الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد
عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية - الجزء الأول
منذ صدوره في مارس الماضي، ما زال هذا الكتاب تتردد أصداؤه ويؤخذ على محمل من الجدية العميقة على مستوى المشهد السياسي بالولايات المتحدة.
وقد نشرت دوريات عديدة ومرموقة أكثر من عرض ونقد وتقييم لطروحات الكتاب بفصوله السبعة وصفحاته التي بلغت 226، خاصة وأنه يتعرض لأفكار فصيل المحافظين الجدد الذين ما برح نفوذهم ظاهرا وملموسا وعميقا، بصور شتى في عملية صنع وهندسة القرار الاستراتيجي بالولايات المتحدة..
حيث يدرك متابعو الشأن السياسي مدى قوة انتشارهم ما بين مقر الرئاسة إلى البنتاغون إلى البنك الدولي إلى سفارة الولايات المتحدة في بغداد.أما المؤلف فرانسيس فوكوياما، المثقف الأميركي من أصل ياباني، فيتميز بأنه جمع بين الاهتمام الأكاديمي كأستاذ جامعي وبين الممارسة العملية .
حيث عمل مستشارا بالخارجية الأميركية وأصدر دراسات في العلاقات الدولية جاءت في مقدمتها مرثيته الشهيرة لنظام القطبين العالمي التي أصدرها تحت عنوان "نهاية التاريخ".
ترجع أهمية هذا الكتاب الماثل بين أيدينا إلى عوامل رئيسية ثلاثة:
أولا، إن المؤلف الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما لا يزال يعد في طليعة المفكرين السياسيين في الولايات المتحدة.. لا على المستوى الفكري الذي يجتهد في بلورته حيث يعمل أستاذا للاقتصاد السياسي الدولي في كلية الدراسات المتقدمة (العليا) بإحدى الجامعات المرموقة في أميركا وهي جامعة جون هوبكنز ، وأيضا لأنهم يصنفونه موضوعيا ضمن الكادر الرفيع المستوى من علماء السياسة والاقتصاد وهي الفئة التي تحمل اسم «واضعي الأجندات» بمعنى واضعي وأصحاب التنظيرات السياسية التي لا تلبث أن تتحول إلى خطط.
وبرامج يعتمدها رؤساء الدول ويقوم على تنفيذها مسئولو التنفيذ، الذي قد يكون هادئا أو «باردا» في البيت الأبيض أو في وزارة الخارجية.. وقد يصل إلى درجة عالية من السخونة عندما يشارك في التنفيذ جحافل البنتاجون في مسارح العمليات.
ثانيا، إن البروفيسور فوكوياما ذاعت شهرته في مستهل التسعينات عندما أصدر كتابه المهم الذي ظل يتصدر قائمة أكثر الكتب رواجا ومبيعا في العالم الناطق بالإنجليزية وهو كتاب "نهاية التاريخ" الذي يصفه المحللون بأنه جاء بمثابة مرثية لا تخلو طبعا من التشفي في انهيار المنظومة الشيوعية وزوال الاتحاد السوفييتي بقدر ما جاء بمثابة إعلان بالتهليل والوعود لا يخلو طبعا من خيلاء وإشادة بما رآه المؤلف من انتصار المعسكر الرأسمالي في الغرب عبر ضفتي الأطلسي وبالتالي تكريس أميركا قطبا واحدا ومحورا مهيمنا وزعيما لا يشق له غبار مع غروب قرن حافل وعلى أبواب قرن واعد.
ثالثا، إن الأستاذ فوكوياما مهد لنفسه، وبكتابه الذي ألمحنا إليه، مكانة التنظير مع التبشير بالفريق الذي كان مع التسعينات يترقب، بل يتلمظ، من أجل استلام مقاليد السلطة الرئاسية في أميركا وقد أمسك بها فعلا حين تهيأت أسباب النجاح للرئيس بوش - الابن الذي دخل البيت الأبيض على صهوة مطامح هذا الفريق الذي حمل ولا يزال يحمل اسمه أو شعاره المعروف في حوليات الفكر والسياسة الأميركية المعاصرة وهو: المحافظون الجدد
نعم.. كان فوكوياما هو العقل المفكر وهو الأستاذ المنّظر لهذا الفريق.. وهو يحكي في تصدير كتابنا هذا عن مراحل تتلمذه على يد رواد هذا الفريق من المحافظين السياسيين وقد تعلم من بعضهم وعمل مع بعضهم الآخر. وفي هذا التصدير نقرأ أسماء من قبيل بول وولفويتز والذي كان من صقور وزارة الدفاع وهو الآن رئيس البنك الدولي.
ونقرأ أسماء آلان بلوم الذي كان أستاذا للمؤلف فيما كان تلميذا لدى ليوشتراوس.. رأس مدرسة المحافظين الجدد الذي هاجر من ألمانيا وبشّر بفكر هذه المدرسة وأصدر كتابه الشهير بعنوان «إغلاق العقل الأميركي» ورحل عن الدنيا في أوائل عقد السبعينات.
في نفس التصدير نجد مفاجأة التخلي عن المحافظين فيؤكد لنا مؤلف كتابنا ما نعرفه من خلال متابعتنا الشخصية على مدار سنوات لتطورات المشهد الفكري في الولايات المتحدة..
حيث كانت مقالات ودراسات وتنظيرات فرانسيس فوكوياما تنشر باستمرار في المجلات الناطقة باسم فريق المحافظين الذين يطمحون إلى تغيير العالم ولو عن طريق «الفوضى.. المنظمة» كما يدعون ولو باستخدام القوة الباطشة للآلة الحربية الأميركية وتحمل هذه المجلات ولا تزال أسماء وعناوين من قبيل «ناشيونال انترست» إضافة إلى «كومنتري».
بكل هذه المكانة.. واستنادا إلى هذا التاريخ.. ومن ثم إلى مصداقية لا يشق لها غبار.. فاجأ الأستاذ فوكوياما أميركا والعالم بكتابه الجديد الصادر مؤخرا ليرصد فيه أوضاع أميركا وهي عند مفترق طرق.
ويفصّل على صفحاته ما آلت إليه أفكار المؤلف بصدد قضايا محورية وخطيرة من قبيل الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد أو هي وصيتهم التي يبلورها سؤال مطروح يقول: ماذا يبقى منهم للتاريخ؟
في ضوء كل ما سبق يكتسب هذا الكتاب أهميته حتى لا نقول خطورته.
الغار ديان: الكتاب هجمة وحشية
لاعجب أن تنشر الغار ديان البريطانية (عدد 13/4/2006) عرضا نقديا للكتاب تحت عنوان «التفكير الانتقادي» وتستخدم في الموضوع عبارات حادة تقول باختصار شديد:
- إن سياسة بوش الخارجية أصبحت في مرمى نيران القصف من جانب مبشر سابق من مبشري المحافظين الجدد.
- في نفس الموضوع يقول الكاتب الإنجليزي مارتن جاك في وصف الكتاب الذي بين أيدينا: إن هذا الكتاب يشكل هجمة انتقاديه جارحة (حرفيا متوحشة) لسياسة ونزعة المحافظين الجدد على نحو ما نادت بها وعملت على تنفيذها إدارة بوش. وهذا الانتقاد يكتسب خطورته من واقع أن فوكوياما كان يعد نفسه، وبقوة، في طليعة المؤمنين بهذه السياسة والمبشرين بها.
النيويوركر: الكتاب لحن وداعي : من جانب آخر يكتب «لويس مينان» في مجلة النيويوركر (عدد 27/3/2005) واصفا كتاب فوكوياما بأنه أقرب إلى لحن الوداع أو معزوفة الطلاق أو الانفصال بمعنى الانشقاق عن صفوف المحافظين المتحكمين في مقاليد أميركا في المرحلة الراهنة..
وفي مقال النيويوركر يلفت الكاتب النظر إلى أن هذا الانفصال أو الانشقاق لم يأت جديدا ولا كان مفاجأة مباغتة - ويحاول المقال تذكير القارئين المحللين بأن فوكوياما سبق منذ عام 2002 أن حذر من المبالغة الشديدة في تقدير خطر ما يوصف بأنه تنظيم القاعدة أو جماعات »الجهاديين. «
نيويورك تايمز« Neo No More!» :
أما ملحق الكتاب الصادر عن النيويورك تايمز (26/3/2005) فقد حمل على غلافه إشارة إلى صدور كتابنا يلحق بها بالطبع موضوع تفصيلي عن الكتاب - وقد عمد كاتب الموضوع إلى صياغة بارعة لتلك الإشارة لخص فيها مقصد الكتاب فقال بالإنجليزيـة: « Neo No More»؛ وقد نفهم معناها على أنه «كفى محافظين جدد«.
ولأن لكل كتاب قصة.. أو حكاية أساسية أو جنينية كما قد نسميها فإن مؤلفنا يوافينا في سطوره الأولى بقصة نشأة هذا الكتاب وقد نلخصها على النحو التالي: في ليلة باردة من ليالي فبراير عام 2004 كان المؤلف (البروفيسور فرانسيس فوكوياما) يحضر حفل عشاء في واشنطن العاصمة أقامه أحد المراكز الفكرية (Think Tank) الناطقة باسم المحافظين الجدد.. حكام واشنطن وكبار مسئوليها.
وعندما وقف كبير المتحدثين في الحفل وهو المحلل السياسي تشارلز كروثامر يتكلم.. كادت الدنيا تدور بالأستاذ فوكوياما الذي وقعت كلمات المتحدث على رأسه وقع الصاعقة:
كيف لا وكان الحديث يدور حول النجاح الذي لا يباريه نجاح عند الأولين والآخرين وقد حققته أميركا في العراق. زاد وقع الصاعقة أيضا عندما فوجئ فوكوياما بالحضور وقد انطلقوا في عاصفة من التصفيق معربين عن سعادة غامرة وغرور بغير نظير.
أما عن شعوره وأفكاره في تلك اللحظة.. فيقول: في تلك اللحظة لم أستطع أن أفهم سر هذا التصفيق المتأجج حماسا من حولي، خاصة وأن أميركا لم تعثر على أي أسلحة دمار شامل في العراق ومن ثم فقد وجدت نفسها منغمسة في ورطة حافلة بالمتمردين بل وكادت تعزل نفسها تماما عن بقية العالم بسبب ما عمدت إلى إتباعه من ذلك النوع من سياسة القطب الواحد التي دعا إليها كروثامر في الكلمة التي ألقاها على مسامع الحاضرين.
وهكذا في اليوم التالي عزمت على أن أكتب منتقدا هذه النزعة وكان أن ظهرت التحولات أولا في مقالة منشورة في صيف 2004 تحت العنوان التالي: » لحظة المحافظين الجدد « في تلك المقالة - يضيف مؤلفنا - انتهيت إلى أن حركة المحافظين الجدد، سواء كرمز سياسي أو كتيار فكري، قد تحولت إلى شيء لم يعد بوسعي أن أؤيده، وهذا ما سوف أدلك عليه في سطور هذا الكتاب الذي أحاول فيه أن ألقي أضواء تشرح للقارئ الأسباب التي أفضت إلى تلك الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الرئيس بوش الحالية.
ومن ثم أحاول أن أرسم المعالم الأساسية لمسار بديل أرى أن من واجب أميركا - أو من الأفضل لها - أن تسلكه لكي تعيد تواصلها مع بقية العالم. تلك هي الخلفية الأشمل التي كان يصدر عنها مؤلفنا وهو بصدد بلورة أفكاره في هذا الكتاب.
ثمة أسباب مباشرة وتفصيلية دفعته إلى طرح هذه الأفكار في هذه المرحلة بالذات: منها مساندته لإصدار مجلة جديدة في الفكر السياسي تعنى بالمصالح الأميركية وتحمل عنوانا بهذا المعنى وهي "أميركان انترست" ويقصد بها - كما يضيف مؤلفنا - أن تعالج دور أميركا في العالم في محاولة لتجميع آراء الأنصار والمؤيدين لهذا الطرح الذي يناقض فيه أفكار وتحركات ونظريات وسياسات المحافظين الجدد التي أوصلت العالم موضوعيا إلى أحوال لا تسر القريب ولا البعيد.
الويلسونية.. الواقعية
هذه السياسة الجديدة التي يقترحها مؤلفنا فوكوياما يمكن أن نطلق عليها - كما يقول في الكتاب - الوصف التالي: الويلسونية الواقعية ، والرجل - في تواضع الأكاديمي - يناشد قارئيه أن يوافوه بآرائهم ومقترحاتهم إذا ما تصور أحدهم أو أحداهن عنوانا أفضل أو أدق لهذه الدعوة الجديدة في السياسة الأميركية الراهنة. وربما يقصد بالويلسونية الواقعية نوعا من المزج أو الموالفة أو التركيب بين أفكار رئيس أميركي سابق هو وودرو ويلسون (1856-1924) وبين واقعية الزمان الصعب الذي نعيش فيه.
ورغم أن المؤلف يعدنا بالمزيد من بسط وتفصيل الأفكار التي طرحها في سطور الكتاب، إلا أننا نفهم في هذه المرحلة المبكر من مطالعتنا لهذا العمل الفكري أن المقصود هو استثمار أفكار ويلسون التي سبق إلى طرحها بعد ويلات الحرب العالمية الأولى لبناء السلام العالمي وإنشاء كيان دولي يفصل في المنازعات بين الأمم والشعوب (هو عصبة الأمم المتحدة التي تحولت كما هو معروف إلى منظمة الأمم المتحدة).
والحق أن ثمة فضلا ينسب إلى ذلك الرئيس الأميركي (تولى رئاسة بلاده بين عامي 1913 و1921) وكان قبلها أستاذا جامعيا مرموقا - كما أنه كان أول مسؤول غربي كبير يدعو إلى إقرار حق الشعوب في تقرير المصير وقد رفع لواء هذه الدعوة لدى انعقاد مؤتمر الصلح الشهير في باريس عام 1918 ، ونال بفضلها جائزة نوبل الرفيعة للسلام عام 1919.
كانت أفكارا نبيلة وطموحة بقدر ما كانت تحلق في أجواء الحلم بعالم أفضل يعيش في ظلال السلم والأمن ومن ثم الاستقرار والرخاء.
ورغم أن الحلم الويلسوني لم يتحقق للأسف إذ عاد العالم إلى خوض أتون الحرب العالمية الثانية بعد حكاية جائزة نوبل بعشرين عاما ، إلا أن الويلسونية ظلت مستقرة في الضمير الجمعي الأميركي، وفي متون الأدبيات السياسية في أكثر من موقع بالعالم إلى أن جاء الأستاذ فوكوياما كما أسلفنا ليمزج بينها وبين النزعة الواقعية التي تقتضيها ظروف العالم الراهن بكل أوضاعه المؤسسية.
نظرة خاطئة للعالم الإسلامي
في هذا الإطار لا يفوتنا ونحن نبدأ ملاحتنا في بحور هذا الكتاب أن نرصد ملمحا ذكيا من جانب المؤلف لواحد من أفدح الأخطاء - في رأينا - التي وقع فيها المحافظون الجدد من ساسة أميركا ومفكريها ومسؤوليها.
يقول فرانسيس فوكوياما: علينا أن نتوقف عند الأسلوب الذي تبناه وأصر على أتباعه بعض المحافظين الجدد (في أميركا) إذ لم يتورعوا عن تبني وتطبيق المبدأ الاستراتيجي الإسرائيلي المتشدد (المتصلب)، وبصورة غير سليمة أو لائقة في رأيي على الحالة في أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويصدق هذا مثلا على الكاتب السياسي كروثامر بالذات.. وقد أقنعتني حواراتنا التي دارت بعد ذلك بأنني كنت على حق فيما ذهبت إليه ، وأنا أرى أن آراءه التي تدور حول خطر داهم ماحق يشكله العالم الإسلامي إنما هي آراء خاطئة مغلوطة..
ورغم أنني (المؤلف) سوف أسهب في عرض أسبابي في الفصل الثالث من كتابي، إلا أنني أكتفي في السياق الراهن بأن أقول أن مثل هذه الآراء قد تكون لبعض الأفراد و يجوز أن تنسب إلى المحافظين الجدد في عمومهم - ومع ذلك فما زلت أتصور أن إدارة بوش أخطأت التعامل مع قضايا هامة من قبيل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ففي خلال ولايته الأولى لم تضغط إدارة بوش كما ينبغي من أجل التعامل المكثف مع هذه القضية ومن ثم فالاختبار الحقيقي لإدارة بوش ولسائر قضايا المحافظين الجدد هو الفترة الحالية وبعد الانسحاب (الذي تم) من غزة.
هكذا حرص البروفيسور فرانسيس فوكوياما على التمهيد لأطروحة كتابه وكأنما يحاول فتح شهية القراء والمحللين، خاصة وقد عمد أيضا إلى ما يشبه تجريب الأفكار المطروحة على طلابه الدارسين في الموسم الأكاديمي بجامعة ييل في أبريل من عام 2005 وضمن برنامج الجامعة الذي حمل عنوان «الأخلاقيات والسياسة والاقتصاد».
بعدها يبدأ الفصل الأول من الكتاب تحت العنوان التالي: المبادئ والحصافة..
المؤلف يفتتح هذا الفصل بالوقوف عند حادثة الهجوم الغاشم الذي تعرضت له أميركا يوم 11 سبتمبر 2001. ولكنه يقف أيضا عند الإجراءات التي اتخذتها إدارة بوش (الأولى) وتجسدت في سياسات يصفها المؤلف بأنها كانت درامية وكاسحة بدأت بدفع الكونغرس إلى إقرار القانون الوطني الذي منح سلطات واسعة لدوائر إنفاذ القوانين.
وتلت الإدارة ذلك بغزو أفغانستان ثم أعلنت مبدأ استراتيجياً جديدا تحت شعار الإجراءات الوقائية الإجهاضية وهو ما يرادف - في رأي المؤلف أيضا - مذهب الحرب الاستباقية بمعنى أن تفرض القتال على العدو في أراضيه بدلا من الاعتماد على سياسات الردع أو الاحتواء التي كانت السياسة المحورية المتبعة خلال الحرب الباردة..
ويضيف فوكوياما - قامت أميركا بغزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين على أساس أنه كان لديه - أو كان يعتزم اقتناء - أسلحة للدمار الشامل. ثم يوضح المؤلف أن السياسات الداخلية كانت استجابات أو ردود أفعال مباشرة لهجوم 11 سبتمبر وكان بالإمكان تبريرها على أسس شتى..
وذلك خلاف حكاية غزو العراق حيث كانت إدارة بوش تتوقع حربا قصيرة الأمد وتحولا سريعا ومريحا نسبيا إلى عراق ما بعد صدام دون أن تلقي بالا إلى احتياجات التعمير بعد انتهاء الصراع ولشدة ما كانت دهشتها حين وجدت نفسها وقد تعين عليها أن تحارب ضد حركة تمرد (أو مقاومة) تمتد إلى أمد طويل.
أفكارهم خارج السلطة
ماذا إذن عن مفكري المحافظين الجدد، وأين موقعهم من هذا كله؟
يجيب مؤلف الكتاب :في السنوات التي كانوا فيها خارج السلطة، أي قبل انتخابات عام 2000، كانوا قد اقترحوا أجندة مستجدة للسياسة الخارجية تنطلق من مفاهيم وأفكار من قبيل : تغيير النظم الحاكمة.. الهيمنة الخيّرة (السيطرة الرؤوم) .. عالم القطب الأوحد.. الضربات الاستباقية والوضع الاستثنائي لأميركا.. وكل هذه الأفكار ما لبثت أن تحولت لكي تصبح ركائز أجندة السياسة الخارجية الأميركية بعد مجيء (مرشحهم) بوش رئيسا للولايات المتحدة.
في نفس السياق يضيف فرانسيس فوكوياما قائلا بوضوح : إن كثيرا من هؤلاء المحافظين الجدد كانوا من أقوى دعاة شن الحرب ومن المدافعين عن تحويل بؤرة التركيز من «القاعدة» إلى العراق.. وهكذا جاءت تصريحات وإعلانات وأقوال الرئيس في مناسبات شتى لعل أهمها خطاب حالة الاتحاد وخطاب معهد انتربرايز الأميركي في فبراير 2003 إضافة إلى إستراتيجية أمن الولايات المتحدة المنشورة في سبتمبر 2002.
كل هذا أصبح يشكل في مجموعه ما أصبح يوصف بأنه "مبدأ بوش" وكلها تتسق مع ما كانت تطرحه وتدعو إليه عناصر المحافظين الجدد ممن ليسوا أطرافا أو مسئولين داخل سلك تلك الإدارة.
أخيرا يقول المؤلف: في ضوء هذا السجل، لا عجب أن رأى كثير من المراقبين السياسيين أن إدارة بوش هي بالقطع نتاج عمدت إلى تشكيله وصياغته جماعات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.