الى : الرئيس باراك حسين أوباما

بسم الله الرحمن الرحيم

الى : الرئيس باراك حسين أوباما
البيت الأبيض - 28 سبتمبر 2009

من : جندي مشاة سابق في القوات الأمريكية
سيدي المحترم

السلام عليكم

كما سبق وأن كتبت من قبل، ان هناك قدر كبير من الظلم لحق بمسلمي هذا البلد، ولعل المظلمة الأكثر شيوعاً هي أن المسلمين مذنبون حتى تثبت إدانتهم، وحتى لو ثبت أن نشاطاتهم بريئة من الإرهاب، فإن النظرة السائدة هي أنهم بسبب انتمائهم الديني يمكن أن يلجئوا إلى ممارسة الإرهاب في المستقبل، حتى لو كانوا الآن أبرياء. وهذه النتيجة السخيفة والخاطئة أصبحت مسوغا لمطاردة وملاحقة أي منظمة إسلامية وأي شخص مسلم في هذا البلد. وقد سمعت أن حوالي نصف ميزانية مكتب التحقيقات الفيدرالي إنفقت في هذه النشاطات – إهدار هائل لطاقات القوى العاملة والموارد المالية في مطاردة أشباح لا وجود لها.

والإدارة السابقة، إدارة الرئيس جورج بوش، هي من قام بابتكار أغلب هذه الاعتداءات على الحريات المدنية والدينية. وبالرغم من أن مسلمي أمريكا كانوا يعقدون آمالاً كبيرة على إدارتكم، إلاّ أن كل هذه الآمال لم يتحقق منها إلاّ القليل جداً. حيث أن الظلم الذي كانت تمارسه السلطة التنفيذية في إدارة بوش لا يزال مستمراً في عهد إدارتكم. والأمل الذي كان يحدو المسلمين بأنك ستقوم بتصحيح الكثير من الأخطاء التي ارتكبت في حقهم لم يتحقق منه إلاّ النذر اليسير جداً. ولعله من المبكر جداً أن نتوقع أن التغييرات التي وعدت بها في حملتك الانتخابية قد أنجزت، ولكنني أعتقد أنه قد مر وقت كاف لتحقيق قدر من التقدم أكبر من الذي قد تحقق بالفعل. والإجراءات والممارسات غير الدستورية وشبه الشرعية وغير الشرعية في أغلب الأحيان التي اتخذت بحق الجاليات الإسلامية خلال الأعوام التي تلت الحادي عشر من سبتمبر ربما هدأت بعض الشيء، ولكن أخشي أن يكون هذا التخفيف للقبضة المتسلطة للحكومة على المسلمين، هنا وفي الخارج، مجرد وهم، وليس حقيقة!.

وأغلب الأموال والممتلكات والأصول الخاصة بالكثير من المنظمات الخيرية الإسلامية والمساجد والمراكز الإسلامية والأفراد العاديين من المسلمين لا تزال مجمدة لدى مكتب الرقابة على الممتلكات الأجنبية OFAC التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. وهذا المكتب يعمل بعيداً عن المعايير العادية للقوانين الأمريكية والتقاليد الديمقراطية المتعارف عليها. وهجمات الاستيلاء التي يقوم بها هذا المكتب - ويسمونها عمليات المنع أو الحظر، بالرغم من أن الحظر الذي ساد خلال السنوات ما هو إلاّ عمليات استيلاء- يجب استنكارها. فهي تصرفات لا تعدو أن تكون قوانين أمر واقع مأساوية ، حيث أن ممتلكات وأموال "المسلمين" المشتبه أو شبه المشتبه بها من أشخاص ومنظمات يتم الاستيلاء عليها بشكل نزوي وعشوائي وبدون أي تأني، وأحياناً بشكل سري وبدون أي وسائل للتعويض أو محاكمة عادلة للمتهمين. والشيء الأكثر إزعاجاً هو أن مكتب OFAC يعمل في سرية تامة وبعيداً عن أي رقابة أو تفتيش. فهو يستخدم الأدلة السرية -والتي يمكن وصفها بأنها تتضمن إساءة وافتراء مبطن وغيرمثبت- والتي لا يستطيع الشخص أو المؤسسة المتهمة بالاطلاع عليها، بل ويوجه اتهامات سرية أيضاً، وبعد ذلك يتوقع المتهم أو المدعى عليه أن يثبت براءته بدون أن يطلع على التهم الموجهة إليه أو الأدلة التي تستند عليها هذه التهم! علماً بأن الثورة الأمريكية نفسها اندلعت بسبب تصرفات مشابهة لهذه التصرفات من جانب التاج البريطاني. ومن خلال هذا اللجوء إلى تعطيل القوانين يبدو أننا قد نسينا تاريخنا. ولا يخفي عليك أننا لا نستمر على هذا الجور الذي تتم استعادته من الماضي البعيد، حيث أن غالبية هذه النشاطات يتم تفعيلها بقرارات تنفيذية، وهذه القوانين مريبة من الناحية الدستورية، وأنا شخصياً أشك في إمكانية تحييدها لو كنت تفكر في الأخذ بهذا الخيار.

يجب حماية الحرية في جميع الأجيال، وقد جاء دورك الآن لتنكر هذه التصرفات الظالمة وغير المهذبة التي ظلت تقوم بها الحكومة الفيدرالية. فإن لم تفعل، فحينئذ سيكسب الرهان الذين يكرهون الحرية - وعادة يوجد بعضاً منهم ولكن نتمنى أن يكون عددهم قليل- ويعارضون المعني الحقيقي لحكم القانون والديمقراطية. وستختفي الحرية التي كانت تعرف بها أمريكا في يوم من الأيام، والذين لا يقومون باستنكار ظلم الأقليات، هم أنفسهم سيتعرضون للظلم.

إن أمريكا الآن لا تزال تخوض حربين- والتي طالما تمنى مؤيديك المتحمسين أن تقوم بإنهائها الآن. وهم محقون في اعتقادهم هذا على حد أقوالك- وهي أقوال أصبحت تبدو الآن نفاقية في نظر الكثيرين. ومما نشر في الصحافة، فإن نائب الرئيس السيد المحترم جو بايدن كان يكالب لتبني أسلوب أقل حدة من الأسلوب الذي تتبعه وزيرة خارجيتك، السيدة المحترمة هيلاري كلنتون. وعلى أية حال، فقد بات واضحاً أنك الآن تقوم بتوسع الحرب على أفغانستان، مع الانسحاب البطيء من العراق. وإنني لعلى ثقة من أنك تتلقى المشورة من أناس أذكياء كثيرين من الرجال والنساء، ولكن الذكاء وحده لا يقوم مقام الحكمة، وأعتقد أنك لا تجد المشورة الناصحة من مستشاريك، بل حتى من تحليلاتك الخاصة.

فالحرب في العراق شنت على أساس من الأكاذيب وسوء الفهم. وليس بمقدور أي كذبة جديدة تغيير هذه الحقيقة. لقد كانت "حرب وقائية" حرب عدوانية قامت على مبررات كاذبة لمنع أية أضرار محتملة في المستقبل، أي بحيث أنها عندما تنتهي، تصبح وكأنها لم تحدث. لم تكن هناك "أسلحة دمار شامل". فلم يكن العراق يشكل تهديداً للولايات المتحدة، بل لم يكن يبدو كذلك حتى بالنسبة لأقرب جيرانه. فالتضليل الذي مارسه صدام كان لمنع الحرب مع إيران، ولإخفاء ضعفه العسكري وعدم استعداده لخوض الحرب. فأي تهديد هذا الذي كان يمثله ذلك المستبد الدنيء؟ لم يكن يشكل أي تهديد!

وهذه الحرب التي تدور في العراق قلبت الالتزام القديم رأساً على عقب بأن أمريكا لن تكون الدولة المعتدية في الحرب، بل تخوض الحرب دفاعاً عن النفس فقط، لقد أدت هذه الحرب إلى تغيير كبير في نظرة العالم إلى أمريكا. ولعل مقولة "أريانا فالاسي" قبل ثلاثين عاماً التي قال فيها أن أمريكا مثل الفيل الضخم والمتخبط أحياناً، الذي غالباً ما يتجاهل مآسي العالم ما لم يتعرض هو إلى تهديد جاد ومباشر- وحش خطير ولكن لا يثار بسهولة عادة، ربما كان وصفاً عادلاً. فقد أصبحت امريكا الآن وحش مفترس يهاجم بدون سبب وبلا عدل، بل بالأحرى، بكل جهالة وظلم.

عقيدة الانخراط في الحروب بهدف الدفاع، سياسة أمريكية، على الأقل من الناحية النظرية. فقد بدأت حرب فيتنام بإدعاء كاذب بأنها حرب دفاعية – ولم يكن الكونغرس يعلم أن حادثة خليج تونكين كانت مجرد إشاعة كاذبة اصطنعتها إدارة جونسن لتحصل على تأييد الكونغرس، ولكنها اتخذتها ذريعة لتبني ذات المذهب. إن حربنا في العراق، حرب غير عادلة، وحربنا في أفغانستان حرب انتقامية – وهذه كلها لا تبشر بخير للشكل الذي ستكون عليها صورتنا أمام الأمم، اليوم أو غداً.

غالبية الشعب العراقي كان سعيداً لذهاب صدام، ولكن الثمن الذي دفعه هذا الشعب من دمه، ومئات الآلاف الذين قتلوا، وأكثر منهم بكثير من القتلي، والملايين الذين أصبحوا لاجئين خارج ديارهم، وهؤلاء وغيرهم فقدوا منازلهم وأعمالهم وثرواتهم، كل ذلك لم يكن ثمناً مقبولاً مقابل حريتهم – وذلك بالرغم من أنهم لا يتمتعون الآن بأي حرية عن تلك التي كانوا يتمتعون بها في عهد صدام. وهم بالتأكيد لم يحتشدوا لشكرنا على تحريرهم. حيث أن احتلالنا لهم وضعهم في خطر أكبر من الذي كانوا يعانون منه في عهد الدكتاتور صدام. وتماماً كما نسي الناس القادة العثمانيين، والبريطانيين الآن مكروهون في العراق بعد أكثر من مائة عام من المحاولات الفاشلة لحكم البلاد. وبينما نسي الناس صدام، سيتذكرون أمريكا بأنها الأسوأ، إن لم يكن أكثر من ذلك، بسبب ما فعلناه في العراق.

نحن لم نكن "الخلاص" بالنسبة للعراق، بل جلبنا له الدمار. العراقيين يردوننا أن نذهب ونتركهم وشأنهم. عندما فكر "وينستون تشرشل" في حكم العراق بعد الحرب العالمية الأولى خلص إلى أن ذلك لن يتم إلاّ بتجنيد أكثر من مليون جندي من الجيوش، ولأنه كان يعلم بأن الشعب الإنجليزي لم يكن مستعداً للمزيد من سفك الدماء بعد ما عاناه من همجية الحرب العالمية الأولى، فلم يجد بداً من الانسحاب. ومهما كان الشيء الذي يحدث بعد أن نغادر العراق – ولن نستطيع التأثير في تلك النتيجة، إلاّ أن نجعلها أكثر سوءاً. ومن الحماقة أن تعتقد شيء آخر.

إن الأمم يصعد نجمها وتقوى من وقت لآخر ومن خلال غطرستها تدعي أن تصرفاتها وتقاليدها صحيحة، بل وتدعي أنها تملك الحق في ترتيب أوضاع العالم حسب الحالة التي تتوقع هي أن يكون عليها. وهي في نهاية المطاف عادة ما تنهار، وتنهي هي الأخرى. (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) سورة الأعراف الآية 34. فقد انتهت دولة صدام في ساعتها المحددة، وكل من يأتي بعدها، ينتظره نفس المصير. فكلنا نقيم في هذه الأرض لمدة مؤقتة ثم نرحل عنها.

أحد كبار الكتاب الرومان، وأظنه سيسرو، قال: الناس إما أن تكون لديهم جمهورية أو إمبراطورية، لكن لا يمكنهم الجمع بينهما. الأكليشيهات التي هي أقوى من الكلمات، تحمل معنى لا يمكن التعبير عنه بشكل محدد في أغلب الأحيان، فنحن الأمريكيون ربما ندعي أنه ليست لدينا طموحات أو تطلعات إمبريالية، ولكن القليل جداً من شعوب العالم يصدق ذلك، فلو آمنت أمريكا بصحة نظرتها للعالم، فحينئذ ستكسب قلوب الناس دون أن تريق قطرة دم واحدة. وأما الحرب فلن تنجب غير العنف والكراهية.

فلو كنت تؤمن بالأساليب الأمريكية، فيمكنك تسويقها بإطعام الجوعى، وتعليم الجهلاء، وبغيرها من الإحسان، حيث أنك لن تجعلها تزدهر بالظلم والإكراه. فأعمالنا العدائية نشرت الرعب والبغض بين الدول الصغيرة، وأشاعت عدم الثقة والكراهية بين الدول الكبيرة، فالمثال الذي قدمناه لم يكن جيداً بالنسبة لهم. في العراق وأفغانستان وغيرها الكثير من الأماكن التي "تدخلنا" فيها بشكل سري، لم تنعم بالعافية بسبب تدخلاتنا فيها، فضلاً عن أننا لم نصبح أكثر أمناً. لقد جعل "موسوليني" القطارات تسير في توقيت منضبط، ولكن أساليبه أدت إلى تدمير دولته وشنقه على عمود كهرباء بكعب حذائه، وهكذا أهين الدكتاتور السابق. لقد أثار انتخابك ملاحظة متفائلة مفادها أن هذا ليس هو الاتجاه الذي يريد هذا البلد أن يسير فيه. فأرجو أن يكون ذلك صحيحاً.

وإذا كنا سنستمر في تصرفاتنا، فإن بعض شعوب العالم ستنظر إلينا نظرة العداء. لقد ظلت أمريكا تقدم نفسها على أنها صديقة للمستبدين والدكتاتوريين وحكم الأقليات التافهة. وإذا كنا ندعي أننا أصدقاء ورعاة للديمقراطية، والحرية، يجب أن نعيد النظر في تصرفاتنا، وليس فقط تصرفات الذين نكرههم، وإلاّ فسنصبح في نظر الآخرين مجرد منافقين في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال خبثاء.

وكما تعلم الآن، فقد أصبح من الصعب أن تحكم بلداً واحداً، ولكن من المستحيل أن تحكم العالم بأسره أو حتى جزء منه. وعندما نحاول أن نفعل ذلك، نلجأ إلى دعم القتلة وأساطين التعذيب ونسميهم أصدقاء. إن إهانتنا لجيراننا مثل تشيلي والأرجنتين منذ مدة طويلة، مجرد مثالين فقط على ما ألحقته سياساتنا وأفعالنا من إهانات فظيعة بحقوق الإنسان. وهذه التدخلات الأنانية أدت إلى تسميم أجيال بكاملها من قادة أجهزة استخباراتنا وجيوشنا. وقد ضيقوا فسحة الخطاب وقالوا أن كل ما تراه أمريكا جيداً بالنسبة لها، يجب أن يكون جيداً لبقية العالم. ولكن النتيجة في الواقع، لم تكن جيدة لا لأمريكا ولا لبقية العالم. وبالنسبة للذين كانوا عند النهاية الحادة لتلك العصا، كانت النتيجة تفشي الفوضى والاضطهاد.

في الماضي كنا نمارس التعذيب في السر فقط، وكنا نخفي وننكر أفعالنا. فقد رأيت ذلك في فيتنام- لقد كنت جندي مشاة هناك. ومارسنا التعذيب على الأسرى في الحرب العالمية الثانية - قال ذلك صديق لي توفي الآن، كان حارس لأحد المعسكرات الأمريكية للأسرى الحرب اليابانيين- ولكن بالرغم من أن التعذيب كان سياسة في بعض الأحيان، إلاّ أنه أثار اشمئزاز كل الذين شاهدوه، كما قضى على الذين مارسوه وأفسد النظام الذي سمح به. لقد كنا نعلم أنه خطأ، ولذلك كنا ننكره دائماً أو في أغلب الأحيان، بل في بعض الأحيان كنا نحاكمه. ولكن في هذا الوقت وفي الماضي القريب، قدمنا حجج علنية حول صحة أو عدم صحة التعذيب، وحول ما إذا كان مفيداً أو جيداً. ولكن التعذيب فعل حقير وشرير. ولا يمكن أن يكون شيئاً جيداً. وإن الذين يؤيدون التعذيب متوحشون! ولن يكون بمقدورنا أن ندعي الصلاح بعد ذلك إذا ما واصلنا المسير في هذا الاتجاه.

وإذا ما واصلنا دفع العالم باتجاه أن يفعل كل ما نريد، فلن نفشل وحسب، بل سنفشل بامتياز وبشكل مدهش. وسنفقد كل ما سعت الثورة الأمريكية إلى تحقيقه، وسنتحول إلى إمبراطورية تنتظر فنائها. وسنكون أكثر دناءة وأكثر هواناً بين الناس حتى نتلاشى في النهاية ونختفي من الوجود.

في كل عام ننفق المزيد والمزيد لمحاربة الأفغان، مبالغ مالية أكبر بكثير من حجم الناتج القومي الإجمالي في بلادهم – في كل يوم نصب فيه المزيد من الأموال والجيوش والعتاد على ذلك البلد، نصنع فيه المزيد والمزيد من الأعداء من شعب أنهكته الحروب على مدى سنوات طويلة، من شعب يريد السلام، والذي لن يجده على يد الأمريكيين. والمجتمع المدني يجب أن يكون محلياً ينبع من ذات المجتمع- ولا يمكن أن يفرض عليه من الخارج. وحفنة الضباط العسكريين الأمريكيين وبعض موظفي الخدمة المدنية الذين يتمتعون بشيء من المعرفة بالشعب الأفغاني، يعلمون غباء الحملة التي نشنها هناك، ولكن أصواتهم القليلة ضاعت في زحمة الأكاذيب والأصوات النشاز.

عادة ما يجد المستبدون أتباعاً لهم من الضعفاء والفاسدين، ولكننا لو كنا نريد لهم ديمقراطية حقيقية، فمن الممكن أن نشجعهم عليها من بعد، ولكننا لا نستطيع إغراءهم بها، كما لا نستطيع فرضها عليهم. فالأولى لن نغري بها إلا الفاسدين، بينما الثانية لا تأتي إلاّ بالمعارضة والتمرد.

ما الذي فعلناه بأفغانستان ؟ لقد صنعنا دولة فاسدة ومتسلطة! وهذا كل ما أمكننا تقديمه لأفغانستان. فإن كنت تلقيت مشورة غير هذه، فالتعلم بأنك لا تستشير غير المغفلين والكذابين. وبصرف النظر عما يقوله لك المتملقون والمطبلون من ذوي الكلام المعسول، فإن الأحوال لن تتحسن ما دام بقيت القبضة العسكرية في أفغانستان. فلو أردت تطعن الدب المتوحش بالعصا، فلن يأتي إليك بدافع المحبة، بل سيقتلك- وإن أفغانستان هي ذلك الدب المتوحش.

وهو بالضبط التاريخ الطويل للشعب الأفغاني. وأي قبيلة أو مجموعة قد أنشأت واديها الخاص -أو أي مساحة جغرافية تعادل ذلك- وجعلته ملكاً لها، تدافع عنه في وجه كل من يحاول أن يأخذه منها، كائناً من كان. والأفغان لا يهتمون بما نسميه سياسة، أو ديمقراطية أو شيوعية أو قومية، ولكنهم يهتمون بأوديتهم وقراهم وقبائلهم وعائلاتهم. وفي كل مرة نقتل فيها قروياً أفغانياً، سواء كان مقاتلاً أو مدنياً، نصنع العشرات، إن لم يكن المئات من الأعداء الجدد. فلو قمت بتدمير قرية واحدة، فإن جميع القرى القريبة منها تصبح من الأعداء. ولو بقيت لفترة أطول في أفغانستان، فإن جميع أهلها ما عدا الفاسدين منهم والمرتزقة، سيصبحون أعداءً لك. وحتى الذين توهمت أنهم أصدقاء ربما يكذبون ظنك، وسيخونونك متى ما سنحت لهم فرصة أفضل. لقد لقي السوفييت هذا المصير، وسنلاقيه نحن أيضاً. فالأمريكيين والروس، كلهم سواء في نظر الأفغان – كلهم كفار، وكلهم متسلطون. والقاعدة الأساسية لدى الأفغان هي دحر الأعداء، وأن نعتقد أننا نمثل شيء آخر غير الأعداء، فهذا هو الغباء بعينه. وفي أحسن الأحوال، نحن ضيوف أطالوا الإقامة أكثر من اللازم، ومع ذلك فإن قلة قليلة فقط من الأفغان هي التي تحمل هذه الرؤية. هذه هي طبيعة ذلك البلد. وسلوك بشتون ولي وما يبديه من التكريم والضيافة والثأر ينتشر في جميع الجماعات العرقية والقبلية في ذلك البلد. وأمريكا لن تستطيع تغيير هذا الأمر- كما لم تستطع روسيا من قبل- بل حتى الإسلام نفسه لم يغير هذا الواقع. مع أن الإسلام قريب إلى قلوب الشعب الأفغاني، بينما نحن الأمريكيين على وجه التحديد، لسنا كذلك بكل تأكيد.

برامج الشؤون المدنية لن تنجح، فهي كما تعلم جيداً، لم تنجح من قبل. والطريقة الوحيدة التي تستطيع دولة أجنبية أن تحكم بها أفغانستان، هي أن تحميها بالجيوش والاضطهاد. وإن جلوس المسنين في القرى الأفغانية مع الجنود الأمريكيين وشرب الشاي معهم، لا يعني أن هؤلاء أو أبناؤهم لن يقوموا بقطع رقاب نفس أولئك الجنود عندما يرخي الليل عليهم أستاره. وكل من يقول لك أن الأحوال في أفغانستان ستتغير، فاعلم بأنه لا يعرف شيئاً عن تاريخ أو ثقافة أو شعب أفغانستان.

وأفضل ما حققناه في أفغانستان هو عندما قمنا بإبعاد طالبان بمساعدة من الأفغان الأصليين. والأفغان على الأقل الذين كانوا يعلمون، بينما أغلب الأفغان لم يكونوا يعلمون، بأننا ننتقم لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، ولكنهم بعد ذلك، لم يتمكنوا من فهم ما قمنا به هناك. وبالحسابات الأفغانية، قلبنا فعل الانتقام الذي يمكن تبريره إلى حد ما إلى جهد جنوني يسعى لتغيير ما لا يمكن تغييره (أو بعبارة أدق لسنا نحن من يستطيع تغييره). فلو أراد الأفغان التغيير فعلاً، فإنهم قادرون على إدارة شؤونهم، ولكن لا يمكن أن نحكمهم نحن أو عملاؤنا. وأغلب الأفغان لا يفهمون سبب مجيئنا إلى بلادهم، أو ماذا نريد. وينظرون إلينا كمخربين وأعداء للدين. ولا يدين لنا الأفغان إلاّ بالبؤس والشقاء، ولذلك سيكافئوننا على كل ما قدمناه لهم. وليس هناك ثمة ما يمكن أن نفعله في أفغانستان ويقبله الأفغان، إلاّ أن نغادر ديارهم.

وبعد ذلك التصرف الانتقامي الأول الذي يمكن فهمه، فإن أي برنامج أو عمل عسكري أو تدخل مدني ظل ينظر إليه على أنه هوس أمريكي غريب. لقد انتقمنا منهم، فلماذا نريد المزيد؟ وما الذي نريده بالضبط ؟ ما الذي جناه الأفغان إبان الاحتلال الأمريكي؟ لم تكن الديمقراطية بكل تأكيد. بل كان مجموعة من موظفي الخدمة المدنية من الأفغان الوافدين، والشرطة وضباط الجيش (ينتمون إلى قبائل ومجموعات عرقية لا صلة لها بمن يحكمونهم) يتسابقون إلى الريف لأخذ الرشاوى وابتزاز الأموال وجعل حياة الأفغان الصعبة أكبر صعوبة وقسوة – ويفعلون ذلك بالاختباء خلف الأمريكيين. إنهم ينظرون إلينا على أننا مجرد مستبدون جدد وكفار. وبالنسبة للأفغان فإن سياساتنا لا تعني شيئاً. وأي تحرك سياسي يعتبر في نظر الأفغان سيء، ويتم تطبيقه بشكل خاطئ. ألا نتعجب من أن أغلبهم إما يكرهوننا أو ينكرون ما نقول أو نفعل؟ لقد سلطنا عليهم المستبدين، ثم نقوم نحن وهؤلاء باضطهادهم. الاضطهاد والاستبداد هما السببان اللذان يدفعان المسلمين إلى شن الحرب- ولذلك يشنون الحرب علينا. إن مغامرتنا في أفغانستان كانت خاسرة منذ البداية، ولن يتحسن حالها قط. ولو أننا غادرنا ذلك البلد بعد مدة قصيرة من هجومنا الأول مع التحذير من أننا سنعيد الكرة إذا ما أساء الأفغان التصرف مرة أخرى، لتغير الأمر كثيراً عما هو عليه الآن.

ولكن حالة الزهو التي أصابتنا كانت كبيرة، - لقد ظننا أنه بمقدورنا إصلاح ذلك البلد. حسناً، لقد قمنا بإصلاحه، ولكن لم نجعله مثالاً حياً للديمقراطية ولكن (كعادتنا دائماً) حولناه إلى بلد تابع وتافه، يرأسه رجل لا يحكم أكثر من المجمع السكني الذي يعيش فيه في كابول، وتحرسه المرتزقة والجيوش الأجنبية. وإذا لم يفر من البلاد حال مغادرتنا لها، فسيكون مصيره كمصير غير من المستبدين الذين تم تعليقهم على أعمدة الإنارة. ولعل هذا هو ما كنا نريد، ولعله غير ذلك، لا أدري. ولكن هذا هو ما حققناه حتى الآن.

في أغلب الأحيان نعتقد أننا أكثر دراية من غيرنا. لقد قلنا وبكل صفاقة أننا سنجلب ديمقراطية الغرب ذات السوق الحر لهذا الشعب المحاصر. مثل هذا البرنامج لا تملك أي فرصة للنجاح، وبعد عدة سنوات، لم يفشل وحسب، بل سقط سقوطاً مريعاً. فقد حاول السوفييت جلب الشيوعية إلى ذلك البلد، وقد فشلوا. كما زعم الأمريكيون ذات مرة أنهم سيجلبون له النظام الجمهوري الديمقراطي على الطريقة الغربية، وهذا أيضاً قد فشل. هل ترى اتجاه الأمور هنا؟ والآن يبدو أننا نبحث عن منفذ للخروج من هذا البلد. نعم هناك مخرج- غادرو على الفور. حيث أن البقاء لفترة أطول لن يزيد الأمور إلاّ سوءاً، ولن يؤدي إلى تحسن الأحوال.

أتذكر عندما قلت لك في جزء سابق من هذه الرسالة أن ضيافة البشتون مزيج من الكرم والانتقام. الأمريكيون لا يفهمون لماذا لا تريد طالبان تسليم القاعدة. الأمر يتعلق بهذه العرف. فالقاعدة كانوا ضيوفاً، والضيوف تجب حمايتهم حتى لو لم يكنوا مرغوبين لدى مضيفهم (ولم يكونوا كذلك). لقد وضعنا الأفغان في موقف لا يسمح لهم بانسحاب يحفظ لهم ماء وجههم. ولو أننا كنا عقلاء لمنحناهم بعض الوقت حتى يقوموا بواجب الضيافة ويحموا ضيوفهم ولكن في نفس الوقت ليلبوا مطالبنا. لقد ظل الأفغان يفعلون ذلك منذ عهود قديمة، ولكننا طالبناهم بخطوة سريعة في أمر لا يمكنهم الخوض فيه. وكنا سنتوصل إلى حل في نهاية المطاف. ولكننا بدلاً من ذلك، اخترنا أن نشن الحرب على واحدة من أفقر دول العالم. ولننظر الآن إلى ماذا أوصلنا ذلك القرار. بعض الناس يتعلمون من أخطائهم، ولكن لا يبدو أننا من هؤلاء.

الأمور التي أشرت إليها أعلاه هي مجرد أمثلة من الأشياء التي تزعج المسلمين في هذا البلد. ولعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان لها تأثير كبير في نفوس الأمريكيين، ولكن الرد على تلك الأحداث الرهيبة لم يكن متكافئاً مع الضرر الذي سببته. هناك عدد قليل جداً من المسلمين يؤيدون القاعدة، بل أن عدد أقل من ذلك يؤيد ما قامت به. وأنا أشك في أن عدد المسيحيين الذين أيدوا الهجوم على أوكلاهوما ربما كان أكبر من عدد المسلمين الذين أيدوا الهجمات على نيويورك وواشنطن. والموقف الذي يشكك في المسلمين لمجرد أن فئة قليلة جداً منهم فعلت هذا الأمر، يعتبر سلوك غير عاقل وغير منطقي، ولكن هذا هو موقف الحكومة بعد الحادي عشر من سبتمبر. ولعل مقولة الفيل الجريح يدمر كل شيء أمامه قد تكون معقولة. فالذين قتلوا في الحادي عشر من سبتمبر أقل من ثلاثة آلاف، ولكن مئات الآلاف قتلوا الآن بسبب تلك "الخطيئة"، مئات الآلاف من هؤلاء ما عدا قلة قليلة جداً، لم تكن لهم أي صلة بتلك الأحداث. ألم يسفك ما يكفي من الدماء بسبب تلك الأحداث؟ وما الذي سنجنيه إذا ما واصلنا المسير على نفس الطريق؟ ما الذي سنفقده ؟ أمريكا لا تستطيع أن تقضي على الإرهاب. وأمريكا لا تستطيع أن تحمي نفسها من جميع الأشرار في العالم. فالحياة خطيرة بطبيعتها. وإن الحق في أن نقول ما نريد قوله، ونشكو من صعوبة الحياة، وأن نسعى لتدارك الأفعال الخاطئة، وأن نمارس عبادتنا كما نريد بدون قيود، هي جزء من أساسيات الحرية. وهذه الحريات هي التي تحمي الحياة الخطرة. وانتهاك هذه الحقوق أو إضعافها يجعل من هذه الحياة الصعبة أقل سعادة، وأكثر قسوة. والقرآن يعبر عن هذه المسألة بأفضل مما قلت:

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) سورة فصلت الآية34.

هذه النصيحة تهدف إلى إحداث تغير أكبر، ونتيجة عظم مما تحققه الحرب. وبالرغم من أن الكثير يدركون هذه الحقائق، إلاّ أن قليل جداً يمارسها. وقد استخدم الدكتور مارتن لوثر كينغ هذه الحكمة الواعية لإحداث أحد أكبر التغييرات في القرن الماضي- التغيير الذي جعل منك رئيساً في النهاية. ولا تسمح لذوي النفوس الضعيفة من الرجال والنساء أن يثنوك عن نصيحة القرآن وحكمة الدكتور مارتن لوثر كينغ. فقد ينادي الغوغاء بالدم، ولكن لا تعطه لهم – لأن ذلك نهم لا يشبع أبداً. وعندما يصيح لك الجميع بأن تكون قاسياً، كن لطيفاً. فإن اليد اللطيفة هي التي تنال الشجاعة الحقيقية.

إن أمريكا قوة عالمية هائلة، ولكن هذه القوة ما هي إلاّ وهم إلى حد كبير. وأفعال الخير البسيطة لن تضيع سدى، والحرب لها صلة قربي مع الجحيم. واتبع ما يقوله لك قلبك، وليس ما يشير به عليك المضللين.

المخلص / عبد الواحد

جندي مشاة سابق في قوات الأمريكية
المركز الإسلامي في سبرينغ فيلد، ميزوري
(2151 E. Division Street, Springfield, Missouri 65803)

1
7879
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني