الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد
عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية - الجزء الثالث
أستاذ المنطق الأمريكي ( هولستتر) يضحي بملايين البشر على مذبح واشنطن
هنا يجد القارئ نفسه على موعد مع شوط إضافي يقطعه المؤلف في محاولة تأصيل فكر المحافظين الجدد ورصد محطات تطوره، حيث ينتقل من أفكار بروفيسور ليو شتراوس إلى مساهمات ألبرت هولستتر مع التركيز بصفة خاصة على تشديد هولستتر على التوسع في إجراءات الردع والضربات الاستباقية للخصم.
ونحن لا نظل مع هذه الأفكار في إطارها النظري وإنما نتابع كيفية تحولها إلى واقع يطبق في إطار إستراتيجية الأمن القومي الأميركي ويترك بصماته الدامية على امتداد العالم، فلم يعد من قبيل الترف الفكري ولا مجرد الممارسة الثقافية أو الرياضة العقلية أن نعكف في الوطن العربي أو حتى في العالم الثالث على تدارس وتحليل وفهم الطروحات النظرية التي صدرت في هذه المرحلة أو تلك عن كبار أساتذة العلوم السياسية وما في حكمها في الغرب بعامة وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
هذه النظريات أو المقولات تجاوزت مجرد كونها دروسا للتعليم: لقد استوعبها وآمن بسلامتها، ومن ثم تبناها إلى حيث الترجمة والتنفيذ أفواج من تلاميذ هؤلاء المعلمين الكبار وحوارييهم ومريديهم، وربما كان الأمر يهون لو كان هؤلاء التلاميذ أو المريدون قد اشتغلوا مثلا في سلك التدريس أو حتى انخرطوا في دنيا المال أو الأعمال : إن المشكلة الكبيرة تجسدت في أن هؤلاء التلاميذ والأتباع الفكريين وضعتهم أقدارهم سواء في مؤسسات هندسة القرار وصوغ السياسات الداخلية والخارجية (مؤسسة راند مثلا في الولايات المتحدة) أو شاءت حظوظهم ـ السعيدة طبعا ـ أن يشغلوا مناصب خطيرة ومواقع (سوبر) مؤثرة بالقرب من مركز صنع القرار الاستراتيجي، وهو بداهة قرار الحرب أو السلام أو هو عمليا قرار الحرب أو الحرب، وكان ذلك على مستوى الزمان هو تسعينات القرن الماضي وسنوات العقد الأول من هذا القرن الحادي والعشرين أي بعد انتهاء الحرب الباردة وتحويل مقاليد العالم من ثنائية القطبين إلى هيمنة القطب الواحد.
أما على مستوى المكان فقد وقعت هذه التطورات على أرض الولايات المتحدة بكل ما تملكه من إمكانات وافرة وآلة حربية جبارة وتطلّع مرفوض، ولكنه مفهوم، إلى بسط السيطرة العالمية وتوسيع مناطق النفوذ.
البروفيسور ألبرت هولستتر
في ضوء هذا كله نوافق مع مؤلف هذا الكتاب، أستاذ علم السياسة فرانسيس فوكوياما، على أهمية التوقف مليا عند اسم أستاذ أميركي كبير في علم السياسة وعلاقات الدول، لم تسلط عليه أضواء كاشفة رغم ما يؤكده فوكوياما من عمق نفوذه وتأثيره على مجريات ما يشهده زماننا من أحداث.
البروفيسور ألبرت هولستتر هو الباحث الأكاديمي الكبير في مؤسسة «راند» التي تشكل، مع نظيرتها مؤسسة «بروكنغز» ركيزتي مواقع صوغ وهندسة الاستراتيجيات الأميركية في مجالات الأمن القومي والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
عمل البروفيسور هولستتر في «راند» خلال سنوات بزوغها وعافيتها منذ الخمسينات ثم عمل بعد ذلك أستاذا لعلم المنطق الرياضي (!) في جامعة شيكاغو. ويكفي ما قاله (ص 31) للتدليل على أهمية هذا المفكر أن نستعرض مع مؤلفنا قائمة موجزة للغاية من تلاميذه ومديريه. وهي القائمة التي تضم أسماء من غلاة صقور السياسة الأميركية من قبيل بول ولفوفتز نائب وزير الدفاع سابقا، وريتشارد بيرل وما زالوا يطلقون عليه لفرط تشدده لقب «أمير الظلام» ، وزلماي خليل زاد السفير الأميركي الحالي في بغداد، وغيرهم من الشخصيات التي يؤكد مؤلفنا أنها تعمل ضمن إدارة بوش الحالية أو أنها مقربة للغاية من هذه الإدارة.
ما الذي نقله الأستاذ إلى تلاميذه من معتقدات وأفكار؟
يقول فوكوياما إن أهم أفكار ذلك الأستاذ تتمثل في إيمانه بضرورة التوسع في إجراءات الردع ومن ثم ضرورة تطوير أسلحة طويلة المدى شديدة الفعالية وفتاكة إلى حد الهلاك، ولكن شريطة أن تتسلم أميركا زمام الضربات الأولى كي تجهض ضربات الخصم أو تستبق مثل هذه الضربات.
ومن أفكاره أيضا عدم الالتفات إلى حكاية تطوير الطاقة النووية لأغراض السلام. إنه يرى صعوبة ـ وربما استحالة ـ الفصل بين استخدام الحرب واستعمال السلام فالتكنولوجيا واحدة. وفي هذا السياق يقول: إن كثيرا من مخاوف «هولستتر» تساق حاليا في معرض الحديث حاليا عن منطقة الشرق الأوسط وذلك في ضوء ما تؤكده إيران من حقها في ظل معاهدة عدم الانتشار الدولية في إنتاج يورانيوم مخّصب لأغراض الطاقة النووية المدنية، وذلك إجراء يهيئ غطاء ممتازا يستتر من تحته برنامج سري للأسلحة النووية.
وفي كل حال، فمثل هذه الأفكار أفضت بأستاذ المنطق الرياضي إلى دعوة التوسع في أساليب (وأسلحة) الردع ضد الخصم السوفييتي الذي كان، وبالتالي ضد أي طرف تراه أميركا غريما أو منافسا لها.
أرواح البشر
يلوح من السطور التي عكست أفكار هذا الأستاذ أن الرجل كان يتعامل مع حياة وأرواح البشر بعقل بارد شأن أي دارس لمنطق الرياضيات، هذه البرودة العقلية ـ الرياضية ـ جعلته لا يتورع عن حكاية استخدام الردع النووي وربما السلاح النووي فيصيب ملايين البشر، وبمنطق أن هذا أفضل (والمسائل نسبية لديه) من الحروب النووية التي قد تفضي إلى فناء البشرية بكل ملايينها!. ومن عجب أن تساعد على انتشار مثل هذا المنطق ملابسات حرب الخليج الأولى (تحرير الكويت) وخلالها تطورت خواص الدقة والضبط في وسائل القتال التي حملت اسم الأسلحة الذكية التي استطاعت ، أن تحدد أهدافها المفردة فتصيب مركبة بعينها أو تهدم بناية بذاتها، هذا فضلا عما يشير إليه المؤلف أيضا من تطور في وسائل المعلومات الالكترونية والاتصالات عن طريق الأقمار الاصطناعية وكلها أوصلت القوم ـ من مفكرين ومنظّرين ومنفذّين مدنيين وعسكريين وخاصة ضمن فصيل المحافظين الجدد، إلى الإيمان بإمكانية وسهولة عمليات التدخل العسكري وتغيير النظم الحاكمة تحت شعارات لامعة وجاذبة مثل نشر الديمقراطية وتكريس حقوق الإنسان، ودواعي الأمن النووي ومحاربة الإرهاب، إلى آخر ما في الجعبة من شعارات.
يقول كاتبنا في هذا الخصوص (ص 35): هذا التحول جاء مرتبطا وأخف وأسرع وأكثر مرونة وحركية من أشكال القتال وهو ماتبناه وشجعه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد ليضاعف من احتمالات التدخل الأميركي ، وخلق إحساسا بأن الحرب ستكون منخفضة الكلفة من ناحية خسائر الأرواح بين صفوف الأميركيين خاصة وأن حرب الخليج الأولى عام 1991 لم تسفر سوى عن أقل من 200 من خسائر الأرواح في مسرح العمليات، هذا فضلا عن أن التدخلات الصغيرة المتعددة التي تمت خلال حقبة كلينتون، في هاييتي والبوسنة ثم في كوسوفا لم تسفر عن قتيل أميركي واحد، وهكذا بدا الأمر وكأن رامسفيلد كان يريد غزو العراق بأقل هيكل ممكن من القوة ومن منطلق إثبات الإمكانية العملية التي ينطوي عليها هذا النوع الجديد من أساليب إدارة الحرب.
بين ريغان وبوش
ويتحول بنا المؤلف ـ في هذا الفصل الثاني (وهو بالمناسبة أطول فصول الكتاب السبعة) إلى حيث يؤكد أن المحافظين الجدد يستمدون أجندتهم السياسية ـ فضلا عن النظرية أو الفكرية ـ من حقبة الرئيس الأسبق ريغان وهم يرفضون ما دعت إليه "جين كير باتريك" مندوبة أميركا السابقة لدى الأمم المتحدة من «تطبيع» الأوضاع بمعنى تهدئتها بعد نهاية الحرب الباردة.
وبدلا من ذلك لا يزال المحافظون الجدد يدعون إلى حكاية «الهيمنة الخيرة» في ظل قيادة أميركا (ص 41) وهي السياسة التي توصف بأنها «مقاومة الحكام المستبدين الصاعدين والإيديولوجيات المعادية الناشئة والقضاء عليهم وعليها إذا ما كان ذلك ممكنا، وهي أيضا دعم المصالح الأميركية، وتقديم المساعدة للذين يكافحون ضد أسوأ مظاهر الشر».
وبصرف النظر عن حكاية مساعدة الكفاح ضد الشر وهو بالطبع سلوك حميد، فالواقع يقول إن دعاة هذه الآراء، وكان في مقدمتهم اثنان من غلاة المحافظين، وهما الكاتبان السياسيان : إيرفنج كريستول، وروبرت كاجان، طرحا تفسيرهما لهذا السلوك التطوعي فمكافحة الشر على أساس أنه يعني بغير مواربة العمل على تغيير أنظمة الحكم ثم عمدا إلى توسيع هذه الدعوة المستغربة حسب قواعد القانون الدولي لكي لا تقتصر فقط على النظم الحاكمة حتى في الدول التي وصفوها بأنها من وجهة نظرهم محور الشر مثل العراق أو كوريا الشمالية بل نادوا بالأمر نفسه أيضا بالنسبة للصين التي ما زالت في رأيهم أخطر خصومهم على الساحة الدولية الراهنة.
بيد أن الأمر لم يكن مرتبطا بالضرورة بحقائق وأوضاع وتطورات السياسة الدولية: لقد كان مرتبطا في الأساس بأجندة السياسة المحلية داخل أميركا نفسها، كان الحزب الجمهوري ـ وفي قلبه فصيل المحافظين الجدد ـ يطمح ويهيئ نفسه للوصول إلى السلطة في البيت الأبيض.
وبوحي من هذه التطلعات نادت عناصر من الجمهوريين والمحافظين بما وصفوه بأنه «المشروع» القومي الذي يكرس عظمة أميركا ويحّول الأنظار والاهتمامات عن قضايا تنال من هذه العظمة ـ ابتداء من مشاكل البورصة في وول ستريت إلى فضيحة مونيكا لوينسكي.
وكانوا يدركون أن وصول الحزب الجمهوري إلى السلطة واستمراره بل وازدهاره في مضمارها أمر يتحقق بالذات عندما يرتبط الخطاب السياسي والاهتمام الجماهيري العام بقضايا السياسة الخارجية قبل ارتباطه بمشاكل السياسة المحلية أو بأحوال الاقتصاد داخل الولايات المتحدة ذاتها.
والحاصل أن أثمرت استعدادات ومقولات التسعينات فكان أن وصل إلى السلطة رئيس جديد من تكساس هو جورج دبليو بوش ويومها سارع المحللون الجمهوريون إلى القول بأن الرئيس الجديد سوف يتخذ قدوته ونموذجه المفضل من الرئيس رونالد ريغان.
هنالك يطرح مؤلف كتابنا سؤالا بديهيا: هل يمكن أن نعد ريغان من فصيل المحافظين الجدد وإلى أي حد نعتبر الرئيس الحالي بوش منتميا إلى هذا الفصيل؟ .
في حالة ريغان يرى المؤلف أن الرجل تنطبق عليه شروط الانتماء لفصيل المحافظين الجدد: كان يطرح أفكاراً عمومية ومتشددة لا تقصد سوى إظهار العداء للشيوعية ومهاجمة الاتحاد السوفييتي والدعوة إلى السوق المفتوحة (Open Market) وإلى شيء آخر يحمل اسم القيم الأميركية.
في حالة جورج بوش يتصور المؤلف أن الرئيس الحالي انضم إلى صفوف المحافظين الجدد في مستهل ولايته الثانية في عام 2004، وفي هذا الخصوص يستعيد المؤلف عبارات بوش إذ كان مرشحا للولاية الأولى حين أعرب عن اعتقاده بضرورة استخدام القوات الأميركية المسلحة لكي تحارب وتنتصر وليس في بناء الدول.
وربما عبرت مستشارته الأثيرة كوندوليزا رايس عن هذا التحفظ في توسع استخدام القوات الأميركية حين طالبت إدارة كلينتون بإعادة هذه القوات من أرض البلقان رغم أنهم أرسلوا هذه القوات تحت شعار التدخل الإنساني ويومها قالت رايس : لا ينبغي استخدام القوات الأميركية لمرافقة التلاميذ إلى مدارسهم.
أين هذا الانتقاد للتدخل الإنساني من حقيقة التدخل المباشر، المسلح والصريح في بلد مثل العراق حيث كان السبب المطروح في الولاية الأولى هو أسلحة الدمار الشامل فيما تحولت الأسباب لكي تعانق مقولات المحافظين الجدد فإذا بالسيد بوش يصرف النظر في افتتاح الولاية الثانية عن حكاية الإرهاب أو الأمن القومي ويتكلم عن تعميم ونشر القيم الديمقراطية على نحو ما يردد المحافظون.
أكذوبة أسلحة الدمار
ربما أثارت هذه التحولات عجب أو حتى فضول المحللين والمعلقين، خاصة وقد دأبت الإدارة الأميركية على تضخيم وربما تهويل ما وصفته بأنه الخطر المتربص المزدوج النابع بعد سبتمبر 2001 من مصدرين :
الأول : يحمل اسم "الإسلام الراديكالي" (بمعنى المتشدد أو المتطرف) .
الثاني : يحمل عنوان «أسلحة الدمار الشامل» .
مع ذلك يسارع فوكوياما ليؤكد أن كلا المصدرين ليسا مستجدين على الفهم والممارسة السياسية في أميركا، فالمصدر الأول للخطر كان قائما أو كان مطروحا أو كان مرصودا منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أما المصدر الثاني فكان بدوره راسخا ومستقرا منذ فجر العصر النووي على حد تعبير مؤلف الكتاب.
في الفصل الثالث من كتابنا يناقش المؤلف هذه الأخطار ومصادرها على نحو ما يتصوره الأميركيون وشأن أي أكاديمي محترف، يبادر المؤلف إلى الاهتمام بتحديد التعريفات وضبط المفاهيم وتحرير المصطلحات، يقول (ص 69): هناك خطوط فاصلة للتمييز بين الأصوليين الإسلاميين، والمتطرفين الإسلاميين، والمتشددين الإسلاميين، وبين المسلمين العاديين ، والمطلوب التمييز بين كل منهم بقدر ما أن المطلوب التفرقة مثلا بين أسامة بن لادن ودعوته وبين حزب العدالة والرفاه ووصول الإسلاميين إلى الحكم بالانتخاب الديمقراطي في تركيا.
في السياق نفسه يرفض فوكوياما ما يذهب إليه بعض محللي المحافظين الجدد من أن المتطرفين الذين يرفعون الشعار الإسلامي يريدون إقامة نظم تكرّس العنف وتعادي الغرب، بقدر ما يحيل المؤلف (ص 73) إلى مؤرخين معاصرين مثل "ألان ورويا" و "بورماند" اللذين يقولان «إن كثيرا من أفكار الإسلام الراديكالي (المتشدد أو المتطرف) لم تأت من معين الإسلام بل استمدت أصولها من أفكار ونظريات وتجارب الغرب» ، ويسوق هذان المؤرخان أمثلة عن حركات التطرف التي يشهدها الغرب نفسه ما بين الفاشية إلى الماركسية إلى اللينينية وما في حكمها ثم يعلق فوكوياما على هذا الطرح قائلا (ص 73) : إن ما يشير إليه هذا الرأي هو إننا لسنا منغمسين حاليا في ما يشبه «صدام الحضارات» بل في أمر أقرب إلى ما لمسناه عن قرب خلال سنوات القرن العشرين.
إن أخطر البشر ـ يضيف المؤلف ـ ليسوا المسلمين الأتقياء في الشرق الأوسط بل هم الشباب الذي يعاني التهميش وانقطاع الجذور والاغتراب في هامبورغ ولندن أو أمستردام ممن ينشدون في الأيديولوجية (تحت شعار الجهاد هذه المرة) إجابة على بحثهم الشخصي عن الهوية، وقد سبقتهم إلى ذلك جماعات الفاشيين أو الماركسيين.
وفي نفس المضمار يضيف فوكوياما : ولو صح هذا التفسير لطبيعة التهديد «الجهادي» كما يسميه ، فقد تترتب عليه نتائج بالنسبة لطبيعة الإجراءات المطلوب اتخاذها وأولها أن ساحة المقاومة ستكون في أوروبا الغربية بقدر ما إنها في الشرق الأوسط ، وثانيهما أن أميركا يمكن أن تكون في مقدمة التعرض للخطر ولكن ليس من سكانها المسلمين على نحو ما يهدد الأقطار الأوروبية، وثالثها أن الديمقراطية لن تكون هي الحل الناجع في الأجل القصير لمشكلة الإرهاب، فقد هوجمت مجتمعات ديمقراطية في أسبانيا وانجلترا وهولندا وسيكون الحل هو العمل على دمج الشباب الساخط المغترب في صلب الحركة والحياة الطبيعية في تلك المجتمعات الأوروبية.
لماذا يكرهون أميركا ؟
ثم ينتقل بنا الكتاب إلى مبحث آخر يحمل العنوان المتكرر باستمرار وهو «كراهية الناس لأميركا» حيث يقول (ص 76) : استطلاعات الرأي العام تفيد بأن السواد الأعظم من المسلمين لا يكرهون أميركا ولا الغرب، إنهم يكرهون بالأحرى السياسة الخارجية التي تتبعها أميركا، ويرون أن أميركا تؤيد إسرائيل على طول الخط ضد الفلسطينيين وتساند حكاما عربا مستبدين، على حساب الديمقراطية، وتلك رسالة لا يريد سماعها جمهرة الأميركيين وكثير من المحافظين الجدد بالذات.
المحافظون الجدد على وجه الخصوص هم الذين ظلوا يضغطون باتجاه غزو العراق، وعندما زاد ضغطهم على إدارة بوش لعبت هذه الإدارة بورقة التهديد المباشر لعراق صدام حسين ضد الوطن والأراضي الأميركية نفسها، وفعلت ذلك - كما يقول المؤلف - لأن 11 سبتمبر أتاح فرصة جديدة لم تكن منظورة من قبل لإقناع الشعب الأميركي بالحاجة إلى اتخاذ إجراء عسكري ضد العراق.
والمشكلة أن انتهازية هذه الخطوة ما لبثت أن ارتدت سهما أصاب إدارة بوش نفسها بعد الحرب، وذلك عندما اتضحت بجلاء كذبة أسلحة الدمار مما أفضى إلى تزايد الشكوك والوساوس لدى الذين لم يثقوا أصلا في أميركا وقالوا إن دوافعها الأصلية إنما تفسر بعاملين أولهما اسمه البترول والثاني اسمه إسرائيل.
والمشكلة أن حكاية أسلحة صدام التدميرية الشاملة - دع عنك النووية والكيميائية - استخدموها مبررا لإشعال حرب ضروس في الشرق الأوسط واجتياح بلد عربي كبير له تاريخ وتراث وثقافة ويسكنه شعب متعدد الأعراق تعايشت عناصره وتفاعلت وعملت وأنتجت وتعلمت على مر عقود وقرون.
وكان الشعار المطروح ـ ولعله لا يزال ـ هو شعار الحرب الاستباقية، أو الضربات الإجهاضية: بادر إلى ضرب الخصم لأنه يستعد لكي يضربك.
ولم يكن الأمر مجرد شعار أو كلام في كلام ظل يلوكه فصيل المحافظين الجدد، لقد أصبح الأمر بندا أساسيا من بنود إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة وعمدت إلى تضمينه وتكريسه وثيقة في غاية الخطورة صدرت في سبتمبر عام 2002 وما زالت تحمل اسمها المختصر وهو «NSS» وهي الوثيقة التي يحللها المؤلف ويعلق عليها في نهايات الفصل الثالث من هذا الكتاب.