وجهان لباراك أوباما

نادراً ما يدلي السياسيون بتصريحات صريحة، لأن ذلك يمنحهم الفرصة لتغيير موقفهم مع تغير الظروف. ويجدون صعوبة في الإدلاء بتصريحات واضحة والتزامات دقيقة. فهل يتمتع السياسي بطبيعته بوجهين، أم أنه يضطر إلى ذلك مرغماً تمشياً مع النظام المتبع؟ ففي ظل الديمقراطية يسعى السياسيون جاهدين لاصطياد الأصوات من مختلف الأحزاب، وعادة ما تكون هذه الأحزاب ذات مصالح متضاربة. وهم لذلك في حاجة لاسترضاء فئات مختلفة، متظاهرين بمنتهى اللطف حتى يتمكنوا من كسب الأصوات.

وفي مناسبة نادرة عندما يدلي السياسي بتصريح صريح، يتم توضيحه في نقطة ما. فعندما كان أوباما مرشحاً للرئاسية، أدلى بالتصريح التالي بشأن القدس أمام منظمة أيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية):

"أورشليم ستبقى عاصمة لإسرائيل ويجب أن تبقي موحدة غير مقسمة"

والنتيجة الواضحة هي أن إسرائيل ستكون لها السيادة الكاملة على المنطقة، ولا عودة إلى حدود عام 1967 التي نصت عليها مختلف القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة. هذه طبعاً إسرائيل، ليست العراق! إنهم اليهود الذين لا حول لهم ولا قوة، الضحايا الدائمين لمعاداة السامية، والذين هم دائماً في حاجة إلى حماية من الإرهابيين العرب، كما رأينا مؤخراً في مجزرة غزة!

وقد بدا أوباما حينذاك وكأنه يسلم مفاتيح أورشليم للحاخامات. ومثل هذه العبارة لن تقدم شيئاً للعرب. وبالتالي قام مستشار حملة أوباما بتوضيح التصريح، حيث قال:

"أورشليم من قضايا الوضع النهائي، وهو ما يعني أنها ستخضع للتفاوض بين الطرفين"

كيف تخضع عاصمة الدولة للتفاوض؟ وإذا كانت المفاوضات حول سيادة العرب واليهود على المدينة، فإن الإشارة إليها بأنها عاصمة موحدة قول باطل. وفي ذات الشخصية المزدوجة ذات الوجهين لنفس السياسي، قال أوباما في خطابه الذي ألقاه في القاهرة أن على إسرائيل تجميد بناء المستوطنات فوراً وبشكل شامل. كيف تكون أورشليم عاصمة موحدة لإسرائيل، إذا لم يتمكن اليهود الإسرائيليون من احتلال أجزاء منها؟

إذاً إما أن يكون أوباما قد كذب على منظمة أيباك أو في مؤتمر القاهرة!

إن موضوع تجميد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يمكن فهمه على أنه التزام من طرف واحد حسب ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة. وقد أكد ذلك بما صرح به في القاهرة. ولكن، مرة أخرى، ظهرت شخصية أوباما ذات الوجهين، فتجميد المستوطنات الإسرائيلية له ثمن، وهو نوع من التنازلات من جانب الدول العربية!

إنه لوضع شاذ أن يقوم الطرف الأضعف في هذه الحالة، وهو الفلسطينيون بتقديم التنازلات. وأظن أن الكرم ينظر إليه على أنه شيمة عربية، بينما ينظر إلى البخل على أنه من سمات اليهود!

وكما هو الحال في لعبة كرة الطاولة التي تقوم على أساس من يقدم ماذا عند بداية اللعبة، فإنه لا يبدو أن هناك حلاً عادلاً يبدو في الأفق. ففي الوقت الحاضر، إسرائيل ولكونها الطرف الأقوى، تستمر في صنع وقائع جديدة على الأرض تجل الكرة تذهب إلى أبعد من مستوى النقاش. والمجتمع الدولي يقف عاجزاً، وكل ما يمكن فعله هو أن "يعترض" – لعه يرتعد خوفاً من أن يوصف بمعاداة السامية.

هناك مقولة أمريكية مشهورة مفادها: أن الرجل الأبيض يتحدث بلسانين، ولتطبيق هذه القاعدة، فقط استبدل الرجل الأبيض بالسياسي، أسوداً كان أم أبيض، كوندوليزا رايس أو ديك تشيني، جورج بوش أو باراك أوباما، فالأمر سيان. فالسياسيين أناس قذرين، فالواحد منهم يتعامل بوجهين، ولا يتوقع أن يأتوك بأي حل سلمي يقوم على العدل.

وبالتأكيد، فإن السلام لن يتحقق بدون العدالة، ولعل البديل الوحيد هو استئصال أحد طرفي النزاع. وطالما أن العدالة غير متوقعة، إذا ً فكر في إبادة أحد الطرفين كحل وحيد للسلام، فكر في الشتات الفلسطيني، والمعسكرات المكتظة في غزة، والأسري في الضفة الغربية، والمحرقة البطيئة التي بدأت منذ عام 1948 ولا زالت مستمرة حتى يومنا هذا. هذا يفسر السياسة الإسرائيلية الرسمية غير المعلنة باستهداف النساء والأطفال الفلسطينيين.

yamin@radicalviews.org

المصدر: http://yaminzakaria.blogspot.com

1
7663
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني