هل تنظيم القاعدة صنيعة استخبارية ترعاها الولايات المتحدة؟

حوار: جول غاردوسي (JOEL GARDUCE)
ترجمة موقع إسلام ديلي

مايكل تشوسودوفسكي (Michel Chossudovsky) مؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم "حرب أمريكا على الإرهاب America’s War on Terrorism"، و أستاذ الاقتصاد بجامعة أوتاوا في كندا، شارك شخصياً في حفل التدشين المحلي لطبعة كتابه الأخير الذي طبع في الفلبين، والذي أقيم في المركز الآسيوي بجامعة الفلبين في ديليمان، بمدينة كويزون في يوم 24 يونيو الماضي. وقد ألقى المؤلف أثناء حفل التدشين، محاضرة حول الخطر الوشيك للكارثة النووية التي تعد لها الولايات المتحدة من خلال الاستعدادات التي قامت بها إدارة بوش لخوض الحرب مع إيران.

جول غاردوسي من مركز الدراسات المناهضة للإمبريالية (CAIS) التقى بمدير مركز بحوث العولمة (CRG) أثناء إجازة عطلة نهاية الأسبوع في الفلبين وأجرى معه المقابلة التالية:

جول غاردوسي : كيف تقيّم مساهمتك من خلال هذا الكتاب في تقديم فهم أفضل لما جرى في الحادي عشر من سبتمبر ؟

مايكل تشوسودوفسكي: حسناً، لقد صدرت العديد من الكتب حول الحادي عشر من سبتمبر. وأود أن أقول في الواقع أننا لدينا قدر كبير من التغطية للحادي عشر من سبتمبر تناولت الموضوع من زوايا عديدة. والكثير من الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع قد إعدت بعناية، ومع ذلك تجد دائما التجاهل من وسائل الإعلام الرئيسية.

وفيما يتعلق بالبحث الذي أجريته حول هذا الموضوع، فلم أركز على ما حدث في ذلك اليوم، انطلاقاً من وجهة نظر مباني مركز التجارة العالمي والبنتاغون، حيث كان هذا الجانب هدفاً للعديد من التحقيقات التي أجريت حول الموضوع.

ولكن الشيء الذي آثرت أن أركز عليه هو الدور الذي لعبته أحداث الحادي عشر من سبتمبر في تبرير غزو أفغانستان بعد أسابيع قليلة جداً من تلك الأحداث، وكذلك غزو العراق، ناهيك عن قوانين الدولة البوليسية التي تبنتها عدة دول غربية.

لقد قمت بالتركيز على الحادي عشر من سبتمبر من خلال منظور جيوسياسي واسع، لأن الحادي عشر من سبتمبر في الواقع لا تزال تمثل الحدث الأساسي الذي يستخدم لتبرير ما يسمى "الحرب على الإرهاب". وبدون أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تكن هناك أي ذريعة للحرب، وهذا ما جعل الحادي عشر من سبتمبر علامة هامة للغاية. فقد أفرطت إدارة بوش في استخدام هذه الأحداث في محاوله لإثبات أن أمريكا تتعرض لهجوم، وأن الحرب في أفغانستان والعراق ما هي إلاّ للدفاع عن النفس، وبالتالي على الولايات المتحدة أن تقوم بمهمة إنسانية تتمثل في شن حرب ضد الإرهابيين، وكذلك على ما يسمى بالدول الراعية للإرهاب، بما في ذلك أفغانستان والعراق.

وأظن أن هذا هو ما قمت بالتركيز عليه، فقد بحثت كثيراً حول الملابسات الجيوسياسية التي أحاطت بالحادي عشر من سبتمبر، ودور أجهزة المخابرات في هذا الموضوع. كما استندت بشكل أساسي على حقيقة أن الخلايا الإرهابية، كتنظيم القاعدة على وجه التحديد، كانت مرتبطة دائماً بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). فقد كانت تتلقى دعماً مستمراً من المخابرات الأمريكية، وإن الذي أمامنا الآن عملية طويلة تتعلق بافتعال أو صناعة عدو. وإنشاء تنظيم القاعدة ما هو إلاّ عملية استخباراتية استخدمت كذريعة لتبرير الغزو.

ولذلك، لدينا تساؤل؛ لو كان تنظيم القاعدة، على حد قول إدارة بوش، لعب دوراً في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فحينئذ يتوجب علينا التحقيق حول العلاقة بين تنظيم القاعدة وأجهزة المخابرات الأمريكية.

فالأدلة تثبت أن تنظيم القاعدة لم يكن له أي دور في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي الواقع، هي محاولة لذر الرماد على العيون، لأن تنظيم القاعدة صنيعة ترعاها المخابرات الأمريكية.

جول غاردوسي: هل من الدقة القول بأن دراستك التي أجريتها تشير إلى أن الحادي عشر من سبتمبر كان عملاً داخلياً.

مايكل تشوسودوفسكي: حسناً، أنا لم أقل تلك العبارة، أنا لم أقل أبداً أنه "كان عملاً داخلياً"، ولكن ما قلته هو أنني من خلال كتاباتي أردت أن أبين أن الرواية الرسمية أو التفسير الذي تقدمه حول الحادي عشر من سبتمبر يمكن تفنيده، وأن الرواية الرسمية مجرد كذبة.

إن ما قدمته لجنة التحقيق في هجمات الحادي عشر من سبتمبر هي رواية مطولة لما حدث في ذلك اليوم وما حدث على متن الطائرات، والأدلة تشير إلى أن تقرير لجنة التحقيق تلك كان كذباً مفبركاً.

ولكن لا يمكنني القول وبشكل لا لبس فيه أن ما حدث كان فعلاً داخلياً، وما يمكنني قوله على وجه اليقين، مستنداً على الأدلة التي تثبت ذلك، هو أن الإدارة الأمريكية متورطة في عملية التستر على التحقيقات التي أجريت لتحديد الجهة التي تقف وراء تلك الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر. وإن ما قدموه في تقرير لجنة التحقيق حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما أدلي به من خلال العديد من البيانات والتصريحات حول الأمن القومي، بالنسبة لي مجرد تلفيق.

جول غاردوسي : الدراسة التي أجريتها تختلف عن نظرية بعض المفكرين من أمثال نعوم تشوسكي التي تقول أن الحادي عشر من سبتمبر كانت ضربة ارتدادية، فما هو تقييمك لهذه الآراء؟

مايكل تشوسودوفسكي: هذه الرؤى غير صحيحة كلياً، حيث أن "نظرية الضربة الارتدادية"، تفترض أن العلاقة بين تنظيم القاعدة والحكومة الأمريكية (بما في ذلك أجهزة مخابراتها) قد توقفت في أعقاب الحرب الباردة، وهذا هو ما يقولونه ويعترفون به.

هم يقولون "نعم نحن أنشأنا تنظيم القاعدة إثناء الحرب الأفغانية السوفيتية، لقد قمنا بتدريب المجاهدين، وساعدناهم في محاربة الاتحاد السوفيتي، وبعد الحرب الباردة تحول تنظيم القاعدة ضدنا، وهذا ما يسمونه بالضربة الارتدادية"، وتحدث الضربة الارتدادية عندما يتحول عميل المخابرات ضد من كان يتبناه ويعمل له.

ووجهة النظر ليست صحيحة لأنه في عقد التسعينيات، كان هناك أدلة كافية على وجود علاقة بين تنظيم القاعدة والإدارة الأمريكية أثناء إدارة كلنتون وكذلك إبان إدارة بوش، وصولاً إلى عام 2001، وكذلك هناك أدلة عن وجود تعاون نشط بين الجماعات شبه العسكرية لتنظيم القاعدة في البلقان وكبار المستشارين العسكريين الأمريكيين.

وأعتقد أن نظرية الضربة الارتدادية، سواء كانت نابعة من أنصار إدارة بوش أو من اليسار، فهي مخطئة ومضللة. لماذا؟ لأنها في واقع الأمر تضفي شرعية على الحرب على الإرهاب، فهي تقول "نعم، ان الحرب على الإرهاب هدف مشروع للسياسة الخارجية الأمريكية"، أما أنا فأقول أن أولئك الذين يؤيدون نظرية الهجمة الارتدادية إما أنهم مخطئون وغير مدركين للحقائق، أو أنهم يشاركون ضمنياً في التضليل الذي تمارسه وسائل الإعلام.

الحادي عشر من سبتمبر والدول الموالية للولايات المتحدة

جول غاردوسي: لقد ذكرت دور بعض الدول مثل باكستان من خلال جهاز مخابراتها (ISI)، فكيف تنظر إلى دور دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية وأفغانستان بل حتى إسرائيل في الإعداد للحادي عشر من سبتمبر؟

مايكل تشوسودوفسكي : حسناً، نحن نتحدث عن أجهزة المخابرات، وتاريخياً، لعبت باكستان دوراً هاماً جداً في دعم تنظيم القاعدة منذ اندلاع الحرب السوفيتية الأفغانية في عهد الجنرال محمد ضياء الحق، القائد العسكري الذي كان رئيساً لباكستان في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وقد أنشئت مراكز التدريب والمدارس الدينية تحت رعاية جهاز المخابرات الباكستاني.

وبالمقابل، لعبت المملكة العربية السعودية هي الأخرى دوراً، لأنها كانت تقدم التمويل اللازم من خلال المؤسسات الخيرية، ولذلك هناك علاقة ارتباط بين المملكة العربية السعودية وتنظيم القاعدة. وحسب ما جاء في عدة تقارير، فإن المخابرات السعودية لعبت أيضاً دوراً في هذا الموضوع.

إسرائيل والمملكة العربية السعودية وباكستان كلا منها لعب في واقع الأمر دوراً، ولكنني أعتقد أن دور باكستان كان أساسياً في تقديم الدعم المؤسسي لتنظيم القاعدة، وكان ذلك نيابة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية- شريك جهاز المخابرات الباكستاني.

ولقد تركزت الدراسة التي أجريتها بشكل أساسي على الدور الذي لعبه جهاز المخابرات الباكستاني، لأنه تبين تورط جهاز المخابرات الباكستاني في المؤامرة التي جرت في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر لشن الحرب على أفغانستان باستخدام ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر كذريعة لشن تلك الحرب.

نفوذ إسرائيل

جول غاردوسي: لقد حدثت ضجة مؤخراً حول مقال كتبه ستيفن والت، وجون ميرشيمر بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية"، والذي نشر في استعراض لندن للكتاب في شهر مارس الماضي، وقد أزعج المقال بعض الدوائر الأمريكية حول كيفية ممارسة الحكومة الإسرائيلية تأثير كبير على الحكومة الأمريكية، وتحديداً على إدارة بوش حيث الكثير من الشخصيات التي عينت ضمن الزمرة الحاكمة كانت من المحافظين الجدد، وكيف تنظر إلى تأثير الدوائر اليمينية في إسرائيل على إدارة بوش وشن الحرب الأمريكية على الإرهاب؟

مايكل تشوسودوفسكي: أعتقد أن هذه العلاقات أعقد من ذلك بكثير. لا أعتقد بأن إسرائيل تلقي بظلالها على السياسة الخارجية الأمريكية. أنا أعتقد أن هناك توافق بين تل أبيب وواشنطن.

وهذا ليس بالشيء الجديد، بل يعود إلى فترة قديمة عندما نشأت إسرائيل.

ولكن من ناحية أخرى، فأن القول بأن إسرائيل تؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية ليس صحيحاً، لأني أعتقد أن إسرائيل أداة في يد السياسة الخارجية الأمريكية. وهي تستخدم في هذا السياق على وجه التحديد، من أجل تحقيق الهيمنة الأمريكية، وإسرائيل بدورها لها أجندتها الخاصة. ولذلك أقول أن الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن تحالف عسكري طويل الأمد، فقد ظلت الولايات المتحدة تقدم قدر كبير من المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ زمن طويل. ولا أتفق مع وجهة النظر القائلة بأن إسرائيل الآن تقوم باختطاف السياسة الخارجية الأمريكية وتتلاعب بها. وهو ببساطة رأي غير صحيح.

وعلينا أيضاً أن نفهم أبعاداً أخرى لهذه المسألة، فاللوبي اليهودي في الولايات المتحدة يمكنه في الواقع أن يلعب دوراً من خلال منظماته الموجودة في الولايات المتحدة، وهذه ليست منظمات موجودة في إسرائيل، وهذه المنظمات يمكن أن تلعب دوراً في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، والمحافظة على موقف مؤيد لإسرائيل. وهذا قد يكون صحيحاً.

لكن هذه آلية مختلفة كلياً عن آلية البلد الأجنبي الذي يختطف فعلاً سياسة أمريكا الخارجية، إلى درجة أن سياسة أمريكا الخارجية كانت ستكون مختلفة لو لا إسرائيل، وأنا لا أتفق مع هذه المقولة، لأن السياسة الخارجية الأمريكية في الواقع متوافقة تماماً في موقفها من "مبدأ ترومان Truman Doctrine"- والذي قام بصياغته جورج كونان في الفترة من منتصف إلى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي- مع الأجندة الحالية للمحافظين الجدد.

والجانب الآخر، ما هو رائج في أوساط المحللين اليساريين وكذلك اليمين التحرري القول بأن المحافظين الجدد مختلفون عن سابقيهم، ويطرحون الديمقراطيين كبديل ممكن للمحافظين الجدد، في حين أنه لو نظرت إلى الأحداث التي جرت خلال العشر أو الخمسة عشر سنة الأخيرة، ستجدها سلسلة متصلة.

أقصد لو نظرت إلى حرب الخليج الأولى، والحرب على يوغسلافيا، وغزو أفغانستان، ثم هناك حرب الخليج الثانية. ولو ذهبت بعيداً إلى التاريخ، حيث الحروب التي دارت في أفغانستان إبان حقبة الحرب الباردة وحتى الآن، ستجدها سلسلة متسقة تماماً قام بها الديمقراطيون والجمهوريون معاً.

حركة الحقيقة الدولية حول ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر

جول غاردوسي: لقد ظهرتَ كمتحدث رئيسي فيما سمي بالحركة الدولية حول حقيقة الحادي عشر من سبتمبر، فالفلبينيون للأسف الشديد لا يعرفون هذه الحركة، فهي لا تقوم بأي عمل نشط على المستوى المحلي. فهل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذه الحركة.

مايكل تشوسودوفسكي: أنا لست عضواً نشطاً في الحركة الدولية حول حقيقة الحادي عشر من سبتمبر، لكني شاركت في بعض نشاطاتها وأؤيد مساعيهم في هذا الشأن.

غير أنه لديّ بعض التحفظات حول الحركة لأنها تجمع في داخلها عناصر متناقضة جداً، وهناك نزاعات مختلفة داخلها. وعلاوة على ذلك، لا أؤمن بأنه يجب تركيز التحليلات حصرياً حول ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، وعلى بحث ما جرى للمباني في مركز التجارة العالمي والبنتاغون. بل هناك حاجة لتركيز أوسع على الموضوع.

إنه استخدام ما يسميه الجنرال تومي فرانك "كثرة الإصابات تنتج عنها أحداث"- يعني قتل المدنيين- بهدف تبرير الحرب.

فضلاً عن ذلك، فعند معالجتنا لموضوع الخسائر الكبيرة التي نتجت عن تلك الأحداث، يجب أن لا نحصر فهمنا فقط على الحادي عشر من سبتمبر، صحيح يجب أن ننظر فيما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، ولكن يجب أيضاً أن نتناول تفجيرات في السابع من يوليو في لندن، وتفجيرات مدريد، وكذلك تفجيرات جزيرة بالي في عام 2002، وهكذا.

كما يجب علينا أيضاً أن ندرس مختلف الهجمات الانتحارية التي حدثت على أرض المعركة في العراق، ونحن نعلم، كما هو الحال في حادثة الإرهابيين في البصرة (جنود القوات الخاصة البريطانية الذين كانوا يتنكرون في الزي العربي التقليدي والذين اعتقلتهم الشرطة العراقية)، والكثير من تلك الهجمات الانتحارية التي تمت بتحريض من قوات الاحتلال.

ولذلك أعتقد أنه من المهم أيضاً، من وجهة نظري على الأقل، أن نحاول فهم ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر بطريقة أوسع.

أن الحركة الدولية حول حقيقة الحادي عشر من سبتمبر قامت بالكثير من الأعمال الجيدة، من خلال التركيز على المبنى رقم 7 ومركز التجارة العالمي، وما حدث للطائرات التي ذهبت إلى البنتاغون، وهل كانت طائرات أم صواريخ، وكل هذه الأشياء مهمة للغاية في اعتقادي.

ومع أنني كنت أتابع بعناية كل ما كان يكتب حول هذا الموضوع، فلم أشارك في البحث في تلك الجزئية على وجه التحديد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومع ساهمت بمقال تحليلي واحد حول جزئية معينة، وكانت حول ما حدث في الطائرات، وقد تضمن كتابي فصلاً يركز على ما حدث في الطائرات حسب ما ورد في تقرير لجنة التحقيق حول هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لأن ما لفت نظري هو علاقة هامة للغاية لم يتم تحليلها بشكل جيد، وقد استندت رواية لجنة التحقيق على مكالمات بالهاتف الخلوي، وصناعة الاتصالات واضحة لا لبس فيها، فمكالمات الهواتف الخلوية هذه لا يمكن أن تتم على ارتفاعات تزيد عن ثمانية آلاف قدم.

ولذلك أردت مراجعة تلك الرواية التي وردت في تقرير لجنة التحقيق حول تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ولكي أثبت وبشكل واضح أنها رواية مفبركة ومختلقة. ومن المستحيل أن تجرى مكالمات هاتفية من ارتفاعات عالية في الطائرات. وأغلب الوصف الذي قدموه كان يستند إلى تلك الحقيقة. فليس كل الوصف، ولكن جله كان يستند إلى مكالمات هاتفية بين ركاب مزعومين من جهة وأفراد عائلاتهم من جهة أخرى. وصناعة الاتصالات قالوا لا يمكن (في عام 2001) أن تجري مكالمة على ارتفاع 31 ألف قدم، وربما يمكنك إجراء مكالمة على ارتفاع 8 ألف قدم ولكن الطائرات كانت تطير في علو مرتفع خلال جزء كبير من الوقت الذي قضته في الجو.

الولايات المتحدة والفاشية

جول غاردوسي: كيف تنظر إلى الادعاءات بأن الحكومة الأمريكية، خصوصاً في إدارة بوش قد أصبحت إمبراطورية فاشية تماماً على غرار ألمانيا النازية ؟

مايكل تشوسودوفسكي: بالتأكيد هناك دليل واضح على أن إدارة بوش كانت تتجه نحو الدولة البوليسية، هناك إلغاء أو تعطيل لسيادة القانون لأنه يمكن اعتقال الناس بطريقة عشوائية. وهناك أجندة عسكرية لاحتلال أراضي أجنبية والذريعة التي تستخدم لتبرير الحرب مفبركة أو مختلقة.

ولذلك، نعم، هناك سمات معينة تذكرك بألمانيا النازية.،ولكن بالمقابل على المرء أن يكون حذراً في عقد هذه المقارنات. لأن أحد سمات ألمانيا النازية هي أن النازية كانت وسيلة لإيجاد توظيف في قطاع التصنيع العسكري، ولذلك كانوا يقومون ببناء جيشهم وزيادة النفقات الدفاعية والبنى التحتية وغيرها، وهو ما أوجد عدد كبير من فرص العمل خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي. وصحيح أنه يتحرك باتجاه الأحكام العرفية والدولة البوليسية، وعسكرة المؤسسات المدنية، وكذلك عقود ضخمة للجيش وقدر هائل من الإنفاق العسكري. لكن ما يميز النظام الحالي في أمريكا، حسب نظام التسليح السائد حالياً، فإن ذلك الإنفاق العسكري يوفر عدد ضئيل جداً من فرص العمل.

ولذلك نحن اليوم في سياق الليبرالية الجديدة. فألمانيا النازية لم تتسم بإصلاحات ليبرالة جديدة، وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت البرنامج النازي يجد تأييداً كبيراً في الفترة بين منتصف ونهاية ثلاثينيات القرن العشرين. لأنه كان هناك وعد بإيجاد فرص عمل، وفي النهاية قد تحقق ذلك الوعد في نهاية تلك الثلاثينيات عندما كانت الآلة العسكرية الألمانية في أوجها.

انشقاقات في المؤسسة الأمريكية

جول غاردوسي: لقد كشفت بعض وسائل الإعلام الأمريكية عن إيحاءات بأن البنتاغون تحت إدارة رامسفيلد كان يمارس سيطرة على العمليات السرية أكثر من تلك التي تمارسها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووزارة الخارجية، فكيف تنظر إلى هذه الإيحاءات؟ وهل تشير هذه المسألة إلى أي شيء ذي قيمة فيما يتعلق بالتغيير الذي يحدث في الدولة الأمريكية؟

مايكل تشوسودوفسكي: هناك في العادة نوع من التنافس بين أجهزة الحكومة الأمريكية، وأعتقد أن البنتاغون كان في فترة معينة ينافس للقيام بعملياته الاستخباراتية الخاصة، وفي هذه الحالة على وجه التحديد، قاموا بتنفيذ حملات تضليل تتمثل في زرع قصص إخبارية في وسائل الإعلام. ولذلك، نعم، فهم متورطون في النشاطات الاستخبارية.

ولكن من الناحية الأخرى، لا أرى أن هذا الموضوع هو بالضرورة أمر خطير، فهو مجرد تنافس بين أجهزة الدولة، بين الجيش ووكالات الاستخبارات، وقد تكون بينها تناقضات كبيرة جداً، ولكنها في نهاية المطاف تعمل معاً.

أنظر إلى الشخص المسئول عن المخابرات. إنه جون نيغروبونتي، الذي كان متورطاً في الحرب القذرة في أمريكا الوسطى، ولاسيما في تعزيز فرق الموت شبه العسكرية في هندوراس ونيكاراغوا.

وأعتقد في الواقع أن هذه الأجهزة متنافسة، ولكن أيضاً هناك تعاون نشط فيما بينها، وهي دائماً لديها لجان مشتركة، البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن الوطني وغيرها. ولا أعتقد في واقع الأمر أن هناك أي تغيير يمكن أن يحدث نتيجة لهذه التناقضات. فهي أمور عادية في قطاع الجيش والمخابرات الأمريكي.

جول غاردوسي: لقد كانت هناك مجموعة من الشخصيات الأمريكية البارزة عبرت عن معارضتها لإدارة بوش وطريقتها في إدارة الحرب على العراق، والحرب الأمريكية على الإرهاب. ومن بين هؤلاء جنرالات في الجيش بعضهم متقاعدون وبينما لا يزال البعض الآخر على رأس عمله في المؤسسة العسكرية، وكذلك بعض الوزراء السابقين، بل حتى بعض الأعضاء الحاليين في الكونغرس الأمريكي. يبدو أن هناك انشقاقات داخل الطبقة التي تمارس الحكم في الولايات المتحدة. فما هي من وجهة نظرك الجوانب التي يمكن أن تستفيد منها الحركة المناوئة للإمبريالية للاستفادة من هذه الانشقاقات داخل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة؟.

مايكل تشوسودوفسكي: أعتقد أن هناك أشخاص في الولايات المتحدة، من الديمقراطيين والجمهوريين، يدركون أن إدارة بوش كانت تعكف على صناعة كارثة، خصوصاً في العراق، وكذلك في إيران.

وليس بالضرورة أن يكونوا ضد السياسة الخارجية الأمريكية كما قررتها إدارة بوش، ولكنهم يعتقدون بأن هذه السياسة يجب أن تطبق بأسلوب مختلف، ربما بقدر أقل من الرؤية العسكرية.

لديك أشخاص من أمثال زبيجنيو بريزيزنسكي (Zbigniew Brzezinski) الذين يؤيدون وبقوة توسيع مساحة نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حتى تتمكن من السيطرة على الممر (الأوربي الآسيوي)، واحتياطيات النفط والغاز في المنطقة، غير أن هؤلاء يفضلون سياسة خارجية تخضع للمزيد من التشاور بطريقة ما، بدلاً من شن الحروب والغزوات الشاملة.

ولذلك يقوم أمثال هؤلاء الآن بتقديم أنفسهم كأصوات معتدلة. ولكن لا يعني هذا أنهم بالضرورة في خلاف مع الأهداف الكبرى للامبريالية الأمريكية، والتي تتمثل في واقع الأمر في استعمار المناطق.

ولذلك أنا أرى أن هناك معارضة داخل المؤسسة، ولكن لا أرى أن هذه المعارضة هي بالضرورة ضد مشروع الهيمنة العالمية والعسكرة الذي ظلت تطرحه إدارة بوش.

جول غاردوسي: إذاً هذه الانشقاقات ضمن النخبة الأمريكية الحاكمة لا تشير إلى التخلي عن المشروع الإمبريالي الذي ظلت تمارسه الولايات المتحدة؟

مايكل تشوسودوفسكي: أعتقد أن هذه الاختلافات في السياق الحالي يمكن أن تلعب دوراً هاماً للغاية، لا يمكننا القول أن الأمور لا تتغير.

ما أقصده هو أن هذه الاختلافات في وجهات النظر لا تشكل ثورة كبرى في السياسة الأمريكية. وببساطة أن هناك داخل الطبقة الحاكمة أناس يعتقدون أن إدارة بوش قد سلكت مساراً لا يمكن الدفاع عنه، وهو في النهاية سيقود إلى الكارثة. وعلاوة على ذلك، فذلك المسار لا يخدم الأجندة الأمريكية بطريقة فعالة.

ولذلك فإن الأصوات المعتدلة لا تعني أن الولايات المتحدة قد تحولت فجأة إلى أمة مسالمة، ببين عشية وضحاها، بل هي تعني وبكل بساطة أن هؤلاء يرغبون في إضفاء مسحة إنسانية خفيفة على وجه الإمبريالية. هذه هي المسألة برمتها.

هناك أجندة عسكرية دولية، وهناك خطط للغزو، وهناك خطة لفرض الهيمنة والإفقار، وهناك أناس في أمريكا وداخل المؤسسة الحاكمة يعتقدون بأن هناك طريقة أفضل لفعل ذلك، وهذه هي الطريقة التي أنظر من خلالها إلى هذا الانتقاد. لأن الأشخاص الذين قاموا بتوجيه هذا الانتقاد، ومن بينهم بريزيزنسكي (Brzezinski) هم أنفسهم من مهندسي هذه الأجندة العسكرية.

والديمقراطيون في الواقع لا يملكون وجهة نظر بديلة لتلك التي يطرحها الجمهوريون، ربما يكونون أقل تطرفاً منهم في دفع سياسات معينة، ولكنني لا أعتقد أنهم سيقومون بشيء يختلف كثيراً عما يفعله هؤلاء، إذا ما قدر لهم تشكيل الإدارة القادمة.

ويجب أن لا تنسى أن هناك مؤسسات معينة ستكون متواجدة في جميع الأوقات- وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون وغيرها- بصرف النظر عن الفريق الذي يتولى السلطة، وفي النهاية، إلى أي مدى يمكن لهؤلاء أن يغيروا الأمور. فالأشخاص الذي يتخذون القرارات في النهاية هم لوكهيد مارتن، مقاولي الصناعات الدفاعية وشركات النفط.

إن الكفاح ضد النظام العالمي الجديد يحتاج إلى سيبل مدروسة بعناية. يجب أن تستهدف مقاولي الدفاع، وشركات النفط، ودورها الخفي في تحريك الأجندة العسكرية، ناهيك عن استخدام الحادي عشر من سبتمبر كذريعة لشن الحرب.

جول غاردوسي: بالنظر إلى مشاعر العداء التي لم يسبق لها مثيل تجاه الولايات المتحدة بسبب الحرب على الإرهاب، ما هي احتمالات تطور الانقسام داخل المعسكر الإمبريالي على غرار ما حدث خلال الحرب العامية الثانية، حيث كانت هناك دول التحالف في مواجهة دول المحور؟

مايكل تشوسودوفسكي: تقصد بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وفرنسا وألمانيا من جهة أخرى؟

جول غاردوسي: أو لنقل روسيا والصين؟

مايكل تشوسودوفسكي: الصين وروسيا جزء من المنظومة الإمبريالية، فهي دول ليست لديها أجندة إمبريالية على هذا النحو. ولا أقول بالضرورة أنها لن تكون لديها مثل هذه الأجندة في المستقبل، ولكن من الناحية التاريخية، فإن الاتحاد السوفيتي لم تكن لديه أي أجندة إمبريالية، كما أن الصين لم تكن لديها أجندة إمبريالية هي الأخرى. وعبر تاريخها، فإن الصين لم تتجاوز حدودها.

غير أن ما نحن بصدده الآن هو العلاقة التي توجد داخل التحالف العسكري الغربي، وهذا هو الأخطر. وحقيقة أن هناك انقسامات كبيرة جداً بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وفرنسا وألمانيا من جهة أخرى. أعتقد أن هذا هام للغاية.

ثم أن هناك انقسامات في قطاع التصنيع العسكري، حيث أن قطاع التصنيع العسكري البريطاني مرتبط بنظيره الأمريكي، فشركة أنظمة الطيران البريطانية (BAE) هي في الواقع تنتج لصالح وزارة الدفاع الأمريكيةن وهي تتمتع بذات الامتيازات التي تتمتع بها شركات المقاولات الدفاعية الأمريكي، وذلك بموجب اتفاقية تم توقيعها في عام 1999 في إدارة كلينتون تحت عنوان الجسر عبر الأطلسي.

وهناك أيضاً قطاع التصنيع الدفاعي الأوربي (أي في أوربا القارة) والذي يقوم على تحالف بين ألمانيا وفرنسان والشركة المهيمنة على قطاع التصنيع الدفاعي الأوربي هي شركة (EADES) وهو مشروع مشترك بين (Aerospatiale Matra) و(Deutsche Aerospace).

إذاً هناك انقسام بين ما يمكن أن أسميه المحور الأمريكي الإنجليزي، والذي يشمل الآن أستراليا وكندا كشريكتين كاملتين العضوية، وربما إسرائيل، وربما دولاً أخرى قليلة، جزء من هذه الأجندة، ثم لديك التحالف الفرنسي الألماني.

ولكن عليّ أن أقول أيضاً أن حلف الناتو لا يزال تحت هيمنة الولايات المتحدة. وهذا هو سبب وقوف الناتو خلف الولايات المتحدة وإسرائيل في شن الحرب على إيران.

وفي هذا السياق، كلا الرئيس الفرنسي، والمستشارة أنجيلا ميركل، يقفان بقوة خلف الأجندة العسكرية الأمريكية فيما يتعلق بإيران.

ولذلك، نحن أمام حالة لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحول بالحرب على العراق، حيث كانت فرنسا وألمانيا تقفان ضد المحور الإنجليزي الأمريكي.

المصدر: http://www.globalresearch.ca/index.php?context=va&aid=2769

1
8793
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني