يترقب العالم وهو غرق في ذهوله ما ستفعله الولايات المتحدة بإيران. لا أحد يريد القيام بأي خطوة حازمة ويقول لا، والولايات المتحدة تعتبر هذا الموقف عبارة عن موافقة ضمنية لتسير قدماً بكل ما أوتيت من قوة نحو خطوتها التالية في احتلالها للشرق الأوسط وموارده النفطية، حتى تتحكم في موارد العالم الاقتصادية. ويعني هذا أن حقول النفط السعودية هي الفصل الأخير في هذه اللعبة.
ولم تكن الحرب قط بسبب أسلحة الدمار الشامل، أو بسبب الإرهاب، أو لجلب الديمقراطية لشعب كان سيسبِّح بحمد الفاتحين ويستقبلهم بالزهور. فقبل حادثة نيوهاربر الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان لدى الولايات المتحدة خطط هجومية معدة مسبقاً، وكانت على أهبة الاستعداد لبدء حملة القصف على أفغانستان. فقد كان المحافظون الجدد، وتحديداً الفريق الذي يحيط ببوش، يروجون بكل حرية لهذه الحرب في وسائل الإعلام، وبدوافع شخصية للاستفادة من الإنفاق العسكري المتزايد، لينالوا عمولاتهم من العقود الدفاعية، وخصوصاً تلك التي تتعلق بإسرائيل التي هي عرضة للتهديد الدائم على ما يبدو.
في عام 2001، كانت الولايات المتحدة ثاني أكبر جهة داعمة لحركة طالبان، حيث منحتها مبلغ 124.2 مليون دولار حتى شهر مايو من ذلك العام. وهذه الهبة التي جاءت تحت زعم أنها معونة زراعية وإنسانية، كانت من أجل إغراء حركة طالبان للسماح لشركة (American UNOCAL) ببناء خط أنابيب من بحر قزوين الغني بالنفط ليمر عبر أفغانستان إلى المياه الدافئة في الخليج الفارسي والمحيط الهندي. غير أن حركة طالبان رفضت العرض. وفي أغسطس 2001، كريستينا روكا، من وزارة الخارجية الأمريكية حذرت حركة طالبان قائلة "إما أن تقبلوا بعرضنا هذا، وإلاّ فسنرجمكم بوابل من القنابل". فردت حركة طالبان على ذلك بتوقيع اتفاق مع شركة بريداس Bridas الأرجنتينية. وفي الشهر التالي، وتحديداً في الحادي عشر من سبتمبر، تعرض البرجين التوأمين ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية للهجوم، وقامت الولايات المتحدة بعد ذلك بقصف أفغانستان في أكتوبر من نفس العام. حامد كرزاي الذي كان مستشاراً في السابق لشركة (UNOCAL) ومترجماً لدى حركة طالبان، نصب رئيساً للبلاد. وألغي العقد الذي كان موقعاً مع الأرجنتين، وسيطرت الولايات المتحدة على الوضع بالكامل.
في عام 2000، أعلن صدام حسين حكمه على نفسه بالإعدام، حيث قام بتحويل عملة التداول النفطي في العراق من الدولار النفطي إلى اليورو النفطي. اللجنة السرية المعنية بالطاقة والتابعة لنائب الرئيس ديك تشيني قامت خلال أسبوع واحد فقط من تعيينها، بدراسة الخرائط الخاصة بحقول وأنابيب النفط العراقي، وكان من أولى أولوياتهم أن أعلنوا في مايو 2001، أن الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط تتبوأ مكانة مركزية في قضية الأمن العالمي. وسيكون الخليج المرتكز الأساسي للسياسة الدولية للولايات المتحدة في النفط. وقد كان ذلك حديثاً دبلوماسياً للمصالح والسياسة الخارجية والعسكرية. وبمجرد أن قام صدام حسين بالتحويل من الدولار إلى اليورو قطع دابر الولايات المتحدة من السوق العراقية، ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. وفجأة أصبحت أسلحة الدمار الشامل خطراً وشيكاً، وأصبح لزاماً على الولايات المتحدة أن توقف تلك السحابة النووية. وفي عام 2003، قامت الولايات المتحدة بمهاجمة صدام حسين الخطير والمسلح. غير أنهم لم يجدوا أسلحة صدام الكيميائية: ووجدوا في إحدى ثلاجاته بعض علب الصودا التي تستخدم في صناعة الخبز.
قبل عام من ضرب العراق، طالبت وزارة الخارجية بفتح العراق أمام شركات النفط العالمية، وتقصد بذلك شركات النفط الأمريكية. الحكومة العراقية الجديدة ألغت جميع الاتفاقيات النفطية المبرمة مع الدول الأخرى، وأعادت الدولار النفطي مرة أخرى محل اليورو النفطي. ومن المقرر هذا الشهر أن يبدأ العمل بقانون الهايدرو كربون العراقي، حيث أن "الشركات العالمية" – Exxon Mobil, Chevron, Conoco-Phillips, BP Aramco and Royal Dutch Shell – التي تعمل بموجب اتفاقيات تقاسم الإنتاج، تتلقى أكثر من 75% من أرباح النفط العراقي ولفترة غير محددة، حتى تقرر بنفسها أنها حصلت ما يكفيها من الأموال، كتعويض لأي عمليات إعادة بناء أولية للاستثمارات. وبعد ذلك ستحصل على نسبة لم يسمع عنها من قبل في الشرق الأوسط، وهي20 % من الأرباح، أي ضعف المعيار المعمول به في هذا القطاع. المهمة أنجزت.
العام الماضي، بعد عام من التفكير، غيرت إيران سوقها النفطية من الدولار النفطي إلى اليورو النفطي. ونتيجة لذلك ازدادت حدة خطاب القيادة الأمريكية تجاه إيران في نهاية عام 2006. أولاً لأن دعوة أحمدي نجاد إلى محو الهوية السياسية للصهيونية من صفحات الزمن ترجمت إلى "إزالة إسرائيل من الخارطة"، مهددين العالم بشبح محرقة جديدة لليهود. وثانياً بسبب الكشف عن نوايا إيران في التسلح النووي –تهديد جديد- غير أن دافعي الضرائب الأمريكيين لن يدفعوا أموالهم بسهولة هذه المرة. ولذلك، حكاية الإمدادات الإيرانية الجديدة للمقاومة العراقية باتت أحجية (حيث أن أقل من 1% من الهجمات ضد القوات الأمريكية يقوم بها الشيعة). إنها حلقة جديدة من إيران كونترا: حيث قامت الولايات المتحدة في عام 1980 ببيع الأسلحة إلى كلا الطرفين، العدو والصديق، إلى كل من العراق وإيران، بمجرد أن بدا أن البلدان يريدان الاقتتال. ولا يهمني الأمر كثيراً إن كانوا شيعة أو سنة- فكلهم كانوا مسلمين، ومن الذي يعرف الفرق؟ وعندما تبين أن إيران ستكسب الحرب بين البلدين في عام 1987، زادت الولايات المتحدة تمويلها لصدام وزودته بالمعلومات الاستخبارية التي كان في حاجة إليها لمهاجمة الأسطول الإيراني.
الولايات المتحدة تروج لفكرة "اللاحرب مع إيران" كضرورة دينية، العراق ضد إيران، السنة ضد الشيعة. لا تصدقوا هذا الأمر. حيث أن ديك شيني وكوندوليزا رايس، وروبرت غيت جاءوا جمعياً إلى المملكة العربية السعودية ليحذروا الحكومة من التهديد الشيعي في إيران، وليطلبوا دعم المملكة العربية السعودية. فقد روجوا لتهديدات صدام بمهاجمة المملكة في عام 1990 عندما عرضوا على الملك فهد صوراً بالأقمار الصناعية محرفه، تشير إلى حشود للقوات العراقية على الحدود السعودية. ولم يؤدي ذلك إلى هجوم من صدام، بل أدى إلى هجمات من أسامة بن لادن على القيادة السعودية لأنها سمحت بإدخال القوات الأمريكية إلى الأراضي المقدسة.
الزعماء في الشرق الأوسط ربما يريدون أن يصدقوا بأن هذا الأمر كله بسبب التهديد الذي يشكله الهلال الشيعي. وهي ردة فعل عاطفية طبيعية نظراً للعداء التاريخي. وتريد الولايات المتحدة أن يصدق الزعماء السنة بأن الأمر يتعلق بالانقسامات بين المسلمين، لعلمها التام بأن هذا الأمر سيستفز عواطفهم. فضلاً عن ذلك، أمريكا ستحشد كل ما أوتيت من قوة لإقناع الزعماء السنة بجدية هذه المخاوف، وستفعل كل ما بوسعها لإثبات هذا التهديد، كما فعلت في عام 1990. ولذلك ستبدأ من جديد: الحرب بين العراق وإيران انتهت، دع السنة والشيعة يتقاتلون، بينما سنقوم نحن بتأمين النفط.
حاملات الطائرات الأمريكية الآن على الخليج الفارسي. كما نصب المزيد من صواريخ باتريوت، وإرسالت كاسحات الألغام، والرئيس بوش أمر بتخزين الاحتياطيات النفطية. المناورات الحربية التي جرت في ألباما قبل عام بعنوان (STRATCOM Conplan 8022) أجريت فيها هجمات وهمية بالقنابل القذرة أو الإشعاعية (dirty-bomb)، ورد الولايات المتحدة المتوقع بالأسلحة النووية المحمولة جواً ضد بلد أسيوي لم يُذكر اسمه. لقد إنتجت الأسباب والمبررات اللازمة – الأسلحة الإيرانية تقتل السنة في العراق، فهي كغيرها من تجارة الأسلحة غير الشرعية الأخرى لا تحمل أي دليل غير البلد الذي صنعت فيه. وقد تجرأ الإيرانيون بتحويل عملة التداول النفطي من الدولار النفطي إلى اليورو النفطي المزعج.
إذاً، الأمر كله من أجل السيطرة على النفط، ويتم الترويج بالتهديدات الدينية والسياسية كأحجية القشرة واللب ذات الأبعاد العالمية. ويهمس المحافظون الجدد في أذني نائب الرئيس: المملكة العربية السعودية هي الجائزة: فقد بدأ تشويه سمعة المملكة بشكل جاد بعد الحادي عشر من سبتمبر. ومن سخرية القدر أن هؤلاء أنفسهم الغاضبين على المملكة يحملون نفس أفكار أسامة بن لادن.
أما خط أنابيب أفغانستان الذي كان يتوقع بناؤه، لم يتم بناؤه لأن هناك مشكلة، والخيار الوحيد أمام الولايات المتحدة الآن هو أن تذهب عبر خطوط الأنابيب الموجودة في إيران. لأنها أسرع.