المدونون السعوديون يعترضون على القيود المفروضة عليهم

الشباب العربي يتمنى أن تسهم التكنولوجيا الجديدة في التعجيل بوتيرة الإصلاح في المنطقة

واشنطن بوست: المدونون السعوديون يقاومون القيود

جدة، المملكة العربية السعودية

عندما كان طالباً بالكلية في ولاية واشنطن، كان المدون السعودي المشهور فؤاد الفرحان يرتدي قميصاً مكتوب عليه عبارة "حقوق الحيوان مساوية لحقوق الإنسان"، وكان ينام على عشب الحرم الجامعي وهو مضرب عن الطعام احتجاجاً على قتل الثعالب.

ذلك النوع من الحرية الذي وجده خلال السنوات الست التي قضاها في الولايات المتحدة، منحه مذاقاً للتعبير عما في نفسه، لم يجده عندما عاد إلى المملكة العربية السعودية في عام 2001.

وقال فرحان، 31 سنة، وهو مبرمج كمبيوتر درس في جامعة واشنطن الشرقية في سبوكين Spokane "لا تستطيع أن تكتب ما تريد في الصحف هنا، حتى أنه لا يمكنك أن ترفع لافتة للاحتجاج. وفي المدونة، هنالك عالم مختلف. لقد كانت الوسيلة الوحيدة التي كنت أعبر بها عما في نفسي وبالطريقة التي أريد".

وفرحان هذا جزء من موجة متنامية من الشباب العربي الذي أخذ يتجه إلى التدوين لتجاوز القيود المفروضة على حرية التعبير في المنطقة الإسلامية التي يغلب عليها القمع والمحافظة. والتدوين ظاهرة حديثة ومبتكرة هنا، وهي لم تظهر إلاّ هذا العام. ولكنها انتشرت بشكل سريع بين الشباب الحضري، وقد تجاوزت هذه العملية كل الحدود لما هو مفتوح للنقاش.

وقد استخدم الناشطون مدوناتهم لتنظيم الاحتجاجات والمقاطعات، ولانتقاد الفساد والسياسات الحكومية. وقلة ميول هذه المدونات إلى السياسة جعلتها تتجه إلى عقد المنتديات للمناقشات الساخنة حول الدين، وأصبحت أماكن لتبادل القصص الشخصية، والخيالات الجنسية.

وقال هيثم صباح، محرر موقع غلوبال فويس أنولاين بالشرق الأوسط، وهو مشروع إعلامي برعاية مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع، بمدرسة هارفارد للقانون "قبل عدة سنوات، المدونات العربية كانت تعد على أصابع اليد الواحدة. واليوم تعد بالآلاف وأصبحت مصدر جديد للأخبار والمعلومات".

بالرغم من أن 10% فقط من الناس في العالم العربي يمكنهم استخدام الإنترنت، إلاّ ان هذا المعدل آخذ في التزايد بشكل مثير، حيث تضاعف خمس مرات منذ عام 2000، حسب (Internet World Stats) وهو موقع إنترنت يتابع استخدام الإنترنت وما يتعلق بذلك من معلومات.

وقد بلغ عدد المدونين في المملكة العربية السعودية ثلاثة أضعاف منذ بداية التدوين هذا العام، ويقدر عددهم الآن بحوالي 2000 مدون.

وتشكل الفتيات نصف عدد المدونين في المملكة، أكثر دولة تقليدية في العالم، حيث تجبر النساء على الاحتشام، ولا يسمح لهن بقيادة السيارات أو يسافرن بدون إذن محارمهن من الذكور. وبإغراء السرية التي يوفرها لهن الوسيط، قامت النساء السعوديات بعمل سلسلة من المدونات مليئة بالمقالات التي تدعو إلى مساواة المرأة بالرجل، والمقالات المشبعة بالرومانسية، وأخرى عنيفة ضد حياتهن المقيدة ومجتمعهن الأبوي.

ولكن مع تزايد نفوذ هذا الوسيط وإغراؤه في العالم العربي، ترتب عليه قمع حتمي لم يكن منه بد. حيث أنه في وقت سابق من هذا العام، تعرض ستة من المدونين المصريين على الأقل للسجن لبعض الوقت، وكذلك عدد من المدونين البحرينيين، بينما المدونات في المملكة العربية السعودية تم إغلاقها بواسطة الأجهزة التي تتحكم في الإنترنت، وهذه الأجهزة مملوكة للدولة.

وفي الشهر الماضي، وحسب صحيفة الحياة، عبد الله الجاسر، وهو مسؤول في وزارة الإعلام السعودية، وصف الإعلام الإلكتروني بأنه "خطير"، وقال أن الدول العربية ستلتقي في الرياض بالمملكة العربية السعودية لإيجاد السبل الكفيلة بالتحكم في الإنترنت.

ولمقاومة هذا الأمر، سعى المدونون للبحث عن القوة في زيادة عددهم، وفي مجتمعهم. وعندما تم حظر مدونة الناشط البحريني المعروف، محمد اليوسف الشهر الماضي، بسبب نشره فضائح الفساد الحكومي، قام المدونون في البحرين ومصر والمملكة العربية السعودية، بنشر الموضوع في مدوناتهم، وطالبوا الناس بالتوقيع على مذكرة موجهة إلى الحكومة البحرينية.

ومع أن الدول الخليجية تمنع الوصول إلى بعض مواقع الخلاعة على الإنترنت، أو المواقع التي يديرها المعارضون، أو تلك التي تناقش الإرهاب أو المخدرات، إلاّ أن عالم المدونين لا يمكن إخضاعه للرقابة. وخلال ساعات قليلة ظهرت مدونة يوسف في موقع آخر.

وبفضل هذه التكنولوجيا الحديثة أصبح من الممكن القيام ببعض الأمور التي لم يكن باستطاعة المرء أن يقوم بها في بلد كالمملكة العربية السعودية، وهي ملكية مطلقة تمنع التجمعات العامة، والأحزاب السياسية، وجماعات حقوق الإنسان. والعام الماضي قامت بإجراء انتخابات للمجلس البلدية حصرتها بين الرجال.

دستور مكتوب بعناية

وفي هذا الشهر، المدونون السعوديون، وهي جماعة أسسها فرحان ومجموعة من أصدقائه، ستقوم بنشر دستورها عبر الإنترنت، وستفتح باب العضوية للمدونين من الذكور والإناث. ثم من بعد ذلك سيقوم الأعضاء بالتصويت لاختيار الرئيس، ذكراً كان أو أنثى، ويمكنهم إجراء تعديلات على الدستور بأغلبية الأصوات. وسيتم عقد الاجتماعات عبر الإنترنت.

ولمعالجة مواطن الخلل في الدستور، قام فرحان وستة من أصدقائه باستئجار قاعة مؤتمرات قبل عدة أسابيع. أحمد العمران، وهو أحد المدونين السعوديين الأوائل، طار من الرياض، حيث يدرس الصيدلة. وكان ذلك في شهر رمضان الذي يصومه المسلمون، حيث يسهر الناس لساعات متأخرة من الليل، ثم ينامون أثناء ساعات الصيام، وفرحان دعا إلى عقد الاجتماع قبل وقت قصير من منتصف الليل.

وجاءت العقبة الأولى عندما قام فرحان بقراءة الفقرة التي تبدأ بحظر انتقاد الأديان العالمية الثلاث.

يوسف عمر، الملقب بملك الماك، بسبب حبه لأجهزة ماكنتوش، طالب بحذف أية إشارة إلى الأديان من الدستور. وقال عمر، الذي كان يرتدي الثوب التقليدي الأبيض الطويل، وشعره الطويل في شكل ذيل الحصان، على المجموعة أن لا تلفت الانتباه إلى الدين. ومن خلال رفع الأيدي وافق الحضور بالأغلبية.

ثم تلا ذلك على الفور موضوع أصعب

تساءل فرحان "ماذا عن الإيروتيكا (الشهوانية)، كما تكتب مايستيك Mystique ؟ وهل إذا تم حظر مدونتها هل سنتدخل ؟" قال ذلك مشيراً إلى المدونة السعودية الشهيرة .

فقال بندر 29 عاماً رافع، وهو مصمم مخططات "ما هي الإيروتيكا؟ أنا لا أوافق ...إنها غير محتشمة" فقال فرحان "ولكن نصوصها جيدة".

وقررت الجماعة أن يقوم كل من تم اختياره رئيساً ومع اللجنة التنفيذية بالنظر في هذه الموضوعة واحداً تلو الآخر.

كانت الساعة قد اقتربت من الثانية والنصف ليلاً عندما خرجت المجموعة من قاعة المؤتمر، وهي متعبة، مع أنها كانت مبتهجة نوعاً ما.

وفرحان الذي تعتبر مدونته من أكثر المدونات قراءة في المملكة العربية السعودية، قال أنه يستمد أفكاره الديمقراطية من دينه. وقال أن الإصلاح السياسي يجب أن يأتي من الإسلام.

كمبيوتره النقال (PowerBook) الذي يحمله معه دائماً، وكان بجواره وهو يتناول القهوة في أحد المطاعم الكبيرة، عندما بدأ فرحا يشرح أن المفكرين المسلمين قبل مئات السنين طالبوا بالمزيد من حرية التعبير، والضوابط والتوازنات الرقابية، أكثر مما هو موجود اليوم في العالم العربي.

ويهاجم فرحان في مدونته الحكومة لعدم وفائها بوعودها، وينتقد كبار المسؤولين، ويصف الكثيرين منهم بالديناصورات، وأنهم لا يهتمون بشباب البلاد.

وفي بلد يتم فيه أحياناً اعتقال الإصلاحيين والصحفيين والمحامين الناشطين في مجال حقوق الإنسان، بسبب انتقادهم للحكومة، فإن الناشطين يخاطرون بمضايقة الحكومة.

ولكن فرحان وعمران، طالب الصيدلة، هم من بين العدد القليل من السعوديين الذين يدونون بأسمائهم الحقيقية، يقولون أن المخاطرة يمكن تعويضها بالمصداقية التي تضاف إلى أسمائهم.

وفرحان يميل إلى الفكاهة دائماً للتخفيف من وطأة انتقاداته الجريئة جداً.

ويعرض في موقعه بشكل بارز بعض الروابط لتصريحات المسؤولين الحكوميين، وقد نشر أحد هذه الروابط في عام 2002، والآخر في عام 2006، وكلاهما يعد بإنهاء البطالة خلال خمس سنوات. وقد وضع في موقعه مؤشراً لحساب ما تبقى من الوقت (1629 يوم بقيت للقضاء على البطالة في المملكة العربية السعودية).

ويقع تحت هذا المؤشر استطلاع للرأي.

ويطرح السؤال "هل تثق بالحكومة ؟"

60% من 280 استجابوا للاستبيان أجابوا بالنفي.

ولكن دفاع الفرحان عن حرّية التعبير يقف عند عتبات مدوّنات سعودية معيّنة مثل مدونة مايستيك "Mystique" ذات المضمون الجنسي الصريح. ويقول الفرحان معلقا على الموضوع: أحترم حقّ تلك المدوّنة في أن تكتب ما تشاء، لكن لا أظن أنني سأقف لأدافع عما تكتب. فالحرّية التي أؤمن بها لا تتضمّن مثل هذا النوع من الكتابات.

الإثارة والحرية

وتظهر المرأة التي تدون تحت اسم مجهول في موعد على مقهى ستاربوكس (Starbucks) في شارع التحلية، يبدو أنها تريد أن تسبب إثارة. حيث تدور الرؤوس عندما تدخل فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها إلى المقهى بدون الحجاب الذي ترتديه أغلب النساء في السعودية، وشعرها بلون الكراميل ينسدل على كتفيها. وهي ترتدي عباءة سوداء، مع صورة لامعة نحاسية اللون على كمها، وتحمل شنطة يد سوداء على كتفها.

تطلب فرابتشينو (Frappuccino)، تجلس. قالت "لقد كنت واعية بحياتي الجنسية منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري. فلماذا لا أكتب القصص الجنسية ؟ إنها مجرد وسيلة للتعبير عما في نفسي".

وفي إحدى الحلقات من مسلسل عاطفي طويل، تداهمها الشرطة هي وصديقها وهما في السيارة عندما كان يهمان بممارسة الجنس في مكان معزول على الساحل. وفي حلقة أخرى، تحكي تجربة من حياتها الحقيقية في متجر محلي يقوم سراً ببيع الأدوات الجنسية الشخصية.

ولكن مايستيك "Mystique" تلقت انتقادات قاسية جداً على كتاباتها التي تدعو إلى مساواة المرأة بالرجل، وبعض تعليقاتها الدينية. ومن الأسئلة التي نشرت في موقعها –كيف يكون الخالق العظيم ناقصاً؟- جلب إليها أعداد كبيرة من الرسائل الغاضبة التي وصفتها بالمرتدة التي تسعى تلويث سمعة بلدها.

قالت "أحيانا أريد أن ألفت الانتباه إلى أن المرأة مضطهدة. لأن الوضع هنا غير طبيعي أريد الناس أن يروا هذا بأنفسهم".

عمران، 23 عاماً، وكالكثيرين من المدونين، قال أنه يتمنى أن يسهم التدوين في تسريع وتيرة الإصلاح في البلاد. وفي بعض الأحيان يشعر بالخوف من تجاوز الحد المسموح به، ولكنه مستمر في التدوين، لأنه مشتاق للتغيير، والديمقراطية، وللمزيد من الحريات الشخصية.

وقال عمران "أريد لمجتمعنا أن يسير إلى الأمام، وأريد أن أكون جزء من ذلك التغيير. لا أريد أن أبلغ سن الأربعين وأنا لا أزال أصارع الأمور التي نتعامل معها الآن".

http://www.msnbc.msn.com/id /15676312

1
5042
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني