الكاتب: ستيفن سايمون*
نيويورك تايمز 18 نوفمبر 2009
قرار وزارة العدل الأمريكية بمحاكمة خالد شيخ محمد العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر في المحكمة الفيدرالية في نيويورك أثار عدة انتقادات. ومعظم هذه الانتقادات عديمة الجدوى، ولكن واحد منها فقط يعتبر مفيد جداً – وهو الذي يطرح فكرة أن هذه المحاكمة ستمنح الإرهابي منطلقاً يسعى من خلاله لحشد الدعم في العالم الإسلامي لآرائه المتطرفة.
في البداية، دعونا نكشف بعض الأمور. جون بونر، النائب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي، اتهم إدارة أوباما "بالتعامل مع الإرهاب على أنه مجرد قضية تتعلق بإنفاذ القانون" وكأن تطبيق القانون صفة معينة. وفريق مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض يتكون في الغالب من نفس المجموعة التي كانت تحارب الإرهاب إبان إدارة بوش. وهم بشكل عام وراء الإصرار على تبني إستراتيجية تستخدم إنفاذ القانون متى ما كان ملائماً وتلجأ إلى القوة العسكرية في أماكن معينة كأفغانستان حيث لا يمكن اعتقال المتآمرين بواسطة العملاء الفيدراليين الذين يستخدمون سيارات الفورد. ويحتج الآخرون بقولهم أن السيد محمد يمكن أن ستفيد من بعض المراوغات في النظام العدلي ويخرج براءة. غير أن هذا بعيد الاحتمال :
أولاً، لأنه اعترف بالجريمة، ونظراً للاحتمال الصفري لبراءة الإرهابيين في نيويورك سابقاً، فإن أي قلق بسبب صدور حكم بالبراءة يبدو غير مبرر. جون يو، وهو محام سابق لإدارة بوش يقول أن المحاكمة ستكون بمثابة "مصدر ثمين للمعلومات الاستخبارية" بالنسبة لأعدائنا. وهذا شيء مستبعد أيضاً. فجهات الادعاء لدينا متأكدة من أن هناك أدلة غير سرية كافية لإقامة الدعوى. فضلاً عن ذلك، فالمعلومات الاستخبارية هي المعلومات الأحدث والأكثر تحديداً ويمكن الاعتماد عليها لإقامة الدعوى.
تنظيم القاعدة اليوم أكثر اهتماماً باكتشاف متى وأين سيقع الهجوم بالطائرات بدون طيار في باكستان، وهي المعلومات التي لا يتم الكشف عنها على ما يبدو أثناء محاكمات تتعلق بهجمات وقعت قبل ما يقارب عقداً من الزمن. وهو ما يقودنا إلى فكرة أن السماح للسيد محمد بالوقوف أمام المحكمة سيمنحه منبراً. والحقيقة هي اذ كانت المحاكمة ستقدم منبر إعلامي لجهة بعينها، فنحن تلك الجهة. فالمحاكم الفيدرالية لا تسمح بدخول كاميرات التلفزيون في قاعاتها، ولذلك لا توجد فرصة للترويج للأفكار الإرهابية أصلاً. وعندما يقوم المتهمون ومحاموهم باستجواب الشهود، لا يمكن إلقاء الخطب في هذا الإطار، فالقضاة هم ملوك هذه الساحات، ويمكنهم إيقاف أي خطاب لا علاقة له بموضوع المحاكمة.
ويشير البعض إلى أنه في بعض المحاكمات حول قضايا الإرهاب، كتلك التي عقدت للمتآمرين في الهجوم على مركز التجارة العالمي عام 1993، كان المتهمون يغرقون في التفاصيل. هذا صحيح، ولكن هل هناك شخص واحد يمكنه أن يتذكر كلمة واحدة من تفاصيل تلك المحاكمات؟ ومناسبة الدعاية الحقيقية يحتمل أن يتجلى بشكل مختلف تماماً. فبدلاً من طرح خالد شيخ محمد لقضيته، سنرى ملخصاً للحجم الكامل للرعب الذي سببه هجوم الحادي عشر من سبتمبر بطريقة لا تتحقق إلاّ من خلال المحاكمات المنهجية.
ومن الناحية التاريخية، الكشف العلني عن الجرائم الجماعية أو الأعمال الإرهابية التي تتبناها الدول من خلال عملية قضائية شفافة قد أدى إلى تقوية قوى الخير وقطع دابر المتطرفين. ومحاكمات نورمبيرج كانت حالة كلاسيكية. ولا شيء نبه العالم أكثر لخطورة الإبادة الجماعية من إدعاء إسرائيل على أدولف إيشمان البيروقراطي الذي خطط للمحرقة.
في قضية خالد شيخ محمد، فإن الأدلة –السجن لفترة غير محددة بدون محاكمة، أو محاكمة عسكرية مغلقة أمام الجمهور يليها حكم بالإعدام- أبعد ما تكون عن إلهام متمردين جدد. وتسليط الضوء على الشفافية في نظامنا القضائي سيؤدي إلى تحسين سمعة أمريكا كما ستؤدي إلى ظهور تصدعات في القاعدة الجهادية.
عدد متزايد من رجال الدين المسلمين المتطرفين غيروا مسارهم في السنوات الأخيرة. مثلاً، ثلاثة من الشخصيات الدينية السعودية المتطرفة المؤثرة- ناصر بن حمد الفهد وعلي الخضير وأحمد الخالدي (وقد وصفه أسامة بن لادن ذات مرة بقوله "هو أبرز مؤيدنا")- تبرءوا من أسامة بن لادن. وهناك شيخ آخر وهو سلمان العودة أدان ابن لادن، وتساءل "كم عدد الأبرياء الذين قتلتهم ؟" كما أن أبو بشير الطرطوسي وهو شخصية مؤثرة أردني المولد يعيش في لندن، يستخدم الآن مفهوم "العهد" بين المسلمين ومضيفيهم في إدانة التفجيرات الإرهابية في بريطانيا.
وفي قطر، رجل الدين البارز والواعظ المشهور يوسف القرضاوي قدم "فقه الجهاد" الذي يحرم قتل أغلب المدنيين. كما أن سيد إمام الشريف، مؤسس جماعة الجهاد المصرية التي جاء منها أيمن الظواهري نائب أسامة بن لادن أعلن من زنزانته في سجون مصر بأن الجهاد ضد الغرب يجب أن يتوقف. وبعض حجج هؤلاء لا تذهب بعيداً في إسعاد مسامع الغربيين. ولكنهم يقومون بتشكيل وجهة نظر. وقد أظهرت الاستطلاعات التي أجريت منذ عام 2001، أن التعاطف مع الإرهاب في أغلب البلدان ذات الغالبية المسلمة آخذ في التناقص بشكل تدريجي.
ومن مصلحتنا أن نقوم بتقوية وتعزيز هذه الميول من خلال تسليط الضوء على حالات قتل الإرهابيين للمدنيين والتزامنا نحن بحكم القانون. فالمحاكمة المفتوحة من شأنها أن تهيئ فرصة للتركيز بشكل أكبر أمام الأمريكيين على ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أحداث. فالسنوات التي سبقت الهجمات قد تمت دراستها بشكل شامل في تقرير لجنة التحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ومن خلال الذاكرة والتاريخ. فالسنوات الثماني التي مرت علينا منذ أن وقعت تلك الأحداث، وهي الفترة التي شهدت حرباً لم تنقطع، لنفس الفرصة من الدراسة والجرد. ومن المؤسف أن لم تكن هناك أي محاكمة أقتربت من حجم الصدمة التي وقعت في ذلك اليوم. ولكن الحكم الذي يصدر من نيويورك في المكان الذي شهد تلك المأساة، سيذكرنا جميعاً بمدى وحشية وخبث هدف الإرهابيين، والقوة التي تتمتع بها قيمنا.
* ستيفن سايمون عضو مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف مشارك في كتاب "عهد الإرهاب المقدس" The Age of Sacred Terror " والهجوم التالي "The Next Attack".
الصدر: http://www.nytimes.com/2009/11/18/opinion/18simon.html?_r=1