يحكى أن أحد الوزراء, دخل يوماً مكتبه , فوجد عليه لوائح مكدسة , وهي لكثرتها وتعقدها لا تُنهي أمراً ولا تُنجز عملاً.
ولاحظ أن هناك لوائح ناسخة ولوائح منسوخة .. ومادة في لائحة تناقض مادة في لائحة أخرى ، ومادة في اللائحة القديمة والجديدة لا تتفق والعدالة ..ومادة في لائحة أخرى منتهية الصلاحية .. والوزارة كلها من أصغر موظف إلى الوزير مستعبدون لهذه اللوائح .. وقد وضعت في الأصل لتنظيم العمل .
فأمر مدير مكتبه أن يحضر في المساء لأنه هو سيحضر، فلما كان الموعد حضر المدير وحضر الوزير ، فأمره أن يحمل هذه اللوائح إلى حجرة خالية ففعل ، وذهب الوزير بنفسه إلى الحجرة وأخرج من جيبه علبة كبريت وأشعل منها عوداً في اللوائح ، ووقف يتلذذ من رؤية النار تلتهمها .. ثم عاد إلى مكتبه وقال : الآن لنبدأ العمل " على نظافة " !.
فما أحوجنا الآن إلى أن يتفق الوزراء على موعد يجتمعون فيه في وزارة المالية أو مجلس الوزراء ، ويأمر كل وزير أن ترسل كل لوائحه إليها ، ويُحدد موعد يعلن عنه في الصحف ويدعى إليه كبار الموظفين ، وتكدس اللوائح كلها في فناء ، ويصب عليها البنزين ، ويخطب الوزراء خطب رنانة تقابل بالتصفيق ، ويكون موضوعها : توديع عهد استعباد اللوائح ، واستقبال عهد الحرية والعقل والعدالة وإنجاز الأعمال ! ثم يتقدم وزير المالية ويشعل الكبريت في اللوائح ، فتنبعث منها نار جميلة حارة كحرارة أنفاس المكروبين ، ثم يهنئ بعضهم بعضاً بعهد لا بطء فيه ولا تعقيد ، تسير أمور الناس فيه سير البرق ، ولا يقف أمام الإصلاح شئ ، فتقطع الأمة في سنة ما كانت تقطعه في مائة سنة.
وإليك بعض الأمثلة :
1 : أصيبت أسرة – بسبب تطبيق اللوائح – بكارثة ، لأن عائلها وُقف عن عمله , ووقف راتبه , وظل موقوفاً شهراً بعد شهر ، لا يحاكم فتظهر جريمته أو براءته , ولا يصرف راتب لعائلته , فلما ضاقت بالأسرة الحال _ إذ لا مورد لها من الرزق غير الراتب الموقوف _ حدثت كارثة كان من ضحاياها أرواح بريئة!
2 : هناك كتاب قيم طبعت منه أحدى الوزارات خمسة آلاف نسخة ثم وضعتها في المستودع ولم ينتفع به أحد ، وظلت كذلك مدة من الزمن وقد كلفت كل نسخة منه مبلغاً من المال؟!!! فاقتُرح توزيعها أو عرضها على المكتتبات بمبلغ مخفض. فاعترض بأن اللوائح لا تجيز والمكتبات لا تقبل .. وليضع ثمن الكتاب – الفكري والمادي- احتراماً للوائح. فإذا أراد أحد نسخة من هذا الكتاب ، فهناك الطامة الكبرى لأنه يجب عليه أن يقبّل الأرض ويتقدم ، ويقبّل الأرض ويتأخر ، ويملأ استمارة ويضيع يوماً أو يومين في سبيل الحصول على نسخة من الكتاب حسب اللوائح.
كم من هذه المآسي تصادفنا في حياتنا ، قد ملأت حديث كل مجلس وصكت كل سمع؟
لقد وضعنا أنفسنا موضع الطفل وصيه اللوائح , ووضعنا الوزارات موضع الرجل السفيه تشرف عليه اللوائح .. وبذلك مات كل مشروع للإصلاح .. وتجمدت كل حركة.
ألسنا في حاجة إلى وزراء يحرقون لنا اللوائح؟!!