الفكرة والعمل

ليست قيمة الإنسان فيما يصل إليه من حقائق وما يهتدي إليه من أفكار سامية , ولكن أن تكون الأفكار السامية هي نَفًسُهْ , وهي عمله , وهي حياته الخارجية ، كما أنها حياته الداخلية فقد يكون الإنسان فيلسوفاً كبيراً وهو _ في الوقت نفسه _ نذل خسيس حقير ! وقد يحدثك الرجل عن أضرار التدخين والخمر والقمار فيمتعك حديثه , ويصف لك ذلك أجمل وصف وأدقه , وهو _ مع ذلك _ مُدّخن سكير مقامر , لأنه في أفكاره غيره في أعماله ، وبعبارة أخرى هو لا يحقق نفسه ، ولا يعبر عن نفسه .

الفكرة بلا عمل مناقشات بيزنطية , أو بحوث جامعية ، أنما قوة الفكرة وأحقيتها بتحويلها إلى عمل , ووضعها موضع التجربة ، وإذا اعتقدها الإنسان فمعناه أن يعمل بها , وإذا دعا إليها فمعناه انه جربها في نفسه ، وبنفسه ، فوجدها صالحة , وما عدا ذلك فشقة ألفاظ , وحديث مجالس , وإظهار تظَرف , ومباهاة بالقوة العقلية , أو القدرة الجدلية , ومقدمة بلا نتيجة !!.

إن عيب المباديء السامية " كالأمم المتحدة " و "حقوق الإنسان " و " حماية الأقليات " و " حقوق الأمم الصغيرة " و " العدالة الاجتماعية " ونحو ذلك , إنها أفكار لم ترتبط بالعمل , ولم تعبر عن حقيقة نفس قائلها , وإن عبّرت فلم تعبر عن نفس من يملكون تنفيذها , وستظل عديمة القيمة ما لم ترتبط بالعمل .

إن الفكرة ميتة ما لم يحيها العمل , خيال ما لم يحققها العمل , ولا عبرة بصحة الفكرة أو خطئها إذا ظلت في عالم التفكير المجرد , بل أن الفكرة إذا احتوت على خطأ أظهره العمل ؛ خير من الفكرة التي يثبت صحتها المنطق ولا تتحول إلى عمل !.

لقد ظلت علوم الطبيعة تعتمد على المنطِق وحده قروناً طويلة فلم تتقدم , وظلت في القرون الوسطى كما كانت في عهد أرسطو , فلما تحولت النظريات إلى عمل , ورفض العلم أن يقرر نظريته إلا إذا جربت وأثبت صحتها تقدم العلم الطبيعي خطوات واسعة , وبنى عليه كثير من أسباب التقدم الحضاري , ولو ضل في العقول وفي صفحات الكتب لوقف عند كتاب " الطبيعة "  لأرسطو ، ثم أساس المدنية الحديثة في كل شؤونها التجربة وإنشاء المعامل , في الطبيعة في الكيمياء في  الطب , وأخيراً في مناهج التربية وعلم النفس , ومعنى التجربة تحويل الفكرة إلى عمل , ووضعها موضع الاختبار .

لقد كثرت عندنا الأفكار المجردة حتى مُلَّت , ففي كل مجلس شكوى من الموجود واقتراحات لإصلاحه ولا عمل !! وفي كل صحيفة ومحطة شكوى ودعوة ولا عمل , ولكل مشروع إصلاح أوراق مكدسة ومقترحات للإصلاح يمتد تاريخها عشرات السنين ولا عمل .

فلنجرب سياسة أخرى غير هذه السياسة ولا نقول إلا ما نعمل .

1
53
تعليقات (0)

 

القائمة البريدية
البريد الإلكتروني