عندما قدم رئيس جامعة كولومببا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في جامعته في سبتمبر 2007 فقد وصفه بأنه "الطاغية البسيط".
إن في شخصية أحمدي نجاد العديد من الأمور السيئة بما فيها أنه منكر للمحرقة، كما أنه مناصر قوي لإيران النووية. و لكن و كما أوضحت الأحداث الأخيرة فإن إيران ليست دولة مستبدة تماما بسيطة كانت أم كبيرة. كما أن مكتب أحمدي نجاد لا يعطي القول الفصل في الشئون الإيرانية. و هذا الدور يحتله بشكل كبير آية الله على خامنئي المرشد الأعلى و رئيس مجلس صيانة الدستور في إيران.
إن الطاغية الحقيقي لن يسمح بأي شكل من الأشكال بوجود انتخابات في المقام الأول – إن كوريا الشمالية لم تفعل ذلك أبدا- كما أنه لن يسمح أبدا للمظاهرات التي تتنافس على نتائج الانتخابات بأن تخرج عن السيطرة. و مع ذلك فإن إيران ليست ديمقراطية متحررة. و على هذا فأي نوع من الوحوش هو؟ و ما هي الطرق التي نريد بها أن يتطور نظامه؟
إن علماء السياسة يصنفون الجمهورية الإسلامية على أنها "نظام مستبد انتخابي" من نوع جديد. و هم يضعونها في نفس السلة مع هوغو شافيز رئيس فنزويلا ومع فلاديمير بوتين من روسيا. من خلال هذه النظرة, فإن إيران في الأصل نظام مستبد تديره دائرة صغيرة من رجال الدين و المسئولين العسكريين الذين يستخدمون الانتخابات من أجل إضفاء الشرعية على أنفسهم.
و هناك آخرون يعتقدون أن إيران تتمثل في حكومة دينية من العصور الوسطى. إن دستور الدولة للعام 1979 لم يعط السيادة للشعب, و لكن لله, كما أنه اعتبر بأن الإسلام و القرآن هما المصدر الأعلى للتشريع.
إن الدستور الإيراني هو هجين من العناصر الدينية و الاستبدادية و الديمقراطية. إن الفقرات الأولى و الثانية تعطي السيادة لله, و لكن الفقرة السادسة تخول الشعب حق انتخاب الرئيس و المجلس أو البرلمان. كما أن الفقرات 19-42 يمثلون لوائح من الحقوق تضمن من ضمن حقوق أخرى حرية التعبير و الاجتماعات العامة و المسيرات و حق المساواة للمرأة و حماية الأقليات الإثنية, و الإجراءات القانونية و الملكية الشخصية إضافة إلى "الجيل الثاني" من الحقوق الاجتماعية مثل الضمان الاجتماعي و الرعاية الصحية.
إن الجزء المشكل في القانون هو المادة الثامنة (الفقرات 107-112) فيما يتعلق بمجلس صيانة الدستور و المرشد. إن جميع الإجراءات الديمقراطية و الحقوقية في أجزاء الدستور الأخرى مشروطة بسلطات خاصة معطاة لمجلس من رجال الدين رفيعي المستوى.
إن هذه السلطات و المحددة في الفقرة 110, تتضمن السيطرة على القوات المسلحة و القدرة على إعلان الحرب و تعيين السلطات القضائية و مسئولي الإعلام و الجيش و هيئة الحرس الجمهوري. و هناك فقرة أخرى تحدد الشروط التي يمكن من خلالها عزل المرشد الأعلى من قبل مجلس صيانة الدستور. و لكن هذا لإجراء بالكاد يكون ديمقراطيا أو شفافا.
إن الإنسان ليس بحاجة للعودة إلى العصور الوسطى لكي يجد سوابق تاريخية لهذا الشكل من الدستور. إن المثال الأوضح يمكن أن يكون الدستور الألماني الذي اعتمد بعد أن توحدت البلاد عام 1870. لقد كان لدى ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى برلمان منتخب أو "الرايخستاج", و لكنه احتفظ بسلطات مهمة للقيصر غير المنتخب, و خصوصا فيما بتعلق بالسياسة الخارجية و الدفاع. لقد أوقع هذا الدستور ألمانيا في مشكلة كبيرة. إن الجزء غير المنتخب من القيادة كان يسيطر على القوات المسلحة. و في النهاية فقد أصبح تحت سيطرة القوات المسلحة. و هذا هو على ما يبدو ما يتكشف في إيران اليوم.
بالمقارنة مع المادة الثامنة, فإن المراجع في الدستور الإيراني و التي تعود إلى الله و الدين كمصادر للقانون هي أمور أقل خلقا للمشاكل. فقد تكون في نهاية الأمر و تحت الظروف الصحيحة هي الأساس لتطور إيران إلى بلد معتدل يحكمه القانون.
إن حكم القانون متجذر في الأصل في الدين في جميع المجتمعات التي سادت بما فيها الغرب. لقد لاحظ الاقتصادي الكبير فريدرك حايك أن القانون يجب أن يسبق التشريع. و على هذا فإن القانون يجب أن يعكس إجماعا اجتماعيا واسع النطاق على قواعد العدالة. في أوروبا فقد كانت الكنيسة في الأصل هي من تعرف القانون و تتصرف كحارس له. لقد احترمت الملكيات الأوروبية حكم القانون بسبب أنه كان مكتوبا من قبل سلطة أعلى و أكثر شرعية منهم أنفسهم.
و قد حدث أمر مماثل في الشرق الأوسط القديم. فقد كان هناك فصل وظيفي ما بين الدين و الدولة. فقد كان العلماء هم الباحثون القانونيون و الحراس على حكم الشريعة بينما كان السلاطين يتصرفون بالسلطة السياسية. لقد سلم السلاطين بأنهم ليسوا المصدر النهائي للقانون و لكنهم اضطروا للمعيشة ضمن قوانين وضعها القانون الإسلامي. لم يكن هناك ديمقراطية و لكن لقد كان هناك شيء يشبه إلى حد ما حكم القانون.
إن حكم القانون التقليدي و المعتمد على الدين قد أعاق انتقال الشرق الأوسط إلى مرحلة الحداثة. و حل مكانه و خصوصا في العالم العربي سلطة تنفيذية غير مقيدة: إن الرؤساء والدكتاتوريين الآخرين لا يقبلون بأية قيود تشريعية أو قضائية على سلطتهم.
لقد ناقش الباحث القانوني نوح فيلدمان بأن الحاجة الماسة إلى العودة إلى الشريعة في العديد من الدول الإسلامية لا تعكس بالضرورة الرغبة في فرض عقوبات قاسية طالبانية و عمليات اضطهاد للمرأة. بل و على العكس فإنها تعكس حنينا لأوقات تاريخية عندما لم يكن الحكام المسلمون مستبدين تماما و لكنهم كانوا يحترمون قوانين العدالة الإسلامية و حكم القانون الإسلامي.
و هكذا فأي نوع من المستقبل نتمناه لإيران على ضوء المظاهرات الضخمة؟ إن تفضيلي الشخصي لإيران هو أن تتبنى في يوم ما قانونا جديدا على الطراز الغربي يضمن الحريات الدينية و الدولة العلمانية و السيادة التي تعود إلى الشعب عوضا عن الله.
و لكن كمية كبيرة من الأدلة السماعية ( ليس لدينا أي أمر آخر أفضل من هذا) توحي بأن ما تمنيته ليس هو بالضرورة الأجندة التي يحملها المحتجون. إن العديد منهم بما فيهم المرشح المعارض السيد حسين موسوي يقولون بأنهم يريدون أن تبقى إيران جمهورية إسلامية. و هم ينظرون إلى تغيير النظام الجذري الذي حصل في العراق و لا يريدون حصول مثله لهم. إن ما يتمنونه على ما يبدو هو أن يتم احترام الدستور بشكل أفضل, و أن تتوقف السلطات التنفيذية بما فيها مجلس صيانة الدستور و المنظمات العسكرية و البرلمانية عن احتكار الانتخابات و أن تحترم القانون.
إن إيران يمكن أن تتطور إلى ديمقراطية أصيلة يحكمها القانون ضمن المعايير التي جاءت في دستور عام 1979. و لكن سيكون من الضروري إلغاء الفقرة 110, و التي تعطي مجلس صيانة الدستور السيطرة على القوات المسلحة و الإعلام, و أن تقوم بتغيير مهامه إلى ما يشيه المحكمة العليا و التي يمكن أن تحكم على اتساق التشريعات مع الشريعة الإسلامية. وفي هذه الأثناء فإن المجلس يمكن أن يخضع لشكل من أشكال الرقابة الديمقراطية, مثل المحكمة العليا الأمريكية, حتى إذا كان هناك حاجة لوجود مؤهلات دينية لدى أعضائها.
إن إزالة الدين برمته من الدستور الإيراني هو أمر أكثر إشكالية. إن حكم القانون لا يسود بسبب صفاته الشكلية و الإجرائية, و لكن بسبب أنه يعكس المعايير الاجتماعية المتفق عليها بشكل واسع. إذا كان حكام إيران في المستقبل يريدون احترام القانون كما كان يفعل الحكام التقليديون فإن القانون يجب أن يأتي من قلب الشعب الإيراني. لربما يمكن أن يصبح هذا في يوم من الأيام قانونا علمانيا بشكل تام. و هذا الأمر من غير المحتمل أن يكون القضية في هذه الأيام.
لسوء الحظ, فإنه قد لا يُترك الحق للإيرانيين للاختيار بأنفسهم. الزمرة العسكرية الحالية و التي تمارس سلطتها من الممكن أن تقود إيران إلى صراع مع الدول في المنطقة. و هذا الأمر يمكن أن يعزز شرعتيها و سلطتها. دعونا نأمل بأن تدفع القوى الداخلية في البلاد باتجاه تطور النظام السياسي و تجاه حكم القانون الأصيل و الديمقراطية أولا.
ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي
http://online.wsj.com/article/SB10001424052970203946904574300374086282670.html