لمحاربي الإنترنت مناطق مظلمة

تفكيك مواقع الإنترنت التابعة للـ (CIA) والسعودية يبين الحاجة الماسة إلى سياسات أكثر وضوحاً

الكاتب: إلين ناكاشيما – واشنطن بوست – 18 مارس 2010

بحلول عام 2008 أصبح الضباط العسكريين الأمريكيين مقتنعين بأن المتطرفين الذين يخططون لشن هجمات على القوات الأمريكية في العراق وكانوا يستفيدون من موقع إنترنت أنشأته الحكومة السعودية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لكشف المخططات الإرهابية في المملكة.

"لقد أدركنا أننا سنضطر إلى إغلاق هذا الموقع" كما ذكر موظف مدني سابق في معرض وصفه للعديد من المناقشات الداخلية التي كان القادة العسكريين يقولون فيها أن الموقع يعرّض الأمريكيين للخطر، غير أن الـ (CIA) كانت مستاءة من تلك التعليقات.

وتحت تأثير تلك الاعتراضات قامت نخبة من الأمريكيين المتخصصين في مجال الكمبيوتر بشن هجوم إلكتروني أدى إلى تفكيك منتدى الموقع. وبالرغم من أن بعض المسئولين السعوديين قد تم إبلاغهم مسبقاً بخطة البنتاغون، غير أنه وحسب مسئول أمريكي سابق آخر فأن عدد من الأمراء كانوا غاضبين جداً لفقدان وسيلة هامة لجمع المعلومات.

وقال أربعة مسئولين أمريكيين كبار سابقين كانوا يتحدثون عن التكتم في مناقشة العمليات السرية، أن إنشاء الموقع ثم إغلاقه بعد ذلك، يبين الحاجة إلى وجود سياسات أكثر وضوحاً لإدارة حرب المعلومات.

إن استخدام الحواسيب لجمع المعلومات أو لإرباك العدو تطرح سؤالين معقدين: متى يسمح بشن حرب المعلومات خارج مسرح الحرب التقليدية؟ وهل إزالة موقع إنترنت متطرف عملية سرية أم هو عمل عسكري تقليدي؟ وهل يجب إخطار الكونغرس بذلك؟

وقال مسئول كبير في الأمن القومي "المهم في الأمر، لم يتم حتى الآن حسم أن جميع المشاركين في عمليات الحرب المعلوماتية للـ (CIA) لديهم فهم عقائدي واضح، وفهم كاف للصلاحيات القانونية والسياسية، وكذلك فهم واضح للفرق بين ما يمكن اعتباره نشاط استخباري وصلاحيات خاصة بوزارة الدفاع في وقت الحرب".

وقالت المتحدثة باسم الـ(CIA)، ماري هارف "من الجنون القول بأن أي جزء من حكومتنا عليه القيام بشيء ما لتسهيل حركة المقاتلين الأجانب إلى العراق".

البنتاغون، ووزارة العدل، ووكالة الأمن القومي التي يقوم مديرها بالإشراف على العمليات التي تقوم بتفكيك الموقع، رفضت التعليق على هذا الموضوع، وكذلك مسئولين في السفارة السعودية في واشنطن.

سابقة قبل السياسة

إن مسألة غياب موجهات واضحة في الحرب المعلوماتية ليست جديدة، وقد اضطرت إدارة بوش الابن في سنواتها الأخيرة إلى صقل مذهب وهي تنفذ العمليات. وقال المدير السابق للـ (CIA)، مايكل هايدن، دون أن يؤكد أو ينفي وجود الموقع أو تدميره "الحرب المعلوماتية كانت تتطور بسرعة لدرجة أننا وجدنا أنفسنا أمام خطر بناء سابقة قبل وضع السياسات".

ويجتهد المحامون في مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل لتحديد القواعد القانونية التي تمهد الطريق أمام من يخوضون الحرب المعلوماتية، على حد قول بعض المسئولين الحاليين والسابقين.

لقد إنشئ موقع الإنترنت التابع للسعودية والـ (CIA) قبل عدة سنوات كمصيدة "Honeypot" وهو منتدى على الإنترنت تتم مراقبته بواسطة وكالات الاستخبارات لجمع المعلومات والتعرف على المهاجمين، على حد قول ثلاثة من المسئولين السابقين. ويعتقدون أيضاً أن هذا الموقع كان سنداً لعناصر جهاز المخابرات السعودي الذين تمكنوا من محاصرة بعض المتطرفين قبل أن يشنوا هجماتهم.

ولكن وفي الوقت ذاته، كان العشرات من المجاهدين السعوديين يدخلون العراق شهرياً ليشنوا الهجمات. وقال مسئول سابق ان قلق القادة العسكريين الأمريكيين قد زاد من أن الموقع يستخدم لتمرير معلومات فيما بين المتطرفين تتعلق بالعمليات التي يقومون بها. لقد كان التهديد خطيراً، لدرجة أن الجنرال راي أوديرنو، القائد الأعلى للقوات الأمريكية في العراق طلب إغلاق الموقع.

لقد تمت مناقشة هذه المسألة من خلال لجنة متخصصة في حرب المعلومات كونت لهذا الغرض وضمت ممثلين من كل من وزارتي الدفاع والعدل ووكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية ومجلس الأمن القومي. وقدم الفريق كيث ألكسندر الذي يدير وكالة الأمن الوطني عرضاً لهذا الموضوع.

واحتجت الـ (CIA) بأن تفكيك الموقع سيؤدي إلى فقدان قدر كبير من المعلومات، وتصدت وكالة الأمن القومي لذلك وقالت أن تفكيك الموقع إجراء مشروع من أجل حماية القوات الأمريكية. وبالرغم من أن أحد المسئولين في البنتاغون أصر على أن الجيش لا يملك الصلاحية للقيام بمثل هذه العملية، إلاّ أن كبار القادة العسكريين أثاروا نقطة مقنعة مفادها أن المتطرفين كانوا يستخدمون الموقع في التخطيط للهجمات.

وقد ناقشت اللجنة إمكانية السير قدماً في الموضوع، وإن كان الأمر كذلك، فما هي الصلاحيات التي تخول لها القيام ذلك. فإذا اعتبرت العملية نشاطاً عسكرياً تقليدياً، فبالتالي لاحاجة لتقديم شرح أمام لجنة بالكونغرس. اما لو كانت عملية سرية، فيجب إشعار أعضاء لجان الاستخبارات.

وقد رجحت اللجنة إمكانية إلحاق أضرار إضافية، كإرباك شبكات الكمبيوتر، وذلك في مقابل عدم اتخاذ أي خطوة. وكانت الغالبية تعتقد أن الأضرار ستكون محدودة ولكن المكاسب ستكون كبيرة.

وقال مسئول في مكافحة الإرهاب "الـ(CIA) لم يكن مقتنعاً بفكرة مهاجمة مواقع الإنترنت" فالوكالة كانت تعتقد أنها ستخسر معلومات استخبارية هامة، وأن هذا العمل سيلحق ضرراً بأجهزة مخابرات أخرى متعاونة، وقد حدث هذا بالفعل، كما أن الإرهابيين سيهاجرون إلى مواقع أخرى، وهو ما حدث أيضاً.

وقال المسئول، وفضلاً عن ماذكر لم يكن الموقع أنبوب لنقل المقاتلين الأجانب، بل كان منتدى واسع يتحاور فيه المتطرفون.

ولكن مخاوف القيادة الوسطى وقيادات أخرى في وزارة الدفاع تغلبت في النهاية، وقال أحد المسئولين السابقين "لقد بلغ الأمر بوزارة الدفاع للقول "الجنود يموتون بسبب ما فعلته القيادة الوسطى في العراق، ومن الصعب على أي شخص أن يتصدى لذلك"".

ويقول المسئول السابق "لقد بدا وكأن القضية قد حُلت". وقرر الجيش تفكيك الموقع، وبدون إشعار الكونغرس بذلك.

مجموعة من المتخصصين في حرب المعلومات في المؤسسة التابعة للبنتاغون في فورت ميد والتي يبدو أنهم الجهة المناسبة للقيام بالمهمة، وتقوم الوحدة بعملياتها تحت برنامج يسمى مكافحة استخدام الإنترنت في أنشطة عدائية، الذي أنشئ للحد من استخدام الإسلاميين المتطرفين لمنتديات الإنترنت ومجموعات الدردشة التي تهدف إلى تجنيد الأعضاء ونشر أفكارها.

وقال أحد المشاركين "لقد كنا واضحين جداً في ذلك الاجتماع أن الهدف هو إنهاء الموقع، ولكن الشيء الوحيد الذي أصابنا بالدهشة هو الأثر الذي ترتب على ذلك".

نتائج غير مقصودة

من التحديات الأساسية التي تواجه حرب المعلومات هي أن المهاجم لا يمكنه التأكد من أن العملية التي يقوم بها ستؤثر فقط على الهدف المقصود. حيث أن عملية تفكيك موقع الـ(CIA) والسعودية أثرت وبشكل غير مباشر على أكثر من 300 سيرفر في السعودية وألمانيا وتكساس، على حد قول أحد المسئولين السابقين. و أوضح أحد أعضاء اللجنة قائلاً "للقضاء على موقع معين على الإنترنت موجود في البلد (س)، ونسبة لأن حرب المعلومات لا تعرف الحدود، من خلال هذه العملية ربما تلحق الضرر بموقع آخر موجود في البلد (ص)".

وبعد العملية عبر مسئولون سعوديون للـ(CIA) عن غضبهم لفقدان معلومات استخبارية هامة. وقال مسئولون في الوكالة أن الجيش الأمريكي تسبب في غضب دولة حليفة وتصرف خارج نطاق الصلاحيات المكفولة له بتنفيذ عملية سرية، على حد قول مسئولين سابقين.

كما أشار المسئولون إلى الجهود التي بذلت للتخفيف من استياء غضب السعوديين والألمان، وقال أحد المسئولين "لقد كانت هناك الكثير من الانحناءات والخصومات".

ومن أقدم المنادين بشن حرب المعلومات ضد المتطرفين هو الجنرال جون أبي زيد، القائد السابق للمنطقة الوسطى. فقد قال لإحدى اللجان بمجلس الشيوخ المريكي في عام 2006، "يجب أن نعترف بأن الفشل في التصدي لهذه الملاذات الآمنة سيترتب عليه خطر كبير على أمن أمتنا وسلامة قواتنا في الميدان".

ولكن هناك بعض الخبراء الذين يعارضون عملية تفكيك هذه المواقع ويصفونها بعدم الفاعلية، إذ أن تفكيك موقع ما في مكان معين، سيخلفه موقع جديد في مكان آخر. لأن الجماعات المتطرفة تحتفظ بنسخ احتياطية من معلومات المنتديات بالسيرفرات في جميع أنحاء العالم. وقال إيفن كولمان، الباحث في مجال الإرهاب في استشارة قدمها لمؤسسة البحث أن أجوبة حول ما حدث في 11/9، "لا يمكن إيقاف هذه العملية لأكثر من 24 أو 48 ساعة فقط". وأضاف قائلاً "يبدو من الصعب أن نفهم، لماذا تقوم الحكومة بقطع مورد يعترف الجميع الآن بأنه أداة مفيدة وفاعلة لجمع المعلومات الاستخبارية".

المصدر: http://www.msnbc.msn.com/id/35942473/ns/technology_and_science-washington_post /

1
8210
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني