تعريف الإسلام

الفصل الأول من كتاب أزمة الإسلام لبرنارد لويس [1]

من الصعب التعميم فيما يخص الإسلام. للبدء بذلك، فإن الكلمة نفسها (الإسلام) تستخدم عموماً بمعنيين متعلقين ببعضهما ولكنهما مختلفان، مثل ذلك مثل العلاقة بين الدين المسيحي والعالم المسيحي. فبالمعنى الأول، تشير الكلمة إلى دين، إلى نظام اعتقاد وعبادة[1]، وبالمعنى الثاني، تشير الكلمة إلى الحضارة التي نمت وازدهرت تحت رعاية هذا الدين. وكذلك تشير كلمة إسلام إلى ما يزيد عن أربعة عشر قرناً من التاريخ، وبليوناً وثلث البليون من الناس، وتعاليم ثقافية ودينية ذات تنوع هائل. تمثل المسيحية والعالم المسيحي عدداً أكبر من الناس وفترة أطول، أكثر من بليوني شخص، وأكثر من عشرين قرناً، بل واختلافاً أكبر كذلك. ومع هذا، فإن بالإمكان القيام بتعميمات محددة حول ما يطلق عليه اسم المسيحية، والمسيحية اليهودية، وما بعد المسيحية،  وقد تم ذلك ببساطة أكبر في الحضارة الغربية. في حين أن التعميم فيما يتعلق بالحضارة الإسلامية قد يكون صعباً، وفي بعض الأحيان خطراً إلى حد ما، إنه ليس بالأمر المستحيل وقد يكون مفيداً من بعض الوجوه.

في المكان، يمتد عالم الإسلام من المغرب إلى إندونيسيا، ومن كازاخستان إلى السنغال. وفي الزمان يعود إلى ما يزيد على أربعة عشر قرناً، إلى مجيء وبعثة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، وإنشاء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية تحت قيادته. في الفترة التي يراها المؤرخون الأوروبيون على أنها فترة مظلمة تفصل بين تداعي الحضارة القديمة ـ حضارة اليونان وروما ـ وسطوع الحضارة الحديثة ـ حضارة أوروبا، كان الإسلام الحضارة المتقدمة في العالم، متميزاً بممالكه العظيمة والقوية، وصناعته وتجارته الغنية والمتنوعة، وعلومه ورسائله الأصلية والمبدعة. لقد كان الإسلام إلى حد أكبر من المسيحية بكثير، درجة متوسطة بين الشرق القديم والغرب الحديث، الذي ساهم فيه بشكل كبير. ولكن، وخلال القرون الثلاثة الماضية، فقد العالم الإسلامي هيمنته وزعامته، وأصبح خلف كل من الغرب الحديث والشرق الآخذ سريعاً في التحديث. هذه الهوة المتزايدة تفرض مشاكل حادة بشكل متزايد، على الصعيدين العملي والوجداني، مشاكل لم يجد لها حكام ومفكرو وثوار الإسلام حلولاً ناجعة بعد.

إن الإسلام كدين أقرب بكثير من كل الوجوه إلى المسيحية اليهودية منه إلى أي من الأديان الآسيوية العظيمة، مثل الهندوسية والبوذية، والكنفوشية. يشترك كل من اليهودية والإسلام في الاعتقاد بشريعة إلهية تنظم كل جوانب النشاط الإنساني، بما في ذلك حتى الطعام والشراب. يشترك المسيحيون والمسلمون في عقيدة نصروية واحدة. فخلافاً للأديان الأخرى لدى البشر، بما فيها اليهودية، يعتقد (المسلمون والنصارى) أنهم وحدهم السعداء بتسلمهم رسالة الله الأخيرة إلى الإنسانية بكونهم الأمناء عليها، وأن من واجبهم تبليغها إلى باقي العالم. إذا قارناهم بالأديان الشرق أوسطية ـ فإن اليهودية والمسيحية والإسلام ـ ديانات ذات صلة حميمة وفي الواقع فإن هذه الديانات تظهر وكأنها تنوعات لناموس ديني واحد[2].

إن العالم المسيحي والإسلامي هما من أوجه كثيرة حضارتان شقيقتان. اعتمد كلاهما على الإرث المشترك للوحي اليهودي والنبوة والعلم والفلسفة الإغريقيين، وتغذى كلاهما بالتعاليم المندرسة للعصور الشرق أوسطية القديمة. في معظم تاريخهما المشترك كانا مشتبكين في القتال، ولكن حتى أثناء صراعهما وجدلهما كانا يكشفان قرابتهما الأساسية والملامح المشتركة التي تربطهما ببعضهما وتميزهما عن حضارات آسية القديمة.

ولكن، وكما أن هناك أوجه تشابه، فإن هناك خلافات عميقة بين الاثنين، وتمتد هذه إلى ما هو أعمق من الاختلافات الواضحة في العقيدة والعبادة. إن أكثر مواضع هذه الاختلافات عمقاً ووضوحاً يكمن في مواقف هذين الدينين، وشراحهم المفوضين، تجاه العلاقات بين الحكومة، والدين والمجتمع، لقد أمر منشئ المسيحية أتباعه بأن (يعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) (متىXX 11:21 ) ولقرون نمت المسيحية وتطورت على أنها دين المستضعفين، حتى أصبح القيصر نفسه مسيحياً مع اهتداء الامبراطور قسطنطين إلى المسيحية، حيث دشن سلسلة من التغييرات تمكن الدين الجديد بواسطتها من الاستيلاء على الإمبراطورية الرومانية وتغيير حضارتها. لقد كان مؤسس الإسلام هو قسطنطينه نفسه، وأنشأ دولته الخاصة وامبراطوريته. لذلك لم يقم بإنشاء ـ أو لم يحتج إلى إنشاء ـ كنيسة. إن الانشقاق بين المملكة والكهنوت، (والذي هو أمر) حاسم تماماً في تاريخ العالم المسيحي الغربي، ليس له مقابل في الإسلام. خلال حياة محمد (صلى الله عليه وسلم) أصبح المسلمون دفعة واحدة مجتمعاً دينياً وسياسياً، مع النبي رئيساً للدولة.

وهكذا، فقد حكم المكان والناس، ونشر العدل، وجمع الضرائب، وقاد الجيوش، وشن الحرب وصنع السلم. فبالنسبة للجيل التأسيسي الأول من المسلمين، والذين تعتبر مخاطراتهم تاريخاً إسلامياً مقدساً، لم يكن هناك إرجاء ممتحن بالاضطهاد، ولا تقليد مقاومة لسلطة الدولة العدائية. على العكس، من ذلك، فإن الدولة التي حكمتهم كانت دولة الإسلام، وكان تأييد الله لقضيتهم واضحاً في شكل النصر والملك في هذا العالم. في روما الوثنية، كان قسطنطين هو الله. بالنسبة للمسيحيين، هناك خيار بين الله وقيصر. وقد وقعت أجيال غير متناهية من المسيحيين في شَرَك هذا الاختيار. في الإسلام، لم يكن هناك خيار مؤلم كهذا[3]. في الدولة الإسلامية العالمية كما يتصورها المسلمون ليس هناك قيصر بل الله فقط، والذي هو وحده الملك، ووحده مصدر القانون. وقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) نبيه، وقد قام أثناء حياته بالتعليم والحكم نيابة عنه. عندما توفي محمد (صلى الله عليه وسلم) في سنة 632م كانت مهمته الروحية والنبوية، والمتمثلة في حمل كتاب الله إلى البشر قد استكملت. ما بقي كان المهمة الدينية في نشر الوحي الإلهي حتى يقبلها العالم في النهاية[4]. وقد سعى إلى تحقيق هذا بتوسيع نطاق السلطة وبالتالي عضوية المجتمع الذي يعتنق الإيمان الصحيح ويتمسك بشريعته. لإيجاد التماسك والقيادة الضروريين لهذه المهمة، فقد استلزم الأمر وجود نائب أو خليفة للنبي. لقد كانت الكلمة العربية خليفة العنوان الذي تبناه حمو النبي وخليفته الأول، أبو بكر، والذي كان تسنمه منصب قيادة المجتمع الإسلامي بداية تأسيس مؤسسة الخلافة التاريخية العظيمة. تحت سيطرة الخلفاء، فإن مجتمع المدينة، حيث كان النبي يحكم، نما خلال قرن فقط ليصبح امبراطورية ضخمة، وأصبح الإسلام ديناً عالمياً. وفقاً لرؤية المسلمين الأوائل، كما حفظ ذلك وسجل للأجيال التالية، فإن الحقيقة الدينية والقوة السياسية كانا متلازمين لا ينفكان: الأولى تقدس الثانية، والثانية تعزز الأولى، وقد علق آية الله خميني مرة بأن (الإسلام هو السياسة أو أنه لا شيء). لا يذهب جميع المسلمين إلى هذا المدى، إلا أن غالبيتهم سيؤيدون كون الله معنياً بالسياسة[5]، وهذا الاعتقاد يتم تأكيده وتعزيزه بالشريعة، القانون المقدس، والتي تشتمل على نحو مكثف على امتلاك وممارسة السلطة، وطبيعة الشرعية والسلطة، وواجبات الحاكم والمحكوم، باختصار، بما ندعوه نحن في الغرب بالقانون الدستوري والفلسفة السياسية. إن التفاعل الطويل بين الإسلام والمسيحية والتشابهات العديدة والتأثيرات المتبادلة بين الإثنين قد جعل بعض المراقبين يغفلون بعض الاختلافات الهامة. فالقرآن، يقال عنه، أنه الكتاب المقدس للمسلمين، والمسجد كنيسة المسلمين، والعلماء هم إكليروس المسلمين.

كل التعبيرات الثلاثة صحيحة، ومع ذلك، فإنها ثلاثتها مضللة بشكل كبير. يتألف كلا العهدين القديم والجديد من مجموعات من كتب مختلفة، تمتد عبر فترة طويلة من الزمن ويراها المؤمنون على أنها تجسيد للوحي الإلهي. أما القرآن عند المسلمين، فهو كتاب واحد نشر في زمن واحد من قبل رجل واجد هو النبي محمد. بعد نقاش حي في القرون الأولى للإسلام، تم تبني اعتقاد كون القرآن نفسه غير مخلوق وأزلي، إلهي وثابت. وقد أصبحت هذه عقيدة أساسية في الإيمان.

إن المسجد هو في الحقيقة كنيسة المسلمين بمعنى أنه مكان للعبادة الجماعية. لكن لا يستطيع المرء أن يتحدث عن (المسجد) كما يتحدث عن (الكنيسة) عن مؤسسة لها سلطتها الخاصة وقوانينها الخاصة، في مقابل الدولة. إن العلماء في إيران وفي الدول الإسلامية المتأثرة بالثقافة الفارسية يعرفون بالملات، قد يوصفون على أنهم رجال كهنوت بالمعنى الخاص بعلم الاجتماع، فهم وفقاً لهذا رجال مختصون بالدين. ولكن لا يوجد كهنوتية في الإسلام ولا توسط قسوسي بين الله والمؤمن، ولا تسمية كهان، ولا أسرار مقدسة، ولا شعائر يقوم بها من رسِّموا كرجال دين وحسب. في الماضي، بإمكان المرء أن يضيف أنه ليس هناك مجالس لمجامع رؤساء الطوائف الدينية، وليس هناك أساقف ليوضحوا ويكونوا أعضاء في محكمة التفتيش لفرض العقيدة، على الأقل في إيران، لم يعد هذا صحيحاً تماماً.

الوظيفة الأساسية للعلماء ـ من كلمة عربية تعني (المعرفة) هي تأييد وتفسير القانون المقدس. منذ أواخر القرون الوسطى، انبثق هناك ما يمكن تشبيهه برجال الأبرشية، والذين أسعفوا حاجات الناس العاديين في المدن والقرى، إلا أن هؤلاء كانوا عادة منفصلين عن العلماء وغير موثوقين لديهم، ويدينون للإسلام الروحي أكثر منهم للإسلام العقائدي في الحكومات الإسلامية الأخيرة، في تركية وإيران، ظهر نوع من السلطة الدينية، إلا أن هذه ليس لها جذور في الناموس الإسلامي، ولم يدع أعضاء هذه السلطات أبداً، مع أنهم مارسوا ذلك على نحو أقل، سلطات الأساقفة المسيحيين[6].

لقد حدث الكثير من التغييرات في الأزمان المعاصرة، بشكل رئيسي تحت التأثير الغربي، وقد تطورت مؤسسات وتخصصات تنضوي على مشاكلة مشكوك فيها للكنائس ورجال الدين في العالم المسيحي. إلا أن هذه تمثل ابتعاداً عن الإسلام الكلاسيكي، وليس عودة إليه[7].

إذا كان للمرء أن يتحدث عن رجال دين بمعنى اجتماعي محدود في العالم الإسلامي، فلا يوجد هناك معنى اطلاقاً في الحديث عن العامة. إن مفهوم كون شيء ما منفصل أو قابل للانفصال عن السلطة الدينية، والذي يعبر عنه باللغات المسيحية بمصطلحات مثل غير اكليركي، أو دنيوي، أو علماني، هو مفهوم دخيل تماماً على الفكر والتطبيق الإسلامي. ولم تظهر مرادفات لهذه المصطلحات إلا في عهد حديث نسبياً في اللغة العربية. وقد تمت استعارتها من استعمال المسيحيين الناطقين بالعربية أو تم ابتكارها بشكل جديد. 

منذ أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كان للمجتمع الإسلامي وجود مزدوج. فمن جهة، كان دولة، زعامة أصبحت بالتدرج دولة وامبراطورية. في نفس الوقت، ومن جهة أخرى ، كان مجتمعاً دينياً، تم تأسيسه من قبل نبي، وحكمه نوابه، والذين كانوا كذلك خلفاءه. لقد اضطهد المسيح، وتوفي موسى دون أن يدخل الأرض الموعودة، وماتزال معتقدات ومواقف أتباعهما متأثرة بشكل عميق بذاكرة هذه الوقائع. لقد انتصر محمد (صلى الله عليه وسلم) أثناء حياته، وتوفي ملكاً[8] وفاتحاً. ومواقف المسلمين بالنتيجة لا يمكن إلا أن تكون قد تعززت بتاريخ دينهم اللاحق.

في أوروبا الغربية قدم غزاة برابرة إلا أنهم قابلون للتعلم إلى دولة قائمة ودين، الإمبراطورية الرومانية والكنيسة المسيحية. وقد لاحظ الغزاة كلا الأمرين وحاولوا تحقيق أهدافهم وحاجاتهم ضمن القواعد الموجودة للدولة الرومانية والدين المسيحي، واللذين يستخدمان اللغة اللاتينية كليهما. لقد حمل الغزاة[9] العرب المسلمون الذين فتحوا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إيمانهم الخاص، وكتبهم المقدسة المكتوبة بلغتهم هم، وقد أنشؤوا دولتهم الخاصة بهم مع مجموعة قوانين جديدة، ولغة امبريالية جديدة، وقواعد امبريالية جديدة[10]، مع كون الخليفة رئيساً أعلى. لقد تم تعريف هذه الحكومة وهذه الدولة بالإسلام، والعضوية الكاملة وحدها، تعود فقط إلى هؤلاء الذين يدينون بالإيمان المهيمن. إن سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في هذا الجانب كما في جميع الجوانب الأخرى هي المثل الذي يسعى جميع المسلمون إلى محاكاته، تقع في قسمين. في القسم الأول، خلال حياته في مسقط رأسه، مكة (570 ـ 622 ) حيث كان خصيماً لحكم القلة الوثني المسيطر. في القسم الثاني، بعد تحركه من مكة إلى المدينة (622 ـ 632)، حيث كان رئيساً للدولة. هاتين المرحلتين في سيرة حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)، حياة المقاومة، وحياة الحكم، منعكستان كلتيهما في القرآن، حيث في أجزاء مختلفة منه أمر المؤمنون بإطاعة ممثل الله وعصيان الفرعون، مثال الحاكم الظالم والمستبد. هذين الجانبين من حياة النبي وعمله أحدثت مذهبين في الإسلام، أحدهما فاشستي متصوف، والآخر متطرف وناشط[11]. وكلاهما منعكسان على نحو كبير، من جهة في تطور التعاليم، ومن جهة أخرى في تدرج الأحداث. لم يكن من السهل دائماً تحديد من هو ممثل الله ومن هو فرعون؛ لقد ألفت كتب كثيرة، وتم خوض معارك كثيرة أثناء المحاولة. وتبقى المشاكل، ويمكن رؤية المذهبين بوضوح تام في الجدليات والصراعات في عهودنا نحن[12].

بين تطرف التصوف والراديكالية، هناك اختراق وهو موقف يعبر عنه على نحو واسع بالتحفظ، وحتى بعدم الثقة، تجاه الحكومة. هناك مثل على الاختلاف الحاد، في العصور الوسطى، للمواقف الشعبية تجاه القاضي، والمفتي، والخبير في القانون المقدس (الفقيه). القاضي الذي كان يتم تعيينه من قبل الحاكم، يمثل في الأدب والفلوكلور على أنه مرتش، بل وحتى مثير للسخرية[13]. أما المفتي، والذي توطد في إسلام العصور الوسطى بإقرار من أقرانه ومن الشعب العام، فقد تمتع بالتقدير والاحترام.

سيرة حياة الرجال الأتقياء ـ والتي لدينا منها مئات الآلاف ـ أن البطل قد عرض عليه تعيين حكومي وأنه رفضه. يدلل العرض على علمه وصيته، ويدلل رفضه على استقامته.

في عهود العثمانيين كان هناك تغير هام. فقد ازداد القاضي قوة وسلطة بشكل كبير، وحتى المفتي تم دمجه في سلسلة السلطة العامة. لكن الموقف القديم من عدم الثقة بالحكومة استمر، وعبر عنه مراراً في أمثال، وقصص فلوكلورية، وحتى في الأدب الراقي.

لما يزيد عن ألف سنة، قدم الإسلام المجموعة الشمولية المقبولة الوحيدة من القوانين والمبادئ لتنظيم الحياة العامة والاجتماعية. حتى خلال فترة أكبر تأثير أوروبي، في البلاد التي حكمتها أو هيمنت عليها قوى أوروبية استعمارية، وكذلك في تلك التي حافظت على استقلالها، بقيت المفاهيم والمواقف الإسلامية السياسية ذات تأثير عميق وشامل. لقد أصبح هناك في السنوات الأخيرة الكثير من العلامات على أن هذه المفاهيم والمواقف قد تكون آخذة في العودة إلى هيمنتها السابقة، وإن كان ذلك في صيغ محدثة.

إنه عالم السياسة ـ سواء في ذلك  السياسة الداخلية، والإقليمية، والدولية. الذي نرى فيه أكبر الاختلافات لفتاً للنظر بين الإسلام وبقية العالم. إن رؤساء الدول أو وزراء الخارجية في الدول الاسكندنافية والمملكة المتحدة، لا يجتمعون بين فترة وأخرى، في مؤتمرات قمة بروتستنتية، كما أن ذلك لم يكن أبداً من ممارسات حكام كل من اليونان، ويوغسلافيا، وبلغاريا، والاتحاد السوفييتي، أن ينسوا مؤقتاً خلافاتهم السياسية الإيديولوجية، ليعقدوا اجتماعات منتظمة على أساس من ولائهم الحالي أو السابق للكنيسة الأورثوذكسية. على نحو مشابه، فإن الدول البوذية في شرق وجنوب شرق آسيا لا يشكلون كتلة بوذية في الأمم المتحدة، ولا يفعلون ذلك من أجل هذا الأمر في أي من نشاطاتهم السياسية. إن الفكرة الحقيقية لتجمع كهذا يرتكز على الدين، في العالم الحديث قد يبدو مفارقة تاريخية بل وحتى مستحيلة. إلا أنها لا تمثل مفارقة تاريخية وليست بالمستحيلة فيما يتعلق بالإسلام. أثناء توترات الحرب الباردة وما بعدها، قام أكثر من خمسين حكومة مسلمة ـ بمن فيهم ملكيات محوريات، محافظين وراديكاليين، وممارسين للرأسمالية وممارسين للاشتراكية، وداعمين للكتلة الغربية، وللكتلة الشرقية، وجميع ظلال طيف عدم الانحياز ـ بتكوين جهاز ضاف للتشاور الدولي، والتعاون في كثير من القضايا.

في أيلول 1969 قرر مؤتمر القمة الإسلامية المعقود في الرباط في المغرب، إنشاء هيئة لتعرف على أنها منظمة المؤتمر الإسلامي، وبسكرتيرية دائمة في جدة في السعودية العربية. وقد تم إنشاء هذه الهيئة في حينها، وتطورت بسرعة في عقد السبعينات. لقد كانت منظمة المؤتمر الإسلامي مهتمة بشكل خاص بمساعدة البلدان الإسلامية الفقيرة، ودعم الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، والمركز الدولي للإسلام والمسلمين ـ وبكلمات أحد المراقبين ـ حقوق الإنسان الإسلامية.

يبلغ تعداد أعضاء المنظمة الآن سبعاً وخمسين دولة عضو، إضافة إلى ثلاث دول تأخذ موضع المراقب. دولتان منهن ألبانيا وتركيا، هما في أوروبا أو تطمحان لأن تكونا كذلك (تحتل البوسنة موقع مراقب فقط)، واثنتان أخريان، سيرينام (تم الاعتراف بها في عام 1996) وجوانا (تم الاعتراف بها في عام 1998)، هما في العالم الغربي. والدول الأخرى تقع في آسيا وأفريقيا، وفيما عدا استثناءات قليلة، حصلت على استقلالها في النصف الأخير من القرن الماضي من الامبراطوريتين الأوروبية الغربية، وحديثاً السوفييتية. ومعظم تلك الدول ذات غالبية سكانية مسلمة، رغم أن القليل منها اعترف بها بقوة أقلية إسلامية هامة. فيما عدا هذه الدول، فإن هناك أقليات إسلامية هامة في دول أخرى ـ بعضهم من نفس جنس الغالبية، كما في الهند، وبعضهم مختلفون عرقياً مثل اختلافهم دينياً، مثل الشيشان والتتر في الاتحاد الروسي. وبعض الدول مثل الصين لديها أقليات إسلامية من النوعين. والكثير من الدول آخذة الآن في تكوين أقليات إسلامية دينية عن طريق الهجرة.

لقد كان هناك ومايزال قيود هامة لفعالية منظمة المؤتمر الإسلامي كعامل في السياسة الدولية. فالاجتياح السوفييتي لأفغانستان في عام 1979، وهو اعتداء شنيع على سيادة أمة مسلمة، لم يستثر أي احتجاج جدي بل إن بعض الأعضاء دافعوا عنه. مؤخراً، فشلت المنظمة في الاهتمام بالحروب الأهلية في الدول الأعضاء مثل السودان والصومال. ولم يكن سجلها في القضايا الأقليمية مؤثراً كذلك. بين عام 1980 و1988، اقتتلت أمتان إسلاميتان هما العراق وإيران في حرب مدمرة، فأحدثتا خراباً هائلاً في بعضهما. ولم تقم منظمة المؤتمر الإسلامي بأي شيء سواء لمنع هذه الحرب أو لإنهائها. عموماً، فإن منظمة المؤتمر الإسلامي، خلافاً لمنظمة الدول الأمريكية، ومنظمة الوحدة الأفريقية، لا تنظر بالعناية في الإساءات إلى حقوق الإنسان، والمشاكل الداخلية الأخرى للدول الأعضاء، لقد انحصرت اهتماماتها بحقوق الإنسان بالمسلمين الذين يحيون تحت حكم غير المسلمين، وبشكل رئيسي في فلسطين. إلا أنه لا ينبغي التقليل من أهمية منظمة المؤتمر الإسلامي. فنشاطاتها الثقافية والاجتماعية هامة وهي في ازدياد، والآلية التي توفرها للتشاور المنتظم بين الدول الأعضاء قد تزيد في أهميتها في وقت انحسرت فيه الحرب الباردة وآثارها الممزقة في الماضي.

بالانتقال من السياسة الدولية والإقليمية، إلى الداخلية، يبقى الاختلاف بين الإسلام وباقي العالم، رغم أنه أقل لفتاً للنظر، يبقى جوهرياً. في بعض البلاد التي تمارس تعددية ديمقراطية، هناك أحزاب سياسية بأسماء دينية ـ مسيحية في الغرب، هندوسية في الهند، بوذية في الشرق، إلا أن القليل من هذه الأحزاب نسبياً وماتزال أقل التي تلعب دوراً رئيسياً. حتى هذه الأحزاب، فإن الأفكار الدينية ذات أهمية ثانوية في برامجها وفي خطابها الموجه إلى جمهور الناخبين. رغم ذلك، ففي الكثير من الدول الإسلامية، في الحقيقة معظمها، يبقى الدين عاملاً سياسياً كبيراً ـ بشكل أكبر بكثير في الشؤون الداخلية منه في الشؤون الدولية أو حتى الإقليمية. لماذا هذا الاختلاف؟

إحدى الإجابات الواضحة، أن معظم الدول الإسلامية هي إسلامية بشكل عميق، بطريقة ومعنى لم تعد معظم البلاد المسيحية مسيحية على أساسها. باعتراف الجميع في كثير من هذه البلاد، فإن المعتقدات المسيحية ورجال الدين الذين يحافظون عليها مايزالون سلطة قوية، ورغم أن دورهم ليس هو ما كان عليه في القرون الماضية، إلا أنه هام على أية حال. لكن الزعماء الدينيين في أي دولة مسيحية لا يستطيعون الاعتماد على درجة الإيمان والمشاركة التي تبقى اعتيادية في أراضي المسلمين. في القليل من الدول المسيحية، هذا إن كان ذلك موجوداً في أي منها، تتمتع قدسية المسيحية بالحصانة من النقاش الانتقادي والتي تعتبر على أنها أمر اعتيادي حتى في المجتمعات الإسلامية العلمانية أو الديمقراطية في ظاهرها. في الحقيقة، فإن هذه الحصانة ذات الامتياز قد امتدت، في الواقع، إلى الدول الغربية حيث يتم تأسيس مجتمعات إسلامية الآن وحيث تجد معتقدات وممارسات مستوى من الحصانة من الانتقاد فقدتها الأغلبية المسيحية ولم تحصل عليها الأقلية اليهودية أبداً. الأكثر أهمية، فيما عدا استثناءات قليلة جداً، أن رجال الدين المسيحي لا يمارسون أو حتى يدعون نوعاً من السلطة الشعبية التي ماتزال اعتيادية ومقبولة في معظم البلاد الإسلامية.

إن المستوى الأكبر من الاعتقاد والممارسة الدينيين بين المسلمين مقارنة بأتباع الأديان الأخرى هو جزء من تفسير موقف المسلمين الفريد تجاه السياسة؛ ولكنه ليس التفسير الكامل، بما أن نفس الموقف يمكن أن يتواجد لدى أفراد وحتى جماعات كاملة والتي يعتبر التزامها بالعقيدة والممارسة الدينية روتينيا. إن الإسلام ليس قضية اعتقاد وممارسة، إنه كذلك هوية وولاء ـ وبالنسبة للكثير، هوية وولاء تتجاوز جميع الآخرين.

على السطح، فإن استيراد مفاهيم الوطنية والقومية الغربيين قد غير كل هذا وأدى إلى إنشاء مجموعة من الدول القومية الحديث، تمتد عبر العالم الإسلامي من المغرب إلى اندونيسيا. ولكن الأمر ليس كما يظهر على السطح. في عام 1923، وبعد الحرب اليونانية ـ التركية، وافقت الحكومتان على حل مشكلة الأقليات لديها بتبادل السكان ـ فأرسل اليونانيون من تركيا إلى اليونان، وأرسل الأتراك من اليونان إلى تركيا. على الأقل، هذه هي الطريقة التي عادة ما تروى بها كتب التاريخ القصة. إلا أن الوقائع مختلفة بعض الشيء. فالاتفاقية الدولية التي وقعتها الحكومتان في لوزان في عام 1923، والتي تمثل التبادل، لا تتحدث عن (يونانيين) و(أتراك) إنها تعرف الأشخاص الذين سيتم تبادلهم على أنهم (الرعايا الأتراك ذوي الدين الأورثوذكسي اليوناني المقيمين في تركيا) والرعايا اليونانيين ذوي الدين الإسلامي المقيمين في اليونان). إن الاتفاقية الدولية بالتالي تعترف فقط بنوعين من الهوية ـ الأولى تعرف بكون المرء رعية لدولة، والأخرى بالإلتزام بدين. إنها لا تتضمن أي إشارات لا إلى القومية العرقية أو اللغوية. إن دقة هذه الوثيقة في التعبير عن نوايا الموقعين أكدها التبادل الفعلي للسكان. إن الكثيرين من الذين أطلق عليهم يونانيون هم من إقليم الأناضول التركي من كارمان كانوا يتحدثون التركية باعتبارها لغتهم الأم إلا أنهم يكتبون بالألفباء اليونانية ويتعبدون في الكنائس الأورثوذكسية. والكثير من الذين دعوا أتراكاً من اليونان عرفوا القليل من اللغة التركية أو لم يعرفوها وكانوا يتحدثون اليونانية عادة ـ إلا أنهم كانوا يكتبون بالألفبائية التركية ـ العربية.

إن مراقباً غربياً، معتاداً على النظام الغربي في التصنيف، ربما يكون قد استنتج أن ما اتفقت عليه الحكومتان اليونانية والتركية ونفذتاه لم يكن تبادل وإعادة الأقليات القومية اليونانية والتركية إلى وطنهما، بل هو بالأحرى إبعاد مزدوج إلى المنفى ـ للمسلمين اليونانيين إلى تركيا، وللمسيحيين الأتراك إلى اليونان. حتى وقت قريب تماماً، فإن اليونان وتركيا، وهما دولتان ذواتا ديمقراطيات غربية، وإحداهما عضو في الاتحاد الأوروبي، والثانية تطالب بها، كان لديهما هامش للدين في وثائق هويتهما التي تصدرها الحكومة.

مثال آخر، هو مصر. إن هناك أمم قليلة، هذا إن وجدت أي أمم بدعوى أقوى بقومية التاريخ والجغرافيا، ذات تاريخ متواصل من الحضارات التي تمتد إلى ما يزيد على خمسة آلاف سنة. لكن المصريين لديهم هويات متعددة، وفي غالبية الأربعة عشر قرناً الأخيرة، أي منذ الفتح العربي الإسلامي لمصر في القرن السابع والأسلمة والتعريب اللاحقان للبلاد، فإن الهوية المصرية نادراً ما كانت الهوية المهيمنة، وهي تمنح فخر المكان للهوية الثقافية واللغوية للعروبة، وفي معظم تاريخهم، لهوية الإسلام الدينية. إن مصر كأمة، هي واحدة من أعرق الأمم في العالم. ومصر كأمة ودولة هي تكوين حديث، مايزال يواجه الكثير من التحديات في الوطن. في الوقت الحاضر، فإن أشد هذه التحديات في مصر كما في بعض البلاد الإسلامية الأخرى تنبع من الجماعات,أورتننت الإسلامية الراديكالية، من قبيل ما يوصف عادة ـ وإن يكن مضللاً ـ بالأصولية.

منذ حياة مؤسسه، ومن ثم في كتبه المقدسة، ارتبط الإسلام في عقول وذكريات المسلمين مع ممارسة السلطة السياسية والعسكرية. لقد سلم الإسلام التقليدي بوجود تمايز أشياء هذا العالم وأشياء العالم التالي، بين الاعتبارات الدينية والدنيوية. لكنه لم يسلم بمؤسسة منفصلة، ذات سلطة وقوانين خاصة بها، لتنظيم الأمور الدينية.

هل يعني هذا أن الإسلام يشكل ثيوقراطية؟ بمعنى أن الله ينظر إليه على أنه الملك الأعلى، إن الإجابة ستكون في الحقيقة بنعم. أما بمعنى أنه يشكل حكومة كهنوتية، فالإجابة ستكون حتماً بلا. إن ظهور سلطة كهنوتية وتوليها ذروة السلطة في الدولة هو ابتكار حديث وإسهام فريد من قبل آية الله خميني الراحل من إيران في الفكر والممارسة الإسلاميين. إن الثورة الإسلامية في إيران، مثلها في ذلك مثل الثورتين الفرنسية والروسية، واللتين تشابهانها في كثير من الوجوه، كان لها تأثير هائل ليس فقط في الوطن وعلى شعوبها أيضاً بين جميع البلاد والشعوب التي تتشارك معها عالم الخطاب. ومثل الثورتين الفرنسية والروسية في أيامهما فقد أثارت أملاً وحماساً عظيمين. ومثل هذه الثورات، فقد عانت من إرهابها وحربها ضد التدخل، ومثلها كان لديها الجاكوبينز والبلشوفكز الخاصين لها، وقد قررت سحق أي إشارة تدل على البرجماتية أو التحديث. ومثل هذه الثورات السابقة، وبخصوصية أكبر الروسية، كان لديها شبكتها الخاصة من العملاء والجواسيس يكافحون بمختلف الوسائل لتعزيز قضية الثورة أو على الأقل النظام الذي يعتقد أنها يجسدها.

لقد أسيء استخدام كلمة الثورة كثيراً في الشرق الأوسط، فقد استخدمت أو تم ادعاؤها في كثير من الحوادث التي سيكون أكثر ملاءمة وصفها بـ (الانقلاب) بالفرنسية وبـ (البستس) بالألمانية، وبـ (البروننسيا منتو) بالإسبانية. ما يثير الاهتمام، إن الخبرة السياسية للشعوب الناطقة بالإنجليزية، لا تقدم مصطلحاً مكافئاً. فما حدث في إيران لم يكن أياً من هذه ولكنه كان في أصوله حركة ثورية موثوقة نحو التغيير. وكسابقاتها، فقد أخطأت بشكل سيء في كثير من الأمور، مما أدى إلى الطغيان في الوطن والإرهاب والتخريب في الخارج. وخلافاً لثوريي فرنسا وروسيا، فإن ثوريي إيران تعوزهم الوسائل والمصادر، والمهارات ليصبحوا قوة وتهديداً عالميين كبيرين. إن التهديد الذي يشكلونه هو بشكل أساسي وغامر للمسلمين وللإسلام نفسه.

إن الموجة الثورية في الإسلام ذات عناصر عدة. أحدها الإحساس بالمهانة: شعور جماعة من الناس اعتادوا على النظر إلى ذواتهم على أنهم الأمناء الوحيدون على الحقيقة الإلهية، وأنهم مكلفون من قبل الله بتبليغها إلى الكفار، والذين رأوا أنفسهم فجأة تتم السيطرة عليهم واستغلالهم من قبل هؤلاء الكفار أنفسهم، وحتى عندما لم يعودوا محكومين، فإنهم مايزالون متأثرين بشكل عميق بأساليب تغير حياتهم، وتنقلهم من الإسلام الصحيح إلى طرق أخرى. وقد انضم إلى المهانة الإحباط، بينما تمت تجربة العلاجات المختلفة، ومعظمها تم استيراده من الغرب، وفشلت واحداً إثر واحد.

وبعد المهانة والإحباط أتى عنصر ثالث، ضروري للانبعاث ـ ثقة جديدة وشعور بالقوة. وقد نشأت هذه من أزمة النفط عام 1973، عندما ودعماً لحرب مصر ضد إسرائيل، استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط كلاً من الإمداد وسعر النفط بما ثبت أنه سلاح فعال جداً. إن الثراء والفخر والثقة بالنفس الناتجين عن تعزيزهم بعنصر جديد آخر وهو الازدراء. لدى التعرف بشكل أقرب إلى كل من أوروبا وأمريكا. بدأ الزوار المسلمون يراقبون ويصفون ما رأوه كفساد أخلاقي والضعف الذي يستتبعه للحضارة الغربية.

في عصر التوترات المكثفة، والإيديولوجيات المقلقة، والولاءات المنهكة، والمؤسسات المفتتة، فإن إيديولوجية يتم التعبير عنها بالمصطلحات الإسلامية ستكون ذات حسنات عدة: أسس وجدانية مألوفة لهوية الجماعة، اتحاد وحصر، مرتكزات مقبولة للشرعية والسلطة، وصياغة مفهومة مباشرة لكل من نقد الحاضر وبرنامج المستقبل. بهذه الوسائل بإمكان الإسلام أن يقدم الرموز والشعارات الأكثر فاعلية للتعبئة، سواء كان ذلك مع أو ضد قضية أو نظام.

إن لدى الحركات الإسلامية ميزة كبيرة كذلك مقارنة بجميع منافسيها. إنهم منظمون في المساجد، في شبكة من التجمعات والاتصالات التي لا تستطيع حتى أكثر الحكومات ديكتاتورية السيطرة عليها بشكل كامل. في الحقيقة، فإن الديكتاتوريات التي تساعدهم، بغير قصد، بإقصائها للمعارضين المنافسين. إن الإسلاموية الراديكالية، والتي أصبح من الاعتيادي إطلاق اسم الأصولية الإسلامية عليها، ليس حركة واحدة متجانسة. فهناك الكثير من أنواع الأصولية الإسلامية في دول مختلفة وأحياناً في دولة واحدة. بعضها منتشر بدعم من الدولة، يتم استخدامها وتعزيزها من قبل حكومة إسلامية أو أخرى لأهدافها الخاصة، وبعضها حركات شعبية حقيقية من الأسفل. بين الحركات الإسلامية التي تدعمها الدول، هناك عدة أنواع أيضاً، راديكالية ومحافظة، ومخربة ووقائية. إن الحركات المحافظة والوقائية كانت قد تم إنشاؤها من قبل حكومات في السلطة تسعى إلى حماية نفسها من الموجة الثورية. من مثل الحركات التي شجعها في أوقات مختلفة، المصريون والباكستانيون، والفلسطينيون، وبشكل خاص، السعوديون. النوعيات الأخرى، والتي هي أهم بكثير، تأتي من الطبقة السفلى، مع قاعدة شعبية حقيقية. إن أول هذه الحركات استيلاء على السلطة. وأكثرها نجاحاً في ممارستها هي الحركة التي تعرف باسم (الثورة) إن الأنظمة الإسلامية الراديكالية تحكم الآن في السودان، بينما حكمت في أفغانستان لفترة، وتشكل الحركات الإسلامية تهديدات كبرى للنظام الموجود والمعرض أصلاً للخطر في دول أخرى، وبشكل خاص في الجزائر ومصر.

إن الأصوليين الإسلاميين، وخلافاً للجماعات البروتستنتية التي نقل اسمها إليهم، لا يختلفون عن الاتجاه السائد في قضايا اللاهوت وتفسير الكتاب المقدس. إن انتقادهم هو، بالمعنى الأوسع، اجتماعي. إن العالم الإسلامي، من وجهة نظرهم، قد أخذ مساراً خاطئاً. فحكامه يدعون أنفسهم مسلمين ويتظاهرون بالإسلام، إلا أنهم في الحقيقة مارقون قد أبطلوا القانون المقدس وتبنوا قوانين وأعرافاً أجنبية وكافرة. إن الحل الوحيد، بالنسبة لهم، هو العودة إلى الطريقة الإسلامية الأصيلة في الحياة، ولتحقيق هذا، فإن إزالة الحكومات المارقة هي خطوة أساسية أولى. إن الأصوليين معادون للغرب بمعنى أنهم ينظرون للغرب على أنه مصدر للشر الذي ينخر في المجتمع الإسلامي، ولكن هجومهم الرئيسي موجه ضد حكامهم وقادتهم هم. هكذا كانت الحركات التي حققت الإطاحة بشاه إيران في عام 1979 واغتيال رئيس مصر السادات بعد عامين. لقد نظر إلى كليهما باعتبارهما علامات على شر أعمق ينبغي أن يعالج بتنظيفات داخلية. في مصر قتلوا الحاكم، ولكنهم فشلوا في أخذ السلطة؛ أما في إيران فقد دمروا النظام وأنشأوا نظامهم الخاص.

إن الإسلام هو أحد أديان العالم العظيمة. فقد منح الكرامة والمعنى لحيوات شاحبة ومجدبة. وقد علم الرجال من أجناس مختلفة أن يعيشوا في إخاء وتسامح. وقد كان الملهم لحضارة عظيمة حيث يعيش الآخرون فيها إلى جانب المسلمين في حيوات خلاقة ومفيدة، والتي أثْرت العالم كله بإنجازاتها. ولكن الإسلام، مثله مثل الديانات الأخرى، قد عرف فترات حيث يثير في بعض أتباعه حالة من الكراهية والعنف[14]. وإنه لمن سوء حظنا أن علينا أن نواجه جزءاً من العالم الإسلامي بينما هو يمر عبر فترة كهذه، وفي وقت تتوجه إلينا معظم ـ وليس على أية حال كل ـ هذه الكراهية ضدنا.

لماذا؟ لا ينبغي أن نبالغ في أبعاد المشكلة، فالعالم الإسلامي أبعد من أن يكون في حالة إجماع في رفضه للغرب، ولم تكن كذلك مناطق المسلمين في العالم الثالث وحيدة في عدائها. فما يزال هناك أعداد هامة، وفي بعض الأجزاء قد يكونون غالبية، من المسلمين الذين نشترك معهم في ثقافة أساسية معينة ومعتقدات أخلاقية، واجتماعية وسياسية في الطموحات. ومايزال هناك وجود غربي ذو شأن ثقافي واقتصادي وديبلوماسي في الأراضي الإسلامية، وبعضها يشكل حليفاً للغرب. إلا أن هناك جيشان من الكراهية التي تقلق، وتنذر وفوق كل شيء تحير الأمريكيين.

غالباً، فإن هذه الكراهية تمتد إلى ما وراء مستوى العدائية لمصالح أو تحركات أو سياسات أو حتى دول معينة، وتتحول إلى رفض للحضارة الغربية كذلك، ليس رفض لما فعله بقدر ما هو رفض لما هو عليه، ولمبادئه وقيمه التي يمارسها ويعلنها. فهذه في الواقع ينظر إليها على أنها الشر المتأصل، وهؤلاء الذين يشجعونها أو يقبلون بها ينظر إليهم على أنهم (أعداء الله).

هذا التعبير، والذي تكرر كثيراً في تصريحات القيادة الإيرانية، في كل من إجراءاتهم القضائية وتصريحاتهم السياسية، سيبدو غريباً جداً للغرباء الحداثيين، سواء كانوا دينيين أو علمانيين.

إن فكرة أن الله له أعداء، وأنه يحتاج إلى مساعدة الإنسان لتحديدهم والتخلص منهم، يصعب استيعابه قليلاً. إلا أنه غريب تمام. فمفهوم أعداء الله مفهوم مألوف في العصور القديمة ما قبل الكلاسيكية والكلاسيكية، وفي كل من العهدين القديم والجديد وكذلك في القرآن. في الإسلام، فإن الصراع بين الخير والشر، اكتسب من البداية، أبعاداً سياسية وحتى عسكرية. نذكر مرة أخرى، بأن محمد (صلى الله عليه وسلم)، لم يكن نبياً ومعلماً فقط، مثل مؤسسي الأديان الأخرى، فقد كان كذلك حاكماً وجندياً. من هنا فقد اشتمل كفاحه على دولة وقوات مسلمة تابعة لها. وإذا كان المحاربون في الحرب من أجل الإسلام، الحرب المقدسة (في سبيل الله) يحاربون من أجل الله فإن ذلك يستتبع أن خصومهم يقاتلون ضد الله. ولما كان الله هو في المبدأ الملك، فإن الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية، مع النبي، وبعد النبي الخلفاء يشكلون ممثلين له، وبالتالي فإن الله يقود الجيش، والجيش جيش الله والعدو هو عدو الله. إن واجب جنود الله هو الإجهاز على أعداء الله بالسرعة الممكنة وإرسالهم إلى المكان الذي سيعاقبهم الله فيه، وذلك في الحياة الآخرة[15].

يمكن توضيح المسألة الرئيسية التي تشغل صناع السياسة الغربيين بشكل بسيط كالتالي: هل يشكل الإسلام سواء كان أصولياً أو غير ذلك، تهديداً للغرب؟ على هذا السؤال البسيط، طرحت عدة إجابات بسيطة، وكما هي طريقة الإجابات البسيطة، فإن معظم هذه الإجابات مضللة. وفقاً لإحدى مدارس التفكير، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية، فإن الإسلام والأصولية الإسلامية قد حلت مكانهما باعتبارهما التهديد الأكبر للغرب وللطريقة الغربية في الحياة. وفقاً لمدرسة أخرى في التفكير، فإن المسلمين، بمن فيهم الأصوليون الراديكاليون، هم في الأساس أناس طيبون، ومحبون للسلام، ونبيلو المشاعر، وأن بعضهم قد دفع إلى ما وراء حدود الصبر بسبب الأمور المريعة التي ارتكبناها نحن في الغرب بحقهم. وأننا قد اخترنا أن ننظر إليهم على أنهم أعداء لأننا نحتاج سيكلوجياً إلى وجود عدو نحله محل الاتحاد السوفييتي البائد.

كلا الرؤيتين تشتمل على عناصر من الحقيقة، وكلتاهما خاطئتان بشكل خطير. إن الإسلام ليس عدواً للغرب. وهناك أعداد متزايدة من المسلمين، هنا وهناك، لا يرغبون في شيء أكثر من علاقة أكثر حميمة ووداً مع الغرب ومن تطوير المعاهد الديمقراطية في بلادهم هم. إلا أن عدداًً كبيراً من المسلمين ـ وبشكل خاص وإن لم يكن على وجه الحصر أولئك الذين ندعوهم أصوليين ـ هم عدائيون وخطرون، لا لأننا نحن نحتاج عدواً بل لأنهم كذلك.

في السنوات الأخيرة، أصبح هناك بعض التغييرات في طريقة النظر إلى الأمور وبالتالي في التكتيكات بين المسلمين. فمايزال بعضهم ينظر إلى الغرب عموماً وإلى قيادته الحالية المتمثلة في الولايات المتحدة بشكل خاص على أنه العدو القديم والعنيد للإسلام، وأنه العقبة الوحيدة الفعلية في وجه إعادة الإيمان والقانون الإلهي في الداخل وفي وجه انتصارهم الكوني النهائي. ولتحقيق هذه ليس هناك أي سبيل سوى سبيل الحرب على أنه تنفيذ لما يأمرهم به اعتقادهم. هناك آخرون في الوقت الذي مايزالون فيه مسلمين ملتزمين وعلى إطلاع جيد على عيوب المجتمع الغربي الحديث، إلا أنهم مع ذلك يرون مزاياه ـ روحه المتسائلة، والتي نتج عنها العلم والتكنولوجيا الحديثين، واهتمامه بالحرية، والذي نشأ عنه الحكومة الديمقراطية الحديثة. هؤلاء، في الوقت الذي يحتفظون فيه بمعتقداتهم وثقافتهم، يسعون إلى الانضمام إليه في الوصول إلى عالم أكثر حرية وإلى عالم أفضل.

هناك مرة أخرى بعض من ينظر إلى الغرب على أنه عدوهم الجوهري وأنه مصدر كل الشر، إلا أنهم رغم ذلك مدركون لقوته، ويسعون إلى نوع من التسوية المؤقتة لكي يحضروا بشكل أفضل للصراع النهائي. وسنكون حكماء إذا لم نخلط النوع الثاني بالثالث[16].



[1] ـ في مصطلح (دين) يفارق الإسلام المسيحية في أنه نظام اعتقاد وعبادة ومنهج حياة فردية وجماعية. وهذا ما يحاول تجاهله الغربيون والمستغربون. في الفهم الإسلامي الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.

كان الأولى بالمؤلف أن يبدأ بالإشارة إلى معنى كلمة إسلام اللغوي، والتي تعني (الاستسلام) المطلق  لله، رب العالمين. وقد ورد هذا المعنى في كتاب الله أكثر من مرة (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن..) ونسب  إلى إبراهيم عليه السلام وهو أبو الديانات التوحيدية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) أنه هو الذي أطلق على أتباعه من بعد اسم المسلمين (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل..)

ويعتبر المسلمون (الإسلام) بهذا المعنى الوصف الذي يشمل أتباع الديانات السابقة التي جاء بها رسل الله. ويعتبرون (الإسلام) الدين بوصفه القائم الحلقة الأخيرة في هذا الدين الممتد عبر آدم وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله أجمعين.

والإسلام يقوم على أركان وهي أعمال ظاهرة لا بد أن يلتزم بها كل مسلم وهذه الأركان هي:

شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة (خمس صلوات في اليوم) وإيتاء الزكاة (2.5%) من المال المدخر بعد أن يحول عليه حول كامل، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً.

كما يقوم الإسلام على أعمال قلبية اعتبرت أركان الإيمان لا بد أن يعتقدها كل مسلم وهي:

الإيمان بالله (الواحد الأحد) وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من  الله تعالى.

وإلى جانب هذا وذاك هناك حزمة من الأوامر والمنهيات تشمل حياة المسلم الفردية والجماعية.

[2] ـ لاحظ كيف يواري المؤلف ادعاءات اليهود. وكيف أن اليهودية ديانة مغلقة. وأن اليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار.. هذا بينما تكثر آيات القرآن من الحديث عن التاريخ الديني، وفرز المؤمنين من أتباع الديانات الأخرى والانتصار لهم. حتى انتصر القرآن الكريم والمسلمون معه للروم المسيحيين في عهد الرسول الكريم عندما كانت حربهم ضد الوثنيين الفرس يقول تعالى: (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله..)

[3] ـ يتناسى المؤلف هنا فترة التأسيس الأولى (العهد المكي) الذي عانى فيه المسلمون الكثير من الاضطهاد والعذاب على أيدي النافذين من رجال قريش.

[4] ـ تشويه متعمد لنظرة الإسلام للحاكم المسلم (الإمام) أو (الخليفة) ليس صحيحاً أن هذا الحاكم هو (الله) كما يزعم المؤلف لا على الحقيقة ولا على المجاز ولا يعتبر المسلمون الحاكم ممثلاً لله، ولا ناطقاً باسمه. ولا يدعون العصمة لحاكم كائناً من كان. حتى الرسول صلى الله عليه وسلم في تصرفاته بحكم إمامته للناس كان يعترف بأنه يجوز عليه الخطأ وأنه يأخذ منه في هذه الأمور ويرد، وكذا فيما كان من أمور الدنيا.

نظرة الإسلام إلى الحاكم المسلم أنه الشخص الذي يختاره المسلمون لرئاستهم على قواعد عامة جاءت بها شريعة الإسلام. وفي غضون شريعة الإسلام التي تقوم على القواعد العامة ساحة واسعة للاجتهاد والتقدير حسب الزمان والمكان.

والحاكم المسلم من جهة أخرى مأخوذ بالشورى كقاعدة من قواعد الحكم الإسلامي الراشد. وتحديد أهل الشورى وطرائقها أمر اجتهادي آخر تركه الإسلام لرؤية المسلمين حسب عصورهم.

باختصار شديد لم يقم الإسلام دولة (دينية ـ ثيوقراطية) حسب المفهوم الغربي وإنما أقام دولة دينية مصدر الولايات فيها مجموع المسلمين ومصدر التشريع القواعد العامة التي جاءت بها شريعة الإسلام دون الدخول في التفاصيل في مجمل الأحكام ما خلا ما تعلق بالأحوال الشخصية وأحكام الجنايات الكبرى.

[5] ـ  تعود المسلمون في حضارتهم الأدب مع ذكر كل الألفاظ ذات الدلالات القدسية فهم إذا ذكروا الله جل وعلا ذكروه بأدب وإذا ذكروا الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ذكروهم بأدب وإذا ذكروا مريم العذراء البتول ذكروها بأدب وهذه الطريقة في الخطاب غير متوفرة في كتابة المؤلف نعتذر للقارئ الكريم عن طريقة المؤلف الخالية من الذوق ومن المدنية معاً ونؤكد تعليقاً على قوله (كون الله معنياً بالسياسة) أن الله تبارك وتعالى محيطاً بكل شيء مطلع على كل شيء قيوم على كل شيء هذه هي عقيدة المسلمين.

[6] ـ  يحسن المؤلف صنعاً حين يميز بين دور الكنيسة ورجال الدين المسيحي الكهنوتي وبين العلماء في الإسلام الذين لا يمتلكون إلا سلطة التفسير، والتي يمكن أن يمتلكها على حد سواء كل مسلم طلب المعرفة الشرعية من مصادرها أما إشارته الأخيرة إلى مشايخ الطرق الصوفية فهي لا تشير إلى سلطة مادية على حياة الناس بقدر ما تشير إلى سلطة معنوية على نفوسهم.

[7] ـ  بل هذا ما سعى إليه قادة الغرب وتلامذتهم في العالم الإسلامي ولم ولن ينجحوا فيه بإذن الله.

[8] ـ  نفضل حسب اللغة الإسلامية أن نقول إماماً.

[9] ـ لم يكن العرب المسلمون في تحركهم شرقاً وغرباً غزاة وإنما كانوا فاتحين يحملون معهم العدل والعلم والحرية للناس أجمعين ولم يكونوا يحملون كتباً مقدسة وإنما هو كتاب واحد مجمع على ثبوته وصحة نصوصه.

[10] ـ حقاً لقد طور المسلمون تشريعاتهم على ضوء الواقع الذي عايشوه ولكن ذلك تم على أساس القواعد الثابتة للشريعة الإسلامية التي أشرنا إليها ولم يكن هناك أي قواعد أو لغة امبريالية كما يحاول المؤلف أن يوهم بالمعنى الاستكباري أو الاستعماري المتداول.

[11] ـ لم أستطع تلمس العلاقة بين الفاشستي والتصوف!! ونلحظ أن المؤلف لم يخل الفريقان اللذان قسم المسلمين إليهما من الذم ونسي أنه إنما يشير إلى التصوف في بعض مراحله المتأخرة وأن كبار المتصوفين كانوا في فترة من الفترات من كبار الناشطين ويكفي أن نذكر بالأمير عبد القادر الجزائري الذي يعتبر صوفياً وثائراً في الوقت نفسه. ثمة حقائق أو خيالات في رأس المؤلف يريد أن يعكسها على واقع المسلمين لتوظيفها في مخططه الخاص.

[12] ـ ثمة خلافات كثيرة بين المسلمين إن على المستوى الكلامي أو على المستوى الفقهي. لا أظن أن ثمة أي خلاف في تحديد هوية الفرعون!!

[13] ـ كلام غير دقيق فما زال القاضي في ثقافة المسلمين العامة موضع الثقة والاحترام وحين يتحفظ بعض العلماء عن قبول منصب القضاء فلما فيه من عظم المسؤولية.

[14] ـ يعلم الإسلام أتباعه العز والكرامة وأن يكونوا دائماً قادرين على رد العدوان بمثله ولا يعلمهم الكراهية ولا العدوان ابتداء (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدتى عليكم..) الغريب أن هؤلاء الذين يعتدون علينا ويوجهون إلينا مشاعر كراهيتهم وازدرائهم هم الذين قال لهم نبيهم (احبوا أعداءكم).

[15] ـ  فذلكة كلامية مضللة وتبسيط مخل لحقيقة تصور الإسلام للمعركة بين الخير والشر بآفاقها الدعوية والسياسية. فعلى الصعيد الدعوي يأمر الإسلام أتباعه بخوض الحرب الدعوية بالبلاغ والبيان وبالحكمة والموعظة الحسنة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..) ويرفض الإسلام إكراه الناس على الدخول فيه واجبارهم على ذلك (لا إكراه في الدين..) وعلى صعيد الحرب السياسية أو العسكرية يوجب الإسلام على أتباعه أن يردوا العدوان من حيث جاء وفي هذه الحال يبيح قتال المعتدي لعدوانه لا لديانته أو إنتمائه العقائدي.

حتى أصحاب أكثر المدارس الجهادية الإسلامية تشدداً لم يزعموا أنهم يقاتلون الغربيين (الأمريكيين والأوروبيين) لأنهم مسيحيون أو لأنهم (أشرار!!) كما زعم الرئيس بوش ولكنهم قالوا بأنهم يقاتلونهم لأنهم يعتدون على المسلمين (يحتلون أرضهم ويقتلون رجالهم ونساءهم وأطفالهم) أين هذه الحقائق من الذي يزعمه المؤلف.

[16] ـ تقسيم المؤلف المسلمين إلى ثلاث مجموعات (مؤالين ـ مهادنين ـ معادين) فيه تجاوز على الحقيقة وخداع للنفس لا يوجد مسلم حقيقي في البلاد الإسلامية يوالي الغرب بمعنى أنه يرى في المنهج الغربي أسلوب حياة أمثل كل هذه الفئة التي يحاول الغرب والمؤلف التمسك بها لا تتجاوز بضعة أفراد منتثرين هنا وهناك. على الطرف الآخر لا يوجد مسلمون معادون للغرب لمجرد العداء فالغرب كما قلنا هو الذي يحدد موقف المسلم منه وهذه الحقيقة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار على الصعيد الحضاري والسياسي والثقافي.

ولما كان الغرب هو الطرف الأقوى في المرحلة التاريخية الراهنة فهو إذن الذي يبدأ بتحديد الموقف ستكون مواقف المسلمين جميعاً معتمدة على إيمانهم ومتناسبة مع الموقف الغربي فإذا تخلى الغربي عن الظلم والعدوان فسيجد المسلم في القرآن الكريم قاعدة تقول له (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله..) وقاعدة أخرى تقول له على الصعيد النظري (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم..).

إذن موقف المسلم من الغرب حضارة وثقافة وسياسية ليس موقفاً إيديولوجياً ثابتاً في كل الأحوال وإنما هو موقف سياسياً يدور مع الواقع السياسي حيث دار وهذا الواقع كما أسلفنا الفاعل الأول فيه هو الغربي فهو إذن المؤسس الأول لطبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب.

 



[1]  مركز الشرق العربي : http://www.asharqalarabi.org.uk/markaz/m_kutob-az1.htm  

1
5009
تعليقات (0)

 

"خدمة "اسلام ديلي" تعنى برصد ومتابعة كل ما ينشر في وسائل الإعلام، وما ينشر ليس بالضرورة يعبر عن رأي الموقع."

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني