قرأت قوله تعالى: ( أفكلما جاءكم رسول بما لاتهوى أنفسكم استكبرتم , ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ) سورة البقرة 87 .وقرأت حديث ورقة بن نوفل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ حدثه الرسول بما أنزل عليه من وحي , فقال له ورقة : " ليتني حيا إذ يخرجك قومك " , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو مخرجي هم ؟ " . قال : " نعم , لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى " .
وقرأت كثيراً عن سير المصلحين المجددين , فرأيت أكثرهم _ في اضطهاد الناس لهم _ سواء , ورأيت تاريخهم يكاد يتشابه . دعوة حارة إلى الإصلاح , يتبعها تألب العامة عليهم . واضطهاد الرأي العام لهم , والتنكيل بهم ,ثم انتصار الأفكار الجديدة التي أتى بها المصلح , بعد أن يكون قد انهارت قواه , أو أنتقل إلى رحمة الله .
لماذا كل هذا ؟ ولماذا يتشابه التاريخ حتى كأنه قانون طبيعي؟ ولماذا يتكرر هذا المنظر في كل مكان حل به الإنسان ؟
السبب في هذه الأفكار الجديدة التي تأتي وقد إلتأمت أفكار الناس على نمط خاص , وتجمعت وشد بعضها بعضا وتماسكت حلقاتها .
وتأتي فتكون غريبة عن هذه الأفكار المألوفة فلا تجد مكاناً بينها , ولاتجد نفسها منسجمة مع الأفكار الموجودة , ويشعر الناس أن هذه الأفكار الجديدة نابية عن أفكارهم , غير منسجمة مع النظام الذي استقر في أذهانهم , فيكرهونها , ويقفون في سبيلها , وكلما كانت الفكرة الجديدة أبعد عن المألوف كانوا لها أكثر كراهية ومقتاً وأشد تحمساً لمناهضتها وطردها والقضاء عليها .
إن أفكار كل إنسان تبنى بنياناً مما رآه وسمعه وقرأه وصادقه في حياته , وهي مع تكونها في أزمان مختلفة تكون وحدة منسجمة , ولا تقبل أن يزيد عليها إلا ما لاءمها وانسجم معها . فإذا رأت فكرة جديدة لاتلتئم مع هذا النظام المحبوك , ولا تستطيع أن تكون حلقة في شبكة العقلية المنسوجة طوردت وأقصيت , ثم إن هذا النسيج من الأفكار يشعر أن الفكرة الجديدة الغريبة عنه أتت ودخلت فيه وأفسدت نظامه وأقلقت راحته فهو يصدها ويقف في سبيلها ولا يسمح لها بالدخول ؛ كطائفة من الدجاج مؤتلفة منسجمة نشأت في يوم واحد ثم دخلت عليها دجاجة جديدة لم تنشأ في بيئتها ولم تعتد عاداتها , فهي تطارد وتبعد عن الحبّ وتنقر وتعذب .
ثم إن المخ يشعر أنه إن قبل هذه الفكرة اقتضته تعديلا في نظامه , وتجديداً في أوضاعه . وتغييراً في نسيجه ومجهوداً كبيراً في إعادة ترتيب القديم والمألوف , وهذه عملية شاقة لايرتضيها العقل في سهولة ويسر , ولا سيما أنه يشعر أن الفكرة الجديدة ستكلفه إعادة تقويم الأشياء ووزنها وزناً جديداً , وهو قد استنام إلى ماحدث وألف ما كان .
ومخ الإنسان _ وهو مركز عقله _ مادته التي يتكون منها رخوة هينة لينة , لم تتصلب تصلب الأعضاء الأخرى كاليد والرجل ونحوهما ومن أجل هذا كان المخ أشد الأعضاء حساسية بالتعب وكراهية لمداومة العمل , وليس من الناس إلا القليل القادر على إعمال العقل وتحريك المخ زمناً طويلاً , والفكرة الجديدة تكلف المخ عناء شديداً في قبولها , لما يترتب عليها من أعمال كثيرة , ولذلك هو يرفض كل هذا العناء فيرفض الفكرة ويستريح , ولذلك كان أكثر الناس يخافون التفكير لأنه مؤلم لهم , فما يبدأ فيه حتى يشعر بانقباض في صدره , وصداع في رأسه , وما أقل من يجد في التفكير لذته.
ومن أجل هذا كان دعاة التجديد والأصلاح في كل أمة وفي كل عصر نادرين جداً , وندرتهم لم تأت من ندرة الذكاء , وأنما أتت _ في الأغلب _ من ندرة احتمال العقل الصبر على البحث وراء الحق , وندرة الشجاعة في اعتقاد الحق والجهر به ؛ فالناس _ إلا في القليل النادر _ يألفون الحياة كما هي لا كما ينبغي أن تكون , وهم بين من لا يجد زمناً إلا لتحصيل قوته , ومن يجد الفراغ ولكن لايستطيع عقله الصبر على البحث الحر, أو يجد كل ذلك ويستطيعه , ولكن لا يستطيع الجهر به لما يتوقع من متاعب وآلام : مساس بسمعته , وقدح في ذمته , وتهكم على عقله , وتجريح لخلقه , ونيل من دينه.
والتاريخ يجري على نمط واحد منذ تكونت البشرية إلى اليوم , يلمع فيها أفراد قلائل في كل عصر , يخرجون على ما ألف الناس وما اعتادوه في أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم ؛ فيتألب عليهم الناس , لكسلهم العقلي , ولأن الدعوة الجديدة تقلق راحتهم وتدعوهم إلى قلب نظامهم العقلي والعاطفي , كالذي يدعو كسلان أن يغير نظامه في بيته أو نظام معيشته ؛ وبدلاً من أن يوجه غضبه إلى نفسه لكسلها أو جمودها , يحول غضبه على من سبب له هذا القلق ؛ ثم لايقتصر على محاربته بالأساليب الشريفة , بل يحاربه بكل سلاح ولا يتورع عن أن يختلق عليه ويتهمه بما يستطيع من إتهام , ويرى أن كل وسيلة تقضي إلى قتل هذه الفكرة الجديدة جائزة ومشروعة ؛ فإذا وصل إلى هذا الغرض بإعدام الفكرة أو إعدام قائلها اطمأن واستراح . لأنها تتفق مع طبيعته في الكسل , واستنامته إلى ما ألف.
وقد اعتدنا أن نجد مسألتين تتصلان بهذه الظاهرة التاريخية :
- ( الأولى ) أن أكثر من يناصر الفكرة الجديدة يكونون عادة من الشباب , أو من ينتفع بها من الطبقات والأفراد ؛ وتعليل ذلك واضح , فالشباب لم تتجمد بعد شبكة أفكارهم , ولا يزال فيها مرونة تصلح لأن تقبل شيئاً جديداً , كما تصلح للتشكيل الجديد , ولأن عواطفهم الحارة ترحب بالشئ الجديد الذي يتطلب منهم عملاً وقوة ونزالاً. وأما من ينتفعون بالفكرة فأمرهم واضح , فقد ارتبطت الفكرة بمصالحهم , فهم يؤيدونها لما وراءها من مغنم.
- ( والثانية ) أننا نرى _ في الغالب _ تأييد السلطات للفكرة القديمة ومناهضتهم للفكرة الجديدة , سواء كانت الفكرة الجديدة تمسهم مباشرة أو لاتمسهم , وسبب ذلك أن السلطات في الغالب تتطلب السلامة أكثر من مما تتطلب التقدم , والرأي العام والسواد الأعظم من الناس من يناصر الأفكار القديمة لما أسلفنا , فالسلطات يهمها _ محافظة على السلامة والطمأنينة والهدوء _ أن تغضب على من يُغضب الرأي العام ويقلق راحته , لأن في راحة الجمهور راحة السلطات , ولأن السلطات كالأفراد أحب شئ إليها راحتها من التفكير ومن وجع الدماغ , والفكرة تحمل في ثناياها حرباً وحركة واضطراباً وأنقساماً , وذلك يتطلب مجهوداً من السلطات كانت في غنى عنه , فهي إيضاً تغضب على من سبب لها هذا القلق والاضطراب ودعاها إلى التفكير ورسم الخطط .
لهذا كانت عظمة المصلحين في تحملهم هذه الصعاب كلها أكثر من عظمتهم في العثور على الحق , لأن عثورهم على الحق في هدوء بينهم وبين أنفسهم , أما تحقيق هذا الحق فلا يتم إلا بكل المصاعب التي ألممنا بها.
ومع هذا فإنا نرى أن الأفكار الجديدة الصالحة تبقى على الرغم مما لاقت من صعاب وعلى الرغم من موت دعاتها , بل إن موت دعاتها يخفف من غضب المعاندين للفكرة , لأن السواد الأعظم من الناس لا يستطيع الغضب على المعاني مالم تجسم في شخص ؛ فإذا مات هذا الشخص الحسي فترت قوة المعارضة للمعاني .
إن طبيعة الإنسان هكذا دائماً ، يجري الناس شواطاً ، فيلهم القادة فكرة أو أفكاراً ، فيعارضها أعدائها ، ثم يموت الدعاة والمدعوون ، ويموت النزاع وتسود الفكرة الصالحة.
ولو وقف الأمر عند هذا الحد لكان طبيعياً , ولكن الناس بجهلهم يخلقون تجمعات وأحزاب غير طبيعية تدعو إلى النزاع غير الطبيعي , فيقيمون مدارس تعلم أنماط مختلفة تخلق عقليات مختلفة , ونظم تخلق مطامع مختلفة و تكون طبقات متعادية , إلى أمثال ذلك , فيكثر العداء بين الأفكار ويضيع جهد المصلحين في التقريب بين العقليات.
إن الأمة العاقلة هي التي يدرك مصلحوها هذه الحقائق وتقضي على عوامل هذه الاختلافات ولا يبقى لديها حرب في الآراء إلا مايقضي به ويتفق وتقدم الزمان من أمور دنيانا.