الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد
عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية – الجزء الرابع
هكذا أطلت أخطاء إستراتيجية الأمن القومي الأميركي
ينتقل بنا المؤلف عند هذا المنعطف من كتابه من تأصيل أفكار المحافظين الجدد إلى متابعة الكيفية التي ترجمت بها هذه الأفكار في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي ولدت وفي رحمها مشكلاتها وفي مقدمتها دعوة الإدارة الأميركية إلى شن الحروب الاستباقية على امتداد العالم بأسره، الأمر الذي وصل بواشنطن إلى أقصى حدود خيارات التطرف، التي يحذر المؤلف من أن أميركا ستدفع ثمنها غالياً وفادحاً.
في سبتمبر من عام 2002 كانت الولايات المتحدة في حال من التوتر العصبي وفي مزاجية شديدة السواد. كيف لا وكان قد مضى عام بالتمام ولكن بغير الكمال على ضربة الحادي عشر من سبتمبر من سنة 2001 وها هي أميركا - الشعب والإدارة والإعلام - تحيي ذكريات ذلك اليوم الصعب بكل ما حفل به من ذكريات الدمار وضياع أرواح بريئة وعدوان على الأمن القومي لبلد مهم وكبير.
وفي غمار هذا كله، صدرت الوثيقة فائقة الأهمية التي يحرص على تحليلها مؤلف هذا الكتاب. ما زالت الوثيقة تشكل محور اهتمام الباحثين والمحللين والمتابعين للشأن الأميركي بشكل عام. يعرفها معظمهم برموزها المختصرة وهي: NSS. ويعرفها المراقبون بعنوانها المسهب بالغ الدلالة وهو: إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة.
في معرض تحليلها يسلّم مؤلفنا، البروفيسور فوكوياما، بأنها طرحت أفكارا سبقت إلى طرحها إدارات شتى وخاصة فيما يتعلق بحكاية الدفاع الاستباقي أو الضربة الأولى الإجهاضية، وقد تجلى هذا المبدأ مثلا في أزمة الصواريخ الكوبية الشهيرة التي هدد فيها الرئيس جون كينيدي في عام 1961 بتوجيه الضربة الأولى بحق الخصم السوفييتي.
إستراتيجية الأمن الأميركي
إذن ما هو الجديد الذي جاءت به إستراتيجية الأمن القومي التي حملت أفكار المحافظين الجدد وتبنتها، ومن ثم أصدرتها، وتعكف على تنفيذها إدارة الرئيس بوش في الوقت الحالي؟ هذا الجديد يوضحه المؤلف ببساطة (ص 83) في أنه يتمثل في توسيع الأفكار التقليدية عن ضربات الإجهاض أو الاستباق إلى حيث وصل الأمر إلى حد شن الحرب الوقائية.
وكانت المشكلة أن الضربات الإجهاضية أو الاستباقية إنما تقتضي بالضرورة أو حسب أعراف المجتمع البشري المتحضر في العصر الحديث أن يكون ثمة خطر ماثل وحال (بتشديد اللام) وداهم من ناحية التهديد بالفعل العسكري، ولكن إدارة بوش دفعت بأننا نعيش العصر الذي يمكن أن يتسلح فيه الإرهابيون بالأسلحة النووية، ومن ثم فقد أصبح التمييز بين الضربات الإجهاضية وضربات الحرب الوقائية أمرا تجاوزه الزمن.
ما معنى هذا كله ؟
يجيب فوكوياما: معناه أن أميركا سوف تجد من الضروري أن تمدد وجودها بصورة دورية إلى داخل الدول كي توجد ظروفا وأوضاعا سياسية من شأنها منع الإرهاب.
مرة أخرى نطرح السؤال بصورة أكثر إلحاحا: ما معنى هذا من منظور القانون الدولي والضوابط والأعراف التي تحدد العلاقات بين الدول؟ .
يعود فوكوياما إلى الإجابة قائلا: معناه أن مثل هذه الأفكار ترفض (بمعنى تتجاهل) مفاهيم ومبادئ وستفاليا (يقصد المعاهدة الشهيرة الموقعة في عام 1648) بشأن ضرورة احترام سيادة الدول والتعامل مع الحكومات القائمة فيها.
وهكذا وُلدت وثيقة الأمن القومي الأميركي وفي رحمها مشكلاتها التي تجسدت أساسا في دعوة الإدارة إلى شن الحروب الاستباقية أو توجيه الضربات العسكرية الإجهاضية أو تنفيذ العمليات الحربية الوقائية (لدفع خطر داهم أو اتقاء تهديد ماثل أمام العيان).
هذه الدعوة كان معناها، برأي مؤلفنا ـ أن ثمة خطرا داهما مع حلول عام 2003 يهدد بالفعل والتو أمن الولايات المتحدة وسلامة مواطنيها. هنا يسترسل المؤلف قائلا: لكن المشكلة أن الأمر ما لبث أن انكشف ليوضح أن إدارة بوش كانت قد بالغت إلى حد الغلو في تقدير خطر التهديد من جانب العراق بخاصة وخطر الإرهاب النووي بشكل عام.
ثم جاءت التجربة العملية في حرب العراق لتؤكد من جديد أهمية التمييز باستمرار بين الحرب الاستباقية والحرب الوقائية، فنحن - يؤكد المؤلف - لم نتحول بغتة إلى عالم تدأب فيه (حتى) الدول المارقة على أن تسلّم دوريا أسلحة دمار شامل إلى الإرهابيين، ربما تنشأ يوما مثل هذه النوعية من الدول، لكن أن نتصرف الآن كما لو كانت هذه الدول موجودة (وفاعلة) فذلك أمر يصل بنا إلى حدود خيارات التطرف التي لا بد أن ندفع ثمنها غاليا وفادحا.
حرب يصعب تبريرها
في السياق نفسه يواصل فوكوياما هذا الخط من التحليل فيقول : حتى في ظل ظروف ما بعد 11 سبتمبر، تظل الحرب الوقائية صعبة التبرير إلى حد كبير ولا ينبغي اللجوء إلى شنّها إلا وفق شروط صارمة وحازمة وشديدة التقييد. ويواصل البروفيسور فوكوياما مرافعته ضد حروب وتصورات المحافظين الجدد مستندا هذه المرة إلى وقائع التاريخ القريب، وفي هذا يقول: من الأسباب الداعية إلى التعامل مع الحرب الوقائية بصورة حكيمة وصبورة ورزينة، أن هذا النوع من الحرب يتوقف على قدرتك على أن تقرأ المستقبل بصورة دقيقة، ولنأخذ مثلا من حرب 1956 (العدوان الثلاثي على بورسعيد المصرية) يومها تصور رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن أن الزعيم العربي جمال عبد الناصر ما هو إلا هتلر جديد، وأن ناصر (بعد تأميم قناة السويس وذيوع صيته في الشرق الأوسط) يشكل في منتصف الخمسينات الخطر نفسه الذي كان يمثله هتلر في منتصف الثلاثينات، وطبعا كان إيدن على خطأ، وقد دفع ثمن أخطائه.
وها هي واشنطن تدفع ثمن أخطائها في المبادرة الخطيرة والمتسرعة إلى غزو العراق، ومع ذلك فإن إدارة بوش تتصور أنها بهذا الغزو لم تكن تنطلق من مصالحها الذاتية الضيقة بل إنها كانت تعمل من أجل الصالح العام بالدرجة الأولى. وكان من الطبيعي أن يفضي هذا الخطأ في التصورات إلى فشلها الذي يسجله المؤلف في مستهل الفصل الرابع، حيث لم تفلح أجهزة الرصد (الاستخبارات بالذات واستطلاعات الرأي) داخل الإدارة الأميركية في استباق ردود الفعل السلبية إزاء إشعال الحرب في أرض العراق.
وفي سياق الفصل الرابع يقول فوكوياما: كثيرون هم الذين أكدوا أن إدارة بوش تتعامل بمنطق الاستهانة مع الرأي العام العالمي ومع المشروعية التي تجسدها المنظمات الدولية، ورغم أن هناك في واقع الأمر عناصر تتعامل بازدراء مع الأمم المتحدة إلا أن الاستهانة بالأمم المتحدة شيء، وازدراء الشرعية الدولية شيء آخر.
بين السياسة والقانون
مع ذلك فقد ظلت مشروعية تصرفات واشنطن إزاء حرب العراق أمرا أقرب إلى مجال السياسة منه إلى مضمار القانون الدولي، وهذا ما يعرض به مؤلف الكتاب (ص 97) وهو يدلل على رأيه قائلا: عشية تلك الحرب، كان واضحا أن الغالبية العظمى من الرأي العام العالمي تعارض الغزو الأميركي بما في ذلك غالبية من مواطني الأقطار التي أيدت أميركا رسميا، ومنها مثلا بريطانيا واسبانيا وإيطاليا.
وما كانت هذه المعارضة (الشعبية) ستكتسب معنى أو مغزى لو كانت أميركا قد استطاعت بعد الحدث أن تبرهن على منطقية أو وجاهة التدخل الذي قامت به في العراق، كأن تثبت مثلا وجود ما كانت تتحدث عنه من أسلحة الدمار الشامل. وفي كل حال فقد كان هذا هو نوع الشرعية السياسية الذي تعودت أميركا أن تلتمسه لدى اندلاع أزمات سابقة.
ويواصل المؤلف تحليله في هذه النقطة محاولا تكييف أسباب معارضته حرب العراق فيقول: في مقدمة هذه الأسباب هي تلك الظاهرة التي جاءت بها إستراتيجية الأمن القومي (NSS) التي ألمحنا إليها وقد حملت عنوانا أو عبرت عن اتجاه أو شعار يقول: "التفرد الأميركي" بمعنى أن أميركا تتمتع باستثناء أو أن ما يصلح لها مقصور عليها دون أن يصلح للآخرين.
وهنا يختار فوكوياما شعار هذا الاستثناء الأميركي عنوانا لهذا الفصل الرابع من الكتاب:
التفرد (الاستثناء) الأمريكي ..
ويستطرد معلقا على هذا الاتجاه فيقول: من الواضح أنه لا يجوز أن نطمئن إلى تعميم أي مبدأ للحرب الوقائية (الاستباقية) على صعيد النظام الدولي برمّته. هناك أقطار كثيرة تواجه تهديدات من جانب الإرهابيين وقد يغريها الأمر فتشرع في مجابهتهم عن طريق هذا التدخل الاستباقي أو من خلال الإطاحة بالحكومات وتغيير نظم الحكم التي تعتبر مأوى لهؤلاء الإرهابيين، في إطار هذه الفئة تندرج أقطار مثل روسيا والصين والهند، ولكن لو أن أيا من هذه البلدان أعلن يوما إستراتيجية لحرب وقائية أو استباقية بوصفها وسيلة للتعامل مع الإرهابيين، لكانت أميركا أول من يعارض هذا السلوك بطبيعة الحال.
(ومن عجب) أن إستراتيجية الأمن القومي التي أشرنا إليها تستند إلى حقيقة أن أميركا قد منحت نفسها حقا تنكره على دول أخرى، لأن أميركا ترى نفسها بلدا مختلفا عن سائر البلدان وبمعنى أنه يمكن الثقة في استخدامه لقوته العسكرية من منطلق العدل والحكمة وبصورة لا يستطيع أن يحققها الآخرون! .
هنا يلمح فوكوياما ، بل يرصد، تأثيرات مفكري المحافظين الجدد، فها هو كاتبهم الأثير تشارلي كروثامر يكتب بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي عما وصفه بأنه «لحظة القطب الواحد» بمعنى أنه لم تبق قوة يعتد بها على ظهر البسيطة يمكن أن تناجز أو تتحدى الهيمنة الأميركية (ص 102) وها هما الكاتبان ويليام كريستول، و روبرت كاجان (وهما من أعمدة المحافظين) يبشران بدور أميركا في ممارسة «الهيمنة الخيرة» التي لن تلقى مقاومة من أحد بفضل ما تتمتع به أميركا من فضائل غير معتادة وأخلاقيات استثنائية.
وهنا يخلص أيضا المؤلف إلى سطور يقول فيها (ص 103): من الصعب أن نقرأ مثل هذه السطور بغير شعور بالسخرية (أو المفارقة) وخاصة في ضوء ردود الفعل العالمية إزاء حرب العراق. فليس يكفي أن الأميركيين يؤمنون بنواياهم الطيبة أو نوازع الخير التي يصدرون عنها، بل الأهم ضرورة أن يقتنع غير الأميركيين أيضا بمثل هذه النوايا أو الدوافع، وقبل أن تتقبل البلدان الأخرى زعامة أميركا، لا بد من إقناعها لا بحسن نوايا أميركا فقط، بل بأن أميركا سوف تستخدم قوتها (إمكاناتها الجبارة) بحكمة ومن خلال هذه الحكمة تنجح في تحقيق ما رسمته لنفسها من أهداف.
أخطاء في الحسابات
فضلا عن ذلك، كانت هناك - كما يوضحه فوكوياما - أخطاء شتى في مجال الشعار المطروح والسياسة المعلنة والرسالة الإعلامية المطلوب توصيلها إلى هذا القطاع أو ذاك:
كان هناك خلط في فهم الجمهور المستهدف لكي يتلقى رسالة الإدارة الأميركية، لقد أعلن الرئيس بوش شعاره الشهير "إما أن تكون معنا أو تكون ضدنا "وربما كان يقصد به أقطارا مثل باكستان أو اليمن، ولكن المشكلة أن الرسالة سمعوها أيضا في أوروبا وفهمتها الشعوب الأوروبية على أنها صفقة إجبارية يعرضها بوش: إما أن تكون جزءا من تحالفنا (الغربي) أو عليك أن تفارقنا وتذهب إلى بعيد، ولم تكن النتيجة سعيدة بطبيعة الحال.
ومن هذه الأخطاء أيضاً أن عسكرية البنتاغون تجاوزت دبلوماسية وزارة الخارجية، وأن جنرالات العسكر سبقت جنرالات الدبلوماسية (كولن باول في هذه الفترة) وها هو مؤلفنا ينتقد الجنرال باول وزير الخارجية السابق لأنه تكلم أقل مما ينبغي وسافر أقل من رحلات أسلافه في الخارجية (ربما تكون رحلات كيسنجر المكوكية، في ذهن المؤلف) وكانت المحصلة هي أن قعقعة السلاح تغلبت على مفاوضات الدبلوماسية.
ثم كانت هناك ظاهرة العولمة التي تجلت مع عقد التسعينات وأسلمت قيادتها لأميركا وهي الظاهرة التي قوبلت بردود أفعال في أقطار شتى من العالم ويصفها فوكوياما بأنها كانت مزيجا من الانبهار والحسد والغيرة والخوف والحنق - وكان هذا المزيج موجها إلى أميركا بالدرجة الأولى –خاصة وقد رافقت العولمة سلوكيات أميركية محضة جاء في مقدمتها تلك الدعوة الموروثة من أيام ريغان في واشنطن وتاتشر في لندن إلى تقزيم دور الدولة وإلى فك القواعد الناظمة وإلغاء الضوابط التي تحكم وتهندس حركة المجتمع ونشاط الاقتصاد، تحت شعار مزيد من الليبرالية - كل هذا قوبل بقدر ظاهر من القلق، بل ومن التشكك لدرجة أن كان هناك من رفض دعوة أميركا الذائعة والمتواصلة إلى ما يوصف بأنه تحرير الأسواق في جميع أنحاء العالم، على أساس أنها دعوة ظاهرها الإصلاح ولكنها في باطنها محاولة من جانب أميركا لكي تفرض قيمها التي تعادي الدولة على سائر شعوب العالم وكأن المطلوب هو «سياق إلى القاع» (ص109) .
بيد أن أفكار وخطوات إدارة واشنطن، وقد انتمى فلاسفتها في معظمهم إلى فصيل المحافظين الجدد - لم تقتصر بطبيعة الحال على مجالات السياسة الخارجية أو المجهود الحربي أو العلاقات الدولية حيث استشرت - كما ألمحنا مع المؤلف - دعوات الهيمنة الخيرة أو الحرب الاستباقية أو من ليس معنا فهو مع عدونا أو مع الإرهاب،. الخ.
لقد كان على فصيل المحافظين الجدد أن يتحملوا المسؤولية عن قضايا ناجمة بالضرورة عن الحروب التي دعوا إلى شنها وبذلوا قصاراهم في محاولة تبريرها على صعيد الولايات المتحدة ذاتها.
ومن أجل ذلك وضعوا النظريات وحشدوا المؤتمرات والأكاديميات هنا يتحول بنا الحديث مع مؤلفنا إلى الفصل الخامس من كتابه وقد اختار له البروفيسور فوكوياما العنوان التالي: الهندسة الاجتماعية ومشكلة التنمية ..
ولما كانت السياسة الخارجية والسياسة الداخلية وجهين لعملة واحدة تحددها سياسة الدولة وتوجهات الإدارة الحاكمة فيها، فإننا نرى أن المؤلف يوسّع إطار تعامله مع قضايا هندسة المجتمعات ومسار تطورها وعوامل تنميتها لكي يشمل أيضا المجتمعات والأقطار التي سعت أميركا نفسها إلى معالجة أمورها والتفاعل والتعاطي مع شؤونها بالسلب وبالإيجاب وبديهي أن يكون في المقدمة المجتمع العراقي الذي ندبت واشنطن نفسها - طبقا لشعاراتها المعلنة قبل الحرب وفي غمارها - لكي تتحول به من جحيم الديكتاتورية إلى حيث واحة الديمقراطية.
بين الرئيس ونائبه
لكن المشكلة هي ما يوضحه فوكوياما - في مستهل هذا الفصل الخامس (ص 115): أن إدارة بوش ومفكريها من المحافظين لم «يحسبوها» جيدا، وصار من الصعب عليهم أن يعترفوا بأنهم استهانوا كثيرا بتكاليف ومغارم إعادة تعمير العراق ( بسبب ما دمرته الحرب) ومن ثم قيادة مسيرته نحو التحول الديمقراطي. وهنا يرصد المؤلف عواقب ومظاهر هذا الحساب الخاطئ عندما يشير إلى تصريحات ديك تشيني نائب الرئيس وقد أذيعت على التلفزيون وأكد فيها «أننا سوف نتقبل التحديات (في العراق) بوصفنا «محرريه» ( يخيل إلينا أن نائب الرئيس الأميركي لا يزال يفكر بعقلية جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان الجنود الأميركان يُستقبلون في أواخر أيام تلك الحرب كمحررين لأقطار في غرب أوروبا، وكان ذلك بعد اندحار قوات هتلر النازية، ثم جاءت هوليوود بأفلامها ورواياتها وأوهامها الملونة فزادت حكاية الأميركي المحرر - liberator - بهاء وخيالا وجاذبية وتأكيدا).
وبعد النائب لايفوت مؤلف الكتاب أيضا أن يتطرق إلى الشعار الذي وقف تحته يوما الرئيس بوش شخصيا وهو شعار «لقد تم إنجاز المهمة». وفي هذا يقول مؤلفنا: ما كان الرئيس بوش يقبل أن يهبط على متن حاملة طائرات ترفع شعار «إنجاز المهمة» لو كان يعرف أن الأمر سيظل يقتضي 150 ألف جندي أميركي يواصلون القتال ضد قوى رافضة ومتمردة وعاتية ولمدة عامين بعد ذلك التاريخ.
وبعيدا عن هذه الطروحات السياسية، أو ما واكبها من خطأ في الحسابات، يعمد فوكوياما إلى استعراض سجل الطرح الفكري للمحافظين الجدد الذين دأبوا خلال حقبة كلينتون على الترويج لدعوة نشر الديمقراطية في العالم، لا من خلال الإقناع والتواصل السياسي، ولا من خلال الترويج لإتباع أساليب جديدة إزاء متطلبات التعمير وإعادة بناء المجتمعات الخارجة من أتون الحروب أو الصراعات الملتهبة، ولا دعم المؤسسات المدنية الناشطة في تلك المجتمعات، ولا حتى التنمية الاقتصادية، ولا استخدام ما يوصف بأنه الدبلوماسية العامة التي تحرص على التواصل مع النُخب المثقفة (الانتلجنتسيا) ومنها يمكن الوصول إلى القواعد الشعبية طلبا لتأييدها، أو على الأقل من أجل حشدها لصالح التحولات الديمقراطية المرتقبة والمأمولة، لقد أهمل المحافظون الجدد كل هذه المسالك الآمنة والمعقولة، وقصارى جهدهم - كما يشير مؤلفنا (ص 117) – أن دعوا إلى زيادة الإنفاق الدفاعي ومن ثم إلى الصعود بجبروت الآلة الحربية للولايات المتحدة ودورها فوق خريطة العالم، وكان يدفعهم في ذلك، وبالدرجة الأولى، بغضهم العميق وانتقاداتهم المتواصلة للإدارة الديمقراطية في عهد بيل كلينتون، بيد أن المؤلف يكاد يشير إلى أن المحافظين - الجمهوريين لم يكن منطلقهم شريرا بقدر ما كان ساذجا، وفي هذا يقول الأستاذ فوكوياما: يبدو أنهم افترضوا أن المؤسسات (الديمقراطية والمدنية) سوف تقوم وتنهض من تلقاء نفسها فور أن تكون الولايات المتحدة قد أنجزت مهمتها البالغة الصعوبة مجسدة في تغيير النظم القمعية.
نعم كان الأمر - بعد الحرب - يتطلب، وهو ما برح يتطلب - ممارسة ما يطلق عليه مؤلفنا مصطلح «الهندسة الاجتماعية» وفي هذا الخصوص يسهب المؤلف في استعراض وتحليل مشاكل وأدوار البلدان المتخلفة والنامية، لا من منظور حاجتها إلى رأس المال المادي (من موارد وماكينات وأموال نقدية)، ولكن أساسا إلى رأس المال البشري الذي تدنى إلى قاع عميق بسبب ما يرصده فوكوياما من انخفاض، ربما انهيار، مستوى التعليم والعلم والبحث والتطوير في هذه الأقطار، وبسبب عوامل سلبية شتى داخلية وخارجية على السواء.
نلاحظ ونحن نقترب من الفصلين الأخيرين من هذا الكتاب تكرار مقطع (Re) الذي يعني في الإنجليزية المعاودة أو المراجعة، أو بذل المحاولات من جديد. هنالك يدعو المؤلف إلى «إعادة» التفكير في التنمية وإلى «إعادة» تشكيلة مؤسسات الفكر والثقافة والإعلام والاتصال في أميركا ثم إلى «إعادة» تصور المؤسسات العاملة على صعيد النظام الدولي، والعبارة الأخيرة هي التي اختارها فوكوياما عنوانا للفصل السادس قبل الأخير من هذا الكتاب.