التناقض الفارسي

لماذا تتجه الكثير من التكنولوجيا الأمريكية الحساسة إلى إيران

في الثاني عشر من يونيو 2005، وبناءً على طلب من السلطات الأمريكية، قام مسؤولون من الوكالة المكسيكية الفيدرالية للتحقيق باعتقال علي دوراني بينما كان يغادر المطعم الذي يديره في أحد مراكز التسوق في مدينة بلاياي دي روساريتو بالقرب من تيوانا سان ديجو على الحدود المكسيكية. وأمر بترحيله إلى بلده الأصلي باكستان، ودوراني الذي كان حينها في الخامسة والخمسين من عمره، سرعان ما وجد نفسه في طائرة كان أقرب محطة توقف لها هي لوس أنجلوس. وهناك في مطار لوس أنجلوس الدولي في الخامس عشر من يونيو 2005، قام مسئولون مع مكتب الأمن بدائرة الهجرة والجمارك باعتراض طائرته، واعتقلوا دوراني واقتادوه إلى السجن. وقد تضمنت مذكرة الاعتقال تهمتين ضده بارتكاب جريمتين بانتهاك قانون صادرات الأسلحة لبيعه قطع غيار طائرات مقاتلة إلى إيران.

لم تكن تلك أول مواجهة لدوراني مع مسئولين من الحكومة الأمريكية- أو القانون الأمريكي. ففي عام 1987 في كونيتكيت، أدين دوراني بثلاث جرائم تتعلق ببيع قطع غيار لصواريخ هوك HAWK المضادة للطائرات لإيران، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات. وقال دوراني في معرض دفاعه في تلك القضية بأنه باع الأسلحة لإيران بتفويض سريع من الكولونيل أوليفر نورس مساعد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان للأمن القومي، الذي كان يساعد في الإشراف على عمليات المبيعات السرية للأسلحة إلى إيران في عهد الرئيس ريغان، والتي كانت جزءاً من القضية التي عرفت بقضية إيران كونترا. وبعد أن قضى عاماً في السجن الفيدرالي، وافق دوراني على ترحيله إلى خارج البلاد 1988، حيث خرج أولاً إلى باريس. وفي النهاية استقر في المكسيك حيث كان يدير مطعماً في مركز بيوبلو فيجو (Pueblo Viejo) للتسوق في منتجع روساريتو، حسب ما ذكرت قوات أمن الجمارك الأمريكية ووثائق المحكمة، حيث بدأ بجهود معقدة عبر الحدود في كاليفورنيا لتجنيد متآمرين ليساعدوه في تزويد إيران بتكنولوجيا حساسة للطائرات العسكرية الأمريكية.

ولم يكن دوراني مجرد تاجر صغير. فعند اعتقاله، وصفه بعض المسئولين الأمريكيين بأنه من "أهم الأهداف لتهريب الأسلحة في السنوات الأخيرة". وفي إبريل 2007، أوردت وزارة الخارجية الأمريكية اسم دوراني وشركات أخرى شريكة له يعمل معها في المكسيك وسنغافورة إلى جانب أربعة عشر اسماً من أسماء الأفراد والهيئات "المتورطين في نشاطات تجعلهم عرضة لتطبيق إجراءات قانون عدم انتشار الأسلحة إلى إيران وسوريا، والذي ينص على فرض عقوبات على نقل الأسلحة أو الحصول عليها من إيران". ومن بين الجهات الأخرى التي فرضت عليها العقوبات تلك المنظمات التي لها صلة بإيران بشكل غير قابل للجدل كجماعة حزب الله الإيرانية المتمردة، ومنظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية، بالإضافة إلى القوات الجوية السورية، والقوات البحرية السورية.

وفي مارس 2006، وجدت هيئة المحلفين التي بالمحكمة الجزئية في سان دييجو وجدت دوراني مذنباً "بانتهاكات متعددة لقانون السيطرة على تصدير السلاح"، وفي يونيو 2006، أصدر القاضي الفيدرالي لاري بيرنز حكماً على دوراني بقضاء اثنا عشر سنة ونصف السنة في سجن فيدرالي.

ومن بين الذين شهدوا ضد دوراني في المحكمة ضابط الاستخبارات البحرية الأمريكية السابق جورج شارلز بوندينز الثاني، الذي قال أن دوراني قد جنده عام 2004 لبيع معدات عسكرية أمريكية حساسة إلى دول أخرى علماً بأن الوجهة النهائية كانت في الحقيقة إيران. "واعترف بونديز بأنه قام بتصدير مكونات الطائرات العسكرية هذه بناء على توجيه من عارف على دوراني، وذلك بالرغم من أن بونديز كان يعلم بأن دوراني قد أدين في السابق بانتهاك قانون منع صادرات الأسلحة، وأنه لا يحق له الحصول على تصريح من وزارة الخارجية الأمريكية لتصدير معدات عسكرية". وقال محمد نديم، محامي دوراني، بأنه تقدم باستئناف نيابة عن دوراني وبأن موكله قد "تم استدراجه" لهذه العملية.

والشيء الطريف ربما كالنشاطات اللامنهجية في المكسيك وحضوره الدائم في مضمار بيع الأسلحة الأمريكية إلى إيران من إدارة الرئيس ريغان وحتى إدارة جورج بوش الابن، هو هذا التناقض. ففي الوقت الذي قادت فيه إدارة بوش جهود مكثفة للعمل بعجالة لتشكيل تحالف دولي لعزل إيران، تشير إحصاءات من وثيقة خاصة بالحكومة الأمريكية إلى حقيقة مذهلة وهي: زيادة حالات تصدير التكنولوجيا الحساسة الممنوعة من التصدير، وخصوصاً قطع غيار الطائرات المقاتلة والطائرة العسكرية إلى إيران.

كما أن أحدث الإحصاءات حول المبيعات غير القانونية للأسلحة الأمريكية لإيران التي ضبطت بواسطة المحققين في مكتب دائرة الهجرة والجمارك ، والذي أصبحت الآن جزءاً من وزارة الأمن الداخلي، تثير الكثير من التساؤلات.

فمن ناحية، تروي هذه الإحصاءات قصة شيقة وإن كانت مألوفة عن تجار الأسلحة المراوغين في عالم السوق الرمادية أو السوداء مثل باكستان وإيران وإسرائيل والصين، ولديها أطراف تابعة لها في مناطق من بينها كاليفورنيا والمكسيك وجنوب إفريقيا ودبي. ويقوم التجار في هذا العالم بتجنيد مسئولين عسكريين ومسئولي استخبارات سابقين لمساعدتهم في تصدير تكنولوجيا عسكرية أمريكية محظورة بزعم تصديرها إلى دول أخرى محايدة – مع علمهم التام بأنها في طريقها إلى دول فرضت عليها عقوبات بمنع تصدير هذه التكنولوجيا مثل إيران.

العنصر الرئيس الثاني في هذه المسألة يتعلق بالخطوات الأخيرة للحكومة الأمريكية للسيطرة على هذه المشكلة؛ ففي يونيو 2007، أعلنت وزارة العدل الأمريكية بأنها استحدثت منصباً جديداً، وهو منصب المدعي الأمريكي الخاص والمكرس فقط للتعامل مع قضايا الصادرات غير القانونية. وأعلنت الوزارة أنها "عينت ستيفن بيلاك، وهو مدعي اتحادي مخضرم عمل لثمانية عشر عاماً، ليشغل منصب المنسق الأول بوزارة العدل لمراقبة الصادرات الوطنية". وأعلن المدعي العام في خطابه عن الإرهاب النووي في وقت سابق من هذا الشهر، إن التهديد الذي يفرضه التصدير غير القانوني للتكنولوجيا الأمريكية المحظورة كبير. وحسب تقرير مكتب المدير التنفيذي للاستخبارات المضادة الذي صدر في أغسطس عام 2006، أن جهات من 108 دولة كانت متورطة في جهود ضد التقنيات الأمريكية الحساسة في العام المالي 2005. وبينما الدول الأجنبية والمنظمات الإرهابية نادراً ما تسعى للحصول على أنظمة تسلح متكاملة من الولايات المتحدة، فإنها تركز بشكل روتيني على اكتساب المكونات التي يمكن أن تستخدمها في تطوير أنظمتها الخاصة. والكثير منها استهدف حكومتنا، وصناعاتنا الخاصة، وجامعاتنا كمصادر لهذه المواد.

ولكن المسئولين الأمريكيين، الحاليين منهم والسابقين، بما في ذلك المسئولون في وزارة الخزانة ووزارة التجارة ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والمحامون المتخصصون في مراقبة الصادرات والقانون التجاري، يقولون أن هناك أسباب عديدة تجعل الولايات المتحدة هدفاً سهلاً لهذه المبيعات غير القانونية. ومن بين هذه الأسباب: أن المكتب المسئول عن العقوبات في وزارة الخزانة، وهو مكتب مراقبة الممتلكات الأجنبية، لا يملك الكثير من الكوادر للقيام بمهام التحقيق. ثانياً، أسعار النفط المتصاعدة ملأت الخزائن الإيرانية حتى مع سعي الولايات المتحدة لحشد الجهود لفرض عقوبات للضغط على النظام الإيراني. ثالثاً، الولايات المتحدة أكبر بائع للأسلحة في العالم، ومن بين الدول الكثير التي تتاجر معها الشركات الأمريكية بكل حرية، هي دول لديها علاقات تجارية مع إيران. ومن أهم هذة الدول التي حددت في هذا الشأن بسبب إعادة تصديرها للتكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى إيران، هي دولة الإمارات العربية المتحدة، وميناء دبي النشط على الخليج الفارسي. وقال دوغلاس جاكوبسون، المتخصص في القانون التجاري " دولة الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة هما أكبر محورين لنقل السلع القانونية وغير القانونية، فدبي لديها منطقة كبيرة للتجارة الحرة، والكثير من الزبائن لديهم هناك عمليات تخزين خاصة بهم للشرق الأوسط. فهي في موقع جيد جداً بالنسبة للشرق الأوسط وإفريقيا والهند، وهي موقع جيد جداً أيضاً بالنسبة للخليج. ومن الطبيعي أن تكون هناك العديد من الشركات الشرعية- وغير الشرعية أيضاً- التي تعمل كواجهات للشركات الإيرانية التي تحاول الحصول على التكنولوجيا الأمريكية. والمشكلة بالطبع هي أن هذه الشركات يحق لها المتاجرة مع دبي وباقي الأمارات العربية بالكامل ". والمتاجرة قانونية لكل من الولايات المتحدة وإيران على حد سواء. والأمر هنا يعود إلى الشركات الأمريكية في حد ذاتها في مدى إتباع مبدأ العناية اللازمة للتأكد من أن ما تقوم بتصديره لشركة معينة في الدولة بعينها من غير المحتمل أن يتم بيعه إلى شركة أخرى في دولة أخرى.

في أغسطس الماضي، وبعد عدة أشهر من الضغوط الأمريكية، تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة قانوناً جديداً لصادرات الأمن القومي، وصمم القانون للحد من بيع الشركات الإماراتية للتكنولوجيا الأمريكية الحساسة لإيران. ولكن العديد من الخبراء والمحامين الذين اخذ برأيهم يقولون أن القانون سيكون له تأثير بسيط، وهو لا يعدو أن يكون شكلياً. وأنظر على سبيل المثال تقرير وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) الذي صدر في فبراير من هذا العام 2008، جاء فيه "تجارة إيران مع دولة الإمارات العربية المتحدة مستمرة بالرغم من قانون الصادرات. "فهنالك الآلاف من الشركات الإيرانية لا زالت تتاجر مع أكبر شريك تجاري للبلاد، دولة الإمارات العربية المتحدة. وذلك بالرغم من سعي الولايات المتحدة لخنق الاقتصاد الإيراني بسبب برنامج إيران النووي المثير للجدل".

ويقول المتخصصين في مراقبة الصادرات الأمريكية، لكن الغمزات والإيماءات لا تأتي من سوق دبي. ويقول مسئول سابق في وزارة التجارة الأمريكية أن الخطاب الذي يأتي من وزارة التجارة هو كله عن الأمن القومي. فالبيروقراطيين الأمريكيين لا يريدون أن يجدوا أسماؤهم في الصحافة بسبب تراخيهم وعدم حرصهم، عندما يقتل جندي أمريكي في العراق باستخدام التكنولوجيا الأمريكية التي صدرت إلى إيران عبر دولة الإمارات العربية المتحدة. ولذلك يكون الخطاب قاسٍ جداً لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومن الناحية الأخرى، نحن في أمس الحاجة إلى الدولارات النفطية ... ولذلك تكثر الرسائل المشوشة.

وفي ديسمبر، أصدر مكتب المحاسبة الحكومية تقريراً مدمراً يقول أن العقوبات الأمريكية ضد إيران التي تعود إلى عام 1987 ( أي بعد فضيحة إيران كونترا) كانت غير فعالة في أحسن الأحوال:

"فالتجارة العالمية لإيران ودور إيران القيادي في إنتاج الطاقة يجعل الأمر صعباً بالنسبة للولايات المتحدة بأن تقوم بعزل إيران والضغط عليها للتقليل من نشرها ودعمها للإرهاب. فعلى سبيل المثال، نمت التجارة الإيرانية بشكل عام مع العالم منذ أن فرضت عليها الولايات المتحدة العقوبات، بالرغم من أن هذه التجارة عانت من بعض التقلبات. فقد زادت الواردات بشكل حاد بعد وقف الحرب الإيرانية العراقية عام 1988، ثم واجهت تراجعا حتى عام 1995، وأغلب معدلات النمو في الصادرات جاءت بعد أن بدأت أسعار النفط في الارتفاع منذ عام 2002. وقد تضمنت هذه التجارة واردات السلاح والتكنولوجيا النووية".

نتائج التشخيص المستقبلي تشير إلى أنه كون العقوبات الأمريكية والعقوبات متعددة الأطراف ضد إيران ليست ذات فعالية، فهو أمر خطير للغاية. وفوق هذا وذاك، وفي هذه المرحلة يقع احتواء وعزل إيران بسبب برنامجها النووي، في قلب سياسية الولايات المتحدة وحلفائها تجاه إيران. ومن الجدير بالذكر أن المسئولين في إدارة بوش هم الذين كان لديهم إحساس متزايد بأن العقوبات ضد العراق في عهد صدام حسين كانت ضعيفة وغير فاعلة، وأن ذلك الاحتواء لم يعد مجدياً، مما أسهم وبشكل حاسم في حشد عزيمتهم للسعي نحو حل عسكري على نطاق واسع للتهديد الذي كانوا يتوقعونه من صدام حسين.

فهل إحصاءات الحكومة الأمريكية الحالية حول تدفق التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الحساسة إلى إيران تشير إلى العجز الذي تعاني منه الحكومة الأمريكية عادة، أم أنه دفع لدبلوماسية سرية جديدة لعقد صفقة كبيرة بين العناصر في واشنطن وإيران؟ يقول باتريك كلاوسون، الخبير في السياسة الإيرانية لفترة طويلة، والقريب من الإدارة الأمريكية حيث يعمل نائب مدير البحوث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى "لا أعتقد أن هنالك إشارات لحدوث ذلك. لقد شكك كلاوسون بشكل مباشر في فكرة عقد الصفقة مع إيران، وهي قد تتضمن العديد من الضمانات الأمنية ونقل التكنولوجيا المدنية والحساسة. "الكثير من الاختراقات في الشرق الأوسط سبقها ارتباط بين الجواسيس، لأن أجهزة التجسس لديها تفويض للتحدث مع الأشرار، وليس هنالك ما يشير إلى حدوث ذلك". وبالنسبة للوقت الحاضر، فهذه الإحصاءات تشير إلى أن هذه الأفعال تتعارض مع السياسة الرسمية.

المصدر : http://www.motherjones.com/washington_dispatch/2008/07/the-persian-paradox.html

1
6646
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني