قيم مشتركة، مصير مشترك: الهوية الإسلامية في عصر العولمة

برنامج الشرق الأوسط
الشبكات الإسلامية
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية- واشنطن دي سي – يوليو 2007
قيم مشتركة، مصير مشترك: الهوية الإسلامية في عصر العولمة

نظرة عامة

لقد بدأت الهوية الإسلامية على نحو متزايد تتجاوز الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم اليومية وامتدت إلى الطريقة التي ينظرون من خلالها إلى جيرانهم، وإلى حكوماتهم، وإلى المسلمين خارج بلدانهم، وإلى العالم غير المسلم. وبينما الأفكار المجردة للتضامن الإسلامي كانت سائدة لقرون مضت، إلاّ أن الهجرة المضطرة للناس والأفكار – والتي هي في جزء منها نتاج لتزايد دور وسائل الإعلام الإلكترونية- جعلت من ارتباط المسلمين بمجتمع إسلامي عالمي أكثر سرعة.

وفي محاولة للتوصل إلى فهم أفضل لأشكال الهوية الإسلامية، وللتعرف على دور الشبكات والهويات غير الراديكالية في تشكيل وجهات نظر المسلمين حول العالم، عقد برنامج الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية مؤتمراً في 30 مايو 2007، استمر ليوم واحد. وقد جمع المؤتمر عدد كبير من العلماء من مجالات علمية مختلفة وخبرات من مختلف أنحاء العالم.

النقاط الرئيسية

• بين أغلب الشعوب في العالم، بما في ذلك المسلمون، يشكل الدين واحدة فقط من هويات متعددة. ومع أن الدين ليس بالضرورة أن يتفوق على المصادر الأخرى للهوية كالانتماء العرقي والقومي، إلاّ أن توكيده الضمني بقيمته المقدسة يمنحه ادعاء خاص للتفوق. فبعض التقاليد مثل أداء فريضة الحج لدى المسلمين في جميع أنحاء العالم، والتي تؤدى مرة واحدة في السنة، تساعد على تأكيد الهوية الجامعة للمسلمين، ونفس الشيء يحدث نتيجة تمويل الجهود التي تبذل لنشر الفهم التقليدي للإسلام بين المجتمعات المختلفة.

• حتى مع تركيز الشبكات الإسلامية على القضايا المحلية، فهي عادة ما تستخدم القضايا العالمية كالمشكلة الفلسطينية لتسجل موقف معين حول الكيفية التي يسير بها العالم. وفي بعض الحالات، تستخدم الأحزاب السياسية هي الأخرى القضايا الدولية، كمعارضة الحرب على العراق، وذلك من أجل تحقيق المكاسب السياسية.

• الكثير من الجماعات الإسلامية تتفق على الروايات التاريخية التي تؤكد الإحساس بالمعاناة من الظلم. وهنالك روايات وقصص أخرى ترى أن العنف والعقاب أمور مشروعة، وأن التنقية أو التطهير الأخلاقي ضروري لتقوية المجتمع، وأن الغرب نفاقي في علاقاته مع الدول والمجتمعات الإسلامية.

• ومع أن الكثير من الشبكات الإسلامية تخفي نفسها عادة في التقاليد، إلاّ أن الكثير منها تقع بين أكثر المنظمات حداثة في العالم، حيث أنها تستخدم أساليب ذات تقنيات عالية في التجنيد والاتصال، وتوزيع المعلومات. وهي قادرة على التكيف، وهي أيضاً حركية، وعلى درجة عالية من الانتهازية.

• البروز المتزايد للهوية الدينية يعني بالنسبة للمسلمين أن الشعوب ربما تكون أكثر تعاطفاً مع الأفكار التي تحمل صدى تلك الهوية، من تلك التي تبدو أجنبية أو مفروضة من الخارج. فمثلاً، الدين الإسلامي يتضمن أدباً متطوراً وغنياً فيما يتعلق بمفهوم "العدالة" والذي يمكنه أن يتفاعل مع الطيف الديني-العلماني، بينما ينظر إلى "الديمقراطية" على أنها منتج أجنبي ومستورد.

المواضيع الرئيسية

خلال السنوات الخمس الماضية، خصص قدر كبير من الاهتمام والموارد لفهم الحركات الإسلامية المتطرفة التي تنشط في أنحاء مختلفة من العالم. بينما خصص اهتمام وموارد أقل لفهم العلاقات المتطورة بين عامة المسلمين الذين يمثلون الغالبية الساحقة من بين سكان العالم وعددهم 1.3 مليار مسلم. وبعيداً عن الحواف المتطرفة والعنيفة، بدأ يسود إحساس متنامي بالهوية والتضامن، وأخذ يسهم في تشكيل الطريقة التي ينظر المسلمون من خلالها إلى المكان الذي يعيشون فيه. ووجهة النظر العالمية الإسلامية لم تتجسد في الشرق الأوسط وحسب، بل في حواضر أمريكا وفي الأحياء الفقيرة لغرب إفريقيا، وفي المدن المتألقة في جنوب آسيا.

الهويات الإسلامية المتخطية للحدود القومية لا تأخذ شكلاً واحداً، فضلاً عن أنها لا تتطابق في مكوناتها. فبالنسبة للبعض، يعد التواصل من عمل الخير وأحد أركان التدين. بينما البعض الآخر، لديه علاقات سياسية واضحة، ويؤثر ذلك في الكيفية التي ينظر بها هذا الطرف للطريقة التي تحكم بها بلاده، والكيفية التي ينظر بها إلى الحكومات الأخرى. وفي بعض الدول، الهوية الإسلامية تتشابك مع الهوية الوطنية بطرق معقدة. وخصوصاً في باكستان، الهويتان تعزز كل واحدة منهما الأخرى، ويميلان إلى توجيه العداء باتجاه الهند، وأحياناً إلى الولايات المتحدة، على المستوى الشعبي. وفي أغلب المجتمعات المسلمة تأييد القضية الفلسطينية يعد من الأمور البديهية لكونها قضية إسلامية جامعة، كما أن معاداة أمريكا هي من الأمور الإضافية. كما أن قضية الرسوم الكاريكاتيرية الدنمركية وخطاب البابا تسببا في تعبئة كبيرة واحتجاجات قام بها المسلمون في مختلف دول العالم.

وقد تناول مؤتمر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بعض استطلاعات الرأي، وتقول هذه الاستطلاعات أن الإسلام أصبح الإطار المرجعي الأساسي الذي يستند إليه المسلمون في جميع أنحاء العالم. وقامت إليزابيث ميللر غروس بمناقشة أحدث استطلاع أجراه مركز بيو Pew بين المسلمين الأمريكيين، حيث وجد الاستطلاع أن غالبية هؤلاء من الأمريكيين وغالبهم من الطبقة الوسطى. كما أن داليا مجاهد من مركز غالوب Gallup للدراسات الإسلامية، قالت أن استطلاع الرأي الذي أجروه يشير إلى أن الإسلام لديه قدرة فريدة في إشراك أتباعه على المستويين المحلي والعالمي، ولكن الشبكات الإسلامية تكون أقوى في المستوى المحلي.

وقد تم الإجماع على أنه ليس هنالك منهج للهوية الإسلامية، وأن الشكل الذي تأخذه هذه الهوية هو في العادة ناتج عن سياقات اجتماعية وسياسية ومحلية. ودرجة الانفتاح في الأنظمة السياسية ودور الأحزاب السياسية الإسلامية يقدم طبقة أخرى لتشكيل الهوية الإسلامية.وعلى المستوى العالمي، الأحزاب الإسلامية عادة ما تعالج القضايا العالمية كالنضال الفلسطيني لإظهار الكيفية التي يسير بها العالم، حيث أنه حتى الآن، وكما هو الحال في الولايات المتحدة، القضايا المحلية هي التي تحدد شكل ونتيجة النزاعات السياسية. وذكرت نعيمة طالب مثال التفاعل بين المشكلات الإسلامية العالمية والمحلية في وصول الأحزاب الدينية في جنوب شرق آسيا إلى قواعدها الانتخابية. حيث أن الحزب الإسلامي الماليزي (PAS) على سبيل المثال، وهو الحزب الذي يسعى للحصول على تأييد الماليزيين المحافظين الذين يسميهم بالمسلمين، استغل الحرب على العراق للاستفادة من المشاعر المحلية المعادية لأمريكا. وكذلك أثناء الحرب الأفغانية كان يشجع الشباب المسلم للمشاركة في الجهاد ضد السوفييت. وتقول السيدة طالب أن الكثير من هذه الأحزاب تستجيب للناخبين، وأن الظروف المحلية والأحوال السياسية هي التي تحدد المواضيع التي تركز عليها هذه الأحزاب.

كما أن مصطفى كمال باشا تناول أربع روايات شائعة تربط بين المسلمين في جميع أنحاء العالم. أولاً، المظالم التاريخية التي تصور المسلمين على أنهم ضحايا للهجمات والإذلال الغربي من خلال بعض المواضيع كالحرب الصليبية، والاستعمار، والنضال الفلسطيني. ثانيا، العنف، ولاسيما العنف ضد المدنيين، ينظر إليه على أنه عقاب أخلاقي في حرب غير متكافئة يشنها الغرب ضد الإسلام. ثالثاً، النقاء الأخلاقي أصبح نقطة التقاء لكثير من الحركات، بما في ذلك الحركات السلفية، وحتى القوى الأكثر اعتدالاً، لشجب التأثير الغربي على أنه تلوث ثقافي. وتظهر هذه الرواية من خلال القلق بشأن الدور الذي يمكن أن يلعبه كلٌ من الجنسين، وانهيار النظم الأبوية. وأخيراً، الرغبة في إثبات النفاق الغربي تدفع الراديكاليين إلى دفع الغرب باتجاه تغيير هويته التحررية من خلال حرب لا نهاية لها. وقال السيد باشا أن هذه الرغبة في إثارة ردة فعل ضيقة الأفق، كانت تمثل الاستراتيجية التي تنتهجا الحركات المشابهة لتنظيم القاعدة في مختلف أنحاء العالم.

وهذه الروايات تستند إلى ثلاث مظالم مركزية. أولاً ينظر المسلمون إلى الغرب على أنه لا يحترم الإسلام، وقد ظهر ذلك من خلال الرسوم الكاريكاتيرية الدنمركية. ثانياً، لديهم إحساس بالظلم المستمر، وأن أخطاء الماضي لم تتم تسويتها بشكل كامل. وأخيراً، عدم شرعية وعدم فاعلية الدولة الحديثة في جميع أنحاء العالم الإسلامي ظل مرتبطاً بتعطيل التنمية كهدف (كما يظهر في التصنيع) واستبدالها بالسعي إلى الحداثة (كما يتجسد في التجارة).

والعلاقة المتوترة بين الدولة القومية الحديثة من جهة، والأشكال التقليدية الأخرى للهوية فجرت حالة من التنافس الحاد للإمساك بزمام الأمور في الإسلام. حيث أن هنالك الكثير من العناصر والمراكز الفاعلة تتنافس الآن من أجل الحصول على الشرعية الإسلامية، والأتباع، ويتراوح ذلك بين الرتب الثيوقراطية التقليدية، ومدارس التعليم الآلي في الإنترنت. وفي هذا الإطار، يقال أنه لم يكن هنالك أحد من بين الخاطفين في الحادي عشر من سبتمبر قد تلقى تعليماً جامعياً. إن رجال الدين المدعومين من قبل الدولة يمثلون حالة من التداخل بين العلماني والروحي في الدول ذات الغالبية الإسلامية والأقلية الإسلامية، على حد سواء. (وذكر مقتدر إلى أن هنالك المزيد من الأئمة الذين تدعمهم الحكومة في بلجيكا أكثر من أي مكان في العالم). وأشارت مها عزام إلى الأهمية المتنامية للشخصيات الدينية المستقلة مثل يوسف القرضاوي، كأمثلة لأولئك الذين ظهروا للبحث عن مساحة داخل الإسلام. بالإضافة إلى ذلك، بعض الأصوات من غير رجال الدين، من أمثال عمر خالد، وطارق رمضان، دخلت الساحة المزدحمة وحققت نجاح كبير بمزج التقنيات الحديثة لوسائل الإعلام مع نصائح حول الكيفية التي يعيش بها المرء حياة إسلامية جيدة. وبالرغم من المزيد من المنافسات، تساءل كل من بيتر ماندافيل وروبرت ستالوف حول ما إذا كان تآكل التأثير للدولة في العالم الإسلامي مريعاً كما توقع البعض.

نتائج السياسة

نحو تغيير في المفاهيم الإقليمية

لقد فشل عصر السياسة العلمانية في العالم الإسلامي في تحقيق التنمية وتوفير الفرص الاقتصادية لغالبية المسلمين في العالم. فبعد التفاؤل الذي حل بعد الحقبة الاستعمارية، يشعر عدد متزايد من الشباب ليس بعدم الارتياح والظلم فقط، بل يشعر أيضاً بأنه بلا جذور ثقافية. غير أن الليبراليين العلمانيين-الورثة الأكثر وضوحاً للتراث الغربي في هذه الدول- يتعرضون للتهميش المتزايد في النقاش المحلي، لأنهم عاجزون عن إزاحة الأنظمة المستبدة عن مجتمعاتهم، أو حتى إيجاد رؤية إيجابية وسهلة المنال تتمتع بشعبية واسعة في مجتمعاتهم. وقد ظهر الإسلام على أنه البديل الأقوى للنظام الحالي، حيث أوجد الإحساس بالأصالة والنقد الشامل للوضع الراهن. وتستخدم الولايات المتحدة وبشكل متزايد على أنها تشكل غطاءً لذلك الوضع الراهن غير المقبول، وذلك بالقضاء على المصالح الوطنية وبالمساعدة في تأمين أنظمة الطغاة وإضفاء الشرعية عليها. وقد أصبح خطاب الديمقراطية كحوار الطرشان، بات يُنظر إليه على أنه محاولة لفرض القيم الأمريكية أو لقيم أخرى، أو كغطاء للدعم المستمر للأنظمة القمعية انطلاقاً من مصالح أمنية ضيقة. إن التواصل والتفاعل الأكثر فاعلية يوجب على الولايات المتحدة أن تضع نفسها في صف القضايا التي يهتم بها المسلمون، وأن تجعل من نفسها وسيلة تساعدهم في الوصول إلى أهدافهم.

التركيز على العدالة

وقد اقترح عدد من المشاركين في المؤتمر أن مطالبة الولايات المتحدة بالديمقراطية في العالم الإسلامي موجهة بشكل سيء، بدلاً من التركيز على فكرة تشجيع العدالة. حيث أن فكرة العدالة قد تطورت بشكل عميق في الفكر الإسلامي، وهذا المفهوم ليس في حاجة إلى ترجمة بالنسبة للجماهير المسلمة. فالظهور المفاجئ للأحزاب السياسية الإسلامية وهي تحمل مسميات " العدالة والتنمية" في تركيا، والمغرب، وفي أماكن أخرى، هي دليل على مدى قوة هذه الفكرة. فوضع الولايات المتحدة في موقف من يساند العدالة في جميع أنحاء العالم – وبنفس القدر من الأهمية، انتهاج سياسة تسير في هذا الاتجاه- ستحقق تحولاً كبيراً في تغيير صورة الولايات المتحدة في نظر الشعوب المسلمة، وفي التفاعل مع الشبكات الإسلامية، ولإثبات أن الولايات المتحدة تستخدم سلطتها كقوة للمصلحة العامة بدلاً من الحقد.

التفاعل مع شبكات متنوعة

إن ظهور الإسلام وسياسات الهوية كقوة سياسية قد تزامن مع تزايد الوعي الثقافي والديني في كافة أنحاء العالم الإسلامي. وفي بعض الحالات فإن هذا الوعي بشقيه يؤدي إلى التطرف، غير أن هذه ليست من الحقائق المسلم بها. وقال المشاركون في المؤتمر أن الفرص مواتيه للقيام بتفاعل واسع مع سلسلة متنوعة من التيارات الفكرية. ويرى المشاركون أن جزء من المشكلة يكمن في ميل الولايات المتحدة إلى العمل مع جزء صغير فقط من المجتمع الديني في كثير من الدول- المعتدلون الذين يؤيدون، أو على الأقل يلوذون بالصمت، تجاه الكثير من سياسات الحكومة الأمريكية، ويبدون قدراً من التأييد للنمط الغربي في الفصل بين الدين والدولة. فهؤلاء الذين تصفهم الولايات المتحدة "بالمعتدلين" يتعرضون للتهميش بشكل متزايد في مجتمعاتهم، بل أن مجرد وصفهم بأنهم معتدلون يؤدي بهم إلى المزيد من التهميش. ويصر المشاركون بشدة على أن المعتدلون في العالم الإسلامي اليوم ليسوا بالضرورة أولئك الذين يعتنقون القيم الليبرالية الغربية، بل هم الذين يسعون إلى تحقيق التصالح بين القيم الثقافية والدينية من جهة والحداثة من جهة أخرى. وقد اتفق أغلب المشاركون على أن توسيع الاتصالات إلى أبعد من الزبائن التقليدين- أي الليبراليين العلمانيين الذين يحملون درجات علمية من الغرب- مسألة حيوية لأسر خيال الأجيال المستقبلية في الدول ذات الغالبية المسلمة.

أهم الالتباسات

بالرغم اتفاق المشاركين على الكثير من المواضيع، إلاّ أنهم أيضاً اعترفوا بأن ظهور الشبكات الإسلامية يخلق تحدياً له انعكاسات عميقة وواسعة لم يتم بعدُ فهمها بشكل كامل.

• انخراط الولايات المتحدة مع التيارات الإسلامية على نطاق واسع

إن التحدي الذي يواجه النظرة الأكثر شمولية هو أن الكثير من المسلمين غير الراديكاليين لديهم وجهات نظر تتعارض كلياً مع القيم الليبرالية الغربية، بما في ذلك حقوق المرأة، والظروف التي يبرر فيها استخدام العنف. وهنالك تردد يمكن فهمه في التفاعل مع أولئك الذين يدافعون، على سبيل المثال، عن مشروعية العمليات الانتحارية في إسرائيل، أو الذين يصرون على ضرورة أن تكون للمسلمين في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة حقوقاً مختلفة عن تلك التي يتمتع بها غير المسلمين. ولكن برغم ذلك، وبعدم التواصل مع سلسلة واسعة من التيارات، فإن الولايات المتحدة لن تؤدي بنفسها إلى المزيد من العزلة في أغلب المجتمعات المسلمة وحسب، بل ستكون في منأى عن متابعة التطورات ومراقبة القوى الصاعدة في المجتمع المسلم. فلو كان الهدف هو إنشاء المزيد من التعددية في هذه المجتمعات، فمن الصعب أن تتلمس الطريق للوصول إلى هناك بدون التواصل مع التيارات المختلفة، بما في ذلك تلك التيارات التي تحمل بعض وجهات النظر العدائية. وإن التوفيق بين الحاجة إلى التواصل على نطاق واسع، والحاجة إلى أن تكون مخلصاً للقيم الأمريكية، سيشكل تحدياً باستمرار.

• الشبكات الإسلامية العالمية وسلطة الدولة

كيف ستستمر الدول، وخصوصاً القمعية منها، في الحد من تزايد الشبكات الإسلامية، حيث أن هذا سيكون التحدي الأكبر الذي ستواجهه في السنوات القادمة. فإستراتيجية هذه الدول حتى الآن كانت تتمثل في تشجيع المؤسسات الدينية للدولة، غير أن رجال الدين غير التابعين للحكومات وبعض الخبراء العلمانيين يشككون بشكل متزايد في شرعية هذه المؤسسات. كما أن ارتفاع معدلات التعليم وتدني معدلات الأمية بالإضافة إلى انتشار تقنية المعلومات، بات يؤدي إلى انقسام الساحة بين رجال الدين الموالين للنظام ومعارضته التي يقودها العلمانيون. غير أنه من غير الواضح ما إذا كان النظام سيوجد المزيد من المساحة للمزيد من التيارات الدينية الموالية للحكومة، أم سيتخذ المزيد من الإجراءات الحاسمة للسيطرة على المجال الديني، كما فعلت الحكومة المغربية مؤخراً.

• تقييم المواقف الإسلامية

تركز بيانات استطلاعات الرأي حول المسلمين على المعتقدات أكثر من تركيزها على الأفعال، ونادراً ما تسعى إلى الربط بين الاثنين. وبدلاً من ذلك يفترض أن يكون الارتباط ضمنياً. وهذا الارتباط يحتاج إلى دراسة لكي يتم التمييز بين التأييد الخطابي الشكلي والنشاط الابتدائي.

• التطرف والوعي الثقافي

يفترض أن هنالك حالة من التطابق بين تزايد الوعي الثقافي والتطرف في المجتمعات المسلمة، أو أنهما متوازيان على أقل تقدير. فتزايد انتشار ظاهرة الحجاب بين النساء،على سبيل المثال، ينظر إليها على نطاق واسع على أنها مؤشر للتشدد. وبالرغم من أن الحجاب والتطرف قد يتداخلان في حالات بعينها، إلاّ أن تأثيرهما ليس بالأمر الحتمي. ولا بد من بذل جهد أكبر للتمييز بين الهوية الثقافية أو الدينية وبين التطرف.

• الشبكات الإسلامية في الغرب

إن الحدود الفاصلة بين البلدان ذات الغالبية المسلمة وتلك التي بها أقلية مسلمة باتت تزداد غموضاً، كما أن فائدتها كمتغير وصفي لم تعد واضحة. فنصف المسلمين يعيشون كأقليات في مجتمعات أخرى، ولكن بالنسبة للمهاجرين الذي جاءوا مؤخراً وانخرطوا في عصر المعلومات، لا يزالون عادة مرتبطين بشكل حميمي بأوطانهم الأصلية. والحركة السريعة للناس والأفكار بين حدود الدول لا تثير الأسئلة حول التغيير الذي سيطرأ على عملية استيعاب المهاجرين نتيجة لذلك وحسب، بل كيف سترشح الأفكار من الدول ذات الغالبية الإسلامية في الخارج إلى هذه الدول، وتؤدي إلى تغيير المواقف من الدين والممارسات الدينية.

خاتمة

إن الهوية الإسلامية في تصاعد مستمر. فبين السواد الأعظم من المسلمين، هنالك تناقص في معدلات الأمية وتزايد في مستوى التعليم، والسفر، كما أن تكنولوجيا الاتصالات أدت إلى تغيير طبيعة العلاقات العابرة للحدود. ولا ينطبق هذا الوضع على الدول ذات الغالبية المسلمة من المغرب إلى ماليزيا وحسب، ولكن أيضاً في الجاليات الإسلامية في الشتات في أوربا، وأمريكا الشمالية، وغيرها. والهوية الإسلامية التي تشكلت من سلسلة متنوعة من التأثيرات والأفكار، باتت أكثر تعقيداً. وإن فهم الكيفية التي تتبعها الشبكات الإسلامية في وضع أجندتها، وفي تعبئة الشعوب، وفي تنسيق أعمالها في أنحاء مختلفة من العالم، يضمن أن التفاعل المستقبلي مع التيارات الإسلامية سيكون ناجحاً ومبنياً على المعلومات. وإن نمو وتطور هذه العلاقات سيكون القوة الضاربة التي تشكل عالم القرن الحادي والعشرين في الدول ذات الغالبية المسلمة وخارجها.

المصدر: www.csis.org/mideast

1
5874
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني