الرأي والعقيدة

فرق كبير بين ان ترى الرأي وان تعتقده ، اذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك ، وإذا إعتقدته جرى في دمك ، وسرى في مخ عظامك ، وتغلغل الى اعماق قلبك.
ذو الرأي فيلسوف ، يقول اني ارى الرأي صواباً وقد يكون في الواقع باطلاً ، وهذا ما قامت الادلة عليه اليوم وقد تقوم عليه الادلة غدا ، وقد أكون مخطئا فيه وقد اكون مصيبا. اما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن ، عقيدته هي الحق لا محاله ، وهي الحق اليوم وهي الحق غدا ، خرجت من ان تكون مجالا للدليل ، سمت عن معترك الشكوك والظنون.
ذو الرأي فاتر او بارد ، ان تحقق ما رأى ابتسم ابتسامة هادئة رزينة ، ان لم يتحقق ما رأى فلا بأس ، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب. وذو العقيدة حارْ متحمس لا يهدأ الا اذا حقق عقيدته ، هو حرج الصدر ، لهيف القلب ، تتناجى في صدره الهموم ، أرقْ جفنه وأطال ليله تفكيره في عقيدته ، كيف يعمل لها ، ويدعو اليها ، طليق المحيا مشرق الجبين اذا ادرك غايته ، او قارب بغيته.
ذو الرأي سهل اذ يتحول ويتحور ، عند المصلحة التي تظهر في شكل دليل ، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسوال الله صلى الله عليه وسلم " لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته" ، وكما يتجلى في دعاء عمر رضي الله عنه " اللهم ايمانا كايمان العجائز" .
الناس انما يخضعون لذي العقيدة ، فليس ذوو الرأي الا ثرثارين عنوا بظواهر الحجج اكثر مما عنوا بالواقع ، لا يزالون يتجادلون في آرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيكتسحهم.
قد يجود الرأي ، وقد ينفع ، وقد ينير الظلام ، وقد يظهر الصواب ، ولكن لا قيمة لذلك كله ما لم تدعمه العقيدة ، بل قد تؤتى من قبل كثرة الآراء اكثر مما تؤتى من قلتها.
الرأي جثة هامدة ، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها ، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقي عليه العقيدة من اشعتها ، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض ، والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة ان تتولد على سطحه ، والرأي سديم يتكون ، والعقيدة نجم يتألق.
ذو الرأي يخضع للظالم وللقوي ، لا نه يرى ان للظالم والقوي رأيا كرأيه ، ولكن ذا العقيدة يأبى الضيم ويمقت الظلم ، لانه يؤمن ان ما يعتقده من عدل واباء هو الحق ، ولا حق غيره.
الرأي يخلق المصاعب ، ويضع العقبات ، ويصغي لاماني الجسد ، ويثير الشبهات ، ويبعث التردد ، والعقيدة تقتحم الأخطار ، وتزلزل الجبال ، وتغير سير التاريخ ، وتنسف الشك والتردد ، وتبعث الحزم واليقين ، ولا تسمح الا لمراد الروح.
من العقيدة ينبثق نور باطني يضيء جوانب النفس ، ويبعث القوة والحياة ، يستعذب صاحبها العذاب ، ويستصغر العظائم ويستخف بالاهوال ، وما المصلحون الصادقون في كل أمة الا اصحاب العقائد فيها.
لا ينقص هذة الأمة رأي لتنهض به، لكن ينقصها عظماء يعتقدون ما يقولون.!!!

1
50
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني