عقد من الزمن مرَّ على الولايات المتحدة وهي مضطرة في كل عام للبحث عن نصر معنوي هنا أو هناك لتبرير الزعامة الدولية ووسائل عملها.
قبل عقد من الزمن، بدأ التقويم الأميركي الجديد للعالم ونظامه، إذ اعتبرت 11 أيلول مفصلا ومنعطفا في قراءتها للأحداث ومن بينها ما جرى في صباح ذلك اليوم. لا أحد ينكر ان الهجوم على البرجين والبنتاغون، بدلالتهما الرمزية ذات الأبعاد الإستراتيجية قد رسمت قراءة أخرى لتعاطي واشنطن مع الكثير من الملفات والأزمات التي لم تجد لها حلا. ورغم ذلك تابعت بنفس الوسائل، وربما بأشكال مختلفة ما كانت بدأته قبل هذا التاريخ من محاربة للإرهاب وتطويع بعض القوى الإقليمية والدولية، في سياق سياسات الإمساك بالنظام العالمي الجديد.
وغريب المفارقات في الحدث والتعاطي معه، جعل الولايات المتحدة الأميركية كأي بلد من بلدان العالم الثالث، فلجأت إلى الحلول الأمنية والعسكرية، وتناست القيم والمبادئ التي تنادي بها.فكان الأثر الداخلي اشد وطأة على حقوق الإنسان مثلا، فبدت وما زالت كأي نظام بوليسي امني قمعي يتدخل في التفاصيل المملة للحياة الشخصية، وبحجة الهاجس الأمني استباحت لنفسها ما تنتقده على غيرها، فبات المواطن الأميركي تحت رقابة مشددة، دون حتى سند قانوني أو شرعي متعارف عليهما في دولة نشأت أصلا على احترام القيم الديموقراطية والحرية، واحترام الآخر وفكره ومعتقداته ووسائل ممارسته لها.
وإذا كانت القيم والمبادئ قد سقطت في الداخل لاعتبارات غير مفهومة حتى أميركيا، فان التداعيات الخارجية بعد عقد من الزمن بدت وكأنها من قلب أمور العالم رأسا على عقب.فباتت الشعارات والمبادئ والقيم لا وزن لها في العالم الحر، وباتت المصالح فوق أي اعتبار بصرف النظر عن الوصول إليها عبر القوة الناعمة أو غيرها. وباتت الدول الحليفة والصديقة في مصاف الدول العدوة. كما باتت الدول الأخرى وجلها من الدول النامية محط أنظار وشغف السياسات الأميركية للسيطرة والاحتلال.
خلال عقد من الزمن احتلت دولتان أفغانستان والعراق، وشنت حربه شبه عالمية على لبنان ومن بعدها على غزة.عدا عن الحروب الصغيرة هنا هناك. كانت سابقة في التاريخ الدولي أن عوقبت دولة بالاحتلال بحجة محاربة تنظيم إرهابي على أراضيها (أفغانستان)، كما سجلت سابقة أخرى باحتلال دولة بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لا وجود لها (العراق). حرب شعواء على الإرهاب في غير مكان في العالم، ورغم ضرورته ومشروعيته في بعض المحطات الزمنية والمكانية فقد بدا وكأنه محاربة أشباح من الصعب الإحاطة بها والقضاء عليها.
خلال عقد من الزمن نشأ وتكرّس نظام اقتصادي ومالي جديد أيضا، لكن سرعان ما تهاوى الكثير من قواعده ومحتوياته. أزمة عقارية بدأت في الولايات المتحدة سرعان ما ضربت الاقتصاد الأميركي وامتدت تداعياته دوليا، خسائر ببلايين الدولارات، وانهيار بورصات وبنوك واستثمارات، وغريب مفارقتها، ان تداعياتها في الداخل الأميركي اقل بكثير من تداعياتها على الاقتصاد العالمي.كما ان من سوابق هذه الانهيارات حدوثها مرتين في عقد واحد وفي فترة لم تتجاوز الثلاث سنوات.
كل ذلك حصل وسط ترويج لشرق أوسط جديد عماده نظريات الفوضى الخلاقة وأخواتها. ولم يكد ينتهي العقد الأول من حدث 11 أيلول 2001، حتى حط رحال تغيير الأنظمة في المنطقة العربية، وكأنها أولى الضحايا الفعليين بعد عشر سنوات من المكافحة للبقاء، ومفارقة متغيرات الأنظمة العربية أنها عانت من ضغطين شديدين، خارجي عبر مشاريع الدمقرطة والتغيير الأميركية، وداخليا الخوف من تسلم الإسلاميين السلطة في الدول العربية.
وإذا كان سقوط الاتحاد السوفيتي وكتلته الاشتراكية في بداية العقد الأخير من الألفية الثانية قد شكل منعطفا لانطلاقة النظام العالمي الجديد؛ فقد شكل العقد الأول من الألفية الثالثة سياقا منهجيا لتكريس زعامة الولايات المتحدة كقوة وحيدة لقيادة النظام العالمي، بمعتقداته وأفكاره، ووسائل إداراته للأزمات الداخلية والخارجية.
عقد من الزمن مرَّ على الولايات المتحدة وهي مضطرة في كل عام للبحث عن نصر معنوي هنا أو هناك لتبرير الزعامة الدولية ووسائل عملها. وكانت في كل مرة مضطرة للتذكير بمحاربة الإرهاب، وفي الذكرى العاشرة للحدث سيكون الحدث باردا بخاصة ان من وجه الاتهام إليه (ابن لادن) قد قتل على يد الأميركيين أنفسهم.
في 11 أيلول 2011، ستكون الولايات المتحدة مضطرة للبحث عن مبررات إضافية بصرف النظر عن حجم وقوة الإقناع فيها، لتبرير الكثير من السلوكيات السياسية وربما غير السياسية التي ستقوم بها. فالقاعدة ضربت من الرأس وأصبحت قواعد، لكن الإرهاب ظل قائما من وجهة النظر الأميركية. علاوة على أنظمة جديدة تُركّب في الشرق الأوسط، لا أحد يعرف ماذا سيكون إعرابها السياسي في القواعد الأميركية الدولية، هل ستكون جزءا من عدة الشغل في السياسات الإقليمية والدولية؟ أم سيكون لها رأي آخر؟
يبقى أننا نحن العرب، نكاد نكون الأمة الوحيدة في العالم التي نالت القسط الأكبر من تداعيات الحدث الأميركي، حضاريا حيث طعنا بفكرنا ومعتقداتنا وسلوكنا، وصوِّرنا على أننا خارج التاريخ والجغرافيا أيضا.واقتصاديا تحملنا الوزر الأكبر من خيبات النظام الاقتصادي والمالي العالمي، سياسيا واجتماعيا ندفع اليوم ثمن أنظمة فرضت علينا عقودا ودهورا.فماذا بعد 11 أيلول 2011؟.
خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com