الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد
عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية - الجزء الثاني
المفكرون اليهود يرسمون الخطوط الأساسية لفكر المحافظين الجدد
إرث المحافظين الجدد..
يتناول فرانسيس فوكوياما في هذه الحلقة من الكتاب جذور فكر المحافظين الجدد التي تضرب عميقاً في التربة الزمنية للقرن العشرين، وبالأخص في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات من القرن الماضي، عندما شرعت مجموعة من الأكاديميين اليهود في جامعة نيويورك وعلى رأسهم ليو شتراوس بالعمل ضد انتشار الشيوعية بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 وانتشار الأفكار الماركسية.
يشير مؤلف الكتاب إلى الدور الذي لعبه المحافظون الجدد في تسيير دفة السياسة الخارجية الأميركية باتجاه العمل المنفرد على الساحة الدولية تحقيقاً لما أسموه «الهيمنة الخيّرة» التي تتطلب عملاً عسكرياً استباقياً، مثلما حدث في العراق، مع أن المراقبين يعتبرون تلك الحرب وسيلة لتحقيق أهداف المحافظين الجدد في ضمان الأمن لإسرائيل ولو على حساب المصالح الأميركية.
قد يدهش الكثيرون من متابعي السياسة الأميركية حين يقال لهم إن حركة وفكر وتوجهات المحافظين الجدد ليست بالأمر المستحدث، ولا هي بالاتجاه المستجد على المشهد السياسي الأميركي ولا حتى الدولي.
إن جذور حركة المحافظين تمتد في التربة الزمنية للقرن العشرين إلى أواخر الثلاثينات وأوائل عقد الأربعينات ومنذ ذلك الحين ظلت تولّد أفكارا وتبلور نظريات ومواقف إلى أن استقام لها مسار متميز ومجموعة متساوقة ومنتظمة من الطروحات النظرية ما لبثت أن أثرّت بدورها على نطاق واسع من خيارات السياسة الداخلية والخارجية على السواء في الولايات المتحدة.
هذا بالضبط ما يؤكده مؤلف كتابنا ـ البروفيسور فرانسيس فوكوياما في سياق الفصل الأول من هذا الكتاب. وفي نفس السياق يطرح المؤلف ما يصفه بأنه 4 مبادئ أو 4 خيوط تشابكت وتفاعلت معا إلى حيث حملت فكر المحافظين الجدد، عبر السنوات إلى حيث أوصلته إلى حقبة نهاية الحرب الباردة مع مقتبل عقد التسعينات.
هذه المبادئ أو الخيوط الأربعة يبسطها المؤلف على النحو التالي:
انشغال بقضية الديمقراطية ومسائل حقوق الإنسان وبصورة أعم اهتمام (غير مسبوق) بالأوضاع الداخلية للدول فضلا عن اعتقاد بإمكانية استخدام قوة أميركا لتحقيق أهداف أخلاقية ـ أدبية أو معنوية في ظل التشكك في إمكانية أن تستطيع مبادئ وقواعد القانون الدولي ـ فضلاً عن المؤسسات الدولية) منظومة الأمم المتحدة بالذات) حل قضايا الأمن الخطيرة.
وأخيراً تصوّر بأن الطموح إلى التخطيط لتغيير أحوال المجتمعات (يسمونها الهندسة الاجتماعية) كثيرا ما يفضي (في رأي المحافظين الجدد) إلى عواقب غير متوقعة وغالبا ما يؤدي إلى تشويه أو تدمير المقاصد التي يطمح إلى بلوغها. عند هذا المنعطف المنطقي نقف مع مؤلفنا معربين إلى حد كبير عن موافقة أو اتفاق مع جانب كبير من هذه الأفكار..
فمن ذا الذي يرفض حقوق الإنسان؟ ومن الذي يبغض الممارسة الديمقراطية المستمدة من واقع الحريات العامة والأساسية؟ وقد عمدنا إلى استخدام عبارة الموافقة على جانب كبير من أفكار المحافظين لا باعتبار أن لا سبيل إلى الاتفاق معهم على جوانب أخرى مما يطرحون وخاصة حكاية التعاطي مع الشؤون الداخلية للدول والشعوب.
وهو اتجاه قد يبدو بريئا بمعنى إبداء الاهتمام بالمشاكل الداخلية للدول وربما تقديم المساعدات لها لحل مشاكلها المحلية، ولكنه قد ينتهي بحكاية مبدأ التدخل.. الإنساني كما حدث في عهد كلينتون وذلك باب مخيف يفتح ولا يكاد يغلق لأنه سيفضي إلى التدخل العسكري على نحو ما يشهده أكثر من بلد على خريطة عالم اليوم.
ويلفت النظر أيضا أن فوكوياما يكاد يتفق معنا من حيث الموافقة على جوانب من أفكار المحافظين الأميركيين ـ وفي هذا يقول: عندما تعرض هذه الأفكار في شكلها المجرد (يقصد النظري) فإن معظم الأميركيين لن يختلفوا معها كثيرا من الناحية المبدئية: بعدها يسوق المؤلف مثالا من أحد دهاقنة السياسة الخارجية الأميركية ، فيقول: هنري كيسنجر وأتباعه من أصحاب الواقعية السياسية لن ينكروا أهمية الديمقراطية، بل أن أنصار الأمم المتحدة نفسها لن ينكروا من ناحيتهم أن المنظمة الدولية تشوبها عوامل شتى من الفتور والقصور..
لكن القضية ليست على هذا النحو من البساطة: إن هذه الأفكار النظرية وجدت من يفسرها بطريقة خاصة (وخطيرة أيضاً) فكان أن تحولت من نظريات إلى سياسات ومن أطروحات إلى تهديدات ومن مبادئ توجه المسيرة إلى تحيزات عمياء أفضت بإدارة الرئيس بوش إلى ارتكاب أخطاء فادحة يبلورها المؤلف في ثلاثة نقاط على النحو التالي:
كان هناك خطأ تقدير الخطر المحدق أو تقييم التهديد المحتمل. وفي هذا الصدد ـ يضيف المؤلف ـ بالغت إدارة بوش أو بالأدق أساءت التوصيف لما قالت إنه الخطر الذي يواجه الولايات المتحدة من جانب الإسلام " الراديكالي ".
وبرغم أن الاحتمال المستجد الذي يتصور أن إرهابيين سيظهرون على الساحة مدججين بأسلحة الدمار الشامل لم يتجسد من قريب أو بعيد، فإن الإدارة الأميركية عمدت إلى تضخيم هذا الاحتمال وربطت بينه وبين العراق بشكل خاص، ثم بينه وبين قضية الدول المارقة وانتشار الأسلحة النووية بشكل عام.
كان ذلك في رأي فوكوياما إساءة في الفهم وخطأ في الحكم على الأشياء وقد جاء ناجما بدوره عن فشل ذريع وبالجملة من جانب دوائر الاستخبارات التي جانبها الصواب والدقة في تقييم برامج أسلحة الدمار في العراق قبل نشوب الحرب. ومن جانبها أمعنت الإدارة إلى حد الغلو في تقييم الخطر إلى حيث وضعت مبدأ الحرب الوقائية ليشكل محورا لإستراتيجية أمنية جديدة.
حكاية الهيمنة الخيّرة
ومن الأخطاء الأخرى التي يعرض لها فوكوياما ما يصفه بأنه فشل إدارة بوش في تقدير واستباق رد الفعل العالمي إزاء ممارسة ما وصفه بأنه «الهيمنة الخيّرة». لقد جاءت إدارة بوش إلى البيت الأبيض من منطلق عقائدي متحيز ومتصلب ضد الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدولية ومنها محكمة العدل الدولية.
ولم ينتبه أركان هذه الإدارة إلى أنهم يدفعون الناس بذلك إلى مزيد من التباعد عن أميركا واتخاذ مواقف مناهضة لها.. خاصة وأنهم ما برحوا يمعنون في استهانتهم بخطوات أو دعوات التعاون الدولي..
ثم يخلص المؤلف إلى ما يراه آخر هذه الأخطار مجسدا في فشل إدارة بوش في التنبؤ بأحوال عراق ما بعد الحرب (أو عراق ما بعد النظام القديم) بل كان القوم مبالغين إلى حد الهوس في تقدير مدى السهولة التي سيتم بها إنجاز عمليات الهندسة الاجتماعية (بمعنى إعادة تشكيل المجتمع) لا على صعيد العراق وحده بل في منطقة الشرق الأوسط برمتها.
هكذا أثبتت الأحداث والتطورات خطأ، وربما خطورة، المنطلقات التي ظل المحافظون الجدد يصدرون عنها ويروجون لها.. وبلغ الفشل حداً دفع فوكوياما إلى الدعوة إلى التخلي عن مذهب هؤلاء المحافظين بأكمله ومحاولة رسم وتحديد مسارات جديدة متميزة كما وصفها للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
ويخلص المؤلف في خواتيم الفصل الأول إلى دعوة لاستعراض مشهد رواد وممارسي السياسة الخارجية في أميركا على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم وتوجهاتهم وفي محاولة لاستكشاف أفق سياسي جديد ، يقول إن هناك «المدرسة الواقعية» التي يقبع على رأسها هنري كيسنجر، وأصحابها يحترمون القوة والنفوذ وقد لا يكترثون كثيرا بحكاية الديمقراطية وحقوق الإنسان.
هناك «المدرسة الليبرالية» وأصحابها يؤمنون بالنزعة الدولية ويأملون في تجاوز سياسات القوة والتحرك قدما نحو نظام دولي قائم على سيادة القانون وتفعيل المؤسسات.
هناك أيضا «المدرسة الجاكسونية» (والمصطلح للكاتب السياسي الأميركي والتر رسل ميد) وهي مدرسة الوطنية الأميركية الضيقة (منسوبة إلى الرئيس الأسبق أندرو جاكسون الذي تولى الرئاسة بين عامي 1829 و1837.(
وأتباع هذه المدرسة يطلون على العالم والعصر من نافذة المصالح الوطنية الضيقة من حيث ارتباطها بالأمن القومي الأميركي وهم يتشككون بالتالي في حكاية التعددية ويجنحون إلى تكريس عزلة أميركا بعيدا عن الانفتاح أو التعاطي مع قضايا ذلك العالم والعصر.
تحالف المحافظين والجاكسونيين
في ظل التصنيف السابق يقول فوكوياما : لقد تم الترويج لحرب العراق من خلال تحالف قام بين المحافظين الجدد وبين هؤلاء الجاكسونيين حيث تقبل الطرفان ـ ولأسباب متباينة ـ منطق تغيير النظام في بغداد، فكان أن نحّوا جانبا عناصر (أكثر رشداً وحذراً) من أتباع مدرسة الواقعية السياسية ممن سبقت لهم الخدمة في إدارة الرئيس بوش الأب ، وكان على رأس هذه العناصر العاقلة شخصيات من أمثال الجنرال سكوكروفت مستشار بوش الأب للأمن القومي وجيمس بيكر وزيره المرموق للشؤون الخارجية، وكلا الرجلين كانت تراوده شكوك، كما يضيف ، إزاء التبرير العقلاني لشن الحرب في العراق.
بعدها قُضي الأمر، ودارت عجلة المحافظين الجدد المحدقين بالرئيس بوش الابن.. فتحولت حملة «الحرية العراقية» كما سارعوا إلى وصفها من حملة تحرير ظافرة كما كانوا يتصورون إلى حيث أصبحت، كما يؤكد فوكوياما، احتلالا غاشما (في مواجهة) حرب عصابات لدرجة أن وجد المحافظون الجدد أنفسهم في وضع الدفاع عن النفس .
وبالتالي بدأ «الواقعيون» يكسبون كل يوم أرضا جديدة. صحيح أن جماعة المحافظين أحرزت مكسبا مؤقتا بعد انتخابات العراق في 30 يناير 2005 لكنهم باءوا بخسران جديد بعد أن تواصلت هجمات ومقاومة المتمردين..
ورغم أن فوكوياما يتصور بورصة توقعات منصوبة للمكسب والخسارة فهو يُرجع هذا التذبذب السياسي إلى حقيقة يقول فيها : إنه ما من طرف في مدارس الفكر السياسي التي عرض لها: ما بين المحافظين.. إلى الواقعيين إلى الليبراليين إلى الانعزاليين ـ إلا وشمّر عن ساعديه لكي يطرح تعريفات واضحة أو يبلور أفكارا محددة تشق مسارا دقيقا أو ترسم نهجا جلي المعالم بحيث يمكن إتباعه إزاء التعامل مع قضايا العالم.
ومع هذا كله فهذا النهج ما برحت الحاجة ماسّة إليه في أميركا ولاسيما بعد أحداث سبتمبر الكارثية في عام 2001 ومن ثم بعد ما قامت به أميركا من غزو العراق.
هذا التقاعس أو الإهمال أو التقصير، سمّه ما شئت، أوصل واشنطون وحكامها إلى وضع تجسده ظاهرة غريبة من التناقض الشديد:
أميركا ـ القطب الوحيد في العالم الراهن تمسك بمقاليد الهيمنة في العالم.
أميركا ـ القطب المهيمن الوحيد تعاني موجات من الكراهية على مستوى هذا العالم.
إعادة تعريف المفاهيم
هذا التناقض يشكل معضلة ـ وهي تدعو بدورها وبإلحاح شديد إلى إعادة تعريف المفاهيم وإلى مراجعة أمينة مع الأفكار.. وإلى تقييم أكثر موضوعية للمبادئ وقواعد اللعبة السياسية.
ولما كان المؤلف قد استشعر ـ كما أسلفنا ـ تقصيرا وترددا أو ربما عجزا ـ من جانب مدارس الفكر السياسي في بلاده إزاء هذه المهمة الفكرية والعلمية بالدرجة الأولى.. ولما كان قد أدرك ـ إلى حد التسليم ـ أن الإمعان في الخط السياسي والعقائدي للمحافظين الجدد من شأنه أن يلحق أضرارا فادحة ومتواصلة بمصالح واشنطون. فقد آلى فرانسيس فوكوياما على نفسه أن يقوم بهذه المهمة.. وهذا هو بالضبط مقصده الأساسي من إصدار هذا الكتاب وهو يحدد هذا المقصد في عبارات تقول بالحرف (ص 11: (
الكتاب يقترح سبيلاً مختلفاً تنتهجه أميركا لكي تتواصل مع العالم: سبيلا مغايرا لنهج المحافظين الجدد لا يتبع نهج الواقعيين ولا لانعزاليين (الجاكسونيين) ولا الليبراليين ذوي النزعة الدولية.
ويضيف فوكوياما ـ الكتاب يحاول أن يحدد سبيلاً أكثر واقعية يكفل لأميركا أن تعزز تطورها السياسي والاقتصادي بوسائل أخرى ليس من بينها الحرب الاستباقية.. وهو يفتح أمامها برنامج عمل (أجندة) يقوم على أساس تعددية الأطراف ومن ثم يتلاءم مع واقع العالم الراهن الذي نعيش فيه والذي نطلق عليه عالم العولمة.
وشأن كل أكاديمي ضليع يبدأ المؤلف استعراض بأسلوب التقييم والنقد لمجمل أفكار وخطوات المحافظين الجدد أو ما يسميه تراثهم أو ما صغناه نحن من جانبنا في سؤال عما يبقى منهم للتاريخ وهذا هو محور الفصل الثاني من الكتاب.
والحق أن لفيفا من مثقفي أميركا وساستها لم يقصروا في نقد المحافظين الجدد وفي تتبع مسارهم ـ ها هي الأستاذة «إليزابيث درو» تتهم المحافظين الجدد بأنهم مسؤولون إلى حد كبير عن ورطة أميركا في حرب العراق.. ويتردد صدى هذا عند أحد المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وهو «هوارد دين» الذي نعى على إدارة بوش أنها واقعة تحت سيطرة أو بالأدق في قبضة المحافظين الجدد.
مصلحة إسرائيل
ثمة انتقادات واتهامات من نوع آخر يتكلم عنها فوكوياما (ص 12 وما بعدها) : كثير من المعلقين (السياسيين) أشاروا إلى حقيقة أن عددا كبيرا من غلاة الداعين إلى حرب العراق مثل بول وولفويتز، ودوغلاس فيث، وريتشارد بيرل كانوا من اليهود، وفي هذا الصدد دفع هؤلاء المعلقون بأن سياسة أميركا تجاه العراق كانت تقصد في التحليل الأخير إلى جعل الشرق الأوسط منطقة آمنة لحساب إسرائيل..
ويزداد الأمر غرابة وربما تطرفا حين يشير إلى ما يسميه بالخط المنفصل في هذا الخطاب السياسي الأميركي وهذا الخط ألقى باللوم في حرب العراق على ما يوصف بأنه «الجناح الشتراوسي» من فصيل المحافظين الجدد.
ويعود هذا الاسم بداهة إلى المهاجر البروفيسور اليهودي الألماني الأصل ليو شتراوس الذي ألمحنا إليه وقد اشتغل أستاذا للعلوم السياسية في جامعات أميركا وما زال القوم يعدونه رأس مدرسة المحافظين الجدد لاسيما وقد كان كثير منهم تلاميذ لديه في دروس الجامعة.
والحاصل أن المؤلف بعد أن يستعرض هذه الانتقادات كلها ـ يعود فيؤكد لقارئه مرة أخرى.. أن فكرة أو تيار المحافظين الجدد ليس بالجديد على السياسة ولا الحياة العامة في أميركا ولا حتى في الغرب بل إن له جذورا ممتدة تعود زمنيا إلى أواخر الثلاثينات ومطالع الأربعينات من القرن العشرين.
ويعود مكانيا إلى جامعة مدينة نيويورك على وجه التحديد وتعود فكريا وأيديولوجيا إلى جماعة من المثقفين والأكاديميين اليهود الذين راعهم انتصار الثورة البلشفية عام 1917،
وبدء انتشار الأفكار الماركسية والدعوات الشيوعية في العالم فكان أن شرعوا في تكوين جماعة معادية للشيوعية من ناحية ومناهضة ربما إلى حد الاستهانة والزراية للعناصر الليبرالية المستنيرة التي اتهموها بالتعاطف مع الشيوعية وبالعجز عن رؤية ما تمثله الماركسية وتطبيقاتها من أخطار.
وفي حركتهم هذه كان ثمة نوع من الارتداد عن الفكر اليساري وكأنما خيبت الشيوعية السوفييتية آمالهم وحطمت ما كان يراودهم من أحلام. وعندما جاءت الخمسينات بآفة المكارثية التي اجتاحت الحياة الفكرية والفنية والإبداعية في أميركا وكأنها صيغة محدثة من محاكم التفتيش وأشاعت إرهابا فكريا في الولايات المتحدة بعد أن وجّهت لطلائع الفن والعلم والثقافة تهمة الشيوعية وأخضعتهم لطائلة المطاردة والابتزاز السياسي والتشهير المعنوي.. لجأ كثير منهم إلى الهروب من صفوف اليسار ولم يجد أمامه سوى جماعات المحافظين الجدد فزادهم عددا واستطاعوا إنشاء وترويج المطبوعات الدورية الخاصة بهم وفي مقدمتها مجلة "كومنتري" الشهيرة التي لا يخطئ قارئها خطها المتحيز لصالح الصهيونية وإسرائيل.
مسيرة طويلة قطعها فصيل المحافظين الجدد منذ الستينات إلى التسعينات.. صحيح أنهم تأثروا بالأستاذ الألماني المهاجر ليوشتراوس.. لكن فوكوياما يسلط الضوء ـ ربما للمرة الأولى على اسم آخر هو ألبرت هولستتر.