت بنعم".
ولا تزال الجمعية اليهودية الأمريكية AIPAC تتمتع بتأييد قوي من الحزبين داخل الكونغرس، حتى بعد اتهام اثنين من كبار مسئوليها وتسريب معلومات عن أسرار تخص الأمن القومي الأمريكي حصلوا عليها من أحد المحللين في وزارة الدفاع. ويقول جوش بلوك Josh Block المتحدث باسم جمعية AIPAC "إن إسرائيل والولايات المتحدة تشتركان في الكثير من القيم الأساسية. والغالبية العظمى من الشعب الأمريكي تؤيد ما تقوم به إسرائيل تجاه حزب الله ، بل أن ذلك ينعكس في العلاقات الهامة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك تأييد الحزبين الرئيسيين". وروزمبيرج Rosenberg نفسه لكونه أحد أعضاء جمعية AIPAC، يعبر عن ذلك بطريقة مختلفة "هذا هو الموضوع الوحيد المسموح به لليبراليين، حتى لو توقع المتبرعون أنهم صقور طائشة".
إن الانقياد الأعمى للكونغرس وراء الجمعية اليهودية الأمريكية AIPAC يؤدي إلى تعزيز الإجماع المتشدد: حيث أن انتقاد ما تقوم به إسرائيل، حتى مع توفر حسن النية، يعد معاداة لإسرائيل، وربما معاداة للسامية أيضاً، وأن الموقف الوحيد المقبول هو التأييد المتحمس لأي عملية عسكرية تقوم بها إسرائيل.
وتشير استطلاعات غالوب Gallup الأخيرة إلى أن نصف الأمريكيين يؤيدون الحملة العسكرية الإسرائيلية، بينما 65% منهم يعتقدون أن على الولايات المتحدة عدم التحيز لأي من الطرفين في هذا النزاع. ولكن من الصعب أن تتخيل أي دورة للكونغرس، أو أي إدارة أمريكية، تلتزم بدور الوسيط النزيه. وإن ما تحتاجه المنطقة الآن، كما قال بريزنسكي Brzezinski: هو زعيم أمريكي يملك الشجاعة الكافية ليقول : لا أما أنا وإلا الجمعية اليهودية الأمريكية AIPAC هي التي تصنع السياسة في الشرق الأوسط". وهو ما سيظل حلماً على الدوام.
المصدر : http://www.thenation.com/doc/20060814/aipacs_hold