مستقبل العلاقات التركية العراقية في ضوء فوز حزب العدالة و التنمية التركي

بسم الله الرحمن الرحيم

نــــدوة المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية

 (( مستقبل العلاقات التركية العراقية في ضوء فوز حزب العدالة و التنمية التركي  ))

 

نظم المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية ندوة خاصة بعنوان  (( مستقبل العلاقات التركية العراقية في ضوء فوز حزب العدالة و التنمية التركي  )) شارك فيها نخبة من الباحثين المختصين في الشأن التركي .

و لأهمية الموضوع حرص المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية على نشر البحوث المشاركة وهي :

1.د. وصال العزاوي .

2. د.باسل حسين .

3. د.سعد المشهداني .

4. ا.مصطفى الكبيسي .

5. ا.نزار السامرائي .

6. ا.علاء لفتة موسى .

 

في ضوء نجاح حزب العدالة والتنمية التركي ... هل يكون شاهد على العصر ؟

د.وصال العزاوي

 

 «نحن لانحتاج في تركيا إلى مزيد من المشايخ أو علماء الدين، وإنما نحتاج إلى رجال سياسة ماهرين وشرفاء».

رجب طيب اردوغان  

رئيس وزراء تركيا    

 

تمهيــــد

 مما لاشك فيه ان  الانتخابات التشريعية الأخيرة  في تركيا، كانت بمثابة فتح  الباب لإعلان ميلاد جديد لتركيا يرسى أساس جمهوريتها الثانية، التي تنتقل بها من ولاية العسكر إلى ولاية الأمن .. ومن الاتاتوركية الى الاردوغانية .. ومن انموذج العلمانية الكمالية  الى الإسلامية الديمقراطية الاردوغانية .

(1)

نتائج الانتخابات التركية

بدايةً هذه هي النتائج الانتخابية مقارنة بنتائج 2007:

1-  حزب العدالة و التنمية:  326 مقعداً في 2011 مقابل 331 مقعداً  ذلك في في 2007 و نسبة 49,9 في 2011 مقابل 46,5 في 2007.                         (الرقم الرسمي هو 341 و لا أعلم سبب الاختلاف في المصادر لكن غالبا كان الرقم 331 بدون إضافة المقاعد الــ 10 الإضافية و التي ربما تكون مقاعد شاغرة بالبرلمان تقاسمها الرقم مع حزب الشعب بواقع 10 لكل منهما و التي تجعله 341 في 2007).

2-حزب الشعب الجمهوري:  135 مقعداً في 2011 مقابل 102  مقعد في 2007 و نسبة 25,9 في 2011 مقابل 20,9 في 2007.                                     (الرقم الرسمي هو 102 و لا أعلم سبب الاختلاف في المصادر لكن غالبا كان بدون إضافة المقاعد الــ 10 الإضافية و التي هي غالبا مقاعد شاغرة بالبرلمان تقاسمها الرقم مع حزب العدالة و التنمية بواقع 10 لكل منهما و التي تجعله 112 مقعداً في 2007)

3-  حزب الحركة القومية 53 مقعد في 2011 مقابل 72 مقعد في 2007 و نسبة 12,9في 2011 مقابل 14,3 في 2007.

4-  الأكرد المستقلون  حصلوا في 2007 على 20 مقعداً مستقلاً و في 2011 على 36 مقعداً  بنسبة تزيد على 15% من المجلس.

(2)

تحليل النتائج

هذه هي الانتخابات البرلمانية الثالثة التي يخوضها حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه في 2001. جرت الأولى في العام الثاني للتأسيس، والثانية في 2007، وجرت هذه الدورة بعد أن أُقِرّ تعديل دستوري جعل الدورة البرلمانية أربع سنوات فقط. خاض الانتخابات زهاء العشرين حزبًا، أهمها العدالة والتنمية، الحزب الحاكم منذ 2002؛ وحزب الشعب الجمهوري، الذي يمثل المعارضة الرئيسية، وحزب الحركة القومية، المعارض هو الآخر من موقع قومي راديكالي، وكتلة حزب السلام والديمقراطية الكردية، التي خاض مرشحوها الانتخابات كمستقلين ويُتوقع أن تعلن كتلة برلمانية واحدة بمجرد انعقاد البرلمان.

لم يكن من المتوقع أن يستطيع أي من الأحزاب الصغيرة الأخرى تحقيق شرط الحصول على 10 بالمائة من الأصوات، الضروري لدخول البرلمان؛ وهو ما حدث بالفعل.

ولكن الملاحظ أن حزب العدالة والتنمية عمل منذ بداية الحملة الانتخابية على استهداف حزب الحركة القومية، آملاً أن يخفق هذا الحزب في تخطي عتبة العشرة بالمائة؛ مما يجعل حصة العدالة والتنمية من مقاعد البرلمان تبلغ أكثر من 367 مقعدا، رقم الثلثين السحري الذي يسمح بإقرار مسودة الدستور المرتقب بدون اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي.

جرت الانتخابات في ظل أجواء وتبعًا لإجراءات أكثر ديمقراطية وحرية مما عرفته الانتخابات التركية منذ التحول الديمقراطي قبل أكثر من ستين عامًا، بحيث سمح للمواطنين بالإدلاء بأصواتهم بمجرد تقديم بطاقة هوية رسمية، وهو ما وصل بعدد المقترعين إلى ما يقارب الخمسين مليونًا. وقد تنافس أكثر من 7600 مرشح على 550 مقعدًا، الذي هو  مجمل مقاعد البرلمان، أو المجلس الوطني الكبير.

وبخلاف الانتخابات البرلمانية السابقة منذ بروز حزب العدالة والتنمية على المسرح السياسي، غاب عن الحملة الانتخابية هذه المرة جدل "العلمانية"، و"الخوف على مستقبل الجمهورية وقيمها"، بعد أن أصبح عجز الأحزاب المعارضة واضحًا عن دحر العدالة والتنمية بمثل هذا الخطاب و بدلاً من ذلك، سيطرت مسائل الاقتصاد والتنمية والبطالة والتوزيع العادل للثروة، وفوق ذلك الدستور الجديد المرتقب، على ساحة التدافع السياسي. كما لعبت شخصيات القيادات الحزبية الرئيسية الثلاث: أردوغان وكمال كاليشدار أوغلو ودولت بهشلي، دورًا ملموسًا في التنافس على أصوات الناخبين. وقد دفع حزب العدالة والتنمية بقوة هائلة من أجل تحقيق مكاسب في المناطق الساحلية الغربية للأناضول، التي اعتُبرت دائمًا معقل حزب الشعب الجمهوري، و يُعتقد أن شريحة من مصوتي هذا قد صوتت تكتيكيًا في بعض الدوائر لصالح حزب الحركة القومية، في مسعى لتعزيز فرصه في العودة للبرلمان، وحرمان العدالة والتنمية من فرصة الحصول على ثلثي المقاعد.

(3)

رؤى جدلية حول حزب العدالة والتنمية التركي

منذ تأسيس حزب العدالة والتنمية قبل سنين معدودة أثارت تجربة هذا الحزب  الجدل الكبير بين السياسيين والمثقفين، ونالت النصيب الوافر من الاهتمام الإعلامي ليس على صعيد الحياة السياسية التركية فحسب، بل ايضاً على مستوى العالم العربي والغربي على السواء. ويعود هذا الاهتمام الكبير بتجربة الحزب لجملة من الأسباب الرئيسية أبرزها أن الحزب قد أعاد هيكلة شعاراته وأفكاره بشكل بنيوي متخليا عن اللافتة الإسلامية، إذ صنّف قادة الحزب هويته الفكرية والسياسية ضمن تيار يمين الوسط على غرار الأحزاب الأوروبية المحافظة.
وساهمت الظروف الدولية التي التقطها قادة الحزب بذكاء شديد في وجود إرادة دولية لضرورة فتح المجال للحزب في الوصول إلى الحكم، وعدم وأده من قبل العسكر، الأمر الذي اعتبر بمثابة الفرصة لاختبار إمكانية التعايش والتوافق بين أحزاب إسلامية [ معتدلة ] وبين الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، من خلال شروط معينة تلتزم بها هذه الأحزاب في توجهاتها الفكرية والسياسية . خاصة بعد أحداث أيلول وإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب وبالتحديد حركات الإسلام الجهادي ، الأمر الذي استثمره قادة الحزب إلى أبعد مدى من خلال تسويق أنفسهم كمسلمين معتدلين يمكن أن يشكلوا نموذجا معتدلا يجسر الفجوة بين الإسلام والغرب ، ويعمل على تصحيح الصور النمطية المتبادلة بين الطرفين .
ولم يمض وقت طويل على الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققه الحزب وتشكيله لحكومته، حتى بدأت كثير من الدعوات في العالم الغربي والإسلامي التي تطالب بتعميم تجربة حزب العدالة كنموذج لـ"الاعتدال" في الإسلام، والذي يمتلك مقومات وشروط الحوار بل والتعايش الفعال مع الغرب بشكل عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص، في حين تجاسر عدد كبير من الكتاب والمثقفين على إطلاق مصطلح "العلمانية المؤمنة" على أيدلوجيا الحزب وتوجهاته السياسية، وبدأ هذا الحزب يأخذ بعدا جديدا في الجدل الدائر في العالم العربي والإسلامي، خاصة الجدل الدائر بين التيارات الإسلامية والعلمانية المختلفة .

 

(4)

مؤشرات على تصاعد قوة إردوغان  

ثمة عدد من المؤشرات تضافرت لنجاح رجب طيب  إردوغان في حسم أغلب التحديات التي واجهته داخلياً لصالحه  وكما رصدته احدى تقارير دراسات موقع الجزيرة وفيما يلي  أبرزها:

  1. ساعد إخلاص وتصميم وكيل واحد من  النيابة العامة منذ 2006 على  الكشف التدريجي عن جزء كبير من التنظيمات السرية التي عششت طويلاً في جسم الدولة التركية، والتي تعرف الآن بشبكة الأرغنكون، سواء في المؤسسة العسكرية والأمنية، أو في أوساط القضاة والصحفيين والإداريين الأتراك. وقد أدى الكشف المستمر عن الأرغنكون والجرائم السياسية العديدة التي ارتكبها أعضاؤها إلى تقديم أعداد متزايدة من أعضاء الشبكة للقضاء، وإثارة الخوف في أوساط آخرين، بما في ذلك بعض من كبار الضباط العاملين في قيادة الجيش.
  2. قامت دوائر العدل والقضاء التركية (بتوجيه من رئيس الحكومة على الأرجح)، وسط الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية، التي طالت تركيا أيضاً، بوضع مجموعة دوغان الإعلامية الضخمة وواسعة النفوذ تحت التدقيق والمساءلة. وقد انتهت العملية بتوجيه اتهامات تهرب هائل الحجم من الضرائب للمجموعة، تصل إلى أكثر من أربعة مليارات ليرة تركية (أكثر من ثلاثة مليارات دولار). وتعتبر مجموعة دوغان، التي تملك صحفاً يومية نافذة مثل حرييت وملييت وراديكال، والعديد من الدوريات الأخرى، وعدة قنوات تلفزية، ووكالة أنباء، قلعة المعارضة العلمانية ، كما تمثل خصماً لدوداً لإردوغان وحكومته و لم تزل قضية مجموعة دوغان موضع تحقيق أمام القضاء، حتى أخذت أسهمها في الانهيار، وأصبح واضحاً أن مالكها الرئيس سيلجأ إلى بيعها كمجموعة، أو سيضطر إلى تفتيتها وبيع أغلب مؤسساتها.
  3. بالرغم من المخاوف التي أحاطت بالاستفتاء على حزمة التعديلات الدستورية في سبتمبر/ أيلول الماضي، فقد صمم إردوغان على التعديلات وعرضها على الاستفتاء. ولأن إردوغان قاد بنفسه الحملة الشعبية لتمرير التعديلات في العشرات من التجمعات الجماهيرية، فإن النجاح في الاستفتاء اعتبر نجاحاً لسياسة حكومته وله شخصياً.
  4. تضمنت التعديلات الدستورية ثلاثة إصلاحات رئيسية لمؤسسات الدولة التركية، تصب كلها في صالح حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتسهم في إضعاف النخبة العلمانية التقليدية ونفوذها في دوائر الدولة والحكم:
  • تضع التعديلات الدستورية الجيش تحت سلطة الحكم المدني، وتعطي القضاء المدني الحق في محاكمة العسكريين، سواء على جرائم سابقة أو لاحقة و بذلك يمكن القول أن الجيش عاد إلى ثكناته للمرة الأولى منذ انقلاب 1960 الدموي.
  • تعيد التعديلات الدستورية بناء مجلس القضاء الأعلى وتزيد من عدد أعضائه، وهو المؤسسة صاحبة السلطة في نقل وتعيين وترقية القضاة ووكلاء النيابة، وأحد قلاع النخبة العلمانية التقليدية. وقد أظهرت الانتخابات الجزئية للمجلس الجديد التي جرت هذا الشهر، أن 10 من المرشحين الـى 11 الذين تدعمهم وزارة العدل قد حصلوا على عضوية المجلس.
  • توسع التعديلات من نطاق عضوية المجلس وتعيد بناء المحكمة الدستورية العليا، أعلى سلطة قضائية في الدولة التركية، والتي ظلت لعقود سيفاً في يد النخبة العلمانية الجذرية ضد كافة القوى السياسية الجديدة. ولم تتم بعد عملية إعادة بناء المحكمة الدستورية، التي يتوقع أن تصب أيضاً لصالح حكومة العدالة والتنمية.
  1. كشف الاستفتاء الخاص  بالتعديلات الدستورية عن اضطراب كبير في صفوف حزبي المعارضة الرئيسيين، الحزب القومي وحزب الشعب الجمهوري؛ فبينما رأت قطاعات من قاعدة الحزبين الشعبية أن التعديلات الدستورية تدعم الديمقراطية والحريات والعدالة في البلاد، وقفت قيادتا الحزبين ضد التعديلات. وقد عمل هذا الاضطراب على إضعاف الحزبين، وعزز من شعبية حزب العدالة والتنمية. وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن شعبية العدالة والتنمية تجاوزت الـ 50 بالمائة، وهي المرة الأولى منذ سنة 2002.
  2. صدقت  تقديرات الحكومة لخروج تركيا من الأزمة المالية – الاقتصادية في النصف الثاني من 2010 فعلا. وتشير التوقعات الآن إلى أن الاقتصاد التركي سينمو هذا العام بنسبة 7 بالمائة، أي أعلى بكثير من كل الاقتصاديات الأوروبية الرئيسية، بينما تجاوز معدل نمو الصادرات التركية في أكتوبر/ تشرين أول 10 بالمائة للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية.
  3. انتهز إردوغان النجاح الكبير الذي حققه في الاستفتاء الخاص  بالتعديلات الدستورية لفتح ملف مراجعة استراتيجية الدولة التركية، التي تعرف بـ "الكتاب الأحمر"، وهي تعتبر المرجعية الرئيسة لعمل المؤسسة العسكرية وأنماط تدريبها وتسليحها، ولسياسة الدولة الخارجية ورؤيتها لطبيعة التهديدات الداخلية والخارجية على السواء. وبالرغم من أن الاستراتيجية هي وثيقة سرية، فالمعتقد من خلال التسريبات الصحفية أن النسخة الجديدة التي أقرها مجلس الأمن القومي التركي في أكتوبر/ تشرين أول المنصرم تضمنت تصنيف التسلح النووي الإسرائيلي والإيراني باعتبارهما مصدر تهديد، مع الإشارة إلى أن "انعدام استقرار المنطقة بسبب النشاط الإسرائيلي، وسياساتها (أي إسرائيل) التي قد تسبّب سباق تسلُّح في المنطقة، تهديدان لتركيا". وقد أزالت الاستراتيجية الجديدة سوريا وإيران وبلغاريا وجورجيا وأرمينيا، والأهم من ذلك كله، روسيا، من لائحة الدول التي تعد تهديداً خارجياً لتركيا. ويعتقد إضافة إلى ذلك، أن الاستراتيجية الجديدة ألغت الإشارة السابقة إلى "خطر الرجعية الدينية" على الأمن القومي التركي، وهو التعبير العام السابق للتيار الإسلامي في البلاد، وأدخلت بدلاً من ذلك مصطلحاً يحصر التهديد في "المجموعات الراديكالية التي تستغل الدين" والتي يطالها قانون العقوبات التركي أصلاً و تمثل الاستراتيجية الجديدة باختصار إصلاحاً جوهرياً لمفهوم الأمن القومي التركي، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي، وتضع نهاية لتصورات الأمن القومي المرتبطة بالحرب الباردة، أو بسيطرة فئة علمانية – كمالية صغيرة على الحكم

(5)

حسم جدلية التناقض بين الاسلام والعلمانية

استطاع حزب «العدالة والتنمية» التركى الحاكم، أن يفند فرضية التناقض بين الإسلام والعلمانية، ضارباً مثلاً يحتذى به فى تفاعل الحركة الإسلامية مع الزمان والمكان بما يكفل ترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة، حيث إنه تمكن من تجديد نفسه بشكل يتوافق مع متطلبات العصر ليصبح حزباً إصلاحياً معبراً عن «تيار الوسط التركى الجديد».
فبعدما عانت تركيا فى التسعينيات من عدم الاستقرار السياسى إثر توالي عدد كبير من الحكومات الائتلافية من أحزاب سياسية ذات اتجاهات متعارضة، داهمت البلاد عام 2001، واحدة من كبرى أزماتها الاقتصادية، الأمر الذى أتاح لاحقاً لـحزب «العدالة والتنمية» الذى تم تأسيسه فى العام نفسه، أن يسطع نجمه فى انتخابات 3 نوفمبر 2002، ليحصل على 34% من أصوات الناخبين، ويكون بذلك أول حزب إسلامي الجذور يتمكن من الانفراد بالسلطة منذ إعلان الجمهورية العلمانية فى تركيا عام 1923، ويرجع السبب فى ذلك إلى ارتباط اسم حزب «العدالة والتنمية» باسم زعيمه ومؤسسه رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء الحالي، الذى اكتسب سمعة طيبة عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول، فحصل على ثقة الناخبين الذين كانوا يطمحون إلى محاربة الفساد وإنقاذ الاقتصاد ودعم الاستقرار السياسى.
وأسهمت عدة عوامل أيضاً فى نجاح تجربة «العدالة والتنمية» واستمرارها حتى الوقت الحالى ولـ10 أعوام متوالية، منها إفلاس النخبة السياسية العلمانية وافتقادها النهج السياسى الواضح، فضلاً عن تجنب أردوغان مواجهة التطرف العلماني بتطرف إسلامي، الأمر الذى منح تجربته أفضل فرص حياة مقارنة بتجربة نجم الدين أربكان الذى سبقه بطرح مشروع إسلامي لقيادة تركيا، لكن مصيره آل إلى الفشل، فقد انتهج أردوجان خطا أكثر اعتدالاً لإدراكه أن استغراق التيارات الإسلامية فى المحافظة هو وصفة للفشل فى اختبار الحكم.
وقد أجرى حزب «العدالة والتنمية» إصلاحات بارزة فى الداخل لتعزيز الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وقلص من صلاحيات المؤسسة العسكرية القوية ووسع هامش الحريات واعتمد بعض الإصلاحات فى المؤسسة القضائية ذات النفوذ الواسع، وهى الخطوات التى فتحت شهية الاتحاد الأوروبى لإعلان بدء المفاوضات المباشرة بشأن عضوية تركيا فى الاتحاد فى 2004.
وقد حاول الجيش والعلمانيون عرقلة مسيرة حزب «العدالة والتنمية» للإصلاح عبر التخطيط لمحاولات انقلابية عدة، لكن إرادة الإصلاح وسلطة المدنيين كانتا أقوى، ولم يخذل الشعب رئيس الوزراء الحالي فى أي انتخابات أو استفتاء منذ 2002. وقد ساعد هذا المناخ من الاستقرار السياسي على دفع عجلة التنمية الاقتصادية ورفع معدلات النمو وتعزيز التجارة الخارجية، مما جعل الاقتصاد التركي يحتل المرتبة رقم 17 فى العالم.
وفى الوقت نفسه، أسهمت سياسة حزب «العدالة والتنمية» الخارجية فى تحويل تركيا إلى لاعب أساسي في الساحتين الإقليمية والدولية، وذلك باتباع مبدأ «تعدد البعد»، أى أن تنتمى تركيا إلى عوالم متعددة من البلقان إلى القوقاز وآسيا الوسطى ومن الشمال إلى العالم الإسلامي والشرق الأوسط، فضلاً عن طموحها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وتقول صحيفة «دار الخليج» الإماراتية إن تركيا اعتمدت سياسة «تصفير المشكلات» على المستوى الخارجى، أي إقامة علاقات جيدة مع كل جيرانها وحل المشكلات، مما جعلها بمثابة «نقطة جذب» لكل القوى.هكذا إذاً يتضح جلياً أن التحول التدريجي من العلمانية الأتاتوركية غير الليبرالية إلى العلمانية الليبرالية، التي يحاول جاهداً حزب التنمية والعدالة إرساءها، هو سبب قصة نجاحها وتفوقها النسبي، وهو سبب دعم شرائح عريضة من المجتمع ضد العلمانية غير الليبرالية «المؤدلجة»… هذا هو الدرس المستفاد من التجربة الناجحة نسبياً لحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، والذي أضحى فهمه عصياً على اختراق الذهنية المنغلقة لدينا التي تخلط بجهل مركب (أي الجهل بالجهل) بين أنواع العلمانيات التي يضعونها جميعا في سلة واحدة، ويضربون بذلك مثال تركيا على سقوط العلمانية وإقصائها للأحزاب الإسلامية التي انقلبت عليها وهزمتها شر هزيمة. فهل يدرك هؤلاء حقيقة أنه من الممكن أن توجد علمانية دون ليبرالية، ولكن لا يمكن إطلاقاً أن تكون هناك ليبرالية دون علمانية، إذ لا يمكن أن تستقيم الليبرالية مع انحياز الدولة لفئة أو طائفة معينة أو أن تميز بين المواطنين على أساس الدين أو الطائفة، وتفرض رؤاها قسراً على الأقليات… تلك هي العلمانية الليبرالية المتسامحة التي تعني حسب صادق العظم «الحياد الإيجابي للدولة إزاء الأديان والمذاهب والطوائف والفرق الدينية»، .

(6)

كاريزماتية الشيخ الرئيس رجب طيب اردوغان

من هو رجب طيب اردوغان ؟

ولد أردوغان في 26 فبراير 1954 في اسطنبول. لأسرة من أصل جورجي[1]، أمضى طفولته المبكرة في جزيرة على البحر الأسود ثم عاد مرة أخرى إلى اسطنبول و عمرهُ 13 عاماً.
وقد نشأ أردوغان في أسرة فقيرة فقد قال في مناظرة تلفزيونية مع دنيز بايكال رئيس الحزب الجمهوري ما نصه: "لم يكن أمامي غير بيع البطيخ والسميط في مرحلتي الإبتدائية والإعدادية؛ كي أستطيع معاونة والدي وتوفير قسم من مصروفات تعليمي؛ فقد كان والدي فقيرًا"، وأتم تعليمه في مدارس "إمام خطيب" الدينية ثم في كلية الاقتصاد والأعمال في جامعة مرمرة.
جاء رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان من رحم المؤسسة الدينية في تركيا، فهو خريج مدرسة دينية، كما أنه بدأ العمل السياسي من خلال التيار الإسلامي الذي قاده نجم الدين أربكان، لكنه كان يحاول منذ فوزه بالحكومة في عام 2002 التأكيد على أنه لا يمثل حزبا دينيا، ولا يريد بناء دولة ديمقراطية تفصل بين الدين والدولة كما في أوروبا ولا تسيطر فيها الدولة على الدين كما هو حال العلمانية التركية.
انخرط أردوغان في سن مبكرة في حزب السلامة الوطنية الذي أسس عام 1972 بزعامة أربكان، وظل عضوا في حزبي الرفاه ثم الفضيلة اللذين شكلهما أربكان إثر موجات الحظر التي كانت تطال أحزابه، وفي عام 1985 أصبح أردوغان رئيسا لفرع حزب الرفاه الوطني في إسطنبول، وفي عام 1994 فاز برئاسة بلدية إسطنبول.
خلال فترة رئاسته بلدية إسطنبول حقق أردوغان إنجازات نوعية للمدينة، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة في عموم تركيا، لكن هذه الشعبية لم تشفع له حينما خضع لإجراءات قضائية من قبل محكمة أمن الدولة في عام 1998 انتهت بسجنه بتهمة التحريض على الكراهية الدينية ومنعه من العمل في وظائف حكومية ومنها طبعا الترشح للانتخابات العامة.
كان سبب كل هذه العقوبات ما قاله أردوغان في خطاب جماهيري في نفس العام، حيث اقتبس أبياتا من الشعر التركي تقول (مآذننا رماحنا والمصلون جنودنا).
لم توقف هذه الحادثة طموحات أردوغان السياسية، لكنها ربما تكون قد نبهته إلى صعوبة الاستمرار بنفس النهج الذي دأب أستاذه أربكان على اعتماده، لذلك فهو اغتنم فرصة حظر حزب الفضيلة لينشق مع عدد من الأعضاء ومنهم وزير خارجيته الحالي عبد الله غل ويشكلوا حزب العدالة والتنمية في عام 2001.
منذ البداية أراد أردوغان أن يدفع عن نفسه أي شبهة باستمرار الصلة الأيديولوجية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدة، فأعلن عن أن حزب العدالة والتنمية سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية وقال "سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا".
بدا أن أردوغان حاول إمساك العصا من الوسط مقدما شكلا جديدا من الوسطية التي ستكون سببا في فوز حزبه بالأغلبية في انتخابات عام 2002 الأمر الذي جعله يشكل الحكومة منفردا برئاسة عبد الله غل بدلا من أردوغان الذي كان لايزال خاضعا للمنع القانوني.
بعد شهور تم تعديل الدستور للسماح بتولي زعيم الحزب أردوغان منصب رئاسة الوزارة الذي حاول خلال ولايته التأكيد على نهجه الوسطي، فكان يصرح بأن حزبه "ليس حزبا دينيا بل حزبا أوروبيا محافظا" كما أنه دأب على انتقاد ما قيل إنه (استغلال الدين وتوظيفه في السياسة)، وأكد على أنه لا ينوي الدخول في مواجهة مع العلمانيين المتشددين وحتى استفزازهم.
في الوقت ذاته ألقى أردوغان بثقله باتجاه قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي و لم يكن ذلك التوجه فقط لإقناع العلمانيين بأنه ليس نسخة من أربكان و لكنه أدرك أيضا أن مثل هذه العضوية ستضع تركيا في فلك الديمقراطية الأوروبية التي ترفض أي دور للعسكر وتمنح الناس حرية التدين أو عدمه وهما أمران يمثلان ضربة قوية لجوهر النظام العلماني التركي الذي يمنح الجيش صلاحيات واسعة ويسيطر على التدين وأشكاله.

وعلى الرغم من أن أردوغان تحاشى أي استفزاز للقوى العلمانية -حتى أنه أرسل ابنته المحجبة إلى أميركا لتدرس هناك بسبب رفض الجامعات التركية قبول طالبات محجبات- فإن ذلك لم يحل دون حديث العلمانيين عن وجود (خطر رجعي) قال قائد الجيش التركي إنه "وصل إلى مستويات قلقة".
وحتى مع عدم اتهام أردوغان مباشرة بالرجعية فإن الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر -وهو من أشد المدافعين عن العلمانية- اتهم حكومة أردوغان بمحاولة أسلمة كوادر الدولة العلمانية قائلا إن التهديد الأصولي بلغ حدا مقلقا، الأمر الذي رد عليه أردوغان بحدة قائلا إن "من حق المؤمنين في هذا البلد أن يمارسوا السياسة".

ان الاهتمام الشعبي والعربي والإسلامي، ومعه الاحتفاء بالتجربة التركية، لايزال ينبع مما يمكن تسميته بعملية (الانبهار) بالأداء والإنجاز السياسي لحكومة العدالة والتنمية. وأحياناً بالمواقف الرمزية والإعجاب بالشخصية الجذابة (الكاريزماتية) لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان.
ما من شكٍ أن للكاريزما والمواقف الرمزية دورها في عالم السياسة، بل إنها تشكل عنصراً هاماً في هذا العالم، خاصةً حين تكون الرؤية السياسية والمنظومة المبنية عليها مدروسة ومحترفة ومتوازنة.

(7)

قراءة في كتاب :

"الشيخ رجب طيب اردوغان .. مؤذن اسطنبول ومحطم الصنم الاتاتوركي "
   

 يحاول كتاب "الشيخ الرئيس رجب طيب أردوغان.. مؤذن إسطنبول ومحطم الصنم الأتاتوركي"، للكاتب الصحافي المصري شريف سعد الدين تغيان، الإجابة عن السؤال الذي يشغل الكثيرين، وهو لماذا "أردوغان" تحديداً نجح فيما فشل فيه الكثيرون من القادة حيث جمع بين حب واحترام وإعزاز الجماهير في مختلف دول العالم الإسلامي وتقدير واستحسان قادة نفس العالم ممن جاء أغلبهم للحكم إما عبر دبابة أو انتخابات مزورة، في الوقت الذي كان طريق أردوغان للسلطة مليئاً بعقبات الديمقراطية العلمانية؟ 

والإجابة كما جاءت في الكتاب: إن الرجل كان مختلفاً، منذ نشأته الأولى ودراسته و"جهاده" لتأسيس حزبه الحالي العدالة والتنمية، حيث كان هذا ينبئ بالاختلاف عمن سبقوه في حكم تركيا، وعمن قاموا بأدوار في منطقة الشرق الأوسط، كما أنه منذ أن بدأ يحبو في عالم السياسة لم يستح من إظهار أن لديه مشروعاً كبيراً لن يبني به مجداً شخصياً بقدر ما سيعود بالنفع على تركيا عامة، وقد كلفه ذلك السجن والتضييق والملاحقة، وعوضاً عن الاستسلام واصل الثبات على مواقفه.

وحاول تغيان في مقدمة كتابه، أن يقدم فهماً عن كيفية إعادة الأتراك إنتاج وتصدير زعيم واعد للأمة الإسلامية، لذا فكان لا بد من مراجعة مسيرة "أردوغان" من خلال تقديم عرض شامل لكل ما واجهه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، من أجل الوصول إلى مرتبة الزعامة، بداية من نشأته وصعود نجمه، ومشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي المُلَهم، مروراً بالتحديات الداخلية التي واجهها من أجل تحطيم الصنم الأتاتوركي، وإرساء طبعة جديدة من الإسلام السياسي، وصولاً إلى ولادة الجمهورية الثانية على أيديه بنجاح دون إطلاق رصاصة واحدة، ومدى تأثير سياساته الخارجية في تطوير مستوى علاقات تركيا بالدول العربية والإسلامية بعد فترة انقطاع، إضافة إلى إعادة تقييم علاقات تركيا الأتاتوركية مع الحليف الأميركي، وتابعه الصهيوني.

هذا غير تضمين الكتاب لعدد من مظاهر التأييد الشعبي والرسمي العربي والإسلامي لجهود أردوغان في دعم القضية الفلسطينية بالوثائق والصور.

وقد قسم تغيان الكتاب إلى سبعة أبواب، حيث احتوى الباب الأول "النشأة والصعود"  فصلين، أولهما بعنوان نشأة الشيخ رجب، والثاني بعنوان صعود نجمه، أما الباب الثاني "سياسة مؤذن إسطنبول" فقد احتوى ثلاثة فصول، الأول بعنوان أردوغان مُصلِح السياسة الداخلية التركية، والثاني أردوغان ورفاقه في ملعب الاقتصاد، والثالث بعنوان مبادرات أردوغان لحل المسألة الكردية، وقد جسد الباب الثالث "تحطيم الصنم" طبيعة التحديات التي نجح أردوغان في التغلب عليها، وقد قسم إلى فصلين أولهما بعنوان مواجهة العسكر، والآخر بعنوان عودة الإسلام التركي، وجاء الباب الرابع "الثورة الأردوغانية" ليؤرخ ما نجح أردوغان في ترسيخه لينهي عقوداً من النظام الأتاتوركي بانقلاب دستوري كما جاء عنوان الفصل الأول من الباب، أما الفصل الثاني فهو يمثل إعلاناً لولادة الجمهورية الثانية، كما جاء عنوانه.

ويعد الباب الخامس "من الحلم الأوروبي إلى الواقع الإسلامي" من أهم أبواب الكتاب وأكثرها تفصيلاً، حيث يحوي الباب  ثلاثة فصول، الأول بعنوان السياسة الخارجية التركية، والثاني بعنوان داعم الحقوق العربية، حيث يقدم الكاتب فيه نظرة عامة عن علاقات تركيا "أردوغان" بعدد من الدول العربية (كنماذج لتلك العلاقات)، بداية من علاقة تركيا بالقضية الفلسطينية، ومروراً بعلاقات تركيا بكل من سوريا والعراق ومصر ودول الخليج، نهاية باستشراف مستقبل العلاقات العربية التركية.

ويعرض الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان الامتداد التركي إلى قارات العالم، لأهم مظاهر توسيع تركيا لدبلوماسيتها من خلال علاقاتها بعدد من الدول، بدءاً من إيران وما تثيره تلك العلاقة الثنائية من دلالات تاريخية واستراتيجية، ومروراً بالعلاقات الجيدة التي تجمع تركيا بكل من الصين والبرازيل ودول البلقان وروسيا ودول العالم التركي التي ظهرت إثر تفكك الاتحاد السوفيتي، والمصالحة التاريخية التي جمعت بين تركيا وأرمينيا.

ويأتي الباب السادس "من الشراكة إلى الصدام"، ليؤكد أن تركيا "أردوغان" لم تعد هي تركيا القديمة التي نعرفها؛ حيث توترت علاقاتها مع الحليف الأميركي، وساءت علاقاتها مع العدو الصهيوني، وقد جاء الفصل الأول تحت عنوان "شوكة" في حلق الحليف الأميركي، أما الثاني فبعنوان أردوغان صائد الذئاب، حيث يقدم فيه المؤلف صورة شاملة لكافة مراحل العلاقات التركية الإسرائيلية، من التحالف الاستراتيجي إلى العداوة السياسية المعلنة.

ويختتم المؤلف كتابه بالباب السابع الذي يتضمن عدداً من خطب أردوغان البارزة، إضافة إلى فصل من الصور المتنوعة عن أهم مراحل أردوغان الحياتية والسياسية.

في الأخير يحاول هذا الكتاب أن يقدم تحليلاً لظاهرة أردوغان، وهي ظاهرة تتخطى "السياسي" إلى "التاريخي" و لا يمكن فهمها، من الوجهة الفلسفية التاريخية، إلا بصفة التقويم التاريخي والجدلي للتناقض بين تركيا العثمانية وتركيا الكمالية، والذي فيه نرى تركيا تعود إلى الماضي، ولكن عودة مختلفة من حيث النوع والجوهر، فتركيا أردوغان، أو تركيا الثالثة "لا العثمانية ولا الأتاتوركية وبما يؤسس لتركيا ثالثة جديدة، تقوم على الجمع والتركيب والتأليف بين كل ما هو إيجابي وضروري ومفيد في العهدين المتناقضين تركيا العثمانية وتركيا الكمالية"، تعود إلى الفضاء العربي الإسلامي، محتفظة، في الوقت نفسه، بكل ما هو جدير بالبقاء من عهدها الكمالي، كالديمقراطية والعلمانية والروح القومية.

كل الأضداد، التي عرفتها تركيا في عهديها السابقين المتناقضين، أي في عهدها العثماني وعهدها الكمالي، نراها الآن، في هذا التركيب الأردوغاني، وقد اعتدلت بعد تطرف، وكأنها في صلح وتصالح، فهي، أي تركيا الثالثة، إسلامية، ولكن في اعتدال، وهي علمانية، ولكن في اعتدال، وهي قومية، ولكن في اعتدال، وهي غربية أوروبية، ولكن في اعتدال، وهي شرقية، ولكن في اعتدال.

ولقد عرف أردوغان (وهنا مكمن عبقريته السياسية بوجهيها الإستراتيجي والتكتيكي) كيف ينتزع الرايات، والأسلحة، من أيدي العسكر، وأشباههم من الأحزاب والقوى السياسية، مؤسسا لحكمه وقيادته، كلما نمت هذه القيادة واتسعت اضمحلت وتضاءلت، في الوقت نفسه، وفي القدر نفسه، القاعدة الشعبية للكمالية، بوجهيها العسكري والمدني.

أردوغان الآن هو القومية التركية التي تتخذ من الكراهية لإسرائيل، وليس من الكراهية للعرب، وقودا لها وغذاء، وهو الآن مثلث التصالح التاريخي بين الإسلام والقومية والعلمانية، فالعداء لأردوغان الظاهرة هو عداء للإسلام، بمعنى ما، وللقومية التركية، بمعنى ما، وللعلمانية والديمقراطية، بمعنى ما.

فها هى تركيا، دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، يخرج منها الرجل الذي حول تركيا من "رجل أوروبا المريض" إلى "رجل العالم المتعافي".

وعلى نحو مثير لم تشهد تركيا تغييراً في جوهر الهيكل السياسي والاجتماعي، في مثل هذا العمق، الذي أحدثه أردوغان، منذ أيام مصطفى كمال، ويذهب كثير من الأتراك إلى أن البلاد لم تعرف بعد زعيمها التاريخي مصطفى كمال أتاتورك رجلاً مثله، وزاد آخرون بالتأكيد على أن أردوغان استطاع دون أن يطلق رصاصة واحدة أو يقوم بإنقلاب، أو يطيح بـ "صنم" أتاتورك، وينال من مؤسسة الجيش التركي الحارس الأمين والمدافع الأول عن مذهبه العلماني المجلل بالقداسة.

وعلى هذا فليس غريباً أن يأتي اليوم أردوغان وبعد 87 عاماً من إعلان مصطفى كمال "أتاتورك" - وكان عمره وقتها لا يتجاوز 42 عاماً – ويعلن ولادة الجمهورية التركية ملغياً الخلافة العثمانية، أن يجئ أردوغان ليمهد ويقص شريط الجمهورية التركية الثانية.

هذا ليس مجرد استنتاج، ولكنه يمثل أحد أهم حقائق المشهد التركي، التى أدركها نفر غير قليل من الباحثين والمعلقين، ممن لم يترددوا في وصف الوضع الراهن بأنه بداية ميلاد للجمهورية التركية الثانية. وهو المعنى الذى عبر عنه بصيغة أخرى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، حين قال: "إن تركيا أصبحت كطائرة على مدرج الاقلاع، ولن يقف أمامها شيء". والعبارة يمكن فهمها على أنها اعلان عن أن تركيا تشهد انطلاقة جديدة لا يستطيع العسكر ايقافها.

مصادر الدراسة :

1-   وائل مرزا : لماذا تركيا ؟ - انظر موقع دراسات عن تركيا .

2-   نقلاً عن لمى فريد العثمان : من العلمانية الى العلمانية الليبرالية – انظر موقع تركيا والانتخابات الاخيرة .

3-   نقلاً عن د.فهمي هويدي : تركيا على ابواب ميلاد جديد – انظر موقع دراسات الجزيرة .

4-   اردوغان في اقوى اوضاعه مقتبس من  ارشيف الجزيرة – موقع الجزيرة نت .

5-   ثمان سنوات على حكم العدالة والتنمية :مقتبس من  ارشيف الجزيرة – موقع الجزيرة نت.

6-   الانتخابات التركية : انتصار للعدالة والتنمية بدون حسم : ارشيف الجزيرة – موقع الجزيرة نت .

7-   نقلاً عن (الضربة القاضية ) -  مقتبس من ارشيف الجزيرة – موقع الجزيرة نت .

8-   نقلاً عن محمد سلمان : تجربة حزب العدالة والتنمية .. خطأ التعميم والقياس انظر موقع دراسات و مقالات تركيا .

9-   حزب العدالة والتنمية .. مثالا لتكامل الاسلام مع العلمانية – موقع دراسات و شؤون تركيا .                                                                    10 - راشد الغنوشي : قراءة خاصة في تجربة حزب العدالة والتنمية التركي – موقع دراسات تركيه .

11- شريف سعد الدين تغيان : "الشيخ الرئيس رجب طيب اردوغان : مؤذن اسطنبول و محطم الصنم الاتاتوركي " عرض كتاب – موقع رجب طيب اردوغان.

السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية

د.باسل حسين

لعل من نافلة القول، ان اعلان ولادة حزب العدالة والتنمية في 14 اب 2001 شكل منعطفا مهما داخل تركيا ومن ثم فيما بعد خارجها الاقليمي والدولي ،لاسيما مع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، فهذا الحزب مثل تيارا تجديديا داخل التيار الحركي الاسلامي ومع وصول الحزب الى السلطة عام 2002، اتبعت تركيا سياسة جديدة صاغ ملامحها الرئيسية د.احمد داود اوغلو الاكاديمي والاستاذ في العلاقات الدولية     ( وفي هذا درس بليغ لكل من يرى ان السياسة هي ارتجال ، وانما هي علم قائم بحد ذاته )،  وما ترتب عليه من دخول تركيا مرحلة جديدة في سياستها الخارجية، قوامها الدبلوماسية المندفعة، والانفتاح، وتحسين العلاقات الإقليمية مع الجميع وتصفير المشاكل مع دولها، فضلا عن تعدد اوجه وابعاد هذه السياسة، بما سهّل عليها احتمالات لعب أدوار سياسية أفضل .

وبالنسبة الى تركيا فقد احدث وصول حزب العدالة والتنمية نقلة نوعية في السياسة الخارجية التركية يرى وزير الخارجية التركي احمد أوغلو أن تركيا نجحت في استيعاب عقبات سياسية هامة برزت مع أحداث 11 سبتمبر 2001 وهي متمثلة في : أعمال الإرهاب ، وعدم الاستقرار السياسي، والأزمات الاقتصادية، واتبعت في سبيل ذلك سياسة خارجية مؤثرة وديناميكية ومتعددة الأبعاد، أرست لها موقعاً مركزياً في الساحة الدولية. وهو يرى ان هذه الاستراتيجية الجديدة، تحظى بإجماع داخلي على مستوى النخب السياسية والعسكرية، ونجاحها يرتبط بالأساس بنجاح تركيا في السير بين التناقضات الهائلة في محيطها وفي العالم.

ويرى احمد اوغلو ان تركيا تجمع بين بعدين الأول البعد الجغرافي ، ويؤكد فيه أن تركيا تحتفظ بموقع جغرافي متميز فهي مندمجة في الهوية الأوروبية والآسيوية في الوقت ذاته ، وتؤهلها جغرافيتها لأن تكون في قلب الأحداث في الغرب والشرق، والثاني البعد التاريخي والمقصود هنا هو أن الإرث العثماني انعكس على واقع الجمهورية التركية بكون سكانها خليطا من قوميات وأعراق متنوعة وهي عناصر تلتقي تحت مظلة الدولة التركية. وبالمحصلة النهائية فإن تركيا بحسب داود أوغلو تجمع بين الجغرافي والعمق التاريخي ، وبالتالي فإن تركيا تتميز عن غيرها من دول العالم بانتمائها إلى مناطق جغرافية متنوعة منها منطقة الشرق الأوسط بمفهومها الواسع بما فيها الخليج العربي، والبلقان ، والقوقاز وآسيا الوسطى، وأيضا بحر قزوين، والبحر الأسود، والبحر المتوسط ، أي أنها دولة ذات هويات إقليمية متعددة ولا يمكن حصرها في هوية واحدة. وهنا يعتبر أحمد داود أوغلو أن خفض الخلافات مع دول الجوار الجغرافي إلى حد الصفر، من أهم متطلبات الدور الإقليمي التركي في محيطها الجيو- استراتيجي، باعتبار أن أي سياسة فاعلة تتطلب بيئة سلمية حاضنة لها تدعم مبادراتها ولا تتخوف من طموحاتها وتحقق مصالحها بصورة لا تؤثر في المصالح القومية للأطراف الأخرى وهذا سيخرج تركيا من كونها بلداً طرفاً له مشكلات متواصلة مع جيرانه.

واتساقا مع ما ذكر اعلاه، يشير سوات كينيكليوجلو نائب رئيس حزب العدالة للشؤون الخارجية ان الله انعم على تركيا بموقع جغرافي يتطلب منها في الاساس ان تتعامل مع الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهذا ليس خيارا ولا ترفا بل هو ضرورة ، والسياسة الخارجية التركية تساهم في التقريب بين جيرانها المباشرين وتساعد على الاتصال فيما بينهم.

واستنادا الى ما ذكر اعلاه نجد ان السياسة الخارجية التركية قد استنتدت على عدة مبادئ اساسية:

  • التوفيق بين الحريات والأمن.
  • تصفير المشكلات مع دول الجوار والوصول إلى علاقات جيدة مع الجميع 
  • إتباع سياسات متعددة الأبعاد ومتعددة المسالك تتلاءم وتتواءم مع الظروف العالمية المتحركة.
  • تطوير الأسلوب الدبلوماسي، وإعادة تعريف تركيا من جديد كطرف فاعل وليس مجرد جسر للتواصل.
  •  التحول من دولة اطراف الى دولة مركز وقد اعلن رئيس الوزراء اوردغان  عن رؤيته في ان تتحول تركيا إلى قوة مؤثرة في النظام العالمي الجديد الذي يعتقد أنه سيتم تأسيسه من 10 إلى 15 عامًا .
  • التحول من بلد تصدر عنه ردود أفعال إزاء الأزمات الى بلد الأزمات قبل ظهورها ويتدخل في الأزمات بفاعلية ويعطي شكلا لنظام المنطقة المحيطة به.
  • العلاقات مع الغرب ستبقى محور التركيز الرئيسي لتركيا.

وقد سجلت عدة حوداث كشفت عن تحول ايجابي في السياسة التركية تجاه دول الجوار العربي لعل من اهمها رفض الحكومة التركية سنة 2003 إعطاء الولايات المتحدة تسهيلات لوجستية لغزو العراق، ثم عدم استجابتها للضغوط من اجل عزل سوريا سنة 2005 والموقف التركي الحاسم تجاه المجازر الصهيونية على قطاع غزة، توجت بتصدي رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان، في مؤتمر دافوس، لشمعون بيريس رئيس الكيان الاسرائيلي والاحتجاج على سلوك منظمي المناظرة المنحاز لبيريز على حسابه ثم تركه القاعة غاضبا، ثم تبني اسطول الحرية المتجه الى قطاع غزة لكسر الحصار ومما رافقه من احداث، قد ساهمت في خلق منظومة قيمية لتقبل دور تركي في المنطقة رسميا نوعا ما وشعبيا.

وشكل الربيع العربي تحديا وتهديدا في آن واحد للدور التركي الاقليمي في المنطقة، ومن هنا يسهل علينا فهم الاضطراب والازداوجية اللذين وسما الموقف التركي من الثورات العربية، فهو قد سارع الى تقديم النصيحة للرئيس المصري مبارك بالتنحي عن السلطة بعد ايام قلائل من بدء الثورة المصرية، الا أن تركيا  كانت مترددة باتخاذ موف حاسم ازاء الاحداث في ليبيا، وذلك لان تركيا خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية الذي قد اقام شبكة مصالح اقتصادية واسعة تقدر بمليارات الدولارات مع نظام العقيد معمر القذافي، ولم يتم حدوث انعطاف إلا بعد فترة متأخرة نسبيا من الزمن.      اما بالنسبة إلى سوريا فهي ارادت ان تمسك العصا من المنتصف من خلال فتحها المنافذ الحدودية للفارين من فوضى الاحداث، و احتضان عدة مؤتمرات للمعارضة من جهة ، ومن جهة اخرى التواصل مع الحكومة السورية بعدة طرق ، ويبدو ان لدى تركيا عدة هواجس من الاثار الناجمة عن اي عملية لأي تغيير في سوريا، لاسيما بالنسبة للقضية الكردية واحتمال انتقال عدواها داخل الاراضي التركية.

ان التحليل النهائي يقودنا الى القول ان السياسة الخارجية التركية شهدت اثناء حكم حزب العدالة والتنمية زخما غير مسبوق كما ونوعا تحولت فيه تركيا من دولة طرف الى دولة مركز اخذ بالتنامي وهذا ما دف وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية الى القول ان الدور التركي في المنطقة محوري ولا يمكن تجاهله.

 

قضية كركوك في سياسة تركيا الخارجية تجاه العراق

   د. سعد المشهداني 

تقديم

    منذ عام 2003 دخلت قضية كركوك مسرح السياسة الخارجية التركية ويمكننا التاكد من ذلك من خلال مراجعة بسيطة لتصريحات المسؤولين الاتراك بشان هذه القضية . ولهذا فقد عدت تركيا الدول المجاورة للعراق ومنذ سقوط النظام السياسي في العراق  لأن يكون لها كلمتها بشأن مستقبل مدينة كركوك معتبرة أنها تشكل تهديداً محتملاً لأمن المنطقة . وقد هددت تركيا بتدويل ما أطلقت عليه ( مشكلة مدينة كركوك) الواقعة شمالي العراق والتي يقيم فيها عرب وأكراد وتركمان بسبب الاحتكاكات والتوتر الأمني الـذي شهدته المدينة . وقال عثمـان كورتوك ممثل تركيا الخـاص بالعراق : إن  كركوك هي المكان الأكثر احتمالاً لوقوع مواجهات عرقية في العراق ، ولذا فإن كركوك ليست شأناً داخلياً عراقياً مشيراً إلى آثار جدية محتملة على الدول المجاورة ، وأضاف في حديث لشبكة ( ان تي في ) التركية : اننا مصممون على التأكد من أن ما يحصل في العراق ليس له أي آثار سلبية علينا ، ومسألة كركوك تنطوي على مثل هذه المخاطر .

       وقد أفرزت قضية الحرب على العراق عام 2003 من بين نتائجها الكثير بالنسبة إلى تركيا إذ جعلتها عنصراً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من لعبة الأمم في الشرق الأوسط وذلك من خلال عوامل المياه والنفط والأمن والأقليات القومية، خاصة الأقلية الكردية منها في شمال العراق ونشوء نواة كيان كردي فيه يمس مباشرة الوضع الجيو أمني لتركيا كذلك أفرزت الحرب على العراق وضعاً جديدا باستخدام تركيا لقضية كركوك كورقة ضغط إقليمية ودولية في حوار الصراع مع دول الجوار واللاعبين الكبار في الشرق الاوسط .‏

     وتعدُّ كركوك بالنسبة إلى الأتراك مدينة إستراتيجية تسكنها ثلاث قوميات (العربية، الكردية، التركمانية)، يحتدم فيها الآن جدل الهويات، وبدأت الصراعات المسلحة تعلو لغة العقل، فالأكراد يعتبرونها قدسهم، والعرب يعتبرونها مورد حياتهم، والتركمان يعتبرونها تاريخهم . من هنا فان تركيا قلقة جداً على الوضع في العراق وخصوصاً في الشمال فهي تراقب الأوضاع عن كثب وأي تغيير في الأيديولوجيات سيؤثر وبشكل مباشر في الأمن الوطني التركي بسبب تواجد اكثر من 15 مليون كردي على الأراضي التركية، فهم يشكلون 25% من سكان تركيا.

        وقد شهدت تركيا تغييرات متسارعة في الداخل منذ تسعينيات القرن الماضي أهمها صعود التيار الإسلامي إلى الواجهة السياسية التركية، ويحظى بتأييد جماهيري كبير ويحتل المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية والنيابية التي جرت في أعوام 1995- 1996، وهذا العامل المستجد في الداخل التركي لا بد أن يكون له اعتبار ووزن في السياسة الخارجية التركية حيث يعمل التيار الإسلامي جاهداً للارتباط بالدائرة الحضارية الإسلامية.‏ وتمثل التسعينيات عهد تحول في علاقات تركيا بالشرق الأوسط والغرب، بإدراك تركيا أنها تبتعد أكثر فأكثر عن أوروبا سياسياً مقابل الإحساس بإعادة اكتشاف ذاتها ضمن دائرة تشمل البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وإيران والعالم العربي وباتت فئات واسعة من النخبة الفكرية والسياسية والعسكرية في المجتمع التركي ترى أن الاتجاه نحو المنطقة العربية لا يجب أن يقتصر على ما تحدده الإستراتيجية الغربية لأن ذلك يضعف الدور التركي ولا يقويه ويجعله دوراً تابعاً وعميلاً .‏

الاهتمام التركي بقضية كركوك

      سنحاول في هذه الورقة الربط بين الاهتمام التركي بقضية كركوك في سياسة تركيا الخارجية تجاه العراق من خلال اهتمامها بالموضوع الأكبر الذي يشغل حيزاً كبيراً من التفكير الاستراتيجي التركي وهو المشكلة الكردية أذ تعد المشكلة الكردية واحدة من تلك المشكلات المتشعبة والمعقدة في الشرق الأوسط، لأسباب جغرافية تتعلق بتوزع الأكراد بين ثلاث دول كبيرة في المنطقة هـي العراق وإيران وتركيا. مع وجود أعداد منهم في سورية ولبنان وأرمينيا وأذربيجان. وكذلك لأسباب أمنية، فالمشكلة الكردية لا تخص الأكراد وحدهم بل تخص الدول والشعوب التي يعيش الأكراد بينهم تاريخياً، وقد تحولت المشكلة الكردية من مشكلة محلية إلى مشكلة إقليمية تهم العراق وسورية، وإيران وتركيا، كما أضحت لها أبعاد غربية، كأولوية أمنية غربية (أمريكية) في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد رعاية واشنطن لاتفاق المصالحة الأخير بين مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وجلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد تحفظت أنقرة تجاه الاتفاق المذكور ورأت فيه نواة لقيام دولة كردية في كردستان العراق. ورغم أنه لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد السكان الأكراد، فإن الإحصائيات على تباينها تشير إلى أن عددهم يبلغ نحو 20 إلى 30 مليون نسمة وبذلك يشكلون أكبر أقلية قومية محرومة من كيان خاص بهم. وأكبر نسبة للأكراد هي في تركيا، وتشير المصادر الكردية إلى أن عددهم في تركيا يتراوح بين 16 و 18 مليون نسمة في حين تشير المصادر المحايدة إلى أن عددهم يتراوح بين 10 و 12 مليوناً بينما تقول المصادر التركية الرسمية أن عددهم لا يتجاوز ستة ملايين، وتبلغ نسبة مساحة كردستان تركيا نحو ربع المساحة الإجمالية لتركيا ومعظم الأكراد في تركيا يسكنون ثلاث عشرة ولاية في جنوب شرق الأناضول ويعيش نحو مليون كردي في غرب الأناضول إما هجروا قسراً أو هاجروا طلباً للعمل والرزق .‏

        ورغم أن مشكلة تقرير مصير الشعب الكردي في تركيا أثيرت في اتفاقية سيفر 1920 بين تركيا والحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، حيث نصت البنود 62 و 63 و 64 من الاتفاقية المذكورة على إقامة كيان قومي كردي في جنوب شرق تركيا، يحصل الشعب الكردي -حسب الاتفاقية- بعد خمس سنوات من قيام هذا الكيان على استقلاله، بموجب استفتاء تشرف عليه عصبة الأمم، فإن الزعيم التركي أتاتورك نجح في إبدال بنود اتفاقية سيفر المذكورة بمعاهدة لوزان عام 1923 التي تجاهلت الحقوق القومية الكردية المنصوصة في اتفاقية سيفر .‏

         ومنذ ذلك الوقت حاولت تركيا وما زالت إنكار الهوية القومية للشعب الكردي فيها بشتى الوسائل السياسية والقانونية والأمنية وقد سمتهم بـ"أتراك الجبال" إلا أنه وعقب حرب الخليج وانحسار السلطة المركزية العراقية عن شمال العراق وجدت تركيا نفسها متورطة في المسألة الكردية بعد أن قفزت هذه المسألة إلى واجهة الأحداث التركية في الداخل والخارج وأضحت مدرجة في جدول أعمال السياسة الداخلية والخارجية التركية. ففي الداخل تصاعدت حدة عمليات حزب العمال الكردستاني PKK الذي يخوض حرباً دموية ضد الدولة التركية منذ آب عام 1984، وقد وصلت ضحايا هذه الحرب من الجانبين إلى نحو ثلاثين ألف قتيل وفي الخارج أسفرت التطورات اللاحقة لحرب الخليج عن ظهور نواة دويلة كردية في شمال العراق حيث تخشى تركيا من انسحاب آثار هذه الدويلة مستقبلاً على أكراد تركيا.‏

         ورغم أن تركيا شاركت في "قوات الحماية الدولية" التي تركزت في قاعدة انجرليك التركية في عام 1991 بهدف حماية أكراد العراق من هجمات محتملة ضدهم من قبل نظام صدام حسين، وحرصت تركيا على تبني سياسة أكثر مرونة وانفتاحاً من قبل إزاء الأكراد في مناطقها الجنوبية- الشرقية، فقد أقر البرلمان التركي 1991 مشروع قانون "مكافحة الإرهاب" الذي نص على إلغاء القانون رقم 2932 الصادر عام 1982 بشأن حظر الحديث باللغة الكردية، وإلغاء المواد 141- 142- 163 من القانون الجنائي المتعلق بالجرائم الأيديولوجية، والمقصود بذلك إنشاء أو الانتماء إلى عضوية أحزاب دينية أو يسارية ، إلا أن هذه السياسة لم تؤد إلى نتائج مرضية فقد تفاقمت المشكلة الكردية في الداخل التركي أكثر فأكثر ووسعت المشكلة دائرة الانقسام بين الأحزاب التركية والجيش، وأرخت بظلالها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وباتت الحرب ضد حزب العمال الكردستاني تكلف الخزينة التركية سنوياً نحو (10) مليارات دولار . ‏

        وفي الواقع أضحت هذه المشكلة ملفاً دائم التوتر في العلاقات التركية الخارجية ليس مع سورية والعراق وإيران فحسب بل مع أرمينيا وروسيا واليونان وقبرص وألمانيا وهولندا إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية الأخرى. حيث تصر أنقرة على القول إن المشكلة هي من صنع الخارج وإنها مشكلة "إرهاب" في حين أنها في جوهرها مشكلة تركية داخلية مزمنة يعود تاريخها لأكثر من ثلاثة قرون عندما كانت ولايات كردستان داخل الدولة العثمانية تتمتع بأشكال من الحكم المحلي والذاتي(59) بينما تنكر الحكومات التركية المتتالية منذ 1923 وحتى الآن هذه المشكلة.‏ وتهدف تركيا من وراء هذه السياسة إلى     أولاً : تحييد أكراد العراق إزاء المشكلة الكردية في تركيا، بل وتجييرهم ضد حزب العمال الكردستاني خاصة في ضوء الخلافات العميقة بين هذا الحزب والحزب الديمقراطي الكردستاني،

ثانياً: استخدام الورقة الكردية كعامل ضغط ضد جيرانها الجنوبيين للقيام بدور إقليمي. ولكن الثابت في السياسة الخارجية التركية أن أنقرة ترفض قيام دولة كردية مستقلة في العراق وتلتقي توجهاتها هذه مع توجهات إيران والعراق وسورية في رفض قيام دولة مستقلة للأكراد، ومن هنا تكرر تركيا مبادئ سياستها تجاه العراق القائمة على تمسك تركيا بوحدة أراضي العراق وسيادته. ومعارضتها أية محاولة لإقامة دولة كردية في شمال العراق .‏

        وفي الواقع ستظل المشكلة الكردية حاضرة في السياسة التركية تجاه دول الجوار العربي (سورية والعراق) ما بقيت هذه المشكلة دون حل، وبتقديري مهما ذهبت تركيا في إنكار هذه المشكلة الداخلية فإن ذلك لن يكون حلاً لها على المدى المنظور، وما لم تتجه تركيا إلى التعاطي الإيجابي مع مشكلتها الكردية، والاستمرار في محاولة تصديرها إلى الخارج فإن هذه المشكلة سوف تسبب المزيد من التدهور في علاقات تركيا مع دول الجوار الجغرافي فضلاً عن أنها ستظل عقبة كبيرة تمنعها من القيام بدور إقليمي سواء تجاه الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى وحتى أوروبا.‏

الاحتمالات المستقبلية للسياسة التركية تجاه العراق

        ولعل من الضروري في هذه الورقة طرح الاحتمالات المستقبلية للسياسة التركية تجاه العراق عبر قضية كركوك من خلال محورين الاول ايجابي والثاني سلبي.

أولاً : المحور الايجابي :

   يمكن ايضاح المحور الايجابي في سياسة تركيا الخارجية تجاه قضية كركوك من خلال النقاط الآتية :

  1. تراجع السياسة التركية تجاه قضية كركوك :

هنالك عامل يؤدي إلى إعاقة السياسة التركية تجاه العراق والمنطقة العربية ككل ، هو ذلك المتمثل في دور المؤسسة العسكرية والنخب العلمانية المتطرفة ، التي ما زالت تعتبر نفسها أمينة على مبادئ الجمهورية العلمانية، وهي تشعر حالياً بتآكل نسبي في عناصر قوتها ، لذا نجدها تتشدد في معارضتها لإقامة أي علاقات وثيقة مع الفضاء العربي ، لأنها ترى في ذلك نوعاً من "العثمنة" للدولة التركية ، التي ترى هذه النخب أن من مصلحة تركيا القومية والمستقبلية الابتعاد عنها، ومواصلة جهود اندماجها في الفضاء الأوروبي الغربي، مهما كان حجم العقبات الراهنة على هذا المسار، وسيشكل هذا التيار عقبة أساسية في طريق تطور السياسة التركية تجاه العراق والمنطقة بصورة عامة لو استطاع إعادة فرض أجندته على الساحة السياسية التركية أو على تيار حزب العدالة والتنمية الذي يتولى الحكم في الوقت الحاضر ، أو في حالة عودة التيار العلماني إلى السلطة في الانتخابات التركية المقبلة . وسيكون لتولي حكومات عراقية للسلطة ذات توجهات بعيدة عن التوجهات التركية سبب فاعل ومؤثر في تراجع السياسة التركية تجاه قضية كركوك أو إعاقتها و قد تكون لمدة انتخابية أو أكثر ولحين مجئ حكومة غيرها وبتوجهات جديدة تسمح لتركيا بالعودة الايجابية إلى طرح قضية كركوك.

  1. تطورات قضية انضمام تركيا الى الاتحاد الأوربي وانعكاساتها على قضية كركوك :

تعد عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من أهم المحددات التي تقيد خيارات السياسة الخارجية التركية في العراق ، فأنقرة تعلم أن الاتحاد الأوربي سينظر نظرة سلبية إلى أي تدخل عسكري تركي في العراق لوقف الأكراد عن تحقيق إما الاستقلال أو حتى حكم ذاتي قوي ، ولا يتضح ما قد يكون رد فعل الأوروبيين على تدخل عسكري تركي في صف التركمان إثر أي صدامات عرقية عنيفة أو هجوم تركي على معسكرات حزب العمال الكردستاني بدون إذن الولايات المتحدة الأمريكية ، ونظراً إلى معارضة انضمام تركيا في كثير من الدول الأوربية ، فإن تحركاً عسكرياً من شأنه سيزود المعارضين بحجج أكثر ضدها ، وسيكون هذا المتغير مقيداً للسياسة التركية إزاء العراق إذا  استمرت تركيا في اندفاعها للانضمام للاتحاد الأوروبي أما إذا تغير ذلك المسار فان تركيا ستكون اقل تقيداً به .

 

  1. الانسحاب الأمريكي من العراق :

قد يؤدي الانسحاب الأمريكي من العراق إلى تزايد النفوذ الإيراني الذي يتحين الفرص لملإ الفراغ الذي سينجز عنه ، وستسعى إيران إلى قيادة تحالف إقليمي يشمل حكومة بغداد والنظام السياسي في سوريا وحزب الله في لبنان و لن تملك تركيا تحالفاً كهذا بالرغم من أنها تحتفظ بعلاقات ثنائية جيدة مع الدول العربية الرئيسية مثل مصر والسعودية ، ولكن دون أن ترقى هذه العلاقات إلى مستوى التحالف الإقليمي الذي ترغب إيران في قيادته ، كما ان التطورات الجارية ، قد أفسحت المجال لطهران أن تشارك واشنطن في تقرير مصير العراق ، وهكذا ففي مقابل معسكر إقليمي تقوده إيران ويشمل الأحزاب الموالية لها في العراق ، لا تبدو مروحية التحالفات التركية دائرة إلا على اختيارات محدودة من التركمان أولاً ، ومن بعض الأحزاب العراقية ثانياً ، الأمر الذي سيغلب تحالف إيران في حال استطاعت إيران الصمود بوجه الموجة العالمية الموجهة ضدها وضد سياستها التوسعية في المنطقة ، وسيحدد خيارات السياسة التركية في المضمار العراقي .

أولاً : المحور السلبي :

     يمكن ايضاح المحور السلبي في سياسة تركيا الخارجية تجاه قضية كركوك من خلال النقاط الآتية :

  1. المطالبة التركية بحقوق التركمان وفرضها بالخيار العسكري :

ترى تركيا في قضية كركوك خطاً احمراً لا يجوز للأكراد تجاوزه ، فلا نستبعد أن تقوم تركيا بالتدخل عسكرياً في شمال العراق إذا لم يصل الأكراد إلى حلول مع الجانب التركي وإعطائهم الضمانات الكافية بشأن حقوق التركمان في كركوك ووقف دعمهم لحزب العمال الكردستاني على اقل تقدير ، وفي حال تدخل الأتراك المباشر سوف تكون كركوك ساحة للصراع الإقليمي الذي يجعل منها كشمير العراق الذي يزعزع أمنه وسيادته واستقراره ، كما أن الأطراف العربية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يحصل للعرب من تهميش في هذه المدينة يجعل منهم جزءاً من الصراع الدائر فيها ، الحال الذي ستكون فيه تركيا دولة معادية للعراق وتتدخل بشؤونه الداخلية وهذا ما يسبب لها الكثير من المتاعب إقليمياً ودولياً ويعيق دورها الإقليمي الذي تهدف إلى تفعيله بصورةٍ كبيرةٍ .

 

  1. عودة العنف والصراع الدموي :

قد يؤدي تدهور الوضع الأمني في العراق وعودة العنف والصراع الدموي المرير في حال الانسحاب الأمريكي وعدم جاهزية القوات العراقية لحفظ الأمن إلى تراجع السياسة التركية الرامية إلى لعب دور فاعل في عملية إعمار العراق والاستثمار فيه وكذلك سيؤدي إلى هروب الشركات التركية الموجودة في العراق أو التي ترغب في المجيء إلى العراق ، كما سيعيق التدهور الأمني العلاقات التجارية بين تركيا والعراق وبالرغم من هذا فإن الاحتمالات السابقة قد تعيق السياسة التركية تجاه العراق وتؤدي إلى تراجعها سلباً.

  1. استمرار الوضع الراهن :

يعد استمرار صيغة الوضع الراهن في سياسة تركيا المستقبلية تجاه العراق احد المشاهد المحتملة التي يمكن توقعها للسنوات القليلة المقبلة إذ يفترض عدم تأثر أي مصلحة من المصالح التركية سواءً  في العراق أو إقليمياً بعد الانسحاب الأمريكي من العراق ، ويتبنى هذا المشهد احتمالية بقاء السياسة التركية على وتيرتها الحالية دون تراجع أو تطور رغم التطورات والتغيرات الحاصلة أو التي ستحصل على أساس عدم تأثر أو تغير أي من العوامل التي تؤثر في السياسة التركية إزاء العراق ، ولكن هذا المشهد هو اضعف من مشهد التراجع ، فدوام الحال من المحال والتغيرات التي تشهدها الساحة الداخلية لكل من العراق وتركيا وكذلك ساحة الشرق الأوسط وما يعتريها من أحداث متسارعة وأخرى متوقعة تشير إلى عدم ثبات السياسات الإقليمية والسياسة التركية منها بشكل خاص على وضعها الحالي .

  1. تبني سياسة التصعيد :

تمثل قضية كركوك أهمية كبيرة لتركيا فقد كانت لتطوراتها وما تحتويه من ملفات معقدة ، مفصلاً هاماً في إحداث تحول في طريقة تعاطي السلطة التركية مع عدد كبير من القوى الإقليمية والدولية ولا سيما هذه القضية منها على وجه الخصوص ، وتضافر ذلك بصورة وثيقة مع رؤية جديدة حملها حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة في خريف 2002 ، هذه التحولات كانت مؤشرات إلى إن السياسة الخارجية التركية تصاغ من جديد وفقاً لأسس جديدة ، ستلبس تركيا إقليمياً ثوباً جديداً في المستقبل غير الذي لبسته قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة . وستعمل تركيا على الموازنة بين تعزيز الحريات في الداخل ومواجهة الأخطار الأمنية وانتهاج  سياسة خارجية متعددة الأبعاد مرتبطة بموقع تركيا على تقاطع طرق القوى والمناطق الحيوية في العالم ، وفي هذا الإطار ليست علاقات تركيا مع أي طرف بديلاً عن العلاقات مع طرف آخر. وإذا كان الوجود الأميركي في العراق يعيق قدرة تركيا على التأثير في مجريات الأحداث في تلك الدولة ، فإنه لو رحلت الولايات المتحدة الأمريكية ، سوف تجد تركيا أن خياراتها في العراق قد ازدادت ، ولاسيما قدرتها على منع بعض التطورات التي قد تؤدي إلى تهديد وحدة العراق من الحدوث ، وستفرض تركيا نفسها في الساحة العراقية بصورة كبيرة .

  1. لعب دور تركي أقوى في العراق :

سوف تمارس تركيا دوراً كبيراً في تهدئة القلق الكردي ، والواقع أنه في حالة حدوث الانسحاب ألأميركي ، قد ينتهي الأمر بلعب تركيا لدور أقوى بكثير في العراق كقوة مكافئة في مواجهة إيران ، وإذا اختارت، أن تكون حامية للأكراد من عدم الاستقرار في المستقبل، أو حتى من محاولة حكومة مركزية في بغداد للحد من امتيازاتهم ، تستطيع تركيا جني مزايا أخرى من المحفزات الإيجابية أولها وأهمها أن تغير الخطاب وعرض المساعدة السياسية على الأكراد سوف يساعدان أيضاً على تخفيف بعض التوترات العرقية بين الأكراد والتركمان بحيث يصبح الحوار بشأن كركوك ممكناً ، وقد يتجاوب الأكراد مع تركيا ويبدأون علاقة أحسن مع الأتراك والتركمان إذا رأوا أن أنقرة لا تعارض بإصرار التطلعات الكردية ، وبالمثل ، هناك احتمال أكبر بكثير لأن يتعاون الأكراد بشكل مثمر مع الأتراك في العمليات المناهضة لحزب العمال الكردستاني ، إذا وجدوا في الانسحاب الأمريكي تخلياً عنهم . ومن المتوقع أن يشهد دور تركيا في العراق تحولات كبيرة في المرحلة القادمة ، فالولايات المتحدة الأمريكية اذا فكرت بالانسحاب من العراق ، ليس في واردها ترك هذه المنطقة الإستراتيجية لإيران ، ولغياب أمكانية قيام حكومة عراقية قوية موالية للأمريكان تستطيع أن ترعى مصالحهم في المنطقة ، ليس أمامهم غير تركيا كحليف قوي ومضمون ولا تعوزه الخبرة لقراءة خرائط المنطقة السياسية منها والاقتصادية والأثنية .

  1. ضغوط أقتصادية تركية في قضية كركوك :

ستجد تركيا في العراق فرصة كبيرة من اجل معالجة أزمتها الاقتصادية ، وفي المقابل عندما تصبح إعادة البناء والاعمار في العراق أمراً ملحاً ، فقد يساعد أن تزيد واشنطن من دور تركيا في هذه العملية ، كون تركيا هي الاقتصاد الأكبر في الشرق الأوسط وتستطيع أن تكون مصدراً مباشراً للبضائع والخدمات التي يحتاجها العراق بشكل ضروري ، زيادة على ذلك فان الشركات والرأسماليين الاتراك لديهم الرغبة والمحفزات للعمل في العراق ، إن أمراً كهذا قد يساعد في جعل تركيا شريكاً في إعادة بناء البنية التحتية في العراق ، في نفس الوقت الذي تعبد فيه الطريق إلى التعاون العسكري بل ربما السياسي الأمريكي التركي باتجاه عراق جديد ناجح ، بالإضافة إلى أن تركيا استطاعت توقيع عدة اتفاقات للتعاون مع العراق لزيادة حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار ، وتحث الخطى إلى تفعيل الجانب الاقتصادي في سياستها تجاه العراق مستقبلاً الأمر الذي أكده رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان عندما أشار إلى إن تركيا تسعى لزيادة هذا التبادل إلى 25 مليار دولار خلال الثلاث السنوات المقبلة .ويفتح التطور الجاري على أرض العراق الطريق أمام تعاون عربي - تركي لموازنة النفوذ الإيراني في العراق خاصة في ظل التركيبة الصراعية للحراك السياسي هناك وبسبب عدم قدرة أي من الطرفين العربي أو التركي على حسم المواجهة مع إيران بمفرده .

 

مصادر  الدراسة

  1. ابراهيم خليل العلاف : السلوك السياسي الخارجي التركي تجاه العراق بعد التاسع من نيسان ‏2003‏‏ مجلة علوم انسانية ،  السنة الرابعة: العدد 30: ايلول (سبتمبر) 2006  .
  2. ابراهيم خليل العلاف : الولايات المتحدة ومحاولة ( أقلمة ) و ( تدويل ) قضية الأمن في العراق ، بحث مقدم إلى ندوة العراق ودول الجوار:رؤى متبادلة التي ينظمها مركز الخليج العربي ـ دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة للمدة من 30 ـ 31 آذار ـ مارس 2005 .
  3. إبراهيم خليل العلاف : نحن وتركيا دراسات وبحوث ، الموصل ، مطابع دار ابن الأثير للطباعة والنشر ، 2010 .
  4. خورشيد حسن دلي : تركيا وقضايا السياسة الخارجية ، دمشق ، اتحاد الكتاب العرب ، 1999 .
  5. صالح لافي المعايطة : تركيا الماضي والحاضر والدور القادم ، عمان ، مركز الرأي للدراسات ، 2008 .
  6.  هنري ج. باركي : العراق وجيرانه ، واشنطن ، معهد السلام الامريكي ، 2003

 

العلاقات العراقية التركية بعد الانتخابات

                                                                   مصطفى عياش الكبيسي

 

     لم تفرز الانتخابات التركية الاخيرة تغييرا يذكر في هيكلة النظام السياسي في تركيا ، بعد ما حافظ حزب العدالة والتنمية على قبضة الحكومة و سياساتها و استمرار اردوغان رئيسا لوزراء تركيا ، و احمد داوود اوغلوا – حكيم تركيا- وزيرا للخارجيه ومهندسا لقراراتها الصعبة.

   وبالتالي يمكن لتركيا ان تستمر في نهجها في مرحلة اردوغان الجديدة على وفق خطابه الاخير في قبة البرلمان العراقي وما تبعها من مسلسل زياراته لأربيل و النجف و بغداد.

   فبالنسبة للحكومة الحالية في العراق حاول اردوغان طمأنتها على عدم تدخل تركيا في شؤون العراق الداخلية خاصة بعد سجال سياسي عراقي ابان تشكيل الحكومة اتهمت فيه بعض الاطراف علانية الدولة المجاورة – تركيا- بالتدخل لمصلحة قائمة فازت في الانتخابات الاخيرة في العراق.

وفي نفس الوقت لم ينس اردوغان ان يذكر حكومة بغداد بالمخاطر التي تهدد العلاقات الثنائية جراء عمليات العنف التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني انطلاقا من المناطق الشمالية في العراق.

و يمكن تلخيص الدور التركي في العراق من خلال :

اولاً : النظر بجدية الى ملف التدخل الايراني في العراق و استحواذ ايران الواضح على كثير من مفاصل النفوذ ، الاقتصادية والسياسية والامنية ومحاولة تركيا موازنة الكفة حسب ما تملك من ادوات و وسائل ، وهذه الرؤية التركية الجديدة تفاعلت مع تفاعل التدخلات الايرانية في العراق و الخليج وغيرها من دول المنطقة فإحساس القادة الاتراك بفقدانهم لزمام المبادرة لمصلحة ايران سيولد شرطيا جديدا للمنطقة يفعل بمقدراتها و قراراتها كيف شاء في ظل تخبط واضح للمشروع الامريكي في العراق و المنطقة.

ثانياً : إن الفطام الذي بلغه القادة الاتراك في مساعيهم للأنضمام الى الاتحاد الاوربي دفع بوضوح السياسة التركية للانفتاح اكثر على دول الجوار والمنطقة العربية لاسيما أن الاقتصاد السابع في العالم قد يتضعضع في حال فقدانه المنافذ التسويقية . . والدولة القوية قد تنهار في حال غياب دور خارجي لها اوروبيا او اقليميا.

ثالثاً : تحاول أنقره ان تظهر للشعب العراقي كصديق جديد ، لا خلافة قديمة ولم يذكر الساسة الترك كلمة عن تلك الايام ،إلا في معرض التهديد المبطن مثل كلام بعض الساسة الترك عن "ان بغداد قبل مائة عام كانت تركية" ، ولم يقولوا عثمانية!!

بل مدت تركيا جسورا للتعاون السياسي و الثقافي مع اكثر المعترضين على سياستها في العراق ؛  وما غداء اردوغان في منزل السيد عمار الحكيم وليس في رئاسة الوزراء إلا دليل على ذلك و كذلك المشاريع التي باشرتها تركيا الآن في جنوب العراق اكثر من تلك التي تنفذها في بغداد او الموصل !

ويبدو ان الصديق الجديد لم ينس كذلك ان يوازن في الملف الطائفي ؛ فزيارة اردوغان لجامع أبي حنيفة و للمرجع السيستاني اضفت صبغة التوازن في طريقة تعامله مع هذا الملف .

رابعا : طريقة تفعيل العلاقة التركية العراقية ستتضح اكثر من خلال حرص تركيا من عدمه ، على دور فاعل " للمجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي " ، والذي اسس بعد زيارة اردوغان لبغداد عام 2008 م . ويرأس هذا المجلس رئيسا وزراء البلدين على أن يجتمعا سنويا مرة واحدة، في حين ضم المجلس في عضويته الوزراء المعنيين في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن والموارد المائية، مع إمكانية أن يقرر رئيسا الحكومتين توسيع المجلس ليضم وزراء ومسؤولين في مجالات معينة مع تطور التعاون الثنائي ليشمل تلك المجلات، وسيجتمع هؤلاء الوزراء ثلاث مرات سنويا ليمهد وزيرا خارجية البلدين لتنسيق عمل المجلس ووضع اللمسات الأخيرة لأجندة كل اجتماع .

وهددت حكومة العراق الحالية ، يوم 26 أيار الماضي، بإيقاف العمل بالاتفاقية الإستراتيجية مع تركيا حفاظاً على مصالح العراق الإستراتيجية، وفي مقدمتها المياه.

  ان التاجيل المستمر لبحث مشكلة المياه مع الجانب العراقي وربطها بنتائج الانتخابات التركية عقب زيارة رئيس مجلس النواب العراقي اسامة النجيفي والتقائه مع القادة الاتراك لم يخضع لحسابات ما بعد الانتخابات كما يبدو وذلك لعدم وجود خشية لدى الحزب الحاكم بالهزيمة، انما هناك حسابات تتعلق بالطرف الاخر الا وهو العراق الذي بات ينظر اليه بمنظار عدم الاستقرار او من باب المناورة التي استخدمها الاتراك طيلة السنوات السابقة.


   ان تهديد الحكومة بالغاء العمل بالاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين البلدين خطوة غير قادرة على تحويل قناعات الساسة الاتراك في وقت بلغت اعداد الشركات التركية العاملة في العراق 750 شركة وتدفق البضائع التركية عبر المنافذ الحدودية لا يتوقف وان حجم الصادرات التركية بازدياد وقد لعبت الاحداث الاخيرة في سوريا ومصر وبعض البلدان العربية دوراً في التوجه نحو تركيا كما اسهمت طبيعة العلاقات مع دول الخليج العربية هي الاخرى في تعزيز الاعتماد على المنتج التركي.

خامسا : "لا حبيب كالام ولا ديار كبغداد" من يسمع هذه العبارة من رأس النظام التركي يدرك حجم التوجه التركي نحو العراق ، وانه لن يتراجع عن تلك السياسات فالعبارة لاتحمل جانبا عاطفيا بقدر ماتحمل من تصميم تركي على عدم السماح لايران بتخريب ماتبقى من عراق تتقاذفه عاديات الغرباء و ثارات الاقرباء .

   وهذه العبارة ترى صداها في تعيين السيد ارشد هرمزي – مستشارا لشؤون الشرق الاوسط والمنطقة- وهو من مواليد مدينة كركوك العراقية عام 1943 ، وتخرج من كلية الحقوق جامعة بغداد .

سادسا : تبقى المشكلة التي تؤرق النجاح التركي في المنطقة  ، وهي ازمة العنف الدامي التي تطال الشارع التركي من خلال عمليات حزب العمال الكردي والذي يتخذ – حسب تركيا - من مناطق شمال العراق مقرات علنية و سرية له ولتنظيماته السياسية والعسكرية .

   و زيارة اردوغان لأربيل – في اول زيارة من هذا النوع – احرجت الساسة الكرد في موازنتهم بين مصالحهم في الاقليم والضغوط القومية التي تطالبهم بمد يد العون لحزب العمال .

صحيح ان الولايات المتحدة شكلت قبل سنوات لجنة تنسيقية بين الاكراد و تركيا لغرض مكافحة حزب العمال ، إلا أن الاتراك يرون ان هذه اللجنة لم تفعل بشكل كاف.

وهذا ما يدفعهم – حسب رأيهم – الى مزيد من القصف المتواصل لمناطق حدودية شمال العراق.

و يبدو ان الغرض من زيارة اربيل كان له اكثر من دافع ؛ لمعرفة تركيا بأن دورها في العراق قد يصطدم بجبال هولير ،  ومنها التفكير بالانفتاح على الاقليم اكثر من قبل ،كما ان رغبة تركيا في تأمين حدودها وتقليص الاعداء قدر الامكان يدفع ايضا بهذا الاتجاه.

واخيرا يسجل لتركيا انفتاحها على المنطقة العربية وان جاء متأخراً في الملف العراقي ويسجل لها الحرص الواضح في سبيل مد يد العون للشعب العراق وبطريقة لاتثير مخاوف العراقيين على اطماع قديمة عند الاحزاب القومية التركية في الموصل او كركوك او غيرها .

  وهذا التوجه دفع بالشارع العراقي لتقبل الجهود التركية في العراق بل اثر ذلك حتى في استهلاك المواطن للبضائع التركية وتفضيلها على غيرها من المستوردات التي دخلت السوق العراقي في مرحلة ما بعد الاحتلال .

ويبدو ان تعافي الرجل المريض سينهض به من جديد ولكنه في هذه المرة بالبدلة لا بالعمامة .   

 

المصالح الاقتصادية بين العراق وتركيا

نزار السامرائي

مقدمة قصيرة

تحاول الدول المتجاورة في مختلف أرجاء العالم إقامة أشكال متقدمة من التعاون أو التكامل الاقتصادي فيما بينها ، لعوامل مختلفة في مقدمتها أن التعاون الاقتصادي ينعكس بإيجابياته على مجمل الأوضاع السياسية والأمنية بينها ولاسيما الأمن على جانبي الحدود ، وربما تتباين النظم السياسية بين البلدان المتجاورة ، وربما توجد بؤر للتوتر بينها لنزاعات قديمة على ترسيم الحدود أو الثروات أو المياه بعضها تم حله والآخر ما يزال قائما وثالث على وشك الظهور ، ولكن هذا التعاون يجب أن ينظر إليه على أنه حالة منفصلة عن سائر الملفات الخلافية ، أو ربما يجب أن ينظر إليه كواحد من أساليب العمل السياسي والدبلوماسي لحلحلة العقد التي تقف حائلا دون المزيد من التكامل الاقتصادي .

وكان لصيغ التعاون الثنائي تأثيرها البالغ في تشكيل تكتلات اقتصادية كبيرة ذات وزن كبير في اقتصاد العالم ، ولكن ايجابياتها بالدرجة الأساس تنعكس على اقتصادات الدول الأعضاء من خلال التعاون في مجالات التجارة والصناعة ورفع الحواجز الكمركية فيما بينها لضمان انسيابية دخول السلع وخروجها بالحد الأدنى من الاجراءات الروتينية ، كما أن حرية انتقال الأيدي العاملة من بلد فيه فائض بالقوى المنتجة مع فرص أقل للتشغيل أو موارد أقل ، إلى بلد آخر محدود السكان ويحتاج إلى المزيد من الأيدي العاملة الماهرة أو نصف الماهرة ويتوفر على مشاريع انتاجية زراعيا وصناعيا لا تتوفر لها الأيدي العاملة الوطنية ، وكذلك حرية انتقال الرساميل ، كل ذلك يمثل أساسا صالحا لتعاون أشمل مفتوح الأبواب على مجالات جديدة باستمرار ، وفي هذا الخصوص تبرز السوق الأوربية المشتركة مثالا للمنظمات الاقليمية الناجحة والتي انطلقت عام 1957 على قضايا محدودة منها ما يتعلق بصناعة الحديد وتجارته ، أو تجارة مشتقات الألبان ، لمنع الحروب التجارية فيما بين الدول الاعضاء ، وتطورت السوق تدريجيا حتى أوشكت أن تبحث لنفسها عن كيان سياسي واحد لمواجهة القوى الاقتصادية الكبرى ، وخاصة الولايات المتحدة والقوى الجديدة الصاعدة في آسيا كالصين والهند وقبل ذلك اليابان وكذلك الاتحاد السوفيتي القديم وروسيا الاتحادية التي ورثت عنه كل التزاماته وأعبائه .

التعاون بين العراق وتركيا

على الرغم من أن العراق كان جزءا من الدولة العثمانية لعدة قرون ، فإنه عند استقلاله حصل على اعتراف الدولة التركية الحديثة حتى أسرع من اعتراف إيران به كدولة مستقلة ، وترك العراق وتركيا خلف ظهريهما عقد الماضي وما يمكن أن يختزن من أسباب للنزاع ، وربما يمكن القول إن علاقات البلدين  تميزت بهدوء وتواصل أفضل بكثير مما كان سائدا بين العراق وإيران بعد استقلال العراق مباشرة أو بين العراق والكويت فيما بعد ، ولكن هذا الأمر لم يكن وصفة أبدية لعلاقتهما التي أخذت مع مرور الوقت تشهد بعض التوترات حول ملفات شبه مستعصية ، ومن الطبيعي أن يبرز تباين في وجهات النظر أو تضارب في المصالح بين أي دولتين متجاورتين ، ولكن من غير الطبيعي أن يتم تجاهل أسباب هذه الخلافات ، لأن تركها دون بحث عن حلول ناجحة لها يمكن أن يؤدي إلى تفاقمها ودخول أسباب اضافية للخلاف وعلى ملفات مستجدة تستنسخ عن المشكلات القديمة ، فكيف يستطيع البلدان تطوير التعاون المشترك وصولا إلى توفير النموذج القابل للتطبيق في مجال العلاقات الإقليمية ؟

 

التعاون الاقتصادي

من ينظر إلى الاقتصاد على أنه المحرك الرئيس للعلاقات السياسية الدولية ، لم يبتعد كثيرا عن التشخيص الدقيق لحقيقة تتأكد يوما بعد آخر وخاصة لدى الدول ذات الاقتصادات الكبيرة في العالم ، وربما كانت الحروب بدوافع اقتصادية عبر التاريخ أكثر بكثير من الحروب التي دفعت فيها البشرية ثمنا باهظا لتأمين مصالح القوى الكبرى ، غير أن العالم ونتيجة لوعي قادة الفكر فيه وتطور مدارك سياسييه ، ونتيجة لما يبذله المفكرون على مستوى العالم ، وجد أن تطمين مصالح أوسع عبر الحوار والتواصل يمكن أن يتحقق بدرجة أكبر بكثير مما تؤمنه الحروب ، التي تترك جروحا عميقة ليس في أبدان المحاربين فقط ، وإنما في نفوس المجتمعات التي خسرت الكثير من أبنائها وفرص تطورها وتترك من الضغائن الشيء الكثير ، وكأي بلدين متجاورين في عالم اليوم الذي يريد صياغة قواعد جديدة للعدل تبنى على أساس التكافؤ ، فإن العراق وتركيا بإمكانهما أن يقدما النموذج الأكثر نجاحا في تعاون اقتصادي شامل وعلى المحاور التالية :

1 – المياه : يرى كثير من الدارسين أن الحروب المقبلة ستكون حروبا من أجل المياه ، فنتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري تعرض المناخ لتقلبات بات من غير الممكن التحكم بكميات الثلوج الساقطة في المناطق التقليدية لسقوطها ، مما بات يشكل تهديدا جديا لمصادر تكون الأنهار ، والعراق شانه شأن مصر بالنسبة لنهر النيل باعتباره دولة مصب ، أخذ يعاني ومنذ سبعينيات القرن الماضي من تعاظم شحة الماء الداخل إلى أراضيه في حوضي دجلة والفرات، وإن كانت المعضلة الأكبر ترتبط بنهر الفرات بدرجة أكبر مما كان عليه الحال في نهر دجلة ، ولكن هذه المزية التي كان يتمتع بها العراق أخذت تتقلص تدريجيا نتيجة سيطرة تركيا على جزء كبير من مياهه ونتيجة اقامتها سدودا على دجلة أيضا ، وعلى الرغم من أن الأسرة الدولية حاولت أن تضع المعاهدات والاتفاقيات الدولية المنظمة لوسائل الانتفاع بمياه الأنهار الدولية المشتركة ، فإن الكثير منها صدر ولكنه لم يجد طريقه للتنفيذ ، فالدول التي تنبع منها الأنهار تعتقد أن هذه الأنهار حق مشروع ومفتوح لها للانتفاع بمياهه دون قيد أو شرط أو حاجة لأخذ موافقة أحد ، بل أنها تذهب بعيدا في تفسير حقها الطبيعي بالأنهار التي تنبع من جبالها أو أراضيها ، فتجري مقارنة فيها الكثير من التعسف المقصود ، بين الثروات التي تختزنها الأرض في جوفها مثل النفط وسائر المعادن الأخرى ، وبين الثروات الظاهرة فوق سطح الأرض وخاصة المياه ، ويبدو أن هذه العقدة بين الدول المالكة للنفط والدول التي لا تمتلكه عقدة عصية على الحل لأنها ترتبط بأسباب الثراء الذي تجلبه ثروة لا دور للإنسان في وضعها في مناطق تواجدها ، وعوامل الفقر الناجم عن انعدام الثروات الطبيعية ، بين عالمين يعيشان على مقربة من بعضهما .

 إن الطبيعة لم ترسم خرائط الجغرافيا السياسية التي تعيشها دول العالم في أيامنا الحاضرة ، ولذا فقد كان جريان الأنهار بين الأقاليم المختلفة بغير حاجة لأخذ إذن من أحد كي يأخذ طريقه من المنبع إلى المصب ، وعندما نشأت الدول الحديثة وأخذت حدودها تتعرج أكثر فأكثر على وفق مصالح الدول المنتصرة في الحروب ، بدأت مصالحها تتقاطع حد الصدام ، ولو أن المجتمع الإنساني ترك الحبال على غاربها في طرائق الانتفاع من مجاري الأنهار لوقعت حروب طاحنة قد نعرف بدايتها ولكنها لن تنتهي أبدا أو لن تنتهي إلا بعد أن تستنزف أموالا تفوق في حجمها ما تم تقدير فقدانه في حال استمرار الخلافات بين أطراف النزاع دون حل ؛ ومن هنا يمكن النظر إلى أهمية التطبيق الدقيق  والسليم للمعاهدات الدولية حول حقوق الدول المتشاطئة على الأنهار المشتركة ضمانا لحقوق جميع الأطراف ، وذلك عن طريق فرض التزامات عقدية والحرمان من الامتيازات التي توفرها المنظمات الدولية ، على الفرقاء كافة ، وهذا الخيار أفضل بكثير من توقيع المزيد من المعاهدات والاتفاقيات التي لا تحترم من قبل المتضررين من قواعدها .

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريفا للعدوان ، بموجب قرارها المرقم 3314 لعام 1974 ، والذي عرّفته على أنه ( استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة اخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأية صورة تتناقض وميثاق الأمم المتحدة وفقا لنص هذا التعريف ) ، وحددت المادة 3 من القرار المذكور سبع حالات متى توفرت إحداها أو أكثر عد ذلك عملا عدوانيا سواء تم ذلك بإعلان حالة الحرب أم بدون ذلك والحالات هي :- 

أ – قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة اخرى أو الهجوم عليه أو أي احتلال عسكري مهما كان مؤقتا ، ينجم عن هذا الغزو أو الهجوم أو أي ضم لإقليم دولة اخرى أو لجزء من جراء استخدام القوة  المسلحة .

ب – قيام القوات المسلحة لدولة ما بقصف إقليم دولة بالقنابل أو باستخدام أية أسلحة ضد إقليم دولة اخرى .

ت – ضرب الحصار على موانئ أو سواحل دولة ما من قبل القوات المسلحة لدولة اخرى .

ث – قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البحرية أو الجوية أو الأساطيل التجارية البحرية أو الجوية لدولة اخرى .

ج – قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة على إقليم دولة اخرى بموافقة الدولة المضيفة على وجه يتعارض والشروط التي ينص عليها الاتفاق أو أي تمديد لوجودها على الإقليم المذكور .

ح – سماح دولة ما باستخدام إقليمها الذي وضعته تحت تصرف دولة اخرى للعدوان على دولة ثالثة .

خ – إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها وقيامهم بأعمال تنطوي على استخدام القوة ضد دولة اخرى وبمستوى الأعمال المذكورة أو مشاركة الدولة في ذلك على نحو ملموس .

 وعلى الرغم  من أن هذا التعريف وكذلك الحالات التي عدّها من قبيل الأفعال العدوانية ، غير مستوف لشروط التعريف الجامع المانع ، لأنه وضع في ذروة الحرب الباردة بين القوتين الأعظم وخضوع الأمم المتحدة لمنطق التوازنات بينهما ، وربما على نحو ما هيمنة الولايات المتحدة على أعمال الكثير من اللجان والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة ، على الرغم من ذلك فإنه في واقع الحال وحتى صدور تعريف أكثر وضوحا وتحديدا من قبل المنظمة العالمية ، يمكن اعتماده ، معيارا مناسبا للتحاكم مع الأفعال الصادرة من بلد ما مما يمكن إطلاق وصف العدوان عليها بما في ذلك تهديد الأمن القومي بقطع مصدر الحياة وهو الماء .

إن الكثير من الأفعال التي تقدم عليها بعض الدول بصورة منفردة ، وتحت لافتة حماية مصالحها الوطنية أو دفاعا عن أمنها القومي ، أو كرد فعل غير متناسب مع ما يصدر من أفعال من طرف دول اخرى ، ويأتي في مقدمتها التحكم بمصادر المياه في الأنهار الدولية ، يمكن أن يكون سببا في إثارة نزاعات إقليمية تؤدي إلى نشوب حروب أخطر وأكبر من الحالات التي وردت في تعريف الجمعية العامة المار الذكر ، وهذا يقتضي تحركا جادا وسريعا على مستوى المنظمات الدولية للتوصل إلى تعريف جديد للعدوان يتخطى النواقص السابقة وخاصة ما يرتبط بمعالجة موضوع مصادر المياه .

وبالنظر لأهمية المياه لكل الكائنات الحية من بشر وحيوان ونبات ، وارتباط ذلك بديمومة حياة الإنسان على سطح الأرض ، فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ، قانونا لاستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية في         21 / 5 /1997 ، ومع أن هذه الخطوة جاءت متأخرة كثيرا ، فإن المنظمة الدولية بدأت تستشعر أن العالم سيشهد أزمات من نوع جديد يمكن أن تهدد استقراره ، لأن الأقوياء سيتمكنون من الاستحواذ على ما يقع في متناول قوتهم من مياه عذبة ، وتبقى حالة التململ حتى تحين الفرص لتغيير موازين القوى من طرف الذين شعروا بغبن الموقع الجغرافي الذي أدى إلى ذهاب حقوقهم نتيجة ضعفهم وبسبب موقعهم في الخارطة ، ليستردوا ما ذهب منها ، وهذا معناه استمرار الأزمات كنار تحت رماد قهر القوة العسكرية وليس قوة الحق والقانون .

إن اكتمال السدود التركية العملاقة مثل سد أتاتورك على حوض الفرات والذي يكوّن بحيرة تقرب مساحتها من 817 كيلومترا مربعا ويحجز 48 مليار متر مكعب من مياه النهر أدى إلى حجب الجزء الأعظم من ماء النهر ، هذا غير أكثر من عشرين سدا آخر على النهر نفسه مثل سدود كيبان وقرة قابا وغيرهما كثير وقد بدأت خطوات ملئها من طرف الجانب التركي دون إقامة وزن لحقوق دول الحوض الاخرى أو التقييد بقواعد القانون الدولي المعترف بها .  

أما نهر دجلة الذي يبلغ طوله من المنبع في مرتفعات جنوب شرقي الأناضول إلى التقائه بالفرات وتكوينهما شط العرب 1900 كيلومترا ،  فقد كان معدل ما يدخل للعراق من مياهه ، في الظروف الطبيعية حوالي 1500 متر مكعب في الثانية ، وفي ثمانينيات القرن الماضي ومع اتساع المشاريع الزراعية والإروائية في تركيا ، أخذت كميات المياه الداخلة إلى الأراضي العراقية بالتقلص ، حتى وصلت إلى 1200 متر مكعب ، ثم تواصل التراجع حتى وصل في السنوات الأخيرة إلى حوالي 250 مترا مكعبا ، وقد نشأ عن هذه الشحة حالة من الجفاف في حوض دجلة سوف تتفاقم كثيرا حين تنجز تركيا سدها على دجلة والمسمى سد   ( ليسو) والذي يبعد عن الحدود العراقية بحوالي 50 كيلو مترا .

وهكذا نلاحظ أن العراق كان فريسة لتطلعات تركيا في الصعود الاقتصادي دون النظر لانعكاسات هذا الصعود على دول الجوار ، ولا شك أن التعاون الاقتصادي الحيوي لكل من تركيا والعراق سيصطدم في كل خطوة يحاول أن يقطعها ، بصور التصحر المتزايد المساحة في بلاد الرافدين التي لم تعد تملك منهما إلا الاسم .

2 – الطاقة : كان التعاون في مجال نقل النقط العراقي الخام قد بدأ عبر الخط العراقي – التركي الواصل إلى ميناء جيهان على البحر الأبيض المتوسط والذي تم افتتاحه منتصف سبعينيات القرن الماضي والذي يعطي مرونة كبيرة لتصدير النفط الخام عبر منافذ متعددة في منطقة تعيش حالة عدم استقرار شبه مستمرة بسبب وجود النفط نفسه في باطن أراضيها ، وهذا الخط الذي يمثل عنوانا كبيرا للتعاون بين البلدين في مجال الطاقة ، لا يمثل المظهر الوحيد القابل للتطبيق ، فهناك فرص كبيرة بينهما فإقامة صناعات برساميل مشتركة تعتمد أساسا على النفط والغاز كصناعات الأسمدة في زمن أخذت قضية الغذاء في العالم تأخذ طابع الأزمة المستعصية على الحل يمثل استثمارا ناجحا واسهاما بحل أزمة الغذاء في العالم فضلا عن أنه يوطد أسس التعاون المشترك ، كما أن هناك أوجها لإقامة الصناعات البتروكيمياوية التي هي واحدة من أعمدة الصناعات الحديثة في العالم ، كما أن إقامة مصافي كبيرة لتكرير النفط والتوسع في دخول السوق الدولية في تصدير المشتقات النفطية ، يعد شرطا لازما لإعادة التوازن إلى سوق النفط الدولية التي تعيش ثنائية مقيتة ، دول تمتلك مصادر الثروة ، ودول تمتلك الصناعات القائمة على أساسها .

إن التعاون في مجال الطاقة يمكن أن يؤدي إلى إقامة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية وربط الشبكتين بين العراق وتركيا ، وذلك من خلال الاعتماد على توليدها إما من المساقط المائية التي توفرها السدود في البلدين أو تلك التي تولدها المحطات التي تعتمد على النفط أو الغاز ، ومستقبلا يمكن أن تعتمد على المصادر غير الناضبة كمصادر الطاقة الشمسية أو طاقة الريح وفي هذا المجال يمكن أن تنسق بحوث الطاقة من المصدرين الأخيرين بين العراق وتركيا .

3 – التجارة والنقل :  ليس المطلوب هنا هو تقديم عرض لأهمية التجارة الخارجية لكل دول العالم ، فبقدر ما تتوسع التجارة الخارجية ، تنشط عمليات الانتاج في قطاعي الزراعة والصناعة مما ينعكس إيجابا على حجم الناتج القومي والدخل الوطني والدخل الفردي على حد سواء ، وربما تضع دول العالم الكثير من القيود على حركة التجارة الدولية ، إلا أن العالم يسير بقوة باتجاه إزالة الحواجز الكمركية ورفع القيود المفروضة على دخول البضائع إلى مختلف دول العالم ، وبين الدول المتجاورة تحتل التجارة البينية حيزا مهما في حركة البضائع مما يعزز تطوير العلاقات الثنائية ويعزز كذلك المحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية ، لكن فتح الأسواق على مصاريعها بين أي بلدين غير متقاربين في مستوى الانتاج الزراعي أو الصناعي ، يمكن أن يلحق ضررا مؤكدا باقتصاد الدولة الأقل تطورا ، لذلك فإن تنظيم حركة التبادل التجاري يجب أن تخضع لاتفاقيات فيها التزامات متبادلة ، وعلى الغالب فإن العراق في علاقاته التجارية مع تركيا ما زال بحاجة إلى تفعيل نظام الحماية السلعية أمام المنافسة التركية القوية شريطة أن ترتبط بسقوف زمنية تتيح للعراق وضع الخطط الكفيلة بإحداث تطويرات بنيوية في قطاعات الزراعة والصناعة .

وإذا كانت التجارة عصب الاقتصاد في عالم اليوم ، فإن النقل هو عصب التجارة الرئيس وبدونه لن يكون متاحا نقل السلع المعدة للتصدير إلى الأسواق الخارجية بل وحتى الداخلية ، وإذا ما انعدمت وسائط النقل أو ارتفعت أجورها عن الحدود المعقولة ، فإن السلع والمنتجات والمحاصيل ستتكدس في مناطق الانتاج ، ونتيجة عدم تدوير رؤوس الأموال التي تم انفاقها في تلك المشاريع عن طريق تصريف انتاجها فسوف يتلاشى حافز الانتاج وهو الربح ويعم الكساد وربما يصل المجتمع إلى مرحلة الركود ، لذلك فأهمية النقل في التجارة ليست بحاجة إلى تفسير ، وبين العراق وتركيا تنشط أكبر أساطيل النقل البري حجما ، وهي في معظمها تعود للقطاع الخاص ، وعلى الرغم من أن تركيا تعد رئة بحرية متوسطية للعراق ، فإن قدم الطرق البرية وعدم وجود طريق النقل السريع ( هاي وي ) وكذلك ضعف خطوط السكك الحديدية بينهما يشكل مأخذا جديا وحائلا كبيرا أمام تطور حركة التجارة ، التي حتى لو توفرت النية الجدية وتم توقيع الاتفاقيات فإنها لن تصبح بمستوى الآمال المعلقة عليها دون وجود طرق برية وسكك حديد حديثة وسريعة ، أما النقل البحري فإنه طويل وقد لا يلبي طموحات البلدين فيه ، وكذلك فإن ارتفاع تكاليف النقل الجوي يجعل منه محدود الأثر في علاقاتهما .

ولا يقتصر النقل على نقل البضائع المختلفة ، بل أن تنقل الأفراد وتنشيط حركة السياحة يعدان  العمود الفقري للتواصل الثقافي والحضاري بين الشعبين ، وفتح آفاق جديدة لأوجه التعاون الشامل بين البلدين .

 

الخلاصة

إذا أريد للعلاقات الاقتصادية بين العرق وتركيا أن تأخذ مداها الأرحب وتلعب دور المحرك لعلاقاتهما السياسية ومن أجل إقامة نواة لكتلة اقتصادية تتحرر من هيمنة التكتلات الاقتصادية الكبرى ، فيجب أن يراعي كل بلد منها ظروف البلد الآخر ويتعامل مع حقوقه المضمونة بالقوانين الدولية ، على أنها المدخل الوحيد لتكون هذه العلاقات مثالا يحتذي به من قبل أي دولتين متجاورتين ، فليس هناك بلد يأخذ إيجابيات هذه العلاقة على طول الخط ، وعلى الطرف الآخر ان يكون مضحيا على طول الخط ، فالعلاقات الودية المبنية على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة ، طريق ذو ممرين يأخذ كل طرف بقدر ما يعطي ، وقد ولى الزمن الذي كانت فيه بلدان تستنزف خيرات البلدان الأخرى لتبني رفاهية شعوبها وسعادتها على حساب بؤس شعوب العالم الثالث أو الرابع .

 

ياه دجلة والفرات بين العراق وتركيا

علاء لفته موسى

تعد مياه دجلة والفرات من القضايا المهمة العالقة بين العراق وتركيا او بين العراق وتركيا وسوريا ,ولا نطلق على ما تمر بهما دجلة والفرات كمصطلح مشكلة لانها لن تصل إلى هذه الدرجة من التعقيد والاشتباك التي قد تؤدي إلى نتائج لا يحمد عقباها بين البلدان الثلاث العراق وسوريا وتركيا بل نقول انها حالة يمكن للدول الثلاث  التفاهم والتباحث لأن بينها وشائج من العلاقات التأريخية والجيرة الحسنة والترابط البشري ما يمكن لنا أن نأمل بوضع الحلول لمشاكلها  .

وقد ركزت في هذا البحث على أسباب شحة المياه علي النهرين بما يخص الجارة تركيا لانها دولة المنبع اولا , ولأنها اقامت مشاريع اروائية – وهو من حيث المبدأ – حق من حقوقها ولكن ممارسة هذا الحق له شروط اولها : إن لايكون فيه ضرر لان الاسلام لاضرر ولا ضرار , وكما قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ((أحبً لاخيك كما تحب لنفسك)) ونحن مع تركيا اخوة في الدين , وبيننا علاقات أخوية امتدت لألاف السنين وفي الوقت الحاضر نجد أن هذه الوشائج عميقة والعواطف الأخوية بينة وكذلك التضحية ونكران الذات يمكن أن تحل العوائق بين الجيران,  اذا وجدت النوايا الحسنة ولم اتطرق لسوريا كثيرا لانها دولة ممر على الرغم من أن دولة الممر يمكن أن تسهم في شحة المياه كما حدث عام 1975 مع العراق .

 

مصير حالة شحة مياه دجلة والفرات

 لسنا ممن يقول ان حروب القرن الحادي والعشرين، ستكون حروباً من اجل المياه، مثلما كان القرن العشرون مسرحًا لحروب كونية واقليمية من اجل السيطرة على مصادر الطاقة وفي مقدمتها النفط , أو مع من يقول إن الذي يسيطر على مصادر المياه ومنابعها ويحتجزها هو الذي يفرض إرادته السياسية والاقتصادية على الإقليم ودوله أو على المنطقة بأكملها، وستصبح الصراعات الأيديولوجية في الموقع الثاني أو الثانوي على الرغم من أن تانسو شيللر رئيسة وزراء تركيا السابقة  قالت في ثمانينيات القرن الماضي  ( ان الله تعالى وهب تركيا الماء على وجه الارض ووهب العرب النفط في باطن الارض) .

 وفي مطلع الثمانينيات وعند وضع الحجر الاساس لسد اتاتورك صرح رئيس الوزراء التركي انذاك ان كل برميل ماء سيقايض ببرميل نفط وهو ما جعل البعض يعتقد أن السياسات المائية لتركيا كانت الأكثر تأثيرا في العراق لأنها تتعدى الأهداف الاقتصادية الى تحقيق اهداف سياسية وامنية واجتماعية من خلال تطوير منطقة شرقي الاناضول المضطربة امنيا ,وما أكده  تصريح رئيس الوزراء التركي الاسبق ( مسعود يلماظ ) حين صرح ( ان المياه نفطنا وان كان هناك من يرضى باقتسام نفطه مع الاخرين فتركيا على استعداد لاقتسام مياهها  ).

 وتتصاعد حدة الصراع على المياه في هذا العصر نتيجة الاستخدام المتزايد لها وسوء استغلالها من ناحية ، ولتحكم البلدان المسيطرة على مصادر المياه كالأنهار والروافد ومنع تدفقها إلى دول المصب بالقدر الذي تحتاجه أو الذي اعتادت الحصول عليه منذ آماد طويلة.

 وفي منطقة الشرق الأوسط حيث يكثر الحديث عن النزاعات المسلحة التي يمكن أن تنشب بسبب المياه ، سوف تزداد المشكلة تفاقماً طالما ظل هناك تناقص مستمر في كميات المياه في هذه المنطقة و يقابله زيادة في الاستهلاك وعدد السكان ، وطالما ظلت الدول القليلة التي تسيطر على مصادر المياه فيها ، تهدد– لسبب أو لآخر – بمنع تدفق المياه عن دول المصب بالكميات التي تحتاجها  زد على ذلك إن المنطقة أصلاً تعتبر من أكثر مناطق العالم فقراً في الموارد المائية .

وليس من شك في أن الصراعات السياسية والمصالح الاقتصادية لدول المنطقة ، إضافة للضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية التي تعصف بها ، سوف تلعب دوراً رئيساً في تفاقم المشكلة بصورة أخطر مما هي عليه الآن ، اذا لم ينتبه ولاة الأمر لذلك لأنه بين مسلمين أولا وجيران ثانيا  .

وبالرغم من أن موضوع مياه نهري دجلة والفرات هو من المشكلات التي تواجه العلاقات بين تركيا من ناحيـة ، وبين سوريا والعراق اللتين تعتمدان إلى حد كبير على مياه هذين النهرين في توفير احتياجاتهما لأغراض الري والشرب وتوليد الكهرباء من ناحية أخرى فإن تركيا اتخذت عدداً من الإجراءات التي تعتبر في مجملها مخالفة للقانون الدولي الذي ينظم استغلال المجاري المائية التي تشترك فيها عدة دول ، وإن كل التصرفات والمواقف التي تتخذها تركيا بشأن التصرف في مياه النهرين ، توحي بوجود قناعة خاطئة لديها بأن من حقها الانفراد باتخاذ أي قرارات في هذا الشأن دون الرجوع لأحد - بحكم أن النهرين ينبعان من أراضيها - وبغض النظر عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بالدول الأخرى المستفيدة من مياههما.

والواقع أن المؤسسة العسكرية ذات الميول والاتجاهات السياسية الغربيـة .. التي كانت تقبض على زمام الأمور في تركيا قبل وصول اردوغان وحزبه للحكم ، هي التي كانت تتحكم في رسم سياسة تركيا الخارجية لاسيما حيال سوريا والعراق وقد اشتدت هذه السياسة ضراوة في السنوات العشر الماضية بالنسبة للعراق ،

وقد أجرت رئاسة أركان الجيش التركي دراسة دقيقة معمقة لاحتمال نشوب حرب بسبب دجلة والفرات ، صدر عنها في النهاية تقرير مفصّل حول احتمال نشوب هذا الصراع خاصة مع سوريا.

 وأشار التقرير إلى انه رغم وجود تكافئ نسبي في موازين القوى العسكرية بين البلدين فإن لتركيا رجحانا واضحا في المسائل التكنولوجيا وعامل الأرض الذي يبرز واضحاً في الأقسام الشرقية والجنوبية الشرقية من البلاد ،حيث تكثر فيها المناطق الجبلية الوعرة والمظاهر التضاريسية المعقدة مقارنةً بالطبيعة السهلية المنتشرة في سوريا.

كما بين التقرير أن السدود والخزانات وأقنية المياه التابعة لمشروع الكاب، ستكون عاملاً حاسماً في إعاقة أي زحف أو تقدمٍ بريٍ تقوم به القوات السورية باتجاه المناطق السهلية الواقعة في جنوب شرقي تركيا، حيث تنتشر منظومات الاقنية الاروائية المتصلة بهذه المنشآت المائية الممتدة لمسافات طويلة داخل عمق الأراضي التركية، فتساعد على تغيير معالم البيئة الطوبوغرافية للمنطقة لحظة وقوع الاشتباك مع سوريا. الا انه لم يتطرق إلى احتمال نشوب حرب مع العراق بسبب المياه .

 وقد أدى وقوع بعض وحدات مشروع جنوب شرقي الأناضول قرب الحدود الدولية المشتركة مع سوريا والعراق، إلى تزايد حدة الخلافات السياسية بين الدول الثلاث مما دفع القوات العسكرية التركية إلى الانفتاح والانتشار على طول هذه الحدود، من اجل صد أية محاولة تخريبية يقوم بها طرف ما للهجوم على هذه المنشات.

ومع ذلك فقد كان لوجود هذه المشاريع وخصوصاً الزراعية منها قرب المناطق الحدودية للبلدان المتجاورة تأثير كبير في إعداد الخطط ورسمها على مسرح العمليات، لاسيما أن إقامتها سوف تساعد في المستقبل على اعمار تلك المناطق الحدودية، لتصبح فيما بعد سلاحاً ذا حدين في وسعه التأثير في الفعاليات العسكرية التعرضية والدفاعية من جهة، وفي القطعات العسكرية نفسها من جهة ثانية.

ويرى البعض أن المياه المخزونة في السدود التركية من الممكن استخدامها للتأثير في العمليات العسكرية ، في حالة ما إذا نشب صراع مسلح حول المياه، وذلك عن طريق إطلاق تصاريف عالية جداً من مياه النهرين بحيث تعجز المشاريع الخزنية – السدود والخزانات- المقامة في كل من العراق وسوريا عن استيعابها وتنظيم كمياتها الجارية بصورة سريعة. ويتعاظم هذا الأمر بشكل متزايد وخطير عندما يتزامن ذلك مع القيام بإملاء هذه الخزانات أو أثناء هطول كميات كبيرة من الأمطار (التساقط).

ولعّل التصّريح الذي أدلى به أحد أعضاء الحكومة التركية وهو وزير الأشغال العامة عندما قال: ((... لئن أغضبنا السوريون فتحنا عليهم السدود... وسوف تغرق سوريا))  كان في غير محله بين جارين مسلمين .

 ويرى باحثون انه رغم وجود نوع من التوازن النسبي للإمكانات الذاتية في ميزان القوى بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى، فان ذلك قد يدفع بدولتي المجرى والمصب إلى اعتماد خيار الحرب كأجراء أخير للحصول على حقوقهما المائية المشروعة في مياه نهري الفرات ودجلة، بعد فشل كل الحلول المتاحة لتحقيق ذلك مع تركيا خصوصاً عندما تتحول هذه إلى مصدرٍ مثيرٍ للخطر يهدد الأمن المائي المشترك لكلا البلدين، من دون أن يتم استبعاد هذا الخطر بالوسائل التقليدية.

بينما يعتقد اخرون أن تركيا تحاول تجنب الصدام العسكري المباشر مع سوريا والعراق في الحرب من أجل المياه، إلا أنها قد تفكر في توجيه ضربة اجهاضية لسوريا تحديداً لما تشكّله من خطرٍ كبيرٍ على أمنها القومي,  وبما أن تركيا تعتبر عضواً في حلف شمال الأطلسي، وترتبط أيضا بتحالف عسكري- مائي مع إسرائيل فان ذلك يجعل ميزان القوى يميل بدرجة كبيرة لصالحها، مما يفرض قيوداً كثيرة على اعتماد خيار الحرب بالنسبة إلى سوريا والعراق، رغم كون هذا الخيار غير مستبعد من حسابات البلدين بصورة نهائية.

ويبدو أن الصورة غير واضحة الآن بعد أن تولى حزب العدالة التركي الحكم , وقلص دور الجيش في إدارة الحكم في تركيا .

 

واقع حال النهرين

  حتى بداية ستينيات القرن الماضي بقي نهرا دجلة والفرات خارج السجال السياسي والاقتصادي والقانوني بين الدول المتشاطئة لهما، وذلك بسبب ان الطلب على المياه من قبل تركيا  لم يكن كبيرا، غير ان هذا الوضع قد تغير الآن وبصورة جذرية عندما شرعت الدول الثلاث (تركيا، سوريا، العراق) في تنمية حوضي النهرين وانشاء الخزانات المائية عليهما ، فاصبحا الحاضر الدائم في السجال السياسي والقانوني بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة اخرى و بالطبع لم تكن ازمة المياه في المنطقة في ذلك الوقت قد بلغت درجة عالية من الحدة، لذلك كان من السهل ان تجتمع الاطراف الثلاث لتدارس الوضع وتلافي احتمال ان يتأزم الوضع ويتحول الى مشكلة كبيرة يصعب حلها، ومنذ ذلك التاريخ والاجتماعات الثنائية والثلاثية بين المعنيين في البلدان الثلاثة مستمرة لتدارس الوضع وكذلك العمل على ايجاد الحلول الملائمة لمصالح هذه الدول ، لكن دون جدوى وكان لابد من الانتظار حتى عام 1987 عندما اخذت العلاقات بين سوريا وتركيا تتحسن، حيث قام خلالها  رئيس وزراء تركيا في ذلك الوقت بزيارة  دمشق تم في نهايتها التوقيع على بروتوكول للتعاون الاقتصادي والفني التزمت تركيا بموجبه بتمرير ما يزيد على 500 متر مكعب  في الثانية من مياه دجلة  عند الحدود السورية التركية، وقد شكل هذا الاتفاق المؤقت في حينه انفراجا في العلاقات بين الدول الثلاث، ويقال ان تركيا اخذت تماطل وتختلق الذرائع في التهرب من التزاماتها، بل أرادت أن تطرح مطالب سياسية وامنية على سوريا تتعلق بالتخلي الرسمي عن لواء الاسكندرونة وان تمتنع سوريا عن دعمها المزعوم للاكراد في تركيا.

أن نهر دجلة في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد.

وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد وصرفه إلى النهر الأخر بالتناوب فيمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول .

اولا :حالة مياه دجلة

يبلغ طول نهر دجلة  1955 كم منها 500 كم داخل تركيا ، وطاقته قد تصل إلى 49 مليارم3 للروافد الكثيرة التي تزوده بالماء ، إذ ستزود بـ 50% من جبال طوروس و20% من جبال زاغروس و30% من روافد داخل العراق وإن الجزء الاكبر من الموارد المائية يتحقق في فصل الربيع من نهاية شباط الى اول حزيران والقسم الاعظم من مجرى نهر دجلة وحوضه يقع في العراق، بحيث يغلب على النهر الطابع العراقي،

سد اليسو

في اواخر شهر آب الماضي (2007)  اعلن عن قيام رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان بوضع حجر الاساس لسد اليسو على نهر دجلة قرب منطقة دراغيتجين على بعد (45) كلم من الحدود السورية، وهذا السد هو نوع املائي ركامي ويبلغ منسوب قمته (530م) اما منسوب الخزن الفيضاني الاعلى فهو (528م) بينما يبلغ منسوب الخزن الاعتيادي للسد (525م) وحجم الخزن الكلي هو (11.40) مليار متر مكعب والمساحة السطحية لبحيرة خزان السد هي (300) كلم مربع، وسيولد السد طاقة كهربائية تصل إلى 1200 ميگا واط وطاقة سنوية تبلغ 3830 كيلو واط، ويعد سد اليسو اكبر سد سينشأ على دجلة وتبلغ تكاليف انشائه (1.2) مليار دولار ، وسيتحكم السد في تحديد كميات المياه المنطلقة إلى العراق، حبث ان الوارد المائي الطبيعي لنهر دجلة عند الحدود العراقية – التركية هو (20.93) مليار متر مكعب/سنة .

وتوقعت منظمة المياه الأوروبية جفاف نهر دجلة بالكامل ، إذ سنوياً ما يعادل 33 بليون متر مكعب من مياهه، بسبب «السياسة المائية الحالية التي تتبعها تركيا». وإذا لم يتمكن العراق من إتمام اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية في شكل كامل، فإنه مقبل على ما سماه «كارثة حقيقية تلحق بملايين الدونمات الزراعية في البلاد، ما يعني تحول العراق إلى جزء من صحراء البادية الغربية خلال مدة لا تتجاوز خمسة وثلاثين عاماً.

ولم يتسلم العراق من الجانب التركي اية معلومات تخص قيامه بانشاء سد اليسو أو مواصفاته الفنية أو اية دراسات عن هذا المشروع وذلك يخالف المعاهدات المعقودة بين الجانبين ومبادئ واحكام القانون الدولي التي تقضي بقيام دول أعالي مجرى النهر باشعار دول اسفل المجرى باي نشاطات تقوم بها يمكن ان يكون لها اثر ضار ذو شان على دول اخرى من دول المجرى المائي.

الآثار السلبية المتوقعة على العراق بعد اكتمال بناء سد اليسو و هي عديدة منها  :

1. انخفاض مساحة الأراضي الزراعية بسبب انخفاض واردات المياه حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية (696.000 ) هكتار .

2. الأضرار البيئية التي تنتج عن تقلص رقعة الأراضي الخضراء والمراعي الطبيعية.

3. على الناحية السكانية يحرم سد أليسو أعدادا  كبيرة من السكان من مياه الشرب, 

4.تغير نمط معيشة السكان حيث ان انخفاض موارد المياه يدفع المزارعين إلى ترك مهنة الزراعة والهجرة نحو المدن والتجمعات السكنية  

5. التأثير في عملية إنعاش الاهوار 

6.   توقف العمل في منظومات الطاقة الكهرو مائية المقامة على طول نهر دجلة ( سد الموصل ، سد سامراء) 

7.   انخفاض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه والاستفادة منها في مواسم الجفاف 

موقف القانون الدولي مما يخص إنشاء سد أليسو:

تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عباران للحدود ولا يخضعان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية, ففي تصريح لمسؤول تركي اثناء تدشين سد اتاتورك قال: (ان ما يعود لتركيا من مجاري مياه الفرات ودجلة وروافدهما هو تركي تتصرف به تركيا كما تشاء داخل حدودها وان مصادر المياه هي موارد تركية كما ان آبار النفط تعود ملكيتها للعراق وسوريا انها مسألة سيادة)

وعلى خلاف ذلك جاء في تقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي: لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية.

ثانيا : حالة نهر الفرات

  انخفض تدفق الفرات من سنة 1990 - 2008 من 18 مليار م3 إلى 9 مليارات والتلوث وصل إلى  1800 ملغ/لتر والمعدل الدولي المقبول 800ملغ/لتر.

و اشتدت الأزمة في العراق  سنة 2009 حيث وصل تدفق النهر  إلى 200م3/ثانية أي حوالي 5/6 مليار م3 وأصبح مليونا عراقي بلا ماء وكهرباء،     ( حسب جريدة الغارديان اللندنية الصادرة في آب عام )2009 . وهاجر سكان قريتين قرب البصرة لعدم توفر الماء والكهرباء، وفي الناصرية أنخفض الماء إلى  20سم وهي رابع أكبر مدينة عراقية.

وتؤدي خسارة كل مليار متر مكعب من مياه الفرات في العراق الى نقصان(26) الف دونم من الاراضي الزراعية،وخسارة حوالي 40% من هذه الاراضي الصالحة للزراعة جراء ارتفاع نسبة معدلات الملوحة في مياهه و كذلك كان تضرر المدن والارياف نتيجة لعملية القطع غير القانونية.

وتخطط تركيا منذ امد لاستغلال المياه في توليد الطاقة الكهربائية من جهة وفي تطوير الزراعة في اراضيها لأغراض التصدير من جهة ثانية،وقد عرضت بالفعل بيع الحصص المائية الى الاقطار العربية و صار على الدول المتضررة منها وفق المنظور التركي ان تشتري الحاصلات الزراعية من تركيا لتكون تركيا قد حققت بذلك هدفين في ان واحد،هما بيع المياه وبيع الحاصلات الزراعية

كما يذكر أن واردات الفرات الحالية بحسب آخر رصد لمحطة «حصيبة» ، بلغت خمسة بلايين و700 مليون متر مكعب تمثل 42 في المئة من المعدل العام بينما تقول مصادر أخرى إن منسوب نهر الفرات عند منطقة القائم انخفض عن معدله الطبيعي البالغ  28 مليار متر مكعب الى نحو 14 مليار متر مكعب.

وبدون القسمة العادلة للمياه المشتركة ، ومع استكمال بناء المشاريع التركية والايرانية والسورية ، فان نسبة العجز المائي ستبلغ 33 مليار متر مكعب بينما ستصل نسبة الملوحة في الفرات 1250 جزء/مليون ودجلة 375 جزء/مليون.

 

الاتفاقيات بين الدول الثلاث وتجارب الشعوب في قضايا المياه في الأنهار المشتركة

يمكن للدول الثلاث ( العراق وسوريا وتركيا ) أن يفّعّلوا ما اتفقوا عليه في الماضي ويوقعوا بموجب ذلك اتفاقيات ثنائية وثلاثية فيما بينهم أو أن يحذوا حذو الدول الأخرى التي حلت مسائل عالقة تخص كيفية الاستفادة من المياه في الأنهار المشتركة عبر اتفاقيات ومعاهدات وقرارات اممية وقانونية و منها :-

اولا :المعاهدات

 المعاهدة الموقعة بتاريخ2/ 8/ 1785بين هولندا والمانيا والهادفة لتنظيم الاستعمال المشترك للحقوق المتعلقة بالأنهار بين الدول المبرمة لها .

 معاهدة باريس المؤرخة في 30/ 5 / 1814 الموقعة بين فرنسا والمانيا بشان الملاحة في نهر الراين ومعاهدتا باريس 1856 ولندن 1883 بشأن نهر الدانوب والاتفاقية المبرمة بين مصر والسودان بشان مياه النيل سنة 1907 والاتفاقية الموقعة بتاريخ 17 /12 /1914 بين فرنسا وايطاليا بشأن نهر رينو وروافده ومعاهدة فرساي سنة 1919، والمعاهدة المبرمة سنة 1922بين روسيا وفنلندا وموضوعها عدم تحويل مجرى النهر او اقامة منشأت مائية تؤثر في  تدفق المياه ومعاهدة لوزان سنة 1923 التى أوجبت على الدول المشتركة بالأنهار الحفاظ على الحقوق المكتسبة للدول المتشاطئة والاتفاقية المعقودة بين فرنسا وسويسرا بشأن نهر الراين عام 926 والمعاهدة الروسية الايرانية الموقعة بتاريخ 11/ 8/ 1957حول استغلال نهر آراكس والاتفاقية الموقعة بين الهند وباكستان سنة 1960 بشان نهر الهندوس واتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية عام 1997 ومعاهدة لوزان - باريس بتاريخ 23/12/1920 بين فرنسا وبريطانيا (باسمي سورية والعراق) بصفتهما الدولتين المنتدبتين على سورية والعراق، ومعاهدة لوزان المبرمة بين الحلفاء وتركيا في تموز 1923 التي نصت في المادة 109 على ما يلي ( عند وجود احكام مخالفة يجب عقد اتفاق بين الدول المعنية من اجل المحافظة على الحقوق الملكية لكل منهما  وذلك عندما يعتمد النظام المائي كفتح القنوات ، الفيضانات ، الري ، البزل ، والمسائل المماثلة على الاعمال المنفذة في اقليم دول اخرى او عندما يكون الاستعمال المائي في اقليم دولة ومصادر هذه المياه في دولة اخرى بسبب تعين حدود جديدة وعند تعذر الاتفاق تحسم المسألة بالتحكيم ) ومعاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا والموقعة في أنقرة في 29/3/1946 والبروتوكول رقم (1) الملحق بها والذي يقضي بتنظيم الانتفاع من مياه نهري دجلة والفرات مع روافدهما بين الدولتين وبان تخبر تركيا العراق عن مشاريعها في بناء السدود وبروتوكول عام 1980 للتعاون الفني والاقتصادي بين العراق وتركيا، والذي انضمت إليه سورية عام 1983 والذي يقضي بتشكيل لجنة فنية مشتركة لدراسة القضايا المتعلقة بالمياه الإقليمية (وخصوصاً مياه حوضي نهري الفرات ودجلة) والاتفاق السوري – العراقي المؤقت لعام 1989 على الحدود السورية – العراقية الذي أصبح نافذاً منذ 16/4/1990، 

ثانيا :مقررات  المؤتمرات الدولية

  ناقشت المؤتمرات الدولية قضايا المياه في الأنهار المشتركة ووصلت إلى حلول فاعلة وناجعة من اجل استفادة كافة الدول المتشاطئة  ويمكن للدول الثلاث العراق وسوريا وتركيا الاستفادة منها وهي:مؤتمر فيينا المنعقد بتاريخ 1815 , المتعلق بتنظيم حرية الملاحة للأغراض التجارية للدول المتشاطئة وميثاق درسدن بشأن نهر الألب في عام 1824 ومبدأ هارمون ومؤتمر مدريد عام 1911 وهو المؤتمر الخاص بمعهد القانون الدولي والذي تم فيه البحث عن حقوق الدول المتشاطئة ومؤتمر برشلونة في سنة 1921 الذي تم بموجبه ابدال مفردة (الأنهار الدولية) بــ (المياه ذات الفائدة الدولية) ومؤتمر جنيف الثاني والمنبثقة عنه اتفاقية سنة 1939 واعلان الدول الأمريكية الصادر سنة 1933 والمؤتمر الحادي والخمسون لرابطة القانون الدولي في عام 1966 والذي أصدر قرارا عرف بمبادئ هلنسكي بشأن استخدامات مياه الأنهار الدولية  .

 

ثالثا :قرارات قضائية

لقد توصلت الكثير من المحاكم في العالم إلى عدة قرارات بعد أن عرضت عليها النزاعات او الاختلافات في وجهات النظر حول تفسير بنود اتفاقيات او تضارب مصالح او الحاق ضرر بطرف من أطرافها ويمكن للدول الثلاث ( العراق وسوريا وتركيا ) الاطلاع عليها للاستفادة منها مثلا وحكم المحكمة الاتحادية السويسرية بشأن الخلاف حول سد يونباخ سنة 1878 وحكم المحكمة العليا الأمريكية حول شكوى ولاية كنساس وولاية كولورادو بشان نهر أركانساس وقرار محكمة العدل الدولية الدائمة 1920 حول نهر الاودر وقرار محكمة العدل الدولية الدائمة بشان النزاع بين هولندا وبلجيكا حول مياه نهر الميزين سنة 1937  وقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 1974 وقرار محكمة العدل الدولية بشأن النزاع بين هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا حول نهر الدانوب عام  1997 .

رابعا: قرارات دولية

يمكن أيضا الإطلاع على قرارات الأمم المتحدة كونها صادرة من أعلى مؤسسة تشريعية دولية والمصحوبة بعنصر الإلزام عادة بهذا الشأن للوصول إلى حلول يمكن لها الحفاظ على السكان في العراق وأجوائه وتربته من أي تلوث أو شحة في المزروعات وتؤدي إلى حرق الحرث والنسل منها وقرار الأمم المتحدة رقم 35163 في 15/ 12/ 1980 ومناقشة مبادىء هلسنكي حول المحافظة على البيئة النهرية المطروح امام لجنة القانون الدولي لسنة 1983 ومؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في السنغال سنة 1981 وتقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة حول استخدام مصطلح المياه العابرة للحدود سنة 1993 واعتماد مشروع قانون استخدام المجاري المائية الدولية من قبل لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة بتاريخ 17/ 6/ 1994 والميثاق الأوربي للمياه 1967 .

القرارات المتعلقة بمياه دجلة والفرات غير الدول الثلاث

صدرت العديد من القرارات الدولية وبالأخص من الجامعة العربية المتعلقة بشحة مياه دجلة والفرات في العراق وسوريا بسبب تقليل انسياب المعدلات الطبيعية لهما من الجارة تركيا ومنها و بيان مجلس الجامعة العربية الذي صدر بتاريخ 18/ 1 / 1990 في تونس وجاء فيه\" أن قرار الحكومة التركية بقطع مياه الفرات يلحق الضرر بكل من سوريا والعراق اللذين يمتلكان حقوقاً تاريخية ثابتة في مياه الفرات وفق أحكام القانون الدولي و قرار مجلس الجامعة العربية في دورته (98) قراراً برقم (5233) د.ع في 12 /9/ 1992 والذي جاء فيه:\" الالتزام القومي بالحقوق الثابتة والمشروعة للدول العربية في الأنهار الدولية وخاصةً حقوق كل من سوريا والعراق في مياه نهري دجلة والفرات ومساندة جهود الدولتين العربيتين في التوصل إلى اتفاق حول اقتسام عادل لمياه النهرين انطلاقا من حرص الدول العربية على تعزيز العلاقات الأخوية والروابط التاريخية بين تركيا وسائر البلدان العربية و أصدر مجلس الجامعة العربية قرارا في دورته (99) قراراً برقم (5286) د.ع في 19 /4/ 1993 جاء فيه\" تأكيد على الحقوق العربية الثابتة في مياه الأنهار الدولية ودعم الحقوق التاريخية المكتسبة لكل من سوريا والعراق واجتماع اللجنة الفنية السورية- العراقية المشتركة في شباط 1996 واجتماع مجلس الجامعة العربية في دورته (105) عام 1996 وقد أصدر المجلس قراراً يدعم حقوق سوريا والعراق في مياه نهري دجلة والفرات .

 

القوانين الدولية التي تنظم واقع الحال لمياه دجلة والفرات

ويقع تنظيم القوانين الدولية لنهري دجلة والفرات ضمن نطاق معاهدة لوزان التي اقرت العام 1932 وعلى المادة 109 التي تحدثت عن الحقوق والمصالح المشتركة بحيث يتم في حالة تعثر الاتفاق بين الدول اللجوء الى التحكيم العام”.

 الا أن تركيا لم تلتزم بشكل ثابت بأي من اتفاقياتها المائية مع العراق إضافة إلى مخالفتها لاتفاقيات المبادئ العامة لحقوق البلدان أسفل الأنهار عند المصبات، بل كانت توقع الاتفاقية التي تتماشى مع حاجتها الآنية  فقد تنكرت تركيا في كل مرحلة لمختلف المعاهدات والاتفاقيات التي وقعتها في حينها وهي معاهدات لوزان 1920 ومعاهدة باريس 1920، كما خالفت تركيا معاهدة أنقرة التي عقدت في عاصمتها وبرعايتها عام 1921، وتنكرت لتعهداتها المائية في النهرين الموقعة بين العراق وتركيا ضمن معاهدة الصداقة وحسن الجوار عام 1946، وما أعقبتها من اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والفني عام 1971 وبروتوكول عام 1980 بين العراق وتركيا والذي انضمت إليه سوريا عام 1983 ومن بعده بروتوكول عام 1987 بين تركيا وسوريا والذي أعقبه الاتفاق العراقي السوري بشأن المياه عام 1989.

لم تظهر أي مشكلة قانونية بين الدول الثلاث حتى بدأت تركيا ثم سوريا في وضع الخطط لاستغلال مياه نهر الفرات ومما يسبب التوتر مع جارتي تركيا

إن امتناع تركيا في موضوع عقد المعاهدة مع العراق وسوريا يعود إلى عدة أسباب منها:

  1. أن تركيا إذا فكرت في عقد معاهدة لتقاسم المياه فستعقدها بشروطها هي،
  2. أسباب سياسية كما قال بعض المهتمين بهذا الشأن ، فهي تستخدم المياه    للضغط على سوريا
  3. أهداف اقتصادية كما قال اخرون ، حيث تريد تركيا من خلال استغلال مياه دجلة والفرات أن تخلق تنمية بشرية وصناعية وزراعية لإحياء المنطقة الفقيرة .

 

الخاتمة

مثلما قلنا في بداية البحث إن حالة شحة مياه الرافدين ليست من الاسباب التي تؤدي إلى حرب او نزاع عسكري بين الدول الثلاث لان ما يمنع ذلك اسباب عديدة:

 اولها-  أن العراق وسوريا وتركيا اقطار اسلامية متجاورة بينها من الوشائج والروابط ما يمنع أيا من تسول له نفسه أن يحدث صراعا عسكرياً او يمهد له , أما ما نقلناه عن بعض السياسيين الاتراك ومواقفهم المتشنجة من هذه المسألة فقد ازيحوا عن السلطة في تركيا بفعل النظام السياسي القائم على الانتقال السلمي للسلطة.

وثانيا - إن نهري دجلة والفرات كانا نهرين داخليين أبان الحكم العثماني وينقلان المياه من أقليم الأناضول إلى أقليمي سوريا والعراق بولاياته الثلاثة ثم يصبان في الخليج العربي , الذي كان تحت الادارة العثمانية .

 وثالثا-  ذلك أن العراقيين كان لهم موقف متميز أبان الحرب بين الجيش العثماني والجيش الانكليزي على الأراضي العراقية , حيث كان العراقيون يمدون الاتراك بالمؤن والسلاح وكشف المواقع وتحركات الجيش الانكليزي , وما معركة حصار الكوت إلا  دليل حي ورائع على هذه الوقفات .

 ورابعا-  فانه لم يصدر أي تصريح عدائي من عراقي ضد الأتراك سواء أبان الحكم الملكي أو الجمهوري أو قبل الاحتلال الأمريكي , بل على العكس كانت هنالك اجتماعات دورية ولقاءات مثمرة وتم توقيع اتفاقيات ثنائية وثلاثية لحل هذه المشكلة كما أن تركيا تحرص دوما على سلامة العراق ارضا وشعبا وما موقفها من الغزو الامريكي الا دليل على ذلك , ومنها موقفها تجاه التركمان في العراق حيث كان هناك من يدعو إلى مؤازرتهم من قبل تركيا للحصول على أقليم منفرد في كركوك .

أما موقف مجلس النواب العراقي قبل فترة وجيزة عندما أوقف التصديق على الاتفاقية الإستراتيجية المزمع توقيعها مع تركيا، مشترطا أن توقع تركيا اتفاقية المياه مع العراق فقد كان غير موفق , لأنه كان على من تباحث مع الجانب التركي ـ وهي الحكومة والمسؤولون في وزارة الموارد المائية ومنهم الوزير السابق وهو من التحالف الكردستاني وصهر رئيس الجمهورية اضافة إلى إن القائمين على ملف المياه في العراق جُلهم من غير المختصين وليس لهم دراية بالقانون الدولي او الاتفاقيات الموقعة سابقا مع تركيا حول الأنهار الدولية، واللجان المختصة بالمياه والزراعة في مجلس النواب العراقي لا تلم بتخصصاتها وليس لها علم او خلفيات قانونية وتفاوضية عن مسألة مياه الانهار ـ  قبل الأعداد لهذه الاتفاقية إن تبحث مسألة الأنهار المشتركة , دون  اغفال ثم يتم الأعلان عنها فجأة وكأنها حالة طارئة وليست موجودة منذ عقود , وكأن هناك من أرادها حجة على تركيا لعدم توقيع الاتفاقية التي في جوانب عديدة منها تخص قضية الاكراد في تركيا , لكن الملاحظ أن تركيا لم تشترط ابدا قضية الاكراد في تركيا مع مسألة المياه المتدفقة على العراق مثلما طلب الرئيس التركي توركوت اوزال من سوريا عام 1987 بان تتوقف عن دعم حزب العمال الكردستاني مقابل تزويدها بـ 12 مليار متر مكعب وقال حينها النفط للعرب والماء لتركيا!!

إن حل مسألة شحة المياه في دجلة والفرات بسيط جدا مادامت النوايا حسنة والقلوب صافية وهو اللجوء بشكل مكثف ومعمق وعلمي مع تركيا والرجوع إلى الاتفاقيات الموقعة بين البلدين والوقوف على طلباتها الفنية بما يخص تصريف المياه والاستفادة منها لان تركيا لن تقبل ابدا أن تضر جارة مسلمة وعزيزة عليها مثل العراق والذي لم يلجأ إلى الجامعة العربية او المنظمات الدولية او محاكم العدل الدولية  او إلى التحكيم العام للشكوى من تركيا .

 

1
9937
تعليقات (0)

 

"خدمة "اسلام ديلي" تعنى برصد ومتابعة كل ما ينشر في وسائل الإعلام، وما ينشر ليس بالضرورة يعبر عن رأي الموقع."

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني