الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد
عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية – الجزء السادس والأخير
إزالة العسكرة من السياسة الأميركية ضرورة حتمية
لا يتردد البروفيسور فرانسيس فوكوياما، في ختام كتابه، في الدعوة إلى تبني واشنطن سياسة خارجية مختلفة عما تتبعه الآن، وهو ما يرى أنه لن يتحقق إلا على يد فريق جديد يكفل انتقال الملفات الأكثر أهمية إلى أيدي الساسة الواقعيين، وهو يبادر إلى التشديد على أن الواقعية التي يدعو إليها هي الواقعية الويلسونية، أي التي تقوم على التعامل مع الظواهر والعلاقات السياسية على أساس معطيات الواقع المعاش، بما في ذلك انفتاح أميركا على عالمها وتعاملها مع أوضاع عصرها، في ضوء مبادئ الرئيس ويدرو ويلسون.
في العشرين من مايو الماضي طالع القراء إعلاناً على صفحة كاملة نشرته كبريات الجرائد الأميركية، وبالطبع انطوى على تكاليف باهظة، وبينما تصدرت الإعلان المنشور صورة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي، فقد صدر الإعلان عن مجموعة من أركان مجتمع الولايات المتحدة والمهتمين فيها بالشأن القومي العام.
وقد رفعت هذه المجموعة، على سبيل التعريف بهويتها وتحديد أهدافها الشعار التالي: قادة قطاع التجارة والأعمال العاملون من أجل رسم أولويات راشدة أو معقولة، كما ضم الإعلان عشرات التوقيعات جاء في مقدمتها توقيع عشرة من رؤساء مجلس إدارات أكبر مؤسسات وشركات في مجال التجارة.
ولأنهم من أهل المال والأعمال فقد كان طبيعيا أن يتوخوا أكبر الحرص على تجنب الأحكام المعممة أو الطروحات المطلقة، دع عنك التشهير بألفاظ أو أوصاف خارجة عن نطاق الذوق العام، لقد حفل إعلانهم بما تراءى لهم من أرقام وحقائق تصب كلها في العنوان الرئيسي الذي صدروا به رسالتهم إلى الرأي العام في بلادهم.
وقالوا في نص هذه الرسالة: عشرة من رؤساء مجالس الإدارة يدعون إلى إنهاء خدمة رئيس مجلس إدارة (البنتاغون) المذكور أعلاه ورغم أن رسالة العشرة الكبار وزملاءهم في المهنة والرأي تحوي ست نقاط أو هي ستة مآخذ رئيسية رصدوها في سجل وزير دفاعهم، فإن الذي يعنينا من حيث الصلة مع هذه الحلقة الأخيرة من الكتاب هو رؤية هؤلاء القادة لمسير ومصير حرب أميركا في العراق، وقد تطرقوا إلى ذلك في النقطة أو السلبية الثانية من دعوتهم المنشورة على الملأ واختاروا لها العنوان التالي: التنبؤ القاصر دليل على خيبة التخطيط وانعدام كفاءته.
وعلى سبيل التفصيل يقولون: لقد تنبأ رامسفيلد بأن عملية «حرية العراق» (كما أسماها مخططو إدارة بوش) سوف تتكلف، بنص كلماته، أقل من 50 مليار دولار وقد تستغرق «6 أيام و.. ربما 6 أسابيع.. وأشك في أن تطول إلى 6 أشهر» وها قد انقضت ثلاث سنوات وارتفعت المصاريف المتكبدة إلى 439 مليار دولار في حين يتنبأ خبير اقتصادي مرموق وحاصل على جائزة نوبل بأن التكلفة النهائية لعملية «حرية العراق» سوف تزيد على تريليون دولار (ألف مليار ـ 12 صفرا إلى اليمين).
الأكاديمي محذّرا
إذا كان من عادة رجال الأعمال وقادة الاقتصاد - فما بالك أن يكونوا من أهل جائزة نوبل - أن يطرحوا أفكاراً محددة وبالأرقام سواء كانت ناتجة عن حسابات أو إسقاطات رياضية، فإن دأب الرجال الأكاديميين، ومنهم مؤلف كتابنا البروفيسور فوكوياما، أن يطرحوا أفكارهم وقد أحاطوها عمدا بقدر من التحوط واللا يقين، وهكذا يعمد المؤلف في الفصل السابع والأخير من كتابه وهو الفصل المتعلق بالدعوة إلى سياسة خارجية مختلفة - إلى افتتاح هذا الفصل أو هذه الدعوة بسطور يقول فيها:
يبدو من المشكوك فيه أن التاريخ في هذه المرحلة سوف يصدر حكما متعاطفا أو متفهما على وقائع حرب العراق، إن إدارة بوش حين اجتاحت العراق أوجدت أوضاعا مستجدة عليها أن تتعامل معها فكان أن حل العراق محل أفغانستان بوصفه قطبا للجذب وساحة للتدريب وقاعدة للعمليات لصالح الإرهابيين المتطرفين وقد أتيحت لهم كثرة كاثرة من الأهداف الأميركية التي يصطدمون بها.
ويضيف قائلا: لقد كان ثمة رابطة مبهمة، صلة متهافتة أو غامضة بين «أبو مصعب الزرقاوي» الأردني وبين حزب البعث الحاكم سابقا في العراق، ولكن جاء الاحتلال الأميركي ليفضي إلى شعور بالسخط والحنق والرفض لتصل الرابطة إلى نوع من التحالف الكامل، ومن ثم فمن شأن حكومة جديدة في العراق أن تعاني من الضعف البالغ لسنوات مقبلة وأن تظل في حال من الاعتماد الشديد على الدعم العسكري الأميركي.
أخطاء رامسفيلد
في السياق نفسه (ص181) يكاد يتفق فوكوياما مع ناقدي وزير الدفاع الأميركي، سواء كانوا من أركان التجارة على نحو ما أسلفنا أو كانوا من الجنرالات المتقاعدين في سلك العسكرية الأميركية على نحو ما شهدته وقائع الأسابيع الماضية و يقول: وزير الدفاع رامسفيلد، الذي أراد أن يذهب إلى العراق بقوات خفيفة وبعدها يغادر العراق بسرعة، أدت به إستراتيجيته هذه إلى إيقاع العسكرية الأميركية في ورطة تواجه فيها حرب عصابات لأجل طويل، كما أن القوة العسكرية المؤلفة من متطوعين وقد تم إنشاؤها عشية انتهاء حرب فيتنام لم يقصد بها قطعا أن تخوض حروبا طويلة الأمد من هذا النوع ومن ثم سوف تواجه صعوبات مع مرور الزمن من حيث استمرار تجنيد المتطوعين والحفاظ على معنوياتهم.
بعدها يعرض المؤلف إلى خسائر الأرواح الجسيمة في صفوف الأميركيين وخسائر الأرواح الأكبر فداحة وجسامة في صفوف المواطنين العراقيين، ثم يعود إلى نظرته الإستراتيجية كأستاذ في علم السياسة وعلاقات الدول ليسجل أن انشغال واشنطن بالشأن العراقي أدى إلى الحد من خياراتها (بمعنى قدراتها على التصرف أو التعامل) في الأجزاء الأخرى من العالم، وإلى انصراف أو بالأدق تشتيت اهتمام كبار راسمي السياسات في أميركا عن الالتفات المطلوب إلى مناطق أخرى ومنها آسيا على سبيل المثال التي يرجح - في رأي فوكوياما (والإشارة هنا إلى الصين كما نتصور) - أن تشكل تحديات إستراتيجية أشد خطرا أمام أميركا في الأجل الطويل.
ما دلالة هذا كله ؟ .
يجيب فوكوياما عن هذا السؤال قائلا: يبدو أن إدارة بوش (في الولاية الثانية) قد أدركت، أو سلمت بأنها دفعت ثمنا سياسيا شديد الفداحة لقاء حرب العراق ومن ثم فإن الحرب الوقائية (وطبعا شقيقاتها من استباقية أو إجهاضية.. الخ) لا يمكن أن تظل هي المحور الذي تدور عليه الإستراتيجية الأميركية.
وهنا يلتمس المؤلف ما يمكن أن نسميه سبلا سياسية وعملية معقولة للخروج من هذه الدائرة المغلقة أو شبه المغلقة فهو يسجل لوزيرة الخارجية الحالية، كوندوليزا رايس أنها تتمتع بسلطة أكثر وتعمل على مسافة أقرب من رئاسة الدولة مقارنة مع سلفها في حقيبة الخارجية، الجنرال كولن باول.. لكن المؤلف يرى من جانب آخر أن قدرة الإدارة الحالية على حل أو معالجة المشكلات التي أوجدتها لنفسها في سنواتها الأولى سوف تظل قدرة محدودة.. ثم يحذر مستطردا: وفي كل حال، فإن إصلاح ما فسد أو تعويض ما ضاع من مصداقية أميركا (في العالم) لن يتم بتحسين أساليب العلاقات العامة (الدعاية أو الإعلام.. الراديو أو التلفاز أو تصريحات كبار المسؤولين أو لقطاتهم المتفائلة أمام العدسات).
إن الإصلاح في رأي فوكوياما (ص 183) أمر يقتضي فريقا جديدا وسياسات جديدة، لهذا يطرح كاتبنا رؤيته بقدر أوسع من التفصيل:
• يوضح أن الفشل في العراق سيكون معناه تجريد أجندة المحافظين الجدد بأكملها من أي مصداقية أو قدرة على النجاح.
• هذا معناه أيضا أن تعود مسؤولية أجندة ملف السياسة الخارجية الأميركية إلى أيدي الساسة الواقعيين.
• لكن إتباع الواقعية هنا لا يجوز أن يصل إلى حد المناداة بالعزلة.. وإلاّ يصدق عليه المثل السائر (عربيا على الأقل) بين تعصب المحافظين وانكفاء الانعزاليين يا قلب لا تحزن!.
• الواقعية التي يدعو إليها فوكوياما هي ما يصفه المؤلف بأنها «الواقعة الويلسونية» بمعنى الجمع بين التعامل مع الظواهر والأوضاع ومع العلاقات السياسية سواء كانت صداقة أو خصومة على أساس معطيات الواقع المُعاش .
ولكن أيضا من منظور ضرورات انفتاح أميركا على عالمها وتعاطيها مع أوضاع عصرها، شريطة أن يستلهم هذا الانفتاح وهذا التعاطي روح المبادئ التي سبق إلى تكريسها الرئيس ويدرو ويلسون وفي مقدمتها المناداة بحق الشعوب في تقرير المصير ورفض دعاوى انفراد قطب واحد بمقادير عالمنا.. وإسناد القضايا العالمية إلى محفل دولي مشترك بين الأمم يسهر على حفظ السلام ويعزز إمكانات التعاون من أجل التنمية على صعيد خارطة الكوكب بأسره.
مطلوب فك العسكرة
وقبل أن نقع في غرام الشعارات، نعود إلى استفتاء الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب لنضفي مع المؤلف معنى ومضمونا على ما سقناه من أفكار.
على سبيل الإيضاح يقول فوكوياما: إن هذا معناه أساسا إزالة الطابع العسكري عن السياسة الخارجية الأميركية، وإعادة التشديد على الأدوات الأخرى المتبعة للعمل السياسي. صحيح أنه لا سبيل إلى الاستبعاد التام لأدوات من قبيل تغيير النظم الحاكمة أو ممارسة التدخل العسكري.
ولكن بشرط أن تعد هذه الأساليب بمثابة أدوات متطرفة بمعنى عدم اللجوء إليها سوى في الحالات القصوى وليس ينبغي مثلا - يضيف المؤلف – أن يقول هذا المسؤول (في البيت الأبيض أو في البنتاغون أو في الخارجية): لقد ضقنا ذرعا ونفد صبرنا ولا نستطيع من بعد الانتظار، وذلك عند التعامل مع ما يوصف بأنه الدولة المارقة.
في هذا كله يدعو فوكوياما إلى مراجعة شاملة بهدف إدخال تغييرات جذرية على «إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة» المعروفة باسمها المختصر "NSS" بما يكفل طرح تعريفات واضحة ومحددة لما يمكن اعتباره ضرورة لحرب وقائية أو لضربة استباقية ردا على خطر داهم حقيقي ووشيك يهدد أمن الولايات المتحدة.
ومن هنا أيضا يدعو المؤلف إلى وقف الشعارات والدعايات والأقاويل التي تتحدث عما يطلقون عليه اسم الحرب العالمية الرابعة، أو الحرب على الإرهاب (الشعار المفضل لإدارة بوش) صحيح أننا (الأمريكان) نخوض حربا ضد عناصر مدججة بالسلاح في كل من أفغانستان والعراق (ص 184).
وإننا نتصدى لحركة أعلنت «الجهاد» على أميركا (أسامة بن لادن) لكن علينا أن نتعامل مع كل هذه الظواهر في إطار حجمها الصحيح ولا نوسع هذا الإطار، فما بالك بأسلوب الغلو والمبالغة في توسيعه وهو ما يعني المساس (بمعنى الإساءة) لجموع الناس في العالمين العربي والإسلامي.
الحل تعزيز التنمية
إذا كان هذا حديث الحرب والأسلوب العسكري فماذا عن نواحي السلام وسائر أساليب التعامل مع العالم ؟
يقول فوكوياما: على أميركا أن تبادر أيضا إلى تعزيز سبل التنمية السياسية والاقتصادية وأن تبدى اهتمامها أو اكتراثها بما يحدث في داخل الدول حول العالم على أن يتم ذلك من خلال تركيزنا أساسا على الدعوة إلى الأخذ بأساليب الحكم الرشيد وإلى تحميل أهل السياسة المسؤولية أمام شعوبهم عما يفعلون (المساءلة السياسية) ونشر الديمقراطية وإقامة مؤسسات قوية داخل تلك المجتمعات..
لكن شريطة أن يتم هذا كله من خلال استخدام أساليب القوى الناعمة مجسدة في قدرة أميركا على أن تكون القدوة والنموذج وأن تمد يدها لمزيد من التدريب والتعليم والتثقيف وأن تسدي المشورة للدول والشعوب التي تحتاج إليها وأن لا تبخل بتقديم العون المالي لدعم كل هذه الجهود.
ومرة أخرى يحذر فوكوياما من محاولات التصدير الغرّ أو المغرور لكل هذه الأفكار من الخارج إلى داخل تلك المجتمعات إن الحكم الرشيد في رأيه أو التحول الديمقراطي أو تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ومساءلة أهل الحل والعقد أمام شعوبهم ومواطنيهم ـ كل هذا لا بد وأن تنبع الدعوة إليه من صميم هذه الشعوب ومن داخل تلك المجتمعات، يقول في معرض الإيضاح :
ينطوي الأمر في صفوف المجتمع على عناصر تكون أحيانا من النخب (المتعلمة أو المثقفة) وأحيانا تكون من صفوف المجتمع المدني الأوسع نطاقا ولكن هذه العناصر تندب نفسها لتكون مسئولة عن المطالبة بالإصلاح وإقامة المؤسسات والسهر على تحقيق النتائج التي تعود بالخير على شعوبها على أن يظل المنطلق الأساسي هو أن التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط أمر مرغوب به في حد ذاته وليس لأنه يمكن أن يحل مشاكلنا (الأميركان) مع خطر الإرهاب.
مراجع فرنسية
يشير فوكوياما هنا إلى تحليل له سماته الفريدة وقد نشر الباحث الفرنسي أوليفييه روي في كتابه بعنوان: «عولمة الإسلام: البحث عن أمة إسلامية جديدة» (منشورات جامعة كولومبيا، عام 2004) - ويذهب فيه المعلق السياسي الفرنسي إلى أن الجزء الأكبر من مشكلة الحرب ضد ظاهرة الإرهاب سوف يكمن على أرض أوروبا نفسها.
وليس في منطقة الشرق الأوسط، وأن ظاهرة الإرهاب هي بالدرجة الأولى نتاج فرعي ناجم عن أوضاع الهجرة والعولمة وما في حكمها من خصائص بات يتسم بها جزء من عالمنا وهو يتحول إلى الانفتاح والديمقراطية.
ثم يبادر المؤلف محذرا من أن المسيرة ستكون من أصعب ما يكون، ولاسيما بالنسبة لأميركا التي تغيرت صورتها في الشرق الأوسط وبفعل أخطاء وسلبيات كثيرة وفي هذا الصدد يقول أن أميركا لم تعد لها مصداقية تذكر ولا سلطة معنوية بمعنى النفوذ الأدبي في المنطقة (ص 187) .
ثم يستطرد قائلاً: إن الصورة السائدة في المنطقة عن الولايات المتحدة لم تعد هي صورة تمثال الحرية بل هي صورة تعذيب المساجين في أبو غريب، وقد بلغ الأمر الحد الذي جعل عناصر الليبراليين من دعاة الإصلاح الموالين للغرب يشعرون أن من واجبهم أن ينأوا بأنفسهم عن أميركا وإذا كان الأمل يحدو المؤلف في ألا يستمر هذا الوضع طويلا.
إلا أن هذا الوضع في حد ذاته هو الذي يدفع المؤلف إلى تأكيد أهمية التغيير الذي ألمحنا إليه في مضمار السياسة الخارجية لواشنطن وإن كان يحذر من أن يأتي هذا التغيير مباغتا فإذا بأضراره تفوق ثماره المرتجاة - الأمر الذي يدفع فوكوياما إلى مطالبة واشنطن بأن تلجأ إلى أدوات غير مباشرة وغير مفاجئة تتيح لها تغيير سياستها على نحو وئيد ومتدرج ورشيد.
ومن هذه الأدوات - ولنقرأ العبارات جيدا - مؤسسات من قبيل جهود «جماعة الديمقراطيات» وهي المجموعة المؤسسة التي تشكلت في وارسو عاصمة بولندا عام 2000 بدعم من إدارة الرئيس الأسبق كلينتون لتضم كثيرا من دول شرقي أوروبا (السوفييتية ـ الشيوعية سابقا) وبعض دول أميركا اللاتينية وشرقي آسيا التي شهدت تحولات ديمقراطية منذ عقد السبعينات.
مرة أخرى، وقرب ختام السطور من هذا الكتاب يحيل المؤلف إلى مفكر فرنسي آخر وتلك ظاهرة أو لازمة لاحظناها خلال تحليلنا النقدي الراهن لهذا الكتاب، ربما لأن البروفيسور فوكوياما أكاديمي واسع الاطلاع على ما يصدر من أدبيات على نطاق عالمنا بخلاف تلك الصادرة بالإنجليزية.
وربما من باب الإعجاب بالقدرات التحليلية المعهودة عن مفكري وفلاسفة الفرنسيين.. وربما لأن المحلل الفرنسي مؤهل لكي يتناول الظاهرة الأميركية من بعيد وليس من داخل تلافيف الظاهرة، وهذا يتيح له بداهة أن يرصد أبعادها بغير تأثير مباشر وأن يرى الصورة بكل ما تتسم به من تلك الأبعاد.
والإحالة التي يختتم بها كتابنا هي إلى الكاتب السياسي الفرنسي بيير هاسنر الذي يصفه مؤلفنا بأنه كان بالمصادفة واحدا من تلاميذ ليوشتراوس الذي يعده المحافظون الجدد أستاذهم ورأس المدرسة الفكرية المذهبية التي ينتمون إليها. ان المسيو هاسنر يلاحظ فرقا جوهريا بين سلوك الأميركيين في داخل بلادهم وسلوكهم خارج حدودها:
إنهم في الداخل يعتمدون قاعدة «تبادل الضوابط من أجل تحقيق التوازنات» بين مؤسسات الدولة الأميركية لأنهم يرفضون مبدأ تركز القوة أو السلطة في يد هذه المؤسسة أو تلك مهما جاءت المؤسسة أو السلطة بالانتخاب أو انطلقت من موقع حسن النوايا.
بيد أن الأميركان في السياسة الخارجية - وخاصة في ظل ظاهرة القطب الواحد بعد انتهاء الحرب الباردة - باتوا يروّجون لفكرة هيمنة الولايات المتحدة لكي تتصرف بغير قيود أو ضوابط أو توازنات..وتحت شعار موجه لشعوب العالم بأسرها: من فضلك ضع ثقتك في أميركا ! .
من هنا يطرح الكاتب الفرنسي سؤاله الجوهري البليغ بقوله: إذا كانت السلطة المطلقة أو القوة المنفردة بغير ضوابط مدعاة للمفسدة على الصعيد الداخلي، فلماذا لا تكون بنفس القدر من السوء والإفساد من جانب من يقبض منفردا على مقاليدها على الصعيد الدولي ؟