كتاب : أمريكا على مفترق الطرق (5)

الديمقراطية والسلطة وتراث المحافظين الجدد

عرض ومناقشة ( محمد الخولي ) والتي نشرتها جريدة البيان الإماراتية – الجزء الخامس

المحافظون الجدد يكرهون الأمم المتحدة وهذه مبرراتهم

يتناول المؤلف هنا قضيتين على جانب كبير من الأهمية، فهو يتناول المؤسسات الأميركية المتعلقة بما يعرف بالقوى اللينة، ويحذر من غياب التنسيق بين هذه المؤسسات وافتقارها إلى الحد الأدنى الضروري من التناغم بينها، وهو من ناحية أخرى يدعو إلى إعادة التفكير في مؤسسات النظام الدولي.

ولا يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن الأمم المتحدة بوضعها الراهن لا تستطيع التصدي للقيام بالدور المطلوب منها، وهكذا فإنه يبادر إلى طرح البديل أو البدائل عن هذه المنظمة، ويدعو إلى استحداث مؤسسات دولية جديدة وتكييف ما هو قائم مع الظروف المستجدة على المسرح الدولي.

في الصفحات الأخيرة من الفصل الخامس يتوقف المؤلف، بقدر من التأمل، عند مسألة «القوى الناعمة أو القوى اللينة »، ويطرح تأملاته هذه تحت شعار يقول: مطلوب إعادة تشكيل، أو إصلاح المؤسسات الأميركية المعنية بالقوى الناعمة.

وقبل أن يحدد للقارئ ماهية هذا المطلوب أو أسلوب تلبيته، يحرص على إيضاح أن «القوى الناعمة أو القوى اللينة» مصطلح صاغه جوزيف ناي وهو أستاذ جامعي وكان من مسؤولي إدارة كلينتون السابقة لكي يصف به القدرة على أن تحصل على ما تريد من خلال الجاذبية البناءة والمؤثرة التي تتمتع بها القيم التي تجسدها أو تدعو إليها ، وذلك بدلاً من أن تلجأ إلى القوى الخشنة (الصلبة) التي تجسدها من الناحية المقابلة الآلة العسكرية أو الضغط الاقتصادي.

بيد أن فوكوياما يشعر بأن هذا التعريف منقوص لأنه لا يشمل كل الحالات التي تصادف العمل السياسي ولا يتعرض لجميع المؤسسات المطلوب إصلاحها، إن طرح شروط معينة لدى تعميم المعونة الاقتصادية من جانب الوكالات والهيئات الإنمائية، يمثل نوعا من أنواع الضغط أو الإكراه الاقتصادي ومع ذلك فهو أمر جائز إلى حد ليس بالقليل رغم كونه قوة صلبة كما نسميها، وهو جائز بالمقارنة مع احتمالات اللجوء إلى قوى صلبة أخرى شديدة القسوة بالغة الفظاظة ونعني بها القوى العسكرية بطبيعة الحال.

غياب التنسيق

من هنا لا تكمن المشكلة في نوعية ولا حتى أساليب المؤسسات التي تستخدم، أو لا تستخدم، القوى الناعمة، إنها تكمن في غياب التنسيق والتناغم بين تلك المؤسسات فضلا عن تعددها ومن ثم تناثرها وتشتت جهودها.

ويسوق لنا فوكوياما مثلا من حكاية إدارة بوش الحالية مع الديمقراطية.

لقد عمدت هذه الإدارة لأسباب شتى.. بعضها مازال مجهولا أو شبه مجهول، إلى جعل الديمقراطية أو التحول الديمقراطي محوراً لسياسة بوش (والمحافظين الجدد) في منطقة الشرق الأوسط. مع ذلك يقول : إن الأسلوب الذي نظمت به حكومة بوش صفوفها أو حشدت بواسطته إمكاناتها أو مؤسساتها مازال أسلوبا قاصرا ويحتاج إلى كثير من تقويم وتعديل.

ويكفي –كما يقول فوكوياما- أن نتابع وجود تشكيلة بالغة التوسع، شديدة التباين والتنوع من الوكالات، والهيئات والمؤسسات والمكاتب المسؤولة عن أجندة الديمقراطية في الشرق الأوسط ومن ضمن المؤسسات التي يحصيها كتابنا (ص 150) ما يلي:

• مكتب الديمقراطية وأساليب الحكم (الحوكمة كما أصبحت تسمى) التابع إلى وكالة الأمم المتحدة للتنمية ومكاتبها الإقليمية المنتشرة في أنحاء المنطقة وهي أكبر جهة لصرف الدولارات الأميركية في هذا المضمار.

• الوقفية (المنحة) الوطنية للديمقراطية .

• المعهد الوطني الديمقراطي.

• المعهد الجمهوري الدولي.

• مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط.

• مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان وشؤون العمل التابع لوزارة الخارجية.

• هيئات الدبلوماسية العامة التي تتوزع بينها اختصاصات هذا المجال، ما بين وكالة وزارة الخارجية المسؤولة عن شؤون الإعلام، ومجلس محافظي هيئة الإذاعة الذي تعمل تحت إشرافه تشكيلات من الهيئات والمؤسسات بما في ذلك إذاعات صوت أميركا وراديو سوا وراديو أوروبا الحرة وراديو ليبرتي وتليفزيون الحرة وراديو فارضا وما إلى ذلك.

ويعلق قائلاً: بين هذه الأنشطة المختلفة لا يوجد تنسيق شامل، وهذا يعني أن كثيرا منها يكرر بعضه بعضا ويبذل جهودا مزدوجة وغالبا ما تتعارض الأغراض وتتصادم النتائج.

بيد أن مشكلة القوى الناعمة لا تكمن فقط في غياب التنسيق. فالمؤلف يتهم وكالة التنمية الأميركية مثلا بأنها فشلت في أن تبث روح الإجادة المهنية أو الاعتزاز بالحرفة والاختصاص لدرجة أن جاء عقد السبعينات فتحولت بسهولة إلى هيئة تابعة لوزارة الخارجية، ونزلت دوائر الكونغرس بميزانيتها إلى قاع الحضيض تبعا لأهواء أعضائه من النواب والشيوخ، فكان أن ظلت طوال العقد الماضي تخسر كفاءات ومواهب من موظفيها وفقدت معهم قدرا كبيرا من قدراتها الفنية بالنسبة إلى الإشراف على ما كان يجري تنفيذه من خطط ومشاريع.

ثم تجلى هذا الفشل كله في محاولات إعادة إعمار العراق بعد انتهاء العمليات المسلحة (النظامية أو السافرة على الأقل) وهي محاولات لم تسفر عن نتائج ذات بال من قريب أو بعيد، الأمر الذي دعا دوائر الإدارة الحالية إلى الدعوة لإصلاح مؤسسات القوى الناعمة.

وهي أساسا قوى الدعوة والإعلام والاتصال النخبوي والجماهيري أيضا، وإن كان مؤلفنا - في معرض الانتقاد الذي يوجهه - يؤكد أن الأمر لا يحتاج إلى إصلاحات بقدر ما يقتضي عمليات جراحية سياسية وإستراتيجية وتنفيذية وإعلامية على السواء.

ومع ذلك فإن فوكوياما يحدد شرطا نراه جوهريا في كل هذه الإصلاحات، أو فلنقل الجراحات الإصلاحية المرتقبة. وهذا الشرط يقضي ببساطة بأن يتم هذا كله في ضوء ما تتوخاه أميركا من هدف التواصل، لا مع نفسها ولا مع جمهورها الانتخابي الداخلي، بل مع جماهير العالم الخارجي بشكل عام ، وبحيث تشعر هذه الجماهير أن هذه القوى (المؤسسات الناعمة) تتوجه إليها وتحاول التواصل معها بحق وبغير منطق الاغتراب أو التهميش أو المصلحة المغرضة أو التزييف أو التزويق أو الغرور والاستعلاء.

وربما يكون من المحاور السلبية التي تجسد هذا الاستعلاء من جانب محافظي واشنطون الجدد حكاية الهيمنة التي وصفوها بأنها خيّرة أو رحيمة أو ما ترجمناه بعبارة السيطرة الرؤوم.

لا للهيمنة

يسترعي اهتمامنا أن يذهب المؤلف أولا إلى رفض حكاية الهيمنة الخيّرة ثم يتحول إلى أهمية دور المنظمات الدولية في إطار النظام العالمي الراهن باعتبار أنها المنظمات التي تحترم بحكم التعريف سيادة الدول وترفض - ولو على أساس نظري بحت - سيطرة دولة على أخرى، حيث أن القانون الدولي الذي تعمل هذه المؤسسات العالمية على أساسه يكرّس المبدأ الشهير الذي يقول بمساواة الدول في السيادة.

على كل حال يقول فوكوياما في مستهل الفصل السادس: إن حرب العراق كشفت عن أوجه قصور في الهيمنة الخيّرة التي نادت بها الولايات المتحدة، وأنها كشفت أيضا عن أوجه قصور المؤسسات الدولية القائمة ومنها الأمم المتحدة على وجه الخصوص ورغم أن هذه المنظمات كانت محل تفضيل من جانب الأوروبيين لتكون الإطار الأنسب لاتخاذ إجراءات دولية مشروعة.

ولكن لماذا الأمم المتحدة بالذات ؟

يجيب قائلا (ص 155) : لأنها لم تستطع لا أن تصدق على قرار أميركا بالذهاب إلى خوض الحرب، ولا أن توقف واشنطن عن قرارها خوض حرب العراق بمفردها.

مطلوب إعادة التفكير

هذه المحصلة هي التي تدفع فوكوياما إلى أن يختار للفصل قبل الأخير من كتابه عنوانا تجسده عبارة "إعادة التفكير في مؤسسات النظام الدولي" وفي مجال الترافع في هذه القضية يسوق المؤلف أسبابا تدفع إلى إعادة التفكير أو إعادة النظر:

أولها، أن ظاهرة العولمة زادت من ضرورات الاعتماد المتبادل أو هو التكافل بين الدول التي تشكل عناصر تكوين النظام الدولي بكل أبعاده مما أتاح للبلدان مزيدا من فعالية التواصل بقصد التأثير على مجريات الأمور الداخلية في البلدان الأخرى.

ثانيها، أن الوزن – الثقل - الذي باتت أميركا تتمتع به بحكم الأمر الواقع (دي فاكتو في المصطلح القانوني اللاتيني) أدى - بتعبير المؤلف - إلى خلل جوهري في توازن القوى الفاعلة على الساحة الدولية لدرجة أصبحت أميركا معها قادرة على التأثير في أقطار شتى من العالم من دون أن تملك تلك الأقطار درجة التأثير نفسها على أميركا.

وقد تجلى هذا الخلل في التوازن مصحوبا - كما رأينا - بإمكانية التأثير - في قدرة الولايات المتحدة على تغيير نظام الحكم في بلد كالعراق على تبعد 8 آلاف ميل من حدودها. ومع ذلك فما برحت قطاعات واسعة بل وغفيرة من البشر تشكك في خطط أميركا ولا تثق فيما تعلنه من نوايا خيرة ومن ثم فما زال الأمر بحاجة إلى عنصر مؤسسي يقوم بدور التحكيم في مباراة السياسة الدولية شريطة أن يكون الدور فعالا وعنصر التحكيم موثوقا ونزيها وبالغ التأثير.

ويرى المؤلف أن الأمم المتحدة - بشكلها وتكوينها الراهن - لا تستطيع الاضطلاع بهذا الدور. ومن ثم يدعو في الفصل السادس (ص 157) إلى استحداث مؤسسات دولية جديدة، وإلى تعديل وتكييف منظومة المؤسسات القائمة كي تتلاءم مع الظروف المستجدة على المسرح الدولي.

في هذا الإطار يؤكد المؤلف على ضرورة أن يتجسد هذا الإصلاح - التعديل - التكييف في تغيير المفهوم الجوهري الذي قامت على أساسه المنظومة الدولية الراهنة. لقد أدت أدوارا بالغة الإيجابية وخاصة في مجالات حفظ السلام والتعمير والمعونات الإنسانية وما إليها، لكن مشكلتها الهيكلية أو الخلقية .

كما قد نسميها أن عضويتها قامت على أساس مفهوم السيادة الشكلية أو الرسمية (دولة مستقلة تنضم إلى المنظمة الدولية) من دون أن تقوم على أساس طرح وتحديد وتبني وتفعيل موضوعي لفكرة العدالة. ولهذا فالمنظمة لا تطرح مطالب عملية على أعضائها لكي يكونوا ديمقراطيين أو لكي يحترموا حقوق الإنسان الخاصة بمواطنيهم.

لقد قامت المنظومة الدولية (في منتصف الأربعينات) في معرض الاستجابة أو التكيف مع، أو التسليم بحقائق السياسة والأوضاع العالمية التي كانت سائدة في ذلك الحين، ومن ثم فقد حملت في أحشائها منذ نشأتها جنين مشكلاتها، مما أصاب أنشطتها بالتشوّه لأنها منذ قيامها ظلت تتألف من دول سلطوية وغاشمة وغير ديمقراطية.

بيد أننا في هذا السياق لا بد وأن نعترض على ما يذهب إليه مؤلف كتابنا في معرض انتقاداته العديدة التي يوجهها إلى الأمم المتحدة وإذا كان من حق البروفيسور فوكوياما، كأستاذ متمرس في علم السياسة أن ينتقد عدم فعالية المنظمة الدولية في هذا المجال أو ذاك، فلا نظن أن من حقه أن ينتقد الجمعية العامة للأمم المتحدة بدعوى أنها كانت ضد إسرائيل على طول الخط أو أنها تحابي العرب على طول الخط.

هنا لا يليق بأستاذ العلوم السياسية أن يساوي وفق المنطق الصوري - الشكلي ـ بين الطرف القائم بالاحتلال والطرف الخاضع للاحتلال.. بين الجاني الذي ما برح يغتصب حق تقرير المصير وبين الضحية المطالب بالحق المشروع في تقرير المصير. ومن عجب أن فوكوياما الذي طرح طيلة صفحات الكتاب مرافعة انتقاديه ضد سياسات الولايات المتحدة، يجد نفسه ويا للتناقض - محاميا للدفاع عن الولايات المتحدة ومبّررا لسياستها حين يقول (ص 160) :

إن أميركا وجدت نفسها (بمعنى كانت مضطرة) عبر السنوات مدفوعة إلى استخدام حق النقض (الفيتو) بصورة متواترة أو متكررة لرفض قرارات مجلس الأمن التي اعتبرت متحيزة ضد إسرائيل وبهذا اعتادت على أن تقف ضد أغلبية الآراء في المنظمة.

لكننا من جانب الإنصاف نسجل للمؤلف عودته إلى نقد إدارة الرئيس بوش الحالية حين يقول (ص 177) : لقد أساءت هذه الإدارة إلى دعواتها التي أطلقتها من أجل تحولات ديمقراطية في العالم.. وذلك عندما شنت حملتها على العراق، وعندما بدت وكأنها لا تلقى بالا ولا تعنيها محنة أو معاناة الفلسطينيين.

ورغم أن كثيرين في الشرق الأوسط يتوقون بلهفة إلى تحقيق الديمقراطية في بلادهم إلا أن المنطقة ما برحت تشهد - كما يستطرد - نزعات معادية لأميركا لدرجة أن دعاة هذه الديمقراطية يجدون أنفسهم مضطرين أحيانا إلى إعلان تباعدهم عن الولايات المتحدة وبالتالي عن مؤازرتها للهدف الذي يدعون إلى تحقيقه.

الأمم المتحدة ومشكلاتها

وإذا كان العالم يقبل بتدخلات من جانب الأمم المتحدة، وإذا كان هناك من يقول إن المنظمة الدولية قد بلغت حدا من التشتت والتعدد في المهام وفي الواجبات الملقاة على عاتقها في الحرب وفي السلام، ولدرجة بات من الصعب عليها أن تواصل دورها المرسوم أو المنشود أصلا، وهو أقرب إلى اختصاص التحكيم أو التوجيه أو الفصل الحاسم في الأمور، أو فلنقل دور أمين المظالم.

في ضوء هذا كله، وفضلا عن تكريس سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة فإن مفكرا سياسيا مثل فوكوياما يحاول أن يستشرف في هذا الفصل السادس من كتابه آفاقا يراها واعدة أو مستجدة أو على الأقل يدعو إلى استشرافها أو ارتيادها.

في هذا السياق يطرح فوكوياما السؤال: إذا استعصى إصلاح الأمم المتحدة تماما فما الذي يمكن أن نفعله ؟

ويجيب في السياق نفسه قائلا: الجواب لن يتمثل على الأرجح في منظمة دولية مختلفة (أو بديلة) بل يتمثل بالأحرى في مجموعة متعددة الأطراف بمعنى تشكيلة من المنظمات الدولية التي يمكن أن تهيئ في آن معا أسباب القوة مع معايير الشرعية في غمار تصديها لمختلف أنواع التحديات التي تواجه النظام العالمي الراهن.

إن وضع كل ما نملك من بيض في سلة مؤسسة عالمية واحدة ما هو إلا وصفة للطغيان في حالة ما إذا استكملت هذه المؤسسة أسباب القوة والنفوذ، أو هو وصفة للقصور وعدم الفعالية وهذا ما تشهد به أنشطة المنظمة الدولية في الوقت الراهن.

ثم يواصل المؤلف طرح أفكاره قائلا: لقد بلغ العالم حالة من التشابك والتعقيد والتنوع لدرجة أصبح من المتعذر معها على منظمة أو مؤسسة واحدة أن تعالج أمور العالم وأن تشرف على ما يجري على صعيده من تطورات.

وقصارى الأمر - ومهما اختلفت الشعارات أو تعددت أو تبدلت المسميات - فإن مؤلف الكتاب يرى أن آليات النظام الدولي لن يتاح لها كفاءة الأداء إلا في ظل منظومة مؤسسية دولية تقوم بإنشائها الدول المستقلة ذات السيادة، أي نعم، ولكن على هذه الدول نفسها أن تتنازل عن جوانب من سيادتها، وفق قواعد تفويض السلطة والتنازل الطوعي عن السيادة لصالح السلطات التي تضفي على تلك المنظومة المؤسسة الدولية التي يفكر فيها - أو بالأدق يحلم بها فوكوياما - على أن يتم ذلك بالطبع من خلال اتفاقات قانونية رسمية وواضحة ومعترف بها.

في السياق نفسه، نلاحظ أن المؤلف لا يفصل بين التغيير الذي ينشده في هيكل وتوجهات المنظومة الدولية وبين استمرار دعوته إلى تغييرات جذرية في هيكل السياسة الخارجية لبلاده.. وهي سمات وأهداف يبلورها ـ في نقده لمؤلفنا ـ الكاتب الإنجليزي مارتن جاك (الغارديان البريطانية، عدد 13/4) حين يقول: إنها سياسة لا بد وأن تقوم على أساس مبدأ تعددية الأقطاب وليس انفرادية القطب الواحد، وعليها أن تتبع مسارات وتوجهات واسعة النطاق تشمل المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والعمل السياسي دون أن تعوّل باستمرار على استخدام القوة العسكرية الجبارة..

وبمعنى أن تستخدم القوى الناعمة بدلا من القوى الصلبة أو الغليظة. وعلى هذه السياسة الأميركية المنشودة أن تعترف أيضا ـ في رأي الكاتب الإنجليزي ـ بأن لكل بلد أو لكل منطقة أو لكل مجموعة من الأقطار جذوره أو جذورها الثقافية المختلفة العريقة والأصيلة والمتميزة عن سواها من القيم أو الأنساق أو الجذور.

وعلى ذلك فحكاية (أو بضاعة) الديمقراطية التي يروّج لها فصيل المحافظين الجدد في واشنطن لا يمكن فرضها من الخارج بحال من الأحوال، وقصارى القول إنه لا بد من التأمل بجدية في مقترحات البروفيسور فوكوياما بأن تعمد واشنطن إلى دعم ومساندة تشكيلة واسعة من المنظمات المتداخلة والمتعددة الأطراف لكي تحل محل الأمم المتحدة.

وعند هذا المنعطف من التحليل نقف أيضا من منظورنا العربي ورؤيتنا للأوضاع الدولية مؤيدين للكاتب مارتن جاك عندما يتحفظ - إلى درجة الرفض - على ما يدعو إليه فوكوياما من إحلال مؤسسة مستحدثة لا يعلم بها إلا الله محل منظمة الأمم المتحدة: إن الكاتب الإنجليزي يرى أن فوكوياما لا يكاد يختلف في هذه الدعوة مع من ينتقدهم من أجنحة المحافظين الجدد الذين يضمرون العداء لدرجة العمى - كما قد نقول - للمنظومة الدولية بكل ما تضمه من مؤسسات وبرامج وصناديق ووكالات وهيئات.

ولكن ، لماذا يكره معظم المحافظين الجدد الأمم المتحدة ؟ .

يجيب الكاتب الإنجليزي قائلا: لأن المنظمة الدولية رغم كل ما يشوبها من قصور وبكل ما تفتقر إليه من أدوات الحسم فإنها تتمتع بميزة واحدة وعظيمة أيضا وهي انها ساحة يمكن أن تسمع من فوق منبرها صوت جميع دول العالم.. وهي بهذه الصفة، أقل انصياعا وأشد استعصاء على الاستجابة للضغوط الأميركية و.... هكذا تحدث واحد من منتقدي الكتاب الذي بين أيدينا.

ويزيد عليه كاتب آخر أميركي هذه المرة هو لويس مينان (مجلة النيويوركر، 27/3) حين يلاحظ أنه رغم توجيه الخطاب في كتاب فوكوياما إلى المشتغلين بالسياسة من مثقفين ومحللين ومستشارين ومعلقين ، وأيضا إلى مفكري مؤسسات هندسة القرارات أو رسم معالمها إلا أن مؤلف الكتاب لا يمكن أن يعد مفكرا سياسيا بمعنى أن يصدر عن انتماء متبلور أو عن مذهب سياسي يترجم إلى انتماء حزبي أو حتى عقائدي أو نظري، فهو أقرب إلى العقلية الابتكارية المستقلة، يأخذ الأفكار بجدية شديدة محاولا أن يطل عليها، وعلى الأحداث التفصيلية، من خلال الصورة الأوسع وفي الإطار الأشمل.

وعندنا أن المؤلف لا يدعي أكثر من ذلك، وحسبه أنه تعامل مع الأوضاع السياسية، في بلاده، ومن ثم نصب نفسه متأملا وناقدا إضافة إلى تسجيل ما تراءى له من تصورات ومقترحات.

ولما كانت مادة هذا الكتاب ـ كما ألمحنا منذ البداية ـ عبارة عن محاضرات ألقاها صاحبه على طلاب الدراسات العليا في مساقات علم السياسة والعلاقات الدولية، فقد كان من الطبيعي والمنطقي أن يؤول العرض والتحليل إلى خلاصة تفصيلية عمد المؤلف إلى تسجيلها في الفصل السابع والأخير من هذا الكتاب، وهي عن المعالم الجديدة في السياسة الخارجية الأمريكية.

1
4703
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني